الرئيس السنيورة : لو كانت للشعب الفلسطيني دولته الناجزة لما تعرض لهذه المجزرة ولو كانت للشعب العراقي دولته العادلة لما تعرض لهذا الامتحان القاسي ونطمح لتعميم نموذج الطائف على اماكن المشكلات في العالم العربي والوحدة الوطنية الفلسطينية يجب الحفاظ عليها

في ما يلي نص كلمة رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة في جلسة مجلس النواب للتضامن مع الموصل وغزة.
دولة الرئيس،
السادة النواب،
أيها اللبنانيون،
الأشقاء في أرجاء الوطن العربي،
نجتمع اليوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة في مواجهة العدوان الغاشم من قبل اسرائيل وللتضامن مع الشعب العراقي واخوتنا المسيحيين العرب في الموصل الذين تعرضوا للعدوان والاضطهاد والتهجير المرفوض والمستنكر من قبل قوات وعناصر داعش وهي المنظمة المدسوسة على مجتمعاتنا العربية للعمل على تفتيت العالم العربي .
نحن نريد التأكيد على الدولة القوية والعادلة التي تحمي رعاياها لأي دينٍ أو اتجاه سياسي انتموا. فلو كانت للشعب الفلسطيني دولته الناجزة لما تعرض لهذه المجزرة ولو كانت للشعب العراقي دولته العادلة لما تعرض لهذا الامتحان القاسي.
إنّ المفارقة المؤلمة التي نجد انفسنا في مواجهتها في العالم العربي أنّ شعبنا العربي في فلسطين يتعرض للإبادة والقتل على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، فيما جهودنا وانتباهنا يتشتت في أكثر من اتجاه بسبب مشكلاتنا المنتشرة في اكثر من مكان عربي وعلى وجه الخصوص في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان وغيرها. فالشعب العربي في سوريا يتعرض للإبادة والشعب العربي في العراق يتعرض ايضا للتنكيل والاضطهاد على يد فرق من دولة تسلطية، وآخر وجوه التنكيل ما تعرض له إخوةٌ لنا في الموصل وقبلهم في أماكنَ أُخرى ليس الأنبارُ آخِرَها على يد فرق الإرهاب والتكفير والتسلط.
في البداية لا بدّ من التوضيح أنه لا علاقة لما قامت وتقوم به داعش بالإسلام قديماً، ولا بالإسلام حديثاً، وسواء ضدّ المسلمين أو المسيحيين. ففي الأزمنة الكلاسيكية الإسلامية تشارك وتكامل المسيحيون مع المسلمين في إنجاز حضارةٍ كبرى في المشرق كما في الأندلس. وكانت دماؤهم وكراماتهم وعقائدهم وكنائسهم محفوظةً ضمن انتظام عام. كما أنّ أساس الديانات السماوية يقومُ على حرية العبادة والايمان والاختيار علماً ان الدين الاسلامي يرتكز على فكرة أنه لا إكراهَ في الدين كما جاء في القرآن الكريم، وكما جاء فيه مخاطباً رسول الله وقد رآه مهموماً لسوء النظرة إليه وإلى الإسلام: "أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين".
وقبل ذلك كله فإنّ تجربة الدينين الكبيرين في العلاقة قامت استناداً الى مرتكزات صلبة في الايمان والمعتقد والممارسة من سيرة الرسول والمسلمين في الهجرة وفي المدينة وكذلك في تجربة الخلفاء الراشدين والعهد الذي أطلقه الخليفة عمر بن الخطاب أحدُ هذه الدلائل.
في الأزمنة الحديثة ظهر نظام المواطنة وهو يعني تساوياً في الحقوق والواجبات. وناضل المسيحيون مع المسلمين جنباً إلى جنب من أجل التحرر من الاستعمار، والاستقلال ومن نظم الاستبداد. وكانوا وما يزالون شركاء كباراً في عيشٍ مشتركٍ بل واحد. فما تفعله داعش وتنسبه إلى أزمنةٍ قديمةٍ هو خَطَلٌ وباطل. وعليه يجب علينا جميعاً النضال من أجل حفظ وصون العيش المشترك، ومن أجل المستقبل الواعد لدولةٍ مدنيةٍ حديثة.
إنّ الظروف مع هؤلاء المتشددين صعبةٌ جداً على المسيحيين كما على المسلمين. فقد هاجروا معاً من الموصل، وهاجر المسيحيون من قبل من نواحٍ بالعراق وغير العراق من بلدان المشرق. كما أنّ أعداداً كبيرة من المسلمين تم تهجيرهم من أحياء وشوارع في بغداد وغير بغداد.
نحن جميعاً مسلمين ومسيحيين في العالم العربي واقعون بين فكي كماشة الاستبداد والتطرف. وكلاهما يدفع باتجاه الآخر أو أنه يستدعي الآخَر. فالاستبداد في العراق وسورية وليبيا أنتج متطرفين، وهذه الظاهرة والظاهرة المضادة، تتركان الناس رهائن للحروب الطائفية والفئوية والدينية والمذهبية. إلى أين يهرب الناسُ من الطغيان؟ إنهم في هروبهم إلى الحرية من الطائرات والبراميل المتفجرة والمدفعية، يقعون في أحضان التطرف، الذي هو مثل لَحْس المبرد. فلا بد من الخروج من هذه القسمة المهلكة بأي ثمن.
وليس صحيحاً ما يردده البعض من أنّ التدخل في سورية أو العراق يهدف لحماية الناس بل إنّ هذا الدورَ التدخلي في الشؤون الاقليمية أي في سوريا والعراق ورَّط لبنان والشعب اللبناني وفتح الأبواب اللبنانية على كل صنوف المشكلات.
لا خلاص لنا إلاّ بالاحتماء بالدولة ومؤسساتها فهي الحامية الضامنة لا غيرها من الميليشيات وفرق الأمن الذاتي.
السادة النواب،
أمام هول ما يجري علينا نحن التأكيد على النقاط التالية:
نحن نعتبر أنّ الصيغة التي ارتضاها اللبنانيون للعيش المشترك الإسلامي المسيحي، والتي تم تطويرها في اتفاق الطائف هي الصيغة والنموذج الأفضل للعيش في مجتمع متعدد، حيث يكون التنوعُ واحترامُهُ مصدرَ ثراءٍ وينبوع حيوية وتطور لا سبباً للاختلاف.
العيش المشترك والحياة المشتركة والاحترام المتبادل هو الأساس والمرتكز. الديمقراطية والدولة المدنية واحترام الآخر المختلف وحقوق الانسان هي النظام، وتداوُلُ السلطة بالطرق السلمية هو الحل، مع احترام حقوق وحريات الأفراد والمختلفين من هذا الطرف أو ذاك.
لذلك فان باقي الصيغ الإجبارية التسلطية مرفوضةٌ بالنسبة لنا، وهذا ما نتمسك به.
نطمح إلى تعميم أساس الميثاق الوطني الذي أُنتج في الطائف على دول تريد مقاربة مسألة التنوع في مجتمعاتها ونرى أنه في المنطقة المتعددة التركيبة هناك ضرورة لاعتماد مثيل اتفاق الطائف نموذجاً للتعاطي مع المشكلات في مواجهة التطرف الصاعد والاستبداد الرابض بالتوازي مع إجراءات الفصل العنصري الاسرائيلي الممارس في فلسطين.
إننا محتاجون في العالم العربي إلى الكثير ومن ضمنها النضال من أجل خمسة أمور:
الأول:صنع تضامُن بين المسيحيين والمسلمين في مواجهة التطرف مهما كلف ذلك من جهد وتضحيات. ذلك أنّ التعصب يفكّك المجتمعات والدول، ويجعلنا رهائن لدى الطُغاة ويضع ديننا وأخلاقنا في مواضع الخوف والاتهام.
والأمر الثاني:العمل على تحقيق نهوض إسلامي كبير، يقدم الرؤى المستنيرة المعتدلة، المستندة إلى أعراف التاريخ، وعيش الحاضر، وآمال المستقبل ومصالحه.
إنّ النهوض الديني ينبغي أن يكون فكرياً ضارباً لتيارات التعصب والعنف باسم الدين واستناداً إلى المواريث الدينية والأخلاقية.
والأمر الثالث:إعادة السوية والحرية والجدية المسؤولة للمؤسسات الدينية الإسلامية بحيث تستطيع إلى جانب الأُسرة أن تلعب أدواراً مؤثرة تعزز منطق الاعتدال والانفتاح على الآخر.
والأمر الرابع: إعادة الاعتبار للانتماء العربي الجامع والموحَّد والمنفتح، بعد أن حوَّلت الأُصوليات المتناحرة باسم الدين والمذهب والدول إلى ساحاتٍ للصراع والانقسام.
والأمر الخامس:العمل من أجل إقامة أنظمة الحكم الصالح أو الرشيد، بحيث يعرف الناس العدل وحكم القانون، فينصرفون عن التطرف للاشتراك في النظام من مواقع إيجابية وتكون لهم الفرصة في صنع مستقبلهم وتحسين ظروف ونوعية عيشهم وتحقيق مستوى أفضل من النمو والازدهار وفرص العمالة.
إنّ الذي حصل حتى الآن أن مطالب الناس واحتجاجاتهم وشعاراتهم ما وجدت تلبيةً بل ووجهت بالنار، فنشبت النار في سائر أجزاء الهيكل. ولذا ينبغي مواجهة الاستبداد والتطرف معاً بالحرية والعدالة والديمقراطية وحكم القانون واحترام حقوق الإنسان وفتح باب المشاركة والتغيير، ومكافحة من يصر على العنف. ووجوه التقصير هذه كانت بين أسباب العنف المدمّر في العالم العربي.
لا عذر لأحدٍ في التعرض للمسيحيين ولا للمسلمين بأي حجة. نحن أبناء أمةٍ واحدة، وشعب واحد. ونريد أن نتعاون الآن كما في السابق في مكافحة العنف والإرهاب والتطرف والاستبداد والتسلط.
إنّ أي نوع من أنواع العنف والتطرف مرفوض ومدان من قبلنا رفضاً شديداً ويتعارض مع روح الإسلام ووسطيته واعتداله ولهذا فإنّ المواجهة لهذه الافة هي مواجهة مشتركة ولا يجوز لنا السماحُ باستيطان العنف في قلب ديننا وأخلاقنا.
التضامن مع غزة
- نعربعن استنكارنا ورفضنا الشديد والقاطع لاستمرار العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وفي باقي أنحاء فلسطين.
- ان القضية الفلسطينية تضرب عميقاً في ضمير العرب والمسلمين في العالم. وهي ام المشكلات في المنطقة ومنها تتفرع معظم القضايا والمشاكل في المنطقة وتتصل وتتقاطع وتستولد أنواعاً جديدة من المشاكل والتحديات.
- المحنة العميقة والمستمرة تكمن في أن المجتمعين العربي والدولي قد فشلا في مواجهة هذه المشكلة.
- المجتمع العربي فشل في التحرير واستعادة الارض الفلسطينية المحتلة وفشل في اجبار العالم على احترام ما يريد وما يسعى اليه.
- اضافة الى ذلك فان المجتمع الدولي فشل في تنفيذ المقررات الدولية التي وافق هو عليها، وفشل في إيجاد الحل العادل والدائم، وفشل في وضع حد لانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، وفشل أيضاً في ردع العدائية الإسرائيلية عن المضي في ممارسة شرورها على الشعب الفلسطيني الذي يفقد الأمل في استجابة مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي لضرورة تنفيذ القرارات الدولية مما يفتح المجال واسعاً أمام اليأس والإحباط وأمام التطرف وبالتالي أمام تزايد واستمرار دورات العنف الدموية.
- المجتمع الدولي يتناسى ان للفلسطينيين الحق في العيش والكرامة والدولة الوطنية، أي الحق في الوجود الإنساني والسياسي الحقيقي.
- إنّ استمرار القضية الفلسطينية من دون حل سيُبقي مسألةَ الصراع العربي الإسرائيلي أساسَ الصراعات في المنطقة.
- النقطة الاساس أن الإخوة الفلسطينيين يجب ان ينتبهوا إلى أهمية حفاظهم على الوحدة الوطنية فالتقارب الذي حصل بين منظمة التحرير او فتح وحماس مسألة يجب الحفاظ عليها والتمسك بها وتعظيمها، لأنها سر القوة الفلسطينية الآن.
- نحن نعتقد ان الشعب الفلسطيني بمنظماته ومسؤوليه وفصائله عليه أن يراجع تجربته مع الحرب الحالية والمعارك السابقة لاستخلاص الدروس، وطرائق إدارة الصراع في ضوء التضحيات والأهداف المتوخاة. بيد أنّ هذا كلّه لا يتنافى مع ضرورة إبداء كامل الدعم لشعب شقيق يتعرض للإبادة.
- إننا نكرر دعوتنا للمجتمع الدولي للتنبه الى أنّ تَرْك القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني خارج العناية والمتابعة سيبقي هذا الجرح العميق في العالمين العربي والاسلامي مفتوحاً ونازفاً ومتصاعداً لذلك فان التجاهل والهرب من معالجة جذرية لأصل المشكلة سيترك المجال واسعاً لتكرار المآسي والويلات في المنطقة.
- أخيراً أود أن أعيد إلى الأذهان الدروس المستفادة من تجربتنا في مواجهة العدوان الاسرائيلي فنحن نجحنا في إفشال مخططات إسرائيل بسبب أننا غلَّبنا الوحدة على التباعد والخلاف وحمينا المقاومة في مواجهة العدوان والاحتلال بدور دبلوماسي وسياسي وانمائي ووطني للحكومة الوطنية الجامعة. وبهذا نجحنا في استيلاد القرار 1701 الذي نتمسك به.
