الرئيس السنيورة: رئيس الجمهورية بكونه لايزال يتمسك بتفسيرات وممارسات تعتبر خرقا للدستور اللبناني وبالتالي هو عملياً يُصرّ على أن يكون هو من يؤلف الحكومة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت قناة النيل حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة فيؤما يلي نصه:

س: أولاً دولة الرئيس كيف تُقَيِّم الجهود المبذولة حاليا لتشكيل حكومة لبنانية جديدة برئاسة نجيب ميقاتي؟

ج: بدايةً، يجب أن نعترف بأن هذه مشكلة كبيرة، وتفاقمها في المحصلة صعوبتان أساسيتان، وهما تكادان تقتربان من الاستحالة: أولهما هو الموقف الذي يتخذه رئيس الجمهورية بكونه لايزال يتمسك بتفسيرات وممارسات تعتبر خرقا للدستور اللبناني، وبالتالي هو عملياً يُصرّ على أن يكون هو من يؤلف الحكومة. وهو لا ينكر من أنّه يريد أن تتألف الحكومة على هواه كي تنفذ له ما يريده في المرحلة القادمة. إذ أنّ الامر الذي يشغل بال فخامة الرئيس حالياً ليس إنقاذ لبنان بقدر ما يريد بأن يحتفظ لصهره بإمكانية أن يصبح رئيساً من بعده في رئاسة الجمهورية. وهذا لا يأتلف مع طبيعة الدستور اللبناني الذي هو نظام ديمقراطي برلماني وليس نظاما رئاسيا أو توريثيا.

هذا الامر هو جزء من المشكلة. ولكن المشكلة الأخرى ترتبط بتلطي حزب الله وراء رئيس الجمهورية الذي هو حريص على أن يستمر في الاحتفاظ بقدرته على الإمساك بالورقة اللبنانية، وتسهيل وتيسير استعمالها من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عملية تعزيز قدرتها التفاوضية مع الولايات المتحدة الاميركية في مفاوضاتها في فيينا.

هاتان هما المشكلتان الاساسيتان اللتان تعترضان عملية تأليف الحكومة العتيدة. وهذان هما المشكلتان اللتان استعصيا على من سبق الرئيس ميقاتي في عملية تأليف الحكومة.

فلقد جرت محاولة قبل تكليف الرئيس ميقاتي المحاولة الأولى التي حصلت في نهاية العام الماضي عندما كلف مصطفى اديب وجوبه بهذا الاستعصاء. وكذلك من بعده في الاستعصاء الذي جوبهت به المحاولة الثانية التي بذلها الرئيس سعد الحريري، وهو مما اضطره الى الاعتذار.

هذه الممارسات هي مخالفة لأحكام الدستور، ومخالفة أيضاً لجوهر المبادرة الفرنسية التي انطلقت بأن هناك حاجة لدى لبنان من اجل الدخول في مسار استعادة الثقة بالحكومة الجديدة من قبل اللبنانيين، وكذلك استعادة الثقة بلبنان أيضاً لدى المجتمعين العربي والدولي، وهذا أمر ضروري. كذلك لأنّه لا يمكن للبنان خوض غمار الإصلاحات المطلوبة طالما استمرّ الاستعصاء على القيام بها وعلى مدى فترة طويلة. وهذا الاستعصاء هو ما أدى الى تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان منذ بداية العام 2011 الى أن تراكمت وتفاقمت الأمور على النحو الذي نراه، وهذا ما تدل عليه كل المؤشرات الاقتصادية والمالية والنقدية ابتداءً من العام 2011 وحتى الآن، وهي الأوضاع التي فاقمتها جائحة الكورونا، وبعدها أيضاً بسبب تفجير مرفأ بيروت.

لقد جاءت مبادرة الرئيس الفرنسي في العام 2020، وخلال الفصل الرابع من العام 2020، وهي كانت مبنية على قاعدة أن تتألف الحكومة العتيدة من اختصاصيين مستقلين غير حزبيين ليتمكنوا من تكوين حكومة منسجمة ومتضامنة، وتكون قادرة على ان تتولى القيام بالإصلاحات، وعلى استعادة الثقة. هذه هي المشكلة الحقيقية التي اعترضت مصطفى أديب والرئيس سعد الحريري. وها هو الرئيس ميقاتي يحاول ويستمر في المحاولة على امل ان يصار الى ان تتغير هذه الذهنية لدى الرئيس عون، والتي عصفت بالمحاولتين الماضيتين ولم تؤد لنتيجة.

س: هل تتوقع ان يكون السيد ميقاتي أن يسير على ذات المنوال الذي سار عليه مصطفى اديب والرئيس الحريري ومن ثم يعتذر عن تأليف الحكومة إذا لم تتغير مواقف ميشال عون خلال مشاورات تشكيل الحكومة الحالية؟

ج: لا شكّ أنّ هذا ما يتمناه اللبنانيون وما ينبغي ان يحدث، ولكن لا شيء ينبئ بأنّ هناك تغيراً قد حصل لدى الرئيس عون.

س: هل تتمنى ان يحدث الاعتذار عن التشكيل؟

ج: كلا. أنا والكثرة الكاثرة من اللبنانيين يتمنون أن تتشكل الحكومة اليوم قبل الغد. ولكن هذه التجارب التي مررنا بها وبسبب استمرار العناد والاستعصاء، وعدم تسهيل تأليف الحكومة، ترانا متوجسين من هذه الممارسات. الرئيس ميقاتي اليوم سيزور رئيس الجمهورية وبالتالي على أمل أن نرى إذا كان هناك من تغيير. انا اتخوف حقيقة من ان لا يتمكن الرئيس ميقاتي من ذلك، وأن تستمر المراوغة. وها هي المشكلة مستمرة والتي لطالما تحدثنا فيها ونبهنا إليها، وهي أنّ الاستعصاء والممانعة وعدم التبصر في هذا الامر يفاقم المشكلات التي يعاني منها لبنان.

المسألة ليست لعبة شطرنج على طاولة كل واحد يتصرف كما يريد ويحرك حجارته كما يريد. المسألة أكثر تعقيداً وخطورة. إذ أنّ هناك فعلياً أناس يتعرضون للمجاعة في لبنان. فلبنان يمر في حالة معيشية صعبة للغاية جاءت بعد الانهيارات التي شهدها لبنان على أكثر من صعيد، والتي تلتها المصائب الكبرى التي نتجت بسبب التفجير المريب لمرفأ بيروت، وقبلها بسبب استمرار جائحة الكورونا.

هناك انهيار كامل للأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية في لبنان، والتي فاقمها فقدان الثقة، وبالتالي نرى ان هناك من يحاول حرف الانتباه، ويحاول أخذ اللبنانيين إلى التصرف بشكلٍ غير صحيح، وذلك بمحاولة التفتيش عن حلول غير صحيحة للمشكلات التي يعاني منها لبنان وفي المكان الخطأ. فالمكان الصحيح لتلك الحلول المنشودة هو في العودة الى التأكيد على استعادة الدولة المخطوفة من خاطفيها.

هناك من يخطف الدولة اللبنانية ويمنع عليها اتخاذها لقرارها الحر وهناك من يحاول ان يخرق الدستور اللبناني وكلها عوامل تؤدي الى انهيار كبير في مستويات الثقة وفي الأوضاع النقدية والمعيشية بحيث ان أكثر الشعب اللبناني أصبح تحت خط الفقر.

هذه قضية تتطلب من هؤلاء المسؤولين ان يتصرفوا بحكمة وتبصر، لاسيما وأنّ رئيس الجمهورية الذي استنفد أكثر من ثلاثة أرباع مدته الدستورية لا يتصرف بالقدر المطلوب من المسؤولية التي تفرضها عليه الأوضاع السيئة في لبنان. لو كان هناك من تبصر حقيقي لدى فخامة الرئيس، لبادر إلى أن يتخذ موقفاً يُظْهِرَ فيه ان عهده قد حقق شيئا. المشكلة هنا أنّ الرئيس لم يعد يهتم حتى في هذا الامر لأنه لم يستطع ان يحقق شيئا خلال الفترة الماضية من عهده، والتي تعادل ثلاثة أرباع مدة ولايته الدستورية وهذه مصيبة. وكل ما نتمناه أن يدرك الرئيس- ولو متأخراً- أهمية المبادرة الى اعتماد الحلول الصحيحة وان يذهب الى المكان الصحيح لإيجاد تلك الحلول.

س: ربما يتساءل البعض خصوصا ممن هو خارج لبنان ويتساءل على ضوء تهديدات وربما لقرارات وتصريحات تصدر عن الرئيس الفرنسي وعن دول أوروبية وغربية ودول في المنطقة تؤكد وتهدد بضرورة معاقبة أي شخص يعرقل عملية تشكيل الحكومة. ثم يطرح التساؤل عن ما الذي يجعل ميشال عون متمترساً وقوياً وصلباً ولا يستجيب أو يتأثر بكلا هذه التصريحات والتهديدات التي تخرج من هنا وهناك؟

ج: كما ذكرت، انّ الأمر الطاغي في تفكير الرئيس عون الآن هو في كيفية استنقاذ صهره الذي أوقعت وفرضت عليه الإدارة الأميركية العقوبات بسبب اتهامه بالفساد. وهذا الامر هو الهمّ الأكبر الذي أصبح لديه وأصبح يعاني منه اللبنانيون. المشكلة أنّ مشكلة اللبنانيين وأوضاعهم قد أصبحت في كفّة، وصهره العزيز في كفة أخرى. وللأسف تبدو كفة صهره هي الراجحة.

س: صهره العزيز كما تذكر انه قد أعلن منذ أيام انه لا يعبأ بعملية حصول تياره او كتلته على الثلث المعطل. قال لا يريد ان يكون موجودا في هذه الحكومة ومن ثم اين العقبة إذا ما كان يبدي بهذه التصريحات من هنا وهناك وتسرب الى الصحافة والاعلان من حين الى آخر؟

ج: يقول المثل المشهور: "اسمع كلامك يعجبني اشوف افعالك استغرب". الحقيقة ان ما جرى هو أن رئيس الجمهورية يطالب ان يكون له أكثر من ثلث أعضاء الحكومة وهذا الامر هو مخالف للدستور.

المفارقة المستهجنة في هذا الأمر، أنّ الرئيس عون كان يعارض في الماضي حتى ان يكون للرئيس سليمان عندما انتخب في العام 2008 أن يكون له وزيراً واحد في الحكومة. كان يقول ان ليس من حق رئيس الجمهورية ان يكون له وزير واحد وهذا صحيح. لكن عندما أصبح عون هو رئيس الجمهورية، انقلبت الموازين لديه وأصبح يطالب بأكثر من ثلث أعضاء الحكومة لنفسه. والمفارقة هنا، ان جبران باسيل يقول انني لا اريد ان أسمي رئيساً مكلفاً، ولا اريد ان يكون لي أعضاء، ولا أريد ان اعطي الثقة.

ما يجري الآن ان عون وصهره هما في مركب واحد، وبالتالي هما يحصلان على ما يريدانه، ودون أن يتحملا المسؤولية. وبالتالي يستطيع عون ان يسقط الحكومة عندما يريد إذا لم تتقيد برغباته ومطالبه، ونحن لدينا تجربة واقعية لذلك كما جرى في العام 2011 عندما عمد جبران باسيل وميشال عون إلى اسقاط حكومة سعد الحريري. وهذه كانت سابقة في تاريخ الجمهورية اللبنانية. الحقيقة المريرة، أنّ عون يقول شيئاً من جانب ولكنه يمارس العكس من جانب آخر.

س: هل العائق حتى الآن هو في الثلث المعطل ام ان هناك حقائب معينة يريد ان يسميها رئيس الجمهورية كحقيبة الداخلية كما سرب؟

ج: تمام هذه واحدها هو يريد ان يحكم لبنان عن طريق مخلبين. المخلب الأول عن طريق وزارة الداخلية والمخلب الثاني عن طريق وزارة العدل، ولاسيما في ظروف إجراء الانتخابات القادمة. فبالتالي كل همه ان يحتفظ بهاتين الحقيبتين، وأن يمارس من خلالهما ما يؤدي إلى التأثير على طبيعة ونتائج الانتخاب التي يمكن أن تحصل في العام 2022 لانتخابات رئاسة الجمهورية وقبلها للمجلس النيابي.

س: هل يريد ان يضيق الخناق بما يخص موضوع بدء التحقيقيات او موضوع بناء بيروت في العام الماضي؟

ج: لنكون واضحين، رئيس الجمهورية وبحسب ما أكدته "هيومن رايتس ووتش" قبل يومين بأن رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب علما بوجود هذه المواد. لكن الفرق يتعلق بما يعرف الرئيس عون ويمكن أن لا يدركه حسان دياب بكونه شخص مدني وغير عسكري، مما يعرفه ويدركه الرئيس ميشال عون كعسكري هو كبير جداً. لأنّ حسان دياب شخص مدني ولكن كان بإمكانه أن يسأل مساعديه عن طبيعة وخطورة هذه المواد. هل بلغه ذلك أو هل علم أنها يمكن ان تكون مواد قابلة للتفجير. فهو ربما لا يعلم ما هي طبيعة المواد المتفجرة، وعندما سأل ربما جاء من يخبره بأن هذه المواد ليست سوى سماد كيماوي. بينما الرئيس عون يعلم تمام العلم، وكقائد سابق للجيش خطورة هذه الكميات من المواد القابلة للتفجير.

والرئيس عون يعلم تمام العلم بأنه- وحسب القانون اللبناني- يحظر على أي أحد في لبنان استيراد ولو كيلوغرام واحد من هذه المواد ما لم يحصل على موافقة مسبقة من مجلس الوزراء، وكذلك من القيادات العسكرية والأمنية والجمركية الموجودة في المرفأ. وبالتالي، أرى أنّه وكرئيس للجمهورية قد قصَّر في تأدية مهامه الوظيفية. هو يقول انه لا يوجد لديه صلاحيات كما يقول ولكن لديه بالفعل صلاحيات أن يدعو إلى انعقاد جلسة لمجلس الوزراء. وعنده صلاحية في ان يدعو لعقد جلسة لمجلس الدفاع الأعلى. وكل هذه الأمور هو فعلياً لم يطبقها. وهو مؤخراً وافق الى ان يتم الاستماع اليه حسب الدستور من قبل القاضي، وهذا الامر كان ينبغي أن يبادر إليه القاضي ويعمد إلى زيارة فخامة الرئيس والاستماع لشهادته، وهذا ما لم يحصل إلى الآن.

يجب ان نعود الى الأساسيات، وهي أنه وفي جريمة كبيرة من هذا النوع، والتي تعتبر جريمة العصر، ولاسيما بما أدت اليه من خسائر بشرية وإنسانية وانهيارات اقتصادية لم يسبق لأي بلد في العالم ان تعرض لها. هذا الامر يتطلب بنظري أن تُرفَعَ جميع الحصانات عن جميع من أسهم او تسبب او تغاضى او لم يقم بدوره في تجنب حصول هذا التفجير. يجب أن لا تكون هناك حصانة على أحد، هذه جريمة أدت الى وفاة 218 ضحية والى عشرات المواطنين اللبنانيين الذين أصيبوا بعاهات دائمة وعشرات الألوف من اللبنانيون الذين تعرضت منازلهم وأعمالهم وأموالهم إلى التخريب والتدمير. هذا بالإضافة الى التأثيرات السلبية على المواطن اللبناني وعلى الاقتصاد اللبناني.

كل هذا، لا يجوز أن يصار إلى التعامل معه بخفّة وكأنه تقصير في إهمال وظيفي، لأنّ المشكلة هي أكثر من ذلك بكثير. وبالتالي هناك ضرورة للعودة إلى معرفة كيف دخلت هذه الكميات إلى مرفأ بيروت؟ ومن أتى بها؟ ومن تسبب بإنزالها وخزّنها في عنابر المرفأ؟ ومن المسؤول عن بقائها؟ وكيف جرى سحب 80% من هذه الكميات بدون معرفة أحد، وإلى أين ذهبت، وإلى أي دولة ذهبت؟ ومن هو الحزب الذي يتولى الاشراف عليها، ومن يمثل تلك اليد الخفية والسرية التي تضع يدها على الأمور بحيث ان كل موظف من الموظفين وكل ضابط من الضباط المسؤولين كتب واحال رسائل من هنا وهناك ولكن كل هذه الرسائل والاحالات لم تصل الى الغرض المنشود، وهو ما كان يجب وبالنهاية إلى إتلاف تلك الكميات قبل ان يصار الى تفجيرها.

من فجر تلك الكميات الباقية؟ هذه هي الأسئلة الأساسية. وبالتالي، فإنّ الاقتصار على موضوع الإهمال الوظيفي غير مقبول كما انه من غير المقبول ان يصار الى النظر في هذا الامر بهذه الطريقة. يجب أن ينظر الى هذا الامر بكلياته، وهذا ما ذكره وأكّد عليه غبطة البطريرك البارحة في القداس الاحتفالي الذي جرى البارحة وقال كلمته بأن هذا امر غير مقبول ما يجري في لبنان الآن.

تاريخ الخبر: 
07/07/2021