الرئيس السنيورة للعربية: هناك من يحاول القول أنّ هناك إهمالاً وظيفياً لحرف الانتباه عن حقيقة المشكلة

اجرت قناة العربية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة حول اخر التطورات في ما يلي نصه:
س: نرحب بضيفنا في بيروت رئيس الوزراء اللبناني الأسبق السيد فؤاد السنيورة. دولة الرئيس مرحبا بكم معنا في العربية الليلة على شاشة العربية. الذكرى السنوية الأولى لتفجير مرفأ بيروت. المطالب كلّها تدور حول تحقيق العدالة فلماذا كنتم في صف الرافضين لرفع الحصانات وساهمتم بإطالة الوصول للحقيقة؟
ج: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. هذا غير صحيح ونحن لا نسهم بإطالة التوصل إلى الحقيقة. بل على النقيض من ذلك، فإننا كرؤساء حكومة سابقون نريد العدالة، ولكن نريد العدالة الكاملة وليست العدالة المجتزأة أو المؤجلة.
هذه هي السنوية الأولى على مرور هذه الجريمة الكبرى والفاجعة غير المسبوقة التي نتجت عن تفجير مرفأ بيروت، والتي ذهب ضحيتها عدداً كبيراً من الضحايا الأبرياء، وتعرّض بسببها أيضاً عدداً كبيراً من المعوَّقين والجرحى. هذا بالإضافة إلى الدمار الكبير الذي حصل، والخسائر الكبرى التي مُني بها اللبنانيون والاقتصاد اللبناني.
والواقع أننا كرؤساء حكومة سابقون، ومنذ اليوم الثاني لوقوع هذا التفجير، بادرنا إلى المطالبة بالاستعانة بلجنة تقصي حقائق دولية، وبالتالي إلى تأليف لجنة تحقيق دولية من أجل كشف جميع ملابسات هذه الجريمة الكبرى.
تجدر الإشارة إلى أنّ لبنان وعلى مدى خمسين سنة وأكثر، قد تعرّض لعدد من الجرائم والاغتيالات التي ارتكبت ضد السياسيين ورجال الدين والصحافة ورجال الفكر وغيرهم ممن جرى اغتيالهم، وبالتالي سقطوا ضحية الدفاع عن الحريات العامة التي كانوا يطالبون بالحفاظ عليها وعلى تعزيزها في لبنان. المؤسف أنّ كل التحقيقات التي جرت لكشف أولئك المجرمين لم تؤد إلى أي نتيجة باستثناء ما جرى بالنسبة للرئيس الحريري بسبب إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وكان من آخر هذه الجرائم ذلك الاغتيال الذي ذهب ضحيته المفكر لقمان سليم.
الحقيقة أنّ هناك مشكلة خطيرة ومتمادية في لبنان، والتي يتقصد المجرمون بعد كل جريمة حرف الانتباه لدى اللبنانيين عن تلك الجرائم وعن أسبابها الحقيقية. وقصدهم بالتالي التعمية عليها ولتذهب طي النسيان، وهم يقصدون من ذلك إزاحة أولئك الأشخاص عبر تصفيتهم جسدياً وترهيب الآخرين.
أما ما نشهده اليوم بما يتعلّق بجريمة المرفأ، فإنّ هناك من يحاول القول أنّ هناك إهمالاً وظيفياً لحرف الانتباه عن حقيقة المشكلة. صحيح أنّ هناك إهمالاً وظيفياً، ولكن هدف أولئك هو محاولة التعمية على من أتى بتلك الكميات إلى مرفأ بيروت. لذلك فإنّ المشكلة في جوهر حقيقتها هي أكبر بكثير من الإهمال الوظيفي. وهو- وكما شدد عليه اليوم غبطة البطريرك وكنا نردده قبل ذلك بوقت طويل- أنّ المشكلة الحقيقية والكبرى تكمن في من أتى بتلك الشحنة من المواد المتفجرة، ومن سمح بإنزالها في مرفأ بيروت ومن حرص على ابقائها هناك بدعوى أسباب واهية. ومن هي تلك اليد السحرية والخفية التي كانت تراقب كل العمليات الإدارية التي تتم بالمرفأ بشأن تلك المواد المتفجرة من إحالات ورسائل وتفسيرات وحجوزات قضائية من هنا أو من هناك. بحيث تكون النتيجة- وفي المحصلة- وهو المقصود أن تستمر هذه المواد موجودة هناك في المرفأ. والأنكى من ذلك، أنه كان هناك من يسحب منها كميات لاستعمالها لأغراض مشبوهة في دول ثانية أو لدى منظمات، وهو مما أدى في المحصلة أيضاً إلى تضييع الصورة الحقيقية عن هذه القضية الخطيرة لدى اللبنانيين، وبالتالي كانت تجري محاولات لتغييب أصل المشكلة وإلهاء اللبنانيين بمشكلات جانبية والإمعان في خلق أسباب واهية لبث الخلاف والفرقة بين اللبنانيين حول هذه المسألة، بحيث تضيع حقيقة هذه القضية الشائكة بين سنابك الخيل كما يقولون.
س: دولة الرئيس هل تعتبرون اليوم ان استدعاءات القاضي بيطار في ملف التحقيق في مرفأ انفجار بيروت مسيسة؟
ج: لنكون شديدي الوضوح. نحن نرفض رفضاً باتاً، ومن حيث المبدأ، أن تكون هناك حصانة لأي انسان في لبنان، فيما خصّ ارتكاب هذه الجريمة أو مثيلاتها من الجرائم. إذ لا يجوز أن تكون هناك حصانة لمرتكب، فكيف إذا كان الحال بهذه الجريمة. نحن نرفض ان يكون هناك خيمة تغطي أي شخص يُعتقدُ أنّه أهمل او اشترك او دفع في اتجاه ارتكاب هذه الجريمة. ونحن كنا نقول- ولا زلنا نقول- بداية وكما أكدته منظمة "هيومن رايتس واتش" البارحة، بأنّ رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللبنانية عرفا بوجود هذه الكميات من المتفجرات بوقت معقول بين الشهر والأسبوعين، وبالتالي لم يمارسا أبسط الشروط في ممارسة المسؤولية والتصرف بتحسّب ومهنية ومسؤولية، وتمليه عليه المسؤولية الأخلاقية والحكومية الذي يفترض بهما التصرف مجرد علمهما بوجودها. إذ أنه كان يمكن لهما أن يتخذا القرار اللازم كل من جانبه، ولاسيما باعتقادي أنّ هناك مسؤولية تقع على فخامة الرئيس الذي هو عسكري وقائد جيش سابق ويعلم ما هي طبيعة هذه المواد المتفجرة وخطورتها، وهو يعلم انه وحسب القوانين اللبنانية السارية والمعمول به في لبنان، فإنه ممنوع ادخال كيلوغرام واحد من هذه المواد إلى لبنان من دون موافقة مسبقة من مجلس الوزراء، والتي تكون هذه الموافقة مبنية على/ وبعد استطلاع رأي الأجهزة الموجودة في المرفأ (الجيش، والامن العام، وامن الدولة، والجمارك)، وكل هذه الأجهزة كانت على معرفة بوجود هذه الكميات، وكان ينبغي أن تعطي موافقتها المسبقة على استيراد حتى كيلوغرام واحد، أو حتى إنزاله على البر اللبناني. فكيف بكمية تقدر بـ2755 طن؟!
نحن ضد أي حصانة، أكانت حصانة للمسؤولين الحكوميين، أم بالنسبة للموظفين، ام بالنسبة للأجهزة أم بالنسبة للقضاة. وبالتالي، وحتى لا تتوزع المسؤولية، فقد كان هناك مطالب واضحة لدينا ولا نزال متمسكين به، وهو أن يصار الى رفع جميع الحصانات حتى لا يحاول البعض التعمية أو أن يحرف الانتباه عن حقيقة ما جرى.
هناك مشكلتين الآن متزامنتين مع بعضهما بعضاً:
الأولى: تتعلق بوجود هذه الكميات التي أدت الى هذا التفجير.
والثانية: دور تلك السلطة القابضة على الوضع اللبناني بشكلٍ عام- والمتمثلة بحزب الله- وهو الذي لا زال يستثمر بأوجاع اللبنانيين من أجل توظيف ذلك في زيادة القدرة التفاوضية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في المفاوضات الجارية في فيينا، وبالتالي هناك أسئلة كبيرة: ما هو الدور الذي كان للحزب في استيراد تلك الكميات؟ وما كان عليه دوره بالفعل بعد أن جرى خزنها في عنابر المرفأ؟ هذان السؤالان أساسيان ويبقيان من دون إجابة. ولذلك، فإن هناك من يحاول أن يعتم عليهما.
س: اليوم نسمع من خلال المحللين ان كل الطبقة السياسية مسؤولة، هل سيأتي اليوم الذي نسمع فيه عن اشخاص بعينهم مسؤولين ومتهمين بالدرجة الأولى مما حصل في بيروت منذ عام؟
ج: بدون شك ان هذا الذي رأيناه وسمعناه اليوم من المتظاهرين المحتجين، وهم يعبرون عن حالة الغضب العارم الذي يساورهم ويدفعهم إلى تصرفات متشنجة. صحيح أنّه- وأحياناً- المظلوم يتصرف تصرفاً غير مقبول أو مرفوض، ولكن يجب ان نتفهمه، ويجب الحرص بالتالي أن لا تندس بعض العناصر المخربة في صفوف المتظاهرين والتي تحاول أن تحرف الانتباه عن حقيقة وجوهر المشكلات.
في موضوع آخر، فإنني أميل الى الظن ان الذي جرى اليوم على الحدود اللبنانية للأراضي المحتلة في شويا وإطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلة، مقصود منها إضافة المزيد من عوامل التشتيت ولحرف الانتباه عما يجري في لبنان. المطلوب ان يصار الى رفع الغطاء عن كل شخص كائناً من كان وابتداءً من فخامة الرئيس الى أصغر موظف في المرفأ أو في أي مكان وكان له دور أو تأثير في ما حصل. يجب ان لا تكون هناك أي حصانة، وبالتالي يجب أن يكون هناك جهدا مشتركاً من قبل الجميع، وبالتالي أن لا ننجر لنتسبب بافتعال حروب داخلية بين بعضنا بعضاً بما يؤدي الى حرف الانتباه عن المشكلة الأساس.
المشكلة ان هناك تفجيرا هائلا وخطيرا وقع في لبنان. وانّ هذه الكميات جرى استيرادها خصيصا الى لبنان من اجل توزيعها في المنطقة اكان ذلك في سوريا ام كان خارج سوريا. وان هذه اليد الخفية الموجودة في المرفأ كانت تحرص دائما على أن تُبقي هذه الكميات موجودة في عنابر مرفأ بيروت، وان هناك من كان يسمح بتسريبها عبر اخراج حوالي 80% من تلك الكميات، والتي استعملت لأغراض أخرى.
هذا التحقيق الذي تجريه الأجهزة اللبنانية والأجهزة القضائية يجب أن يتمتع بالكفاءة والتجرد، وبالتالي هناك ضرورة أن تُرفعْ اليد عن القضاء كلياً، حتى يتصرف القاضي بطريقة متجردة ومسؤولية وليس بطريقة شعبوية، بل يكون همّه الأساس كشف الحقيقة كاملة، وليس محاولة تحويلها إلى مسألة جانبية أو الظن كأنها فقط اهمال وظيفي. هناك بالفعل إهمال وظيفي، ولكن القضية الأساس هي في هذه الكميات لماذا أتت إلى لبنان، ومن تصرف بها ومن تسبب بهذه الجريمة.
