السنيورة: الظروف التي تمر بها المنطقة ستسهم في تحديد مسار الأحداث فيها

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
شارك في ملتقى عمان الاقتصادي الذي استقطب نحو 600 مشارك تقدمهم رئيس كتلة "المستقبل" وبلير

أعلن رئيس كتلة "المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة أن "الظروف التي تمر بها المنطقة لا شك ستسهم في تحديد مسار الأحداث فيها على مدى عقود عدة قادمة"، ولفت إلى أنه "من المفيد أن نجتمع سوياً على اختلاف مواقعنا في السلطة وخارجها من أصحاب الرأي والموارد والأفكار للتشاور ولاستكشاف معالم المرحلة القادمة والنظر في كيفية التصدي للتحديات التي تحملها، والإفادة من الفرص التي تختزنها".
كلام السنيورة جاء خلال انطلاق فاعليات ملتقى عمان الاقتصادي في دورته الثالثة في مسقط أمس، بتنظيم من مجموعة الاقتصاد والأعمال ووزارة التجارة والصناعة العمانية، وبرعاية السلطان قابوس ممثلاً بالأمير أسعد بن طارق آل سعيد وحضوره الى أكثر من 600 مشارك، تقدمهم رئيس الحكومة البريطانية السابق طوني بلير، والسنيورة، إلى جانب عدد كبير من الوزراء وكبار المسؤولين، وحشد من قيادات الأعمال، المؤسسات العمانية، الخليجية، العربية والأوروبية.


تحدث في الافتتاح كل من وزير التجارة والصناعة في عمان علي بن مسعود السنيدي ومدير عام مجموعة الاقتصاد والأعمال رؤوف أبو زكي. وفي ما يلي نص الكلمة التي القاها الرئيس السنيبورة في المنتدى :

السيد طوني بلير- رئيس الوزراء السابق للمملكة المتحدة،

أصحاب المعالي والسعادة،

السيدات والسادة،

أيها الأصدقاء،

 

يكتسب لقاؤنا اليوم في هذا المنتدى مع إخوان أعزاء من سلطنة عمان ومن دول مجلس التعاون الخليجي أهمية خاصة، فهو يأتي في ظل ظروف تاريخية تمر بها منطقتنا العربية، لا شكّ أنها ستسهم في تحديد مسار الأحداث فيها على مدى عقود عديدة قادمة، تماماً كما أسهمت التطورات التي شهدتها منطقتنا في الخمسينات من القرن الفائت وبالأخص في أعقاب النكبة التي حلت في فلسطين وتأثيرات ذلك كله على مسار الأحداث التاريخية على مدى عقود تلت. لهذا فإنه من المفيد أن نجتمع سوياً على اختلاف مواقعنا في السلطة وخارجها من أصحاب الرأي والموارد والأفكار للتشاور ولاستكشاف معالم المرحلة القادمة والنظر في كيفية التصدي للتحديات التي تحملها، والإفادة من الفرص التي تختزنها.

 

وقبل أن نغوص في النقاش والتحليل في مواضيع هذا المنتدى، لا بد لنا من الالتفات والتنويه بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والقانونية التي قامت بها سلطنة عُمان على صعيد تفعيل المشاركة وتقوية التمثيل ودعم المؤسسات وذلك من خلال ما قامت به فيما خصّ الانتخابات النيابية المنتظمة، وتقوية صلاحيات مجلس الشورى، ومجلس الدولة، وإحلال حكم القانون، وتعزيز المحاسبة والمراقبة، ومكافحة البطالة في صفوف الشباب، والاستثمار القوي في برامج التأهيل والتدريب. إنّ هذا الطريق الذي تسير فيه السلطنة هو طريق الحاضر المسؤول، والمستقبل الواعد إن شاء الله.

 

وفي سياق مسارات الإصلاح، لكم كنا نتمنى أن تعمل حكومات أخرى في عالمنا العربي كما بادرت إليه حكومة عُمان، لجهة التقدم على مسارات الإصلاح وهي المسارات التي علمتنا التجارب على وجوب المسارعة إلى سلوكها وانتهاز الفرصة عندما يكون ذلك ممكناً وقبل أن يصبح القيام بذلك إلزاماً بفعل التطورات الداهمة، وعندها تكون كلفة التغيير والتلاؤم أعلى والفعالية أقل.

 

طبعاً لقد ساهم في النجاح الاقتصادي الذي حققته سلطنة عمان وغيرها من بلدان الخليج العربي الوفورات المالية النفطية من جهة والإرادة الثابتة لتحقيق المزيدِ من التلاؤم الاقتصادي بين دولها والذي يجري تطويره وتعزيزه من خلال مؤسسات مجلس التعاون الخليجي. إنها ولا شكّ تجربة رائدة على صعيد العمل العربي المشترك، ونحن نتمنى أن تتطوّر وأن تساهم هذه التجربة في توسيع روح وإرادة التعاون بين الدول العربية كافةً وصولاً إلى تحقيق المزيد من التلاؤم والتكامل الاقتصادي بين مختلف دولنا العربية. ففي نظرنا أن هذا هو المسار الأساسي والوحيد الذي يحتاج عالمنا العربي أن يسلكه من أجل تحقيق نقلة نوعية على صعيد التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى ونوعية معيشة أبنائه وكذلك أيضاً لاستعادة دور طال افتقاده على صعيد المشاركة في صناعة مستقبل المنطقة العربية والمشاركة وباقتدار في صناعة السياسات العالمية.

 

أيها السيدات والسادة،

 

انطلاقاً من روح التضامن والتلاؤم هذه، لا نستطيع اليوم ونحن نقف مترقبين المشاركة في صنع المستقبل الطالع ومصممين على ترسيخ الاستقرار السياسي، وزيادة مستويات التمكين الاقتصادي والاجتماعي لتعزيز مجالات وفرص التنمية والنمو الاقتصادي، نودُّ بدايةً التعبير عن اعتزازنا بإخوة لنا في تونس، ومصر، وليبيا واليمن وسوريا، وعن تحسسنا العميق بما يعانون منه وبما يرغبون في تحقيقه. كما لا بدّ لنا من أن نبدي الأسف لأننا وكمجتمعات عربية لم نستطع بعد أن ندخل، وعلى الأقلّ على مستوى النخب والقيادات، في الزمن الجديد، زمن التغيير الذي دخلت فيه الأمة والمنطقة. فالبعض بادر وحسناً فعل وآخرون ما يزالون مترددين بينما يعمد البعض الآخر لسلوك طريق العنف بدل طريق الإصلاح ولو على حساب خسارته للشرعية الحقيقية المتمثلة بتأييد شعبه له واطمئنانه إليه وثقته فيه. على النقيض من ذلك، نرى أنّ هذا البعض يلجأ إلى تأجيج الحساسيات الدينية والإثنية ويراهن على الانقسام بدل أن يحافظ على ويعزز الوحدة بين مكونات مواطنيه.

 

هذا من ناحية، أما من ناحيةٍ أخرى، فإننا نلحظ أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في عدد من الدول العربية بدأ يلعب دوراً سلبياً في تعقيد عملية الإصلاح السياسي بسبب الضغوط الإقتصادية والمعيشية التي تؤثر سلباً على مختلف مكونات مجتمعاتها وعلى استقرارها الداخلي.

 

طبعاً نخطئ إذا ما اعتقدنا أن سوء الأوضاع الاقتصادية بدأ مع التغيير العربي. فالواقع أن هذه الأحداث المستجدة تؤثر على مستويات النشاط والنمو الاقتصادي للبلدان المعنية، من خلال تفاعلها مع العوامل السلبية المتجذرة والعميقة كغياب المؤسسات أو ضعفها، وعدم تلاؤم السياسات التربوية والتعليمية مع حاجات أسواق العمل، وضعف القطاعات الإنتاجية التي تستطيع أن تتلاءم وتتفاعل وتستوعب الزيادة الحادة في عدد السكان وتزايد مستويات البطالة. وهذه جميعها مع غيرها من المشاكل البنيوية لم يتم التصدي لها بفعالية في الوقت اللازم بالرغم من المؤشرات والتحذيرات التي أطلقت على مدى سنوات ماضية والتي كان آخرها التقرير الشهير للأمم المتحدة عن أمن الإنسان العربي الذي صدر في العام 2009.

 

إن ازدياد الوعي بمدى التغييرات الحاصلة على أكثر من صعيد تؤدي حكماً إلى ازدياد حجم المطالب والتوقعات. ومن دون أدنى شك، فإنّ أحد التحديات الأساسية اليوم يتمثل في كيفية إدارة العملية الانتقالية وإدارة التوقعات لدى المواطنين (Managing Expectations)، حيث أثبتت الوقائع في ضوء هذه الانتفاضات العربية أن التطلعات والتوقعات لديهم قد أصبحت أكبر والقدرة على الصبر أقل.

 

 

أيها السيدات والسادة،

أيها الأصدقاء،

 

لقد بدأنا بالكلام عن المستقبل الاقتصادي الواعد الذي تعمل على تحقيقه بلدان الخليج مدفوعةً بارتفاع مواردها النفطية وإرادتها الجازمة في تخطي العقبات التي تحملها معها الطفرات الاقتصادية والإدراك المتزايد لأهمية التلاؤم السريع مع هذه المتغيرات، وانتهينا بالكلام عن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تمر بها سائر بلدان عالمنا العربي، والتي تفاقمها الأزمة المالية العالمية، واندلاع حركات التغيير وشيوع حالة الحيرة وعدم التأكد. والواقع أنه إذا ما نظرنا إلى أرقام وتوقعات صندوق النقد الدولي، نجد أنه وللمرة الأولى منذ عقود عديدة نرى أن الهوة تتسع لناحية معدلات النمو المحققة والمرتقبة بين تلك العائدة للبلدان المصدرة للنفط وتلك المستوردة للنفط في حين أنّ نموهما كان متلازماً في الماضي بفعل الآثار الجانبية الإيجابية التي كانت تحملها معها الزيادة في الموارد النفطية على سائر اقتصادات الدول العربية غير المنتجة للنفط.

 

الواقع أن هذه الهوة التي بدأت تزداد اتساعاً هي هُوةٌ غيرُ مقبولةٍ في منطقة تجمعها لغة واحدةٌ وتاريخٌ واحدٌ وإرْثٌ ثقافيٌّ واحدٌ ومصيرٌ واحد. إن لهذا الأمر تبعاتٍ خطيرةً على صعيد العالم العربي ومستويات استقراره الاقتصادي والاجتماعي. في هذا الصدد يلح علينا سؤال وهو هل بإمكاننا أن نتصور أن مثل هذه الهوة تفصل بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية. الواقع أنه وفي جوهر اتفاقيات التعاون والتكامل الاقتصادي والمبادرات التي أُطلقت خلال العقدين المنصرمين في أكثر من منطقة في العالم، ولاسيما في عالم فقدت فيه الحدود الجغرافية الكثير من أهميتها، وحيث يزداد الإدراك بأن رفاهية واستقرار الجوار القريب لبلد معين هو جزءٌ فاعل ومؤثر في مستوى رفاهية واستقرار هذا البلد.

 

إن التجربة التاريخية الحاصلة في أكثر من منطقة في العالم تؤكد حقيقة ثابتة، فخطة مارشال التي اعتُمدت في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي أمّنت نقطة ارتكاز لدول أوروبا الغربية وحالت دون انزلاقها نحو الشيوعية أثبتت هذه الحقيقة. كذلك أيضاً فإنّ تجربة الاتحاد الأوروبي أمنت نموذجاً يحتذى بالنسبة لدول أوروبا الشرقية خلال مرحلة انتقالها إلى الديمقراطية بعد سقوط جدار برلين. كذلك تتأكد هذه الحقيقة في تجارب أقل أهمية كاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA)، حيث نجد تأثيرها على المكسيك كان هاماً حيث أصبحت المكسيك بعد فترة وجيزة عضواً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). كل هذه أمثلة على أهمية الرؤية الاقتصادية الإقليمية الكبرى وأثرها الإيجابي ليس فقط على نمو الدول الاجتماعي والاقتصادي ووضعها بل وكذلك على نجاح الحركات الديمقراطية في هذه الدول أيضاً.

 

الأصدقاء الأعزاء،

 

إن التطورات السياسية والاقتصادية التي نراها أدّت إلى تفاقُم مُشْكِلاتٍ قديمة عميقة ومتجذرة وهي تستدعي من المعنيين في بلداننا العربية أن تكون المعالجات على مستوى وحجم التحديات وينبغي أن تنطلق من إدراك وإرادة واعية ومصممة بأن هذه المشاكل المستعصية هي بحد ذاتها مؤشر ومفتاح للفرص الجديدة. على ذلك، فإنه بإمكاننا ومن خلال تعاوننا وسعينا لبث روح الأمل في المستقبل لدى مواطنينا وفي مؤسساتنا أن ندفع باتجاه التنمية بما يمكن شعوبنا من التدرج نحو مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية بثقة وبعزيمة واقتدار.

 

في هذا الإطار، اسمحوا لي أن أعيد التأكيد على فكرةٍ أَطْلَقْتُها خلال القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في الكويت في العام 2009 حول أهمية السعي والعمل على تحقيق تكامل اقتصادي عربي قوي. ويشتمل ذلك على ضرورة إطلاق مقدرات وإمكانات التنمية والنمو في مختلف القطاعات الاقتصادية في بلداننا العربية.

 

ومن الضروري هنا التنبه إلى أن هذه المبادرة لا تستند حصراً على مفهوم العمل الخيري أو العطاء من قبل من يملكون الموارد لمن يحتاجونها. بل تستند إلى رؤيةٍ شاملةٍ وواعية لمستقبل المنطقة وأهمية الاستثمار في تقدمها ورفاهها، وأهمية الاستثمار في أمنها الاقتصادي والاجتماعي، وفي نموها المستدام واستقرارها.

 

تنطلق الخطة من الحاجة الملحة للاستثمار في مشاريع عملاقة عابرة للحدود في القطاعات الرئيسية كالنقل والطاقة والمياه والتي تُعتبر حيويةً بالنسبة لمجتمعاتنا العربية ككل إضافةً لكونها عوامل هامة لتعزيز عملية الإنتاج في قطاعات أخرى في إقتصادات بلداتنا العربية. ويتركز الهدف من هذه المشاريع على تقريب الدول العربية من بعضها بعضاً والعمل على زيادة قدراتها الإنتاجية في قطاعات كالصناعة والزراعة وقطاع اقتصاد المعرفة القادرة على خَلْق فُرَص العمل في المنطقة العربية والتي تحتاج إلى أن توفر وفي الحد الأدنى أكثر من 40 مليون وظيفة قبل نهاية هذا العقد حتى لا تزيد مستويات البطالة الحالية المرتفعة أصلاً والتي تبلغ نسبتها حوالي 25% في صفوف الشباب العربي!

 

طبعاً ستستغرق هذه العملية سنواتٍ إن لم يكن عقوداً من الجهود المثابرة لتحويل عادات وأنماط الإنتاج والاستهلاك بما يمكن هذه القطاعات الأساسية بأن تصبح قابلة للحياة مالياً واقتصادياً وأن تحفز بالتالي إيجاد استثمارات وفرص عمل جديدة حتى تتحول تلك القطاعات إلى قطاعات ناجحة ومستدامة اقتصادياً تساهم في تحقيق النمو والتطور وتحسين مستويات ونوعية العيش لدى المواطنين.

 

 

في هذا السياق، فإنه وكما أن هناك حاجة لتشجيع الدول العربية القادرة ومؤسساتها الاستثمارية على خوض غمار التنمية العربية، فإنه لا بد لنا أن نؤكد أيضاً على أنه يقع على عاتق الدول العربية خارج منطقة الخليج مسؤوليةٌ كبرى تُجاه وضع الإصلاحات الهيكلية اللازمة الضرورية لتشجيع الاستثمار الوافد إليها وبالأخص من خلال الإصلاحات المؤسساتية التي تُطوِّرُ بيئةَ ممارسةِ الأعمال وتُعزِّزُ مناخات وثقافة الإنتاجية وتحارب الفساد وَترَشِّدُ استعمال الموارد المتاحة وترسخ مبادئ الحوكمة.

 

وهنا اسمحوا لي أيها الأصدقاء أن أتطرق لبعض الأرقام التي تبين ضرورة الالتفات السريع إلى مسألة ترشيد الإنفاق واستعمال أكثر فعالية للموارد المتاحة. فعلى سبيل المثال، فإنّ مجموع إنفاق الحكومات العربية على قطاعات الزراعة والتعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية وغيرها من القطاعات يبلغ ما يقارب 27٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً مع معدل إنفاق يبلغ 16-18٪ في أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. إلا أن حجم الإنفاق بحد ذاته لا يحمل دلالات كثيرة حول فعالية هذا الإنفاق. إن العلاقة بين الإنفاق العام والنمو مختلفة في الواقع تماماً في العالم العربي عما هي عليه في دول العالم الأخرى. وقد أظهرت دراسة أعدها البنك الدولي أن إنفاق دولار واحد إضافي من قبل حكومة في المنطقة العربيةينتج فقط نصف النمو الذي قد يحققه إنفاق هذا الدولار في مناطقة أخرى من العالم، الأمر الذي يثير مخاوف جدية في ما يتعلق بفعالية الإنفاق العام في العالم العربي ويدل أنه لا يزال هناك مجال كبير لتحقيق تحسن جدي لناحية فعالية وإنتاجية العمل الحكومي ولناحية ترشيد استخدام الموارد المتاحة.

 

لقد حان الوقت لإجراء إصلاحات حقيقية عميقة وفعالة. فببساطة لا بدائل أخرى ذات مصداقية متاحة أمامنا. فهؤلاء الشبان والشابات الشجعان الذين خرجوا إلى الشوارع في القاهرة وتونس وبنغازي وسوريا وغيرها من مدن الربيع العربي يتوقون لمزيد من الحرية وحفظ الكرامة الإنسانية ولتحسين مستويات ونوعية العيش وبالتالي الاستفادة من الفرص المتاحة، ويأملون بحياة أفضل وبآفاق مستقبلية واعدة. غير أنه ولسوء الحظ، فإنّ هذه التحولات قد تستمر في ظل ظروف صعبة تتمثل بأزمة اقتصادية عالمية لا تزال تتكشف فصولها خاصة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، المنطقتان اللتان تُعتبران الشريكين الطبيعيين للتجارة والدعم المالي والتقني والمعرفي الخارجي لمنطقتنا العربية.

 

     من جهة أخرى، فإن الإجراءات التي قد تلجأ إليها بعض الدول لزيادة حجم قطاعها العام والإكثار من اللجوء إلى سياسات الدعم قبل وبعد حركة الربيع العربي يضع مختلف الحكومات العربية في وضع مالي صعب جداً.

 

     كذلك فقد أثرت التداعيات المباشرة للربيع العربي على ميزان المدفوعات في عدد كبير من الدول العربية مما يزيد من حجم المصاعب ويحد من هامش الحركة أمام صانعي القرار.

 

     إنّه وعلى الرغم من هذه المصاعب والتحديات التي تحد من الخيارات المتاحة أمام دولنا العربية، فإنه ينبغي على الدول العربية الإقدام والعمل على استغلال الفرص المتاحة حالياً تحسباً للتحديات المتعاظمة التي ستواجهها تلك الدول في المستقبل.

 

 

السيدات والسادة،

 

اسمحوا لي إذاً أن ألخص باقتراح برنامج من ثلاثة مسارات:

 

يتمثل المسار الأول بتصميم وتنفيذ جدول أعمال مشترك للتكامل الاقتصادي العربي يبدأ مع إطلاق مشاريع ضخمة عابرة للحدود في قطاعات رئيسية كالنقل والكهرباء والطاقة والمياه، والتي يفترض أن تكون مشاريع قابلة للحياة مالياً واقتصادياً تراعى فيها مسألة استرداد كلفتها وعلى ان تشارك فيها الدول والمؤسسات العربية الاستثمارية مشاركةً فاعلة. إن مما تهدف إليه هذه المشاريع هو العملَُ على تقريب بلدان العالم العربي من بعضها بعضاً من خلال بناء شبكة مواصلات حديثة للطرق والسكك الحديدية بما يسهم في خفض تكلفة الإنتاج والتوزيع وتسهم في تعزيز المكاسب القابلة للتحقيق لدى تلك الدول ومواطنيها. ولتشجيع قيام هذه المشاريع فإنه يجب أن يقترن إنشاؤها مع إعفاءاتٍ ضريبيةٍ وحوافزَ ماليةٍ أخرى ويترافق مع إنشاء بيئة مناسبة للأعمال مما سيجعلُها أكثرَ جاذبيةً بالنسبة للقطاع الخاص، الأمر الذي يسهم وبفعالية في خلق فرص عمل جديدة تحتاجها اقتصاداتُنا ومجتمعاتنا بما يقدر على انتشال الكثير من الناس من وهدة الفقر ويعزز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

 

 

ولتحقيق التقدم على هذا المسار، فإنه يجب اتّباعُ مسارٍ ثانٍ بالتوازي معه من قبل حكومات الدول التي تمر بمرحلة انتقالية. ويقضي هذا المسار بالمضي قدماً في الإصلاحات المطلوبة على المستويات المؤسساتية والقانونية والتنظيمية فضلاً عن تلك المتعلقة بتعزيز حيادية وشفافية القضاء وخلق مناخ الاستثمار المناسب بما في ذلك تعزيز مسائل ومعايير الحوكمة. من جهة أخرى، فإن ذلك يقتضي التقدم على مسارات استكمال البنى التحتية وأيضاً البنى الفوقية، هذا علاوةً على أهمية السعي لتعزيز استتباب الأمن وحكم القانون فضلاً عن تعزيز المسارات الديمقراطية التي تحد وعلى المدى الطويل من الضبابية السائدة في هذه المجالات.

 

     انه ومما لا شك فيه، أن هذه الإصلاحاتِ الهيكليةَ ستعزز الاستثمارات في القطاعات ذات العمالة المكثفة كقطاعي الصناعة والزراعة والأمن الغذائي في بلداننا العربية، مما سيحفز ومع مرور الوقت على المزيد من الاستثمارات في الخدمات ذات القيمة المرتفعة، علماً أنّ الاستثمارات في هذه القطاعات ستؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة على نطاق واسع وستحفز الشباب المتعلم على الانخراط في تطوير الاقتصاد والعمل على تعزيز مستويات خلق فرص العمل الجديدة.

 

أما المسار الثالثفيتمثل بسعي حثيث نحو تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي والمبادرة إلى وضع نهج وأدوات جديدة لهذه الشبكات حيز التنفيذ، الأمر الذي من شأنه تسهيل العملية الانتقالية وحماية الفئات الأضعف في هذه الأوقات الصعبة التي تشهدُها مجتمعاتُنا العربية في هذه المرحلة الانتقالية.

 

في هذا الإطار، علينا ربما أخذ العبر من تجربة دول أخرى، كالبرازيل مثلاً حيث حمى التصميم الفعّال لشبكات الأمان الاجتماعي Bolsa-Familia، شرائح المجتمع الفقيرة من الظروف الاقتصادية غير المؤاتية كما أنه انتشل جزءًا كبيراً من هذه الشرائح من الفقر وساهم بشكل مباشر في رفع معدلات النمو وتعزيز الاستثمارات بفضل القوة الشرائية الإضافية للطبقة الوسطى الناشئة.

في مقابل هذه الجهود الكبرى الواجب الانخراط فيها، فإن هناك حاجةً ومصلحة أكيدةً ومشتركة تجمع دولنا العربية مع المجتمع الدولي في هذا الصدد، بما يسهم في تحقيق نمو اقتصادي كبير ولاسيما بين مجموعة البلدان على ضفتي المتوسط. إنّ هذا التوجه يتطلب دعماً مادياً ومعنوياً يشتمل على الإسهام الجدي في عمليات نقل المعرفة اللازمة (Know-How) والإفادة من الخبرات المؤسساتية لتحقيق قفزة معتبرة على صعيد التنمية المستدامة.

 

أيها السيدات والسادة،

 

إن ما ينبغي أن نقومَ به اليومَ سيحدِّدُ مستقبلَ أمتِنا على مدى عقودٍ طويلةٍ قادمة. والسؤالُ الذي يجب أن يبقى حياً ونابضاً في أذهاننا وضمائرنا: هل نُريدُ أن نكون شعوباً تتكامل وتنمو سوياً مع بعضها بعضاً، أم أننا نريد أن نبقى جزراً تُصدِّر الواحدةُ مشاكلَها للأخرى لتتعاظمَ وتنفجرَ في وجهنا جميعاً؟

 

إن الفرصة التاريخية في الظروف التاريخية تحتم علينا موقفاً تاريخياً... فهل سنخوض معاً غمار هذه التجربة وهل سنكونُ في مستوى هذه التحديات المتعاظمة.

تاريخ الخبر: 
23/04/2012