الرئيس السنيورة : هناك منطقة واحدة يمكنها أن تكون المفتاح لإطلاق فرص نمو قوية لمصلحة العالم هي منطقة الشرق الأوسط

شارك رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة صباح الاربعاء في جلسة افتتاح المنتدى الاقتصادي السابع في استانا عاصمة كازاخستانتركز عنوانها حول الاقتصاد العالمي. وقد تقدم الرئيس السنيورة بمطالعة شدد فيها على اهمية التركيز على منطقة الشرق الاوسط بسبب ما تحويه من امكانيات طبيعية ومالية وديموغرافية لتحفيز النمو في العالم بعد ازدياد مؤشرات الركود في الاسواق العالمية .
وفي ما يلي نص المداخلة التي تبعها نقاش مع الحضور : أيها السيدات والسادة،
يسرني أن أكون بينكم اليوم في هذا الحدث المميز، منتدى استانا الاقتصادي، الذي أصبح منتدى عالمياً مهماً لمناقشة الشؤون الاقتصادية والمالية الدولية. ويشرفني أن أتشارك المنصة مع متكلمين مرموقين.
أيها الأصدقاء،
لا يمكن لموضوع اجتماعنا أن يكون صائباً ومناسبا أكثر ما هو الأن، اذ من الواضح أن الاقتصاد العالمي يشهد انكماشاً طويل الأمد وليس انكماشاً دورياً.
الأزمة المالية العالمية، التي بدأت في أسواق الرهن العقاري الأميركي عام 2007 ما زالت تداعياتها تتكشف في أوروبا، وقد أظهرت حجم الاختلالات العالمية التي تراكمت على مر العقود الأخيرة.
أتى النمو نتيجة للدعم المالي في العالم الصناعي والذي بدوره كان ممولاً في الغالب من قبل الأسواق الناشئة. ونقلت الأزمة بشكل مؤقت مركز الثقل إلى الأسواق الناشئة، خاصة دول "البريكس" التي حملت النمو العالمي خلال فترة 2008-2013.
ان الرد على للأزمة، التي أدت إلى تراجع معدلات فوائد الأسواق الصناعية إلى نحو الصفر، أدى أيضاً إلى مزيد من النمو في الأسواق الناشئة التي جذبت تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال التي بحثت عن عائدات أعلى. ولكن مع انتهاء هذه السياسة، المعروفة باسم التناقص التدريجي، انعكست العملية وكشفت مدى ضعف هذه الدول التي كان يُعتقد أنها ستكون القوى العظمى المقبلة.
إن إلقاء نظرة على المشهد الاقتصادي العالمي يظهر أن العالم كاد يستهلك محركات نموه، وأنه في حال عدم إيجاد موارد جديدة، فإن العالم معرّض للبقاء في بيئة منخفضة النمو لفترة طويلة.
الانتعاش الفاتر في الولايات المتحدة يُظهر أن معدلات الاستدانة لدى المستهلكين ما زالت عالية وأنه سيمر وقت قبل أن تعود الولايات المتحدة إلى معدلات النمو العالية التي كانت موجودة في منتصف التسعينات. أما اقتصاد الصين، والذي يُعتبر ثاني أكبر اقتصاد، فيتباطئ بسرعة وتزداد المخاوف حول كيفية هبوط الاقتصاد من معدلات نمو مؤلفة من رقمين خلال العقد الأخير من دون أي تأثيرات على القطاع المالي أو الاستقرار الاجتماعي. وثمة دول آسيوية أخرى تعتمد بشكل كبير على النمو الصيني، وبالتالي فإن اقتصاداتها ستتباطأ كما هي الحال بالنسبة إلى الصين.
لقد اجتازت أوروبا اختبار وحدتها، بعدما رفعت برامج التقشف المعتمدة في الجنوب لمعالجة أزمة الديون السيادية،رغم تراجع الأصوات المشككة بوحدة أوروبا والداعية للانفصال، من الواضح أن النمو سينخفض لوقت طويل جداً نتيجة مشكلات هيكلية في الجنوب. في هذا الوقت، يبدو أن روسيا وأوروبا الشرقية قد استفادت من منافع تحرير الاقتصاد وأدركتا مزايا الاقتصاد القائم على السوق. لكن ارتفاع مستويات الدخل قد خفّضت أيضاً النمو الديموغرافي، ما غطى على احتمالات النمو. إلى ذلك، فإن التباطوء الأوروبي وارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد غطيا أكثر فأكثر على هذا الاحتمال على المدى البعيد. في المقابل تتباطأ أميركا اللاتينية أيضاً بسبب دورة السياسة النقدية الجديدة في الولايات المتحدة والانخفاض المحتمل للنمو في البرازيل. أما أفريقيا التي أظهرت بعض الامكانات مؤخراً، فتأتي من قاعدة منخفضة جداً ولذلك فإنها تفتقر إلى القدرة الشرائية.
ثمة منطقة واحدة يمكنها، بحسب رأيي، أن تكون المفتاح لإطلاق فرص نمو قوية يمكن أن تكون لمصلحة العالم كله: هذه المنطقة هي الشرق الأوسط. فالمنطقة، التي تُعتبر أكبر مصدر لاحتياطات النفط في العالم وفيها أعلى نسبة شباب لمجموع السكان، لديها إمكانات كبيرة. فهي لا تفتقر إلى الموارد الطبيعية أو القوى الديمغرافية أو القدرة الشرائية.
تحتاج المنطقة إلى جميع أنواع المنتجات والاستثمارات: فبنيتها التحتية بشكل عام تحتاج إلى تطوير كبير لمواجهة التحديات الناجمة عن التزايد السريع للسكان. والشباب في هذه المنطقة يتوقون لاعتماد التكنولوجيا الاحدث وقد أثبتوا بالفعل أنهم ناشطون جداً وذلك من خلال استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي خلال حركة الربيع العربي التي غيّرت اتجاه المنطقة. فالشباب بحاجة إلى تعليم يتماشى اكثر مع حاجات المنطقة كما أن الأفراد الأكبر سناً والأكثر ثراء يطلبون أفضل الخدمات والعناية الصحية.
وعلينا ألا ننظر إلى الشرق الأوسط فقط من خلال منظور الموارد. فالحاجة الإقليمية المكبوتة للبنى التحتية والتكنولوجيا والعناية الصحية والتعليم وغيرها يمكن أن تحول المنطقة إلى محرك عالمي للنمو.
إلا أن منطقة الشرق الاوسط تفتقد أمرا مهما وهو: الاستقرار السياسي.
لقد شهدت المنطقة، على مدى العقود الست الماضية، ثماني حروب إسرائيلية وثلاث حروب خليجية وحروبا أهلية في لبنان واليمن والجزائر والسودان ومؤخراً في العراق وليبيا وسوريا. لم تعان أي منطقة في العالم ما عاناه الشرق الأوسط والعالم العربي. ويمكن للمرء أن يتخيل الموارد التي أُهدرت بسبب كل هذه الحروب والصراعات ليس بالنسبة للعرب وحدهم بل للعالم كله. ورغم كل هذه الظروف القاسية، فإن المنطقة ما زالت قائمة وتنمو بمعدلات جيدة نسبياً ويطالب شبابها بأن تكوم كلمتهم مسموعة اكثر بالشؤون الداخلية وبدور أكبر في العالم.
أيها السيدات والسادة،
يجب ألا ينظر المرء إلى منطقة الشرق الأوسط على أنها منطقة تحديات بل منطقة فرص: منطقة غنية بالموارد والسكان والثقافة والتراث وأيضاً منطقة تتميز بطلب كبير للتقدم والتطور.
ولكن المفتاح يكمن في إيجاد حل عادل وشامل ودائم للمشكلات الأساسية في المنطقة: فالعرب لا يطالبون الغرب بخطة مارشال لأنهم لا يفتقرون إلى الموارد. وهم لا يطالبون باتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات التكامل كالتي تُعطى إلى مناطق ودول أخرى غالباً ما مُنحت أيضاً مساعدات مالية متزامنة مع مسيرة اظهرت أملاً بغد أفضل، وقد ظهر ضوء في نهاية النفق وسمح بتطبيق إصلاحات حاسمة. في هذا الإطار، نأخذ تركيا مثالاً لنفهم كيف أن مجرد الوعد بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد سمح للطبقة السياسية بتطبيق إصلاحات اقتصادية هامة جعلتها، خلال سنوات قليلة، الاقتصاد الأسرع نمواً في أوروبا واحدى الدول العشرين التي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم.
لا يطلب العرب مساعدة مالية انما مساعدة للتقدم في مسار يوصلهم إلى مستقبل مزدهر، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مسار يبين لهم مستقبلاً من السلام. فالعرب يطالبون بالإرادة السياسية وإجراءات تنهي الصراعات التي تستنزف مواردهم: إن نهاية عادلة للصراع العربي- الإسرائيلي تعطي الفلسطينيين الحق في الحصول على مكان على هذه الأرض يسمى الوطن.
كما ان المنطقة بحاجة الى علاقات طبيعية وصحية مع إيران مبنية على الإحترام المتبادل، كما انها بحاجة إلى دعم للتحول الديمقراطي في سوريا الذي من شأنه أن ينهي الصراع الذي يهدد حالياً بزعزعة استقرار المنطقة بأسرها من خلال تقوية المتطرفين وقوى الاستبداد.
يجب أن يكون الشرق الأوسط الجديد منطقة حيث الدولة المدنية هي الضامن لحقوق الأقليات، و حيث يتساوى جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بصرف النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي، و حيث لا يجعل اي مستبد المجتمع رهينة للخوف من التطرف، و حيث يُهزم التطرف بإرادة الشريحة الواسعة من المجتمع التي ترفضه وتحاربه من خلال الديمقراطية ولكن ايضا من خلال النمو والتنمية والتعليم.
ان الاستثمار بالسلام في الشرق الأوسط ليس أرخص وسيلة للعالم لمحاربة الإرهاب العالمي فحسب بل هو أيضاً استثمار يمكن ان يدر أرباحاً اقتصادية عالية. أين يمكنك العثور على منطقة يتجاوز عدد سكانها 300 مليون نسمة وهي غير مكتشفة إلى حد كبير؟
أيها السيدات والسادة،
أيها الأصدقاء،
بما أننا في استانا، فإنه من المهم القول بأن الوقت قد حان لمنطقة الشرق الأوسط لتعديل موقفها الدولي والبحث عن تعاون أوثق مع جيرانها في الشرق حيث تكمن مصادر النمو المستقبلية.
ان مصالحنا تتقاطع. فاستثمروا في الأمل والاعتدال، وستحصلون على أكثر من ذلك بكثير. ساعدونا على ان نساعدكم. ساعدونا على تحقيق السلام وخذوا الفرص. ساعدونا على جعل الفرص ممكنة وخذوا السلام. فلا يمكن للفوائد المتبادلة أن تكون أكثر وضوحاً. ولا يمكن أن تكون تكاليف التقاعس عن العمل أعلى: ستكون صراعات تغذي انعدام الفرص التي بدورها تغذي التطرف الذي يغذي الإرهاب العالمي الذي يؤدي إلى المزيد من هدر للطاقة والموارد. تخيلوا ما يمكن أن يحدث إذا تم استثمار 10 ٪ من التكلفة العالمية للحفاظ على الأمن في مجالي الصحة والتعليم. تخيلوا اي نسبة اضافية من هذه الكلفة يمكن استثمارها في مستقبلنا، مستقبلنا المشترك، في ظل شرق أوسط ينعم بالسلام.
