الرئيس السنيورة: رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يتحكم بمن سيتولى رئاسة الحكومة الذي يعطي هذا التكليف وهذه الصلاحية هو المجلس النيابي

اجرت الاعلامية كارلا قهوجي حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة ضمن برنامجها الجمهورية القوية فيما يلي نصه:
س: دولة الرئيس، بدايةً هناك ثلاثة رؤساء للحكومات تعاقبوا في الفترة الاخيرة على تشكيل الحكومة لكن لا حكومة حتى الساعة. لماذا؟ هل نحن اليوم امام حرب صلاحيات بين السنة والمسيحيين؟
ج: هذا الامر ليس مطروحاً هكذا. إذ ليس هناك حربا بين المسلمين من جهة والمسيحيين من جهة ثانية، ولا حتى حرب صلاحيات. بل الأمر يتعلّق بانتفاء الممارسة الحقيقية الصحيحة للدستور اللبناني. وهذا الامر كما قال عنه دولة الرئيس المكلف البارحة، ان هناك من لا يزال يعيش ما قبل العام 1988، وبالتالي يظن ان الامر ما زال متوفقا هناك. والحقيقة انّ هناك متغيراً أساسياً قد جرى، والذي تأسّست على أساسه الجمهورية اللبنانية الثانية، وذلك استناداً إلى الدستور، وانطلاقاً من وثيقة الوفاق الوطني.
بالتالي، فإنّ هذا الإصرار الذي شهدناه ولا نزال نراه من خلال هذه الممارسات الخاطئة للدستور اللبناني، بما في ذلك العمل على إدخال بدع جديدة على الدستور، ومن ذلك ما يستند إليه البعض وما بدأ بممارسته ممارسة غير صحيحة انطلاقاً من اتفاق الدوحة، والذي كان لحلّ مشكلة آنية وليست لتشكل بعدها ممارسة دائمة. للأسف، لقد تعمّقت وتعاظمت واستشرت تلك الممارسات بعد انتخاب الرئيس عون. وهذا ما ظهر واضحاً من خلال الفترات الزمنية التي بدأت تتطلبها عملية تأليف الحكومات. وهذا أمر ناتج عن سوء فهم ومقاربة خاطئة للدستور اللبناني، والتي هي موضع خلاف بشأن ما ينبغي أن تكون عليه في الواقع. إذ أنّ الصلاحيات يجب أن تتوازى وتتماشى مع تحمل المسؤوليات.
النظام اللبناني ودستوره قائم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، ومبني على أن فخامة الرئيس هو رئيس الدولة ورمز وحدة البلاد، وهو بالفعل ليس الذي يتحمل المسؤولية. الحكومة هي التي تتحمل المسؤولية. فالحكومة تسقط في المجلس النيابي. وهناك حالات محددة تسقط الحكومة في حال حصولها. في المقابل، يبقى رئيس الجمهورية لأنه يمثل الاستمرارية.
لتأليف الحكومة، فإنه يجب أن يصار إلى البدء بإجراء استشارات نيابية ملزمة لاختيار الرئيس المكلف. هذا معناه ان رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يتحكم بمن سيتولى رئاسة الحكومة. الذي يعطي هذا التكليف وهذه الصلاحية، هو المجلس النيابي. وبعد ذلك، يقوم رئيس الحكومة المكلف بتأليف الحكومة، وبالتالي تقع عليه هذه المسؤولية لأنه هو من يتحمل هذه المسؤولية. وعليه أن يذهب بتشكيلته الحكومية إلى المجلس النيابي، وبالتالي هو معرّض هناك لعدم الحصول على الثقة. وعندما لا يحصل على الثقة فإن الرئيس المكلف ينتهي سياسيا. وبالتالي، فإنه وعندما يؤلف الرئيس المكلف يعرض التشكيلة على فخامة الرئيس ولا يعني هذا ان رئيس الجمهورية لا يقوم بدوره وصلاحيته في مناقشة الرئيس المكلف، وبكل اسم من الأسماء المقترحة من قبل الرئيس المكلف، وليس فقط بالأسماء المسيحية كما يقول فخامة الرئيس. الرئيس له الصلاحية في أن يناقش الرئيس المكلف في كل اسم من الأسماء، ولكن ليس في فرض أي اسم عليه. هو يناقش الأمور من زاوية الدستور ومدى الالتزام باحترامه، ومن زاوية الاقتراحات التي يقدمها رئيس الحكومة المكلف بشأن الحكومة قابلة لأن تمكنها من الحصول على الثقة في مجلس النواب. ولكن في المحصلة، لا يتحمل رئيس الجمهورية هذه الغرم أي أنّه إذا لم تحصل الحكومة على الثقة فرئيس الحكومة هو الذي يسقط وإذا سحب مجلس النواب الثقة من الحكومة، فإنّ رئيس الحكومة هو الذي يسقط وليس رئيس الجمهورية.
س: هذا المنطلق الذي نص عليه اتفاق الطائف المشاركة، وهذا يعني أن لا يضع رئيس الجمهورية الشروط، وأن يفرض رأيه في اختيار الأسماء حتى؟
ج: هو لديه الحق في أن يشارك من مبدأ التعاون لما فيه مصلحة البلاد العليا. ولكن ليس لديه قوة الفرض لأنّ من يتحمل المسؤولية هو رئيس الحكومة، رئيس الجمهورية ثابت وهو رمز وحدة الوطن ولا يحق له ان يصوت لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب.
عندما تسلّم فخامة الرئيس ميشال سليمان المسؤولية حصل ذلك، وكان يعتبر وسيلة لإيجاد مخرج لمسألة الثلث المعطل، ويتلخّص ذلك في أن هناك ثلاثة أعضاء من الحكومة اتفق على أن يسميها الرئيس ميشال سليمان. المفارقة في ذلك، كان في موقف العماد ميشال عون في حينها الذي أقام الدنيا ولم يقعدها وموقفه آنذاك، وذلك أنّ ليس من صلاحية لرئيس الجمهورية أن يسمي أعضاء في الحكومة. الغرابة الكبيرة الآن كيف تغيرت الأمور عندما أصبح عون هو رئيساً للجمهورية، وأصبح هو الذي يفرض شروطاً ويبتدع بدعاً جديدة لا علاقة لها بالدستور.
س: ما هي التجاوزات على الطائف الذي تحدث عنها بالأمس الرئيس المكلف؟ البعض يسعى الى العيش ما قبل الطائف. ما هي هذه التجاوزات؟
ج: الممارسة التي يقوم بها فخامة الرئيس عون، هي ممارسات تعود الى ما قبل العام 1989، وجزءاً كبيراً منها لم يكن ينفذ بالفعل آنذاك. مثلا موضوع بدعة التأليف قبل التكليف، هذا مخالف للدستور، وكذلك بدعة تأخير الاستشارات النيابية الملزمة.
س: هل نتكلم عن حكومة توافقية؟ بالأمس القريب وعقب اتفاق الدوحة، الحكومة لا تشارك فيها الأغلبية النيابية، يعني انها ليست هي التي تتألف منها الحكومة العتيدة في حكومة توافقية. وبالتالي لان التركيبة اللبنانية تفرض نفسها. فلذلك كانت فكرة التأليف قبل التكليف كمخرج للأزمات اللي ممكن ان تطرأ؟
ج: المؤسف أنّ هذا الامر هو الذي اوصلنا الى هنا. نحن نظامنا نظام برلماني ديمقراطي وهذا النظام قائم على وجود أكثرية تحكم واقلية غير مهمشة تعارض. ومن حق هذه الأقلية ان تبدي رأيها وتعارض وان تؤدي بها معارضتها الى اسقاط الحكومة.
الفكرة التي درجنا عليها في هذه الممارسات الأخيرة أوصلتنا الى تخريب النظام الديمقراطي البرلماني في لبنان. المؤسف أنّ الحكومات اللبنانية بدأت تتألف منذ ذلك الحين لتكون انعكاساً كاملاً لمجلس النواب، وبالتالي أصبحت الحكومات اللبنانية الأخيرة وكأنها مجلس نواب مصغر والجميع ممثل في الحكومة، وبالتالي فقدت الحكومة دور المعارضة التي يفترض بها أن تصوب عمل الحكومة وإلى حدود إسقاطها.
وللعلم، فإنّ مجلس النواب هو مكان المناقشات والمعارضات والمساجلات، اما الحكومة فهي مكان القرار. إذْ ينبغي ان تكون الحكومة متآلفة ومتحدة فيما بينها، وتكون قادرة على اتخاذ القرارات. لكن عندما تصبح الحكومة مجلس نواب مصغر، وحيث انتهينا إلى أن أصبحت الحكومات مكان للفيتوات المتبادلة بين الفرقاء المختلفين. وأكثر من ذلك، فقد أصبحت الحكومات مكانا لإجراء المقايضات. وبالتالي- وياللأسف- أصبحت تلك المقايضات المتبادلة تجري على حساب لبنان واللبنانيين. وهذا الامر هو الذي أصاب الحكومات اللبنانية المتعاقبة بالشلل، وأصبحت الحكومات غير قادرة على اتخاذ القرارات، وان اتخذت قرارات فيكون ذلك وفي أحيان كثيرة خلافاً لمصلحة لبنان واللبنانيين.
إذا علينا العودة إلى الأصول وليس إلى التبرير. لبنان صار في هذه الحالة حيث تمارس هذه الصلاحيات والمسؤوليات بشكل خاطئ وغير صحيح. الأمر يتطلب منا أن نعود الى احترام وثيقة الوفاق الوطني، وإلى احترام الدستور اللبناني واحترام القوانين اللبنانية، واحترام القضاء المتجرد والنزيه، أي اننا علينا ان نحترم إرادة القضاء المستقل وليس من خلال وضع العراقيل في وجه القضاء.
مثالاً على ذلك، فقد أرسل مجلس القضاء الأعلى التشكيلات القضائية لفخامة الرئيس الذي أوقفها. وهنا أريد ان أوضح مسألة أساسية، وهي أنّ مجلس القضاء الأعلى وبالحد الأدنى بأعضائه الثمانية أو بأعضائه العشرة عندما يبت بالتشكيلات تصبح صلاحيات وزير العدل ورئيس الحكومة وفخامة الرئيس صلاحيات مقيدة وعليهم ان يوقعوا تلك التشكيلات. هذه التشكيلات التي صدرت مؤخراً صدرت بتوقيع تسعة أعضاء، وبالتالي هذا يعني أن فخامة الرئيس كان عليه ان يوقع تلك التشكيلات.
أريد أن أذكر هنا، وبهذه السابقة، وهي أنه عندما كنت رئيساً للحكومة في العام 2005، فقد أرسل مجلس القضاء الأعلى التشكيلات القضائية، وأنا صرحت قبل ان يرسلها إليّ، وبعد ان أرسلها، من أنني سأوقع تلك التشكيلات دون أن أطلِّع عليها. وهذا ما مارسته بالفعل. ولم يكن ذلك تفضلاً، ولكن هذا هو القانون الذي يلزم رئيس الحكومة عندها أن يوقع تلك التشكيلات دون ان يعترض عليها، كذلك ينبغي على وزير العدل وعلى رئيس الجمهورية أن يوقع تلك التشكيلات، وهذا ما لم يحصل.
للأسف، الآن أين هو القضاء المتجرد الذي نتحدث عنه ولا نمارسه. هذه التشكيلات هي الآن معلّقة عند فخامة الرئيس عون. قس على ذلك الخروقات العديدة الأخرى التي يمارسها فخامته خلافاً الدستور.
س: قبل الدخول في الملف القضائي وجريمة المرفأ. دولة الرئيس هل تعتقد ان الحكومة ستبصر النور قريبا؟
ج: هذا ما يتمناه اللبنانيون لان ليس هناك من مخارج للدخول من الباب الذي يؤدي الى إيجاد المخارج الصحيحة سوى عن طريق تأليف الحكومة العتيدة على الأسس الصحيحة.
علينا أن نعود بالذكرى الى ما جرى عندما بدأت المبادرة الفرنسية. ذلك لأنّ اللبنانيين صرحوا للرئيس ماكرون في أكثر من مناسبة أنهم يريدون حكومة من نوع آخر ومن أعضاء غير حزبيين ومستقلين ويتمتعون بكفاءات وباختصاصات يستطيعون من خلالها ان يأخذوا البلاد خطوة باتجاه التوصل إلى حلول إيجابية لإخراج لبنان من أزماته. لكننا وجدنا بعد ذلك، أنّ جميع هذه الفئات السياسية بدأت تضع شروطاً على الرئيس المكلف. هذا ما قلته على باب دولة الرئيس نبيه بري عندما زرته في السادس من كانون الثاني الماضي أي قبل ثمانية أشهر وعشرين يوما، قلت ان امام رئيس الجمهورية والرئيس المكلف خياران لا ثالث لهما اما ان تتألف حكومة يتم فيها إرضاء اللبنانيين، وبالتالي تنسجم أيضاً مع ما يتوقعه الاشقاء العرب والأصدقاء في العالم، والذي فيها مصلحة للبنان واللبنانيين، ولاسيما أننا نتوقع من أشقائنا وأصدقائنا أن يقفوا الى جانبنا ويساعدونا؛ أو الخيار الثاني في أن تتألف حكومة يتم فيها إرضاء السياسيين.
ماذا كانت النتيجة حتى الآن ما زلنا نلف وندور. وبالتالي، نحن مسؤولون لأننا مشغولين بما ينبغي أن تكون عليه حصة فلان وحصة فلان. اعتقد ان ما يجري الآن هو ما يمكن ان يصنف ضمن المضحك المبكي. ماذا يمكن ان يقول أي إنسان عاقل يأتي الى لبنان من خارج هذه المنطقة ويستمع الى ما يجري في لبنان فيقول ان هؤلاء مجموعة من مختلي العقل لا يدرون ما يقومون به، ويتجاهلون حقيقة أساسية، وهي أنهم بأعمالهم يدمرون بلدهم، وذلك بالتنافس على هذه الحقائب وبالتالي يتنافسون على أشلاء وطن وهذا ما يجري الآن وللأسف.
س: دولة الرئيس هل هناك معلومات عن قرب تشكيل الحكومة؟
ج: المعلومات عند أصحاب الشأن وليس عندي. انا ما أقوله الآن هو ما يبدو لدي مما يجري. وكما قال الرئيس المكلف ان في كل جلسة يعقدها مع فخامة الرئيس يبدو وكأنه يبدأ من نقطة الصفر وكما يقول المثل العامي: "دق الميّ وهي ميّ".
س: دولة الرئيس ما المطروح إذا؟ ماذا عن نادي الرؤساء السابقين؟ هل هناك اسم بديل للرئيس ميقاتي إذا اعتذر عن التأليف؟ ام اننا ذاهبون الى مرحلة مجهولة؟
ج: الحقيقة المؤسفة الآن، هي أنه قد جرى التهام أربعة رؤساء حكومة حتى الآن، وواحد منهم لازال يصرف الاعمال وثلاثة رؤساء وواحد منهم على وشك ان يصار الى التهامه. وبالتالي هذا امر مستغرب ومستهجن وغير طبيعي ويطرح تساؤلات بداية على فخامة الرئيس. واعتقد أن فخامة الرئيس عليه ان ينظر في هذا الموضوع بكل جدية.
وأنا ناشدت فخامة الرئيس منذ قرابة السنة وأكثر من مرة بأنني تمنيت عليه ان ينظر الى صورته بعد ان ينتهي عهده وليسأل نفسه وبكل شجاعة وصدق: ماذا قدّم للبنان وماذا أنجز للبنان وللبنانيين؟ ومن زاويته هو حيث يبدي حرصه على المسيحيين. ماذا أنجز للمسيحيين في لبنان؟ هل هذا هو الإنجاز الذي نراه الآن هو ما كان يتوقعه اللبنانيون؟ من المؤسف أن ما نراه الآن في هذا الحشد الكبير من اللبنانيين الذين يخرجون الى خارج لبنان. المؤسف هو ما نراه في هذا التدمير الكامل للمؤسسات التي هي مؤسسات لبنانية. ولنقول انّ أكثرها وإلى حد بعيد مسيحية. ماذا جرى لهذه المؤسسات؟ ماذا جرى لهذه المؤسسات المصرفية والمؤسسات الاستشفائية والأطباء؟ ماذا جرى لهذه المؤسسات التربوية وللقطاع السياحي؟ أليس هناك من تبصر وتعقل. أليس من الضروري أن نبذل ولو محاولة جادة من أجل إخراج البلد من هذا المأزق الخطير؟ إلا يستحق اللبنانيون أن يحصلوا على جوابٍ شافٍ من رئيس الجمهورية؟
الآن الوضع بيد رئيس الجمهورية وعليه أن يفرج عن تأليف الحكومة. لم يبق من صديق ولا من شقيق في العالم إلاّ وقال للبنانيين الفوا حكومة لكي نستطيع ان نساعدكم. ويجب ان تكون الحكومة ملتزمة بقواعد الاختصاص والاستقلالية والجدية. أي ان تكون قادرة على استعادة ثقة اللبنانيين بغدهم.
هناك انهيار كبير في الثقة في لبنان وانهيار في الدولة التي أصبحت مخطوفة في لبنان. والسؤال: كيف يمكن لنا ان نستعيد هذه الثقة. الآن يجري عملية حرف انتباه اللبنانيين ومحاولة اخذهم الى مكان لا يأخذهم بالفعل نحو التوصل إلى اعتماد الحلول الصحيحة. إنهم- وللأسف- لا يدرون ماذا يفعلون. لقد أصبحوا في حالة يسري عليهم قول للحجاج بن يوسف الثقفي قبل 1400 سنة عندما ذهب الى الكوفة وقال أمام الجموع، وهو كان يهدد الناس هناك وقال: "والله لاجعلن لكل واحد منكم شغلا في بدنه" أي أنه كان يريد حينذاك أن يشغل الناس بحاجاتهم الأساسية وهذا الامر ينطبق علينا الآن، اللبناني أصبح ملهواً في الوقوف في الصف كالذليل ليشتري 10 ليترات بنزين، أو يأخذ تنكة مازوت، أو ربطة خبز، أو من أجل حبة دواء، أو كيف يحصل على 100$ من البنك. هذه هي حال اللبناني الآن، والذي أوصله هذا العناد الذي نعاني منه الآن، والذي يمارسه فخامة الرئيس. والذي يفترض به أن يكون حريصاً على الدستور، وحريصاً على تحقيق النهوض المنشود للبنان واللبنانيين.
س: ماذا بعد اعتذار الرئيس نجيب ميقاتي؟ هل سندخل في مرحلة مجهولة المصير؟
ج: أنا اعتقد ان على كل واحد منا عليه أن يفكر مئة مرة قبل ان يقدم على تحمل هكذا مسؤولية.
س: هل هناك شخصية في بالكم؟
ج: لا، لا انا أقول ان هذا الامر يتطلب تفكيراً كثيراً. أريد أن أقول شيئاً لفخامة الرئيس، وذلك أنّ أول رئيس حكومة فشل في التأليف وقلنا الحق عليه. وثاني رئيس حكومة قلنا يمكن الحق عليه. طيب، ثالث رئيس حكومة يا فخامة الرئيس، لا نستطيع أن نقول أيضاً الحق عليه، بل الحق على غيره.
س: ما الذي يميز الرئيس نجيب ميقاتي عن الرئيس سعد الحريري. وهناك من يقول ان لا مصلحة لدى تيار المستقبل بالتحديد أن ينجح الرئيس ميقاتي وان يصار الى تشكيل حكومة عتيدة في حين فشل الرئيس سعد الحريري (انا فقط انقل كلام)؟
ج: هذا ما يقوله أصحاب العقول الصغيرة ولا يجدر بنا ان نجيب على هذا السؤال. الآن البلد في أزمة وجود وفي خطر وجودي.
س: من افتعل هذه الأزمة أين وجود الحريرية السياسية التي اعتدنا على تسميتها كذلك؟
ج: اعتقد أنّ هذا الأمر هو جزء من محاولة مستمرة لممارسة الاغتيال المعنوي للحريرية السياسية، وانا أعتقد أن يوماً ما سيأتي ويدرك الناس ما هي الإنجازات الحقيقية والوطنية التي حققتها الحريرية. السياسية، وكذلك ما حققه الرئيس رفيق الحريري.
بالمناسبة، أنا الآن في مرحلة انجاز كتابين في هذا الخصوص وسيصدران ان شاء الله عما قريب وهذا الكتابان يبينان بالوقائع والأرقام ماذا أنجزت هذه الحريرية السياسية التي حاول البعض ان يبرر فشله وعجزه بالتهجم عليها، وينفس عن أحقاده عن طريق توجيه السهام نحو الحريرية السياسية. في هذا الخصوص، أنا أعتقد وكما يقول الشاعر: "أنّ لكل داء دواء يستطب به الا الحماقة اعيت من يداويها".
س: كيف يوفق الرئيس ميقاتي بين مطالبته مع أعضاء نادي رؤساء الحكومة لرفع الحصانة عن فخامة رئيس الجمهورية فيما خص تفجير المرفأ وبنفس الوقت يقوم بلقاءاته مع فخامة الرئيس ويعمل على تشكيل الحكومة. الا يعتبر ذلك عرقلة للتشكيل؟
ج: على الاطلاق. هذان شيئان مختلفان وانا أتمنى على فخامة الرئيس وبكونه بداية رئيس الدولة ورمز وحدة البلاد وكضابط وقائد جيش سابق، ولاسيما وأنّه قد قال شخصيا بأنه قد علم بوجود هذه المواد القابلة للتفجر قبل 15 يوما من تاريخ التفجير وبالتالي كان من الاجدر به أن يبادر هو شخصياً إلى المطالبة برفع الحصانات- كل الحصانات- ونحن هذا ما نطالب به لكي يصار إلى رفع الحصانات عن الجميع ودون استثناء، نحن لا نطالب بتغطية أحد ويجب ان يكون كلامي واضحا وصريحا وجازما نحن لا نطالب بحماية أي موقع على الاطلاق.
س: وكيف ذلك؟ الم تقوموا بدعوة لرفع الحصانات على الجميع حماية للرئيس حسان دياب؟
ج: عندما أقول انني أطالب برفع الحصانات عن الجميع. هل يعني هذا حماية لحسان دياب؟! عندما نطالب برفع الحصانات أي عن جميع الرئاسات بما فيها رؤساء الحكومة.
س: وفق أي آلية؟ هذا مسار طويل؟
ج: لا أبداً ليس هذا مسار طويل. بعد شهر ندخل الفترة الدستورية، ويمكن أن يصار إلى إعداد هذا المشروع، وبالتالي يصار إلى إقراره. نحن نقول انّه لا يجوز أن يكون هناك أي خيمة على راس أي أحد مهما علا شأنه. وهذا الامر يجب ان يكون خاضعا إليه الجميع، ويطبق على الجميع دون استثناء. حتى الآن، لايزال هناك أكثر من محكمة تبت في هذا الموضوع بالذات. فمثلاً العسكريين والأمنيين يخضعون لمحكمة خاصة. القضاة يخضعون لمحكمة خاصة، وأيضاً النواب والوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وبالتالي أنّ المعنيين في هذه الجريمة إن كانوا عسكريين أو قضاة أو سياسيين يخضعون لصلاحيات محاكم مختلفة. فبدلاً من أن يستمر عمل القضاء في هذه القضية بشكلٍ مقيد، وكما أورده الدستور، فإنه من الأفضل أن نترك للقضاء أن يقوم بعمله، وذلك بدون عوائق وبالتالي بأن يصار الى رفع جميع الحصانات لا أن نتلهَّى: "بإنو هيدا الشخص لازم ناخدوا عالتحقيق في هذه المحكمة أو في تلك، أو واحد منا خدوا على التحقيق، والآخر ما لازم ناخدوا!".
مثلاً اليوم عم ينحكي لازم رئيس الحكومة نبعت وراه، ورئيس الجمهورية ورئيس أمن الدولة ما منبعت وراهم!! كيف هيدا الكلام؟ على اي أساس؟
هذا الأمر طبيعي حلّه هو في تطبيق العدالة الكاملة التي تسري على الجميع. فهذه الجريمة- جريمة التفجير المريب- التي حصلت في المرفأ هي جريمة ضد الإنسانية وضد اللبنانيين وضد الاقتصاد اللبناني ومعيشة اللبناني. وهذا الامر يجب ان يحاسب عليه كل من تقاعس وتواطأ وتلكأ وشارك. كل هؤلاء يجب ان يكونوا خاضعين للمحاسبة والمساءلة لا أن يصار إلى إعفاء هذا أو تبرئة ذاك. لنكن واضحين، يجب رفع الحصانات عن الجميع. التعديل الدستوري ضروري في هذا الشأن. وفي هذه القضية بالذات حيث يجب أن يصار الى اخضاع الجميع الى قواعد واحدة دون تمييز بين واحد وآخر.
س: في سؤالي الأخير دولة الرئيس، دعوتم العرب ان لا يتركوا لبنان كي لا يقع في حضن إيران وفي فخ الفوضى السياسية. ربط النزاع، السياسة التي انتهجها تيار المستقبل وخصوصا الرئيس سعد الحريري مع حزب الله الا يسهم في بعض المجالات في إيقاع لبنان في حضن إيران أكثر فأكثر ويعمق الأزمة؟
ج: أنا أقول ان لبنان دولته مخطوفة وقراره الحر مخطوف وبالتالي ينبغي ان يكون واضحاً أنّ المشكلات التي نعاني منها اليوم حتما تتطلب حلولا إدارية واقتصادية ومالية وقانونية وصارمة، ولكن كل هذه غير كافية إذا لم يواكبها حلول سياسية.
الآن هذه المعالجات ضرورية ولكن هناك معالجات في السياسة وهذه المعالجات يجب ان تنطلق من تحرير الدولة من خاطفيها، والعمل على استعادة القرار الحر للدولة اللبنانية. وبالتالي أيضاً من الضروري التأكيد على ما اقترحه غبطة البطريرك لما يسمى تحييد الدولة اللبنانية عن الصراعات الإقليمية والدولية. بما معناه الالتزام بجوهر ما قام عليه الوجود اللبناني في العام 1943.
آنذاك كانت هناك سلبيتان جرى الالتزام بهما، وهما: لا للاستمرار في الخضوع للانتداب الفرنسي ولا للإلحاق بسوريا هذا هو جوهر وجود لبنان الذي ينطلق من تحييد لبنان عن الصراعات، ولكن مع إبقائه في الحضن العربي من خلال بناء العلاقة الصحيحة بينه وبين اشقائه العرب. لماذا؟ لان لبنان جزء من العالم العربي ومصالحه ومصالح أبنائه مع العالم العربي ومع أصدقائه في العالم. كيف نحافظ على هذه القواعد الأساسية. ويكون ذلك ليس من خلال ان نحرفه عن توجهه الصحيح باتجاه أحلاف لا تؤدي بالوطن الى أي نتيجة إيجابية بالعكس من ذلك، فإنها تؤدي- وياللأسف- إلى مزيد من ما يسمى الحفر في الجورة وتعميق الجورة التي اصبح لبنان فيها. وهذا الأمر لا يؤدي الى أي نتيجة بل على العكس الى مزيد من المشكلات للبنان واللبنانيين.
س: وكيف يمكن تحقيق ذلك وهناك فريق يمتلك سلاحا يراه البعض غير شرعي؟
ج: الكل أصبح الآن في نقطة الحقيقة الساطعة، وعلى كل فريق أن يدرك أنه يخرق السفينة وهذه السفينة تغرق بمن فيها. وهذا الامر من الطبيعي أنّه على الجميع ان يدرك هذا الامر ويدرك المخاطر التي يُعرِّض هو وغيره لبنان واللبنانيين لها. لم يعد بإمكان لبنان ان يستمر في هذه الحالة وهذا جزء من ما يمكن ان يتعرض له لبنان.
لذلك، المناشدة التي قدمتها لفخامة الرئيس والتي أشار الى جزء منها البارحة سماحة المفتي: ماذا سيقوم به فخامة الرئيس من اجل ان انقاذ ما تبقى من عهده؟" هذا سؤال كبير وأنا أناشد الرئيس للمرة الالف واظن ان الكثرة الكاثرة من اللبنانيين أصبحت تناشده إلى أين يأخذ لبنان؟ والى أين يمكن أن تجره هذه الممارسات الخاطئة؟ وكيف يجري التفريط بسيادة واستقلال لبنان وكيف يجري التفريط بمصالح لبنان واللبنانيين؟ كيف يجري التفريط بالاقتصاد اللبناني؟ كيف يجري التفريط بكرامة اللبناني؟ هل هذا ما يجري مقبولاً؟ ألا يستحق اللبناني أن يسأل إلى أين ستأخذوننا؟
س: أشكرك على هذا اللقاء الخاص.
ج: شكراً وأهلاً وسهلاً.
س: ولكن هناك سؤال خاص دولة الرئيس: ماذا عن حاكمية مصرف لبنان؟ ما هي درجة المسؤولية التي سوف يتحملها وخصوصاً أن الوضع الاقتصادي اللي وصلنا إليه. يقول خبراء اقتصاديون انه نتيجة السياسات الاقتصادية التي درجت حكوماتكم المتعاقبة على اعتمادها وبالتعاون مع حاكمية مصرف لبنان؟
ج: سوف أجاوبك بمَثَلٍ يمكن أن تفهميه بسرعة. أنت عندما تقودي سيارة، تصعدين إلى داخل السيارة وتديري المحرك، وترجعين وتنظرين بالمرآة، والتي تظهر لك ما هو الحال خلف السيارة، وبتشوفي وأنت تنظرين إلى الامام.
قانون السير عنا بلبنان مثل كل الأنظمة غير الإنجليزية يتطلب منك أن تقودي السيارة على اليمين. إذا قررتي قيادة السيارة على الشمال شو بصير؟ بتعملي حادث. كذلك إذا استمريتي في النظر إلى المرآة وعدم النظر أمامك تتعرضي لحادث. وبالتالي لا تستطيعي أن تلومي قانون السير عندما تقودي السيارة على الشمال أو تستمرين في النظر وباستمرار إلى المرآة.
هناك بنك مركزي والبنك المركزي مسؤول. والحاكم عليه مسؤولية. تجدر الإشارة إلى أنّ الدستور وقانون النقد والتسليف أعطى الحاكم والمجلس المركزي لمصرف لبنان صلاحيات كبرى وحصانة استثنائية، والتي هي فعلياً وباختصار بأنه يستطيع ان يقول لا للسلطة التنفيذية وللبرلمان أيضاً.
كل البنوك المركزية في العالم يجري إعطاؤها حصانة لأنّ هناك ميلاً دائماً لدى الحكومات للتوسع في الإنفاق وأيضاً بالانصياع لرغبات الناس ومطالباتها بعدم فرض الضرائب وعدم التشدد بجبايتها.
إذا بدنا نحاسب رياض سلامة نحاسبه على هذا الجانب فقط. اما الجانب الآخر بما يتعلق بالإنفاق فهذه مسؤولية الحكومات والبرلمانات التي وافقت على التوسع في الانفاق ووافقت لا بل وأصرّت على عدم توفير التمويل اللازم وتحديد المصادر الإيرادية اللازمة لتجنّب العجز أو الزيادة في حجم الدين العام. وهذه هي مسؤولية الحكومات والبرلمانات، وبالتالي لا يجوز ان يصار الى معالجة هذه المشكلة بتحميل شخص واحد عبء هذه المشكلة. الذي جرى ان هناك استعصاء على مدى 25 سنة في لبنان بعدم القيام من خلال البرلمانات في ضبط الانفاق، وأيضاً بعدم الموافقة على تدبير الموارد الإضافية لتجنّب الزيادة في العجز والدين العام.
إنّ عدم ضبط الانفاق وعدم إقرار قوانين تؤدي إلى التسبب بمزيد من الإنفاق. القضية مش بس قصة الرواتب والأجور، الرواتب والأجور هي فضيحة بحد ذاتها. لبنان منذ العام 1975 وسنة بعد سنة على مدى 46 سنة وهو يحقق كل سنة في هذه السنوات عجزاً في الخزينة، وبالتالي زيادة في حجم الدين العام.
