الرئيس السنيورة للبنان الحر: لا سبيل للخروج من المآزق التي أصبحنا في خضمها بدون تأليف حكومة

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

 اجرت اذاعة لبنان الحر حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة ضمن برنامج استجواب الذي يقدمه الاعلاميان فريدي سابا ورولا حداد حول اخر التطورلات في البللاد وفي ما يلي نصه:

س: الارتطام الكبير، الانهيار التام، الإفلاس، لبنان دولة فاشلة هي عبارات باتت خبز اللبنانيين اليومي في بلد بات في عمق القعر ولا مخرج في الأفق، لا بل ان المسؤولين المفترضين يستمرون في الحفر نزولاً وكأنهم لم يستمعوا يوماً الى نصيحة stop digging او عندما تكون في الحفرة توقف عن الحفر. بالنسبة الى بعض مجموعات الثورة لبنان اسير تحالف مافيا السلاح والفساد. وبالنسبة الى البعض الآخر لبنان يدفع ثمن الفاسدين الذين حكموه وثمن السياسات المالية والاقتصادية الخاطئة منذ العام 1992. اما البعض الثالث فيرى ان ازمة لبنان ناتجة عن كونه بلدا محتلا من إيران عبر سلاح حزب الله الذي نقل لبنان الى محور الممانعة ما عرضه لحصار خانق اوصلنا الى الانهيار. وثمة ما يقول أخيرا ان المشكلة هي في النظام، نظام الطائف غير القابل للتطبيق الا بوصايا لأنه أنتج نظاما هجينا لا سلطة قرار فعلية فيه بل قدرات تعطيلية تؤدي دائماً إلى نماذج من الفراغ وشلّ البلد. فما هي الحقيقة مما يعاني منه لبنان؟ وهل يعاني بالعمق من كل ما سبق ذكره؟ هل بالإمكان انقاذ لبنان من خلال الانتخابات والآليات الدستورية الطبيعية، أم انه بات من المستحيل معالجة العيوب الهيكلية العميقة، ويجب تصحيح النظام نفسه عن طريق الانهيار وإعادة البناء؟

يشرفني في هذه الحلقة من استجواب ان اجري حوارا في العمق مع أحد أبرز رجالات الدولة والحكم بعد الطائف، حوار يتناول الواقع الكارثي اليوم وما إذا كان ثمة سبل للخروج من هذا النفق الأخير وحوار يعالج أسباب مشاكلنا الوطنية والسياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية في العمق لنجيب عن سؤال يطرحه اللبنانيون بكثرة: هل بات الانهيار سبيلا للانفجار أملا بالتغيير الشامل ام اننا نخاطر ان ندخل عقودا من الجحيم كدولة فاشلة من دول محور الممانعة التي يحكمها حزب الله وتقاطعها الدول العربية والغربية وفق النموذج الفنزويلي. اهلا وسهلا بك دولة الرئيس فؤاد السنيورة ضيفاً عزيزاً ضمن برنامج استجواب وشكرا لاستضافتك لنا.

ج: شكراً، وبدايةً صباح الخير، وأهلاً وسهلاً بك وهذه اول مرة أكون فيه على أثير هذا البرنامج.

س: هل على اللبنانيين ان ينسوا تماما تشكيل أي حكومة جديدة حتى انتهاء عهد الرئيس ميشال عون على اعتبار لا الرئيس عون ولا النائب جبران باسيل يريدون الرئيس الحريري ولا الرئيس الحريري اليوم له مصلحة بتشكيل حكومة اليوم أصبحت حكومة انتخابات وغير قادرة على فعل أي شيء بالعكس كل شيء سينفجر بوجهها؟

ج: هو أمر كبير الأهمية من أجل أن يكون الواحد منا لديه صورة حقيقية لما يجب القيام به. ومن ذلك أن يعرف أين أصبحنا وماذا يؤخذ من قرارات؟

مما لا شك فيه ان لا سبيل للخروج من المآزق التي أصبحنا في خضمها بدون تأليف حكومة، وبالتالي تأليف الحكومة ليست عملية ترف بل هي المدخل للبدء باتخاذ مجموعة من القرارات والإصلاحات التي يحتاج إليها لبنان من اجل ان يعالج هذه الكمّ الكبير من المشكلات.

الحقيقة، انّ ما مر به لبنان خلال هذه السنوات العشر الماضية، وهذا لا يعني أنّ هذه المشكلات بدأت فقط من 10 سنوات، بل هي مشكلات لبنان، وبل هي مشكلات بدأت اقتصادياً وسياسياً وأمنياً لنقل في العام 1975. والحقيقة أيضاً أن لبنان منذ العام 1975، وعلى مدى 46 سنة متتالية، هو يحقق عجزاً مستمراً في حسابي الموازنة والخزينة، وهو عجز لم يتوقف ولا ليوم منذ ذلك التاريخ. وهذا العجز قد تحول إلى دين عام كان يتراكم وبالتالي تقل مع هذا العجز والدين العام المتراكم مناعة لبنان الاقتصادية وتخف مناعته السياسية بسبب الحروب الداخلية التي تعرّض لها لبنان منذ العام 1975، وتعرض لها أيضاً بسبب الاجتياحات الإسرائيلية التي عانى منها لبنان، ولاسيما ابتداءً من العام 1978، وقبل ذلك في نهاية العام 1968، واتفاق القاهرة في العام 1969. ولكن أيضاً في الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ثمّ بعد ذلك في الأعوام 1993 و1996 وفي العام 2006 كل هذه الاجتياحات وكل هذه الصدمات والانهيارات كانت تراكم معها أموراً ومشكلات عديدة سياسية وأمنية واقتصادية ومالية، وأيضاً كانت تزيد من حدة المشكلات والانقسامات الوطنية والسياسية والمالية في لبنان. ولكن ومع تلك الأعباء الكبيرة المتراكمة، فإننا وفي النهاية، وجدنا لها حلاً من خلال ما اتفقنا عليه في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، وكان الجنرال عون قد أعلن في العام 1989 أنّه لا يتفق معها وأخذ قراراً "همايونياً" كرئيس نصف حكومة وغير دستوري، بحلّ المجلس النيابي وعمل "اللي ما بينعمل" آنذاك، واضطر على أثرها أن يغادر لبنان.

وثيقة الوفاق الوطني أسهمت بالفعل في وقف الحرب الاهلية اللبنانية ووضعت صيغة وطنية للعيش المشترك في لبنان بحيث ان هذه الصيغة كان يفترض بها ان تستكمل، وبالتالي أيضا ان يصار الى تنفيذها شرط توفر حسن النوايا. ونقول هنا وبين هلالين: "انو ما في دستور في الدنيا وبأي بلد في العالم يمكن ان يصار الى تطبيقه إذا لم تتوفر حسن نوايا العاملين على تطبيقه".

س: إذا بدنا ننطلق الآن، فإنّ هذا شيء يدفعنا لنشكّل فوراً حكومة. هل لازم ننسى حكومة وبناءً لحضرتك انت دخلت على خط المساعي سواءً من خلال لقائك الرئيس نبيه بري أو من خلال الدور المحوري الذي تلعبه ضمن مجموعة الرؤساء الحكومات السابقين. هل عقدتنا اليوم داخلية ام خارجية؟

ج: عقدتنا اليوم هي بظواهرها الأساسية داخلية، ولكن بتأثيرات كبيرة ناتجة عن العوامل الخارجية، والتي هي أيضاً موجودة. ولكن في الداخل كان يفترض بالرئيس عون بحكم ما يتوجب عليه من دور كرئيس للجمهورية وهو رئيس للدولة ورمز وحدة الوطن ان يمارس وبكل التزام ما اقسم عليه وهو احترام الدستور. وانا اعتقد جازماً في هذا الامر ان الرئيس عون يخرق الدستور كل يوم في عديد من الأمور، وبالتالي لا يتصّرف على أنّه الجامع للبنانيين والحكم بينهم، وأنّه ليس جزءا من السلطة التنفيذية بل هو في موقع أسمى من ذلك. إذ أنّ عليه ان يحرص على احترام الدستور، وأن لا يصار الى المس به من أي فريق ولا من كل الفرقاء. وبالتالي، فإنّ تأليف الحكومة أصبح واضحاً للجميع مع أنّ هناك من لا يحاول ان يقرأه بموضوعية وحيادية وبرغبة حقيقية لجهة الحرص على الالتزام بالدستور الذي هو ينبغي ان يكون الشرعة الرئيسية التي يجب أن يحترمها كل اللبنانيين. الذي جرى أن عملية تأليف الحكومة، وهذا التوازن الداخلي الذي وضعه اتفاق الطائف، وذلك أن من يؤلف الحكومة هو رئيس الحكومة ولكنه عليه ان يتفق مع رئيس الجمهورية على هذه الصيغة، وبالتالي فإن من حق رئيس الجمهورية ان يبدي رأيه في كل وزير من الوزراء وليس بالوزراء المسيحيين فقط.

في هذا الامر، الاثنان محكومان بالتوافق ولكن هذا التوافق لا يعني العناد ولا يعني التصرف بناءً لمصالح خاصة أو لأجندات خاصة أو لرغبات من هنا ومن هناك. وبالتالي الرغبة الأساسية التي يجب ان يتمتع بها الاثنان ان يصلا الى اتفاق بهذا الشأن. في المحصلة، يجب أن نذكر شيئاً أساسياً وهذا ما يركز عليه الدكتور أنطوان مسرة ان الرئيس المكلف لديه امتحان واحد عليه ان ينجح فيه وهذا الامتحان هو في المجلس النيابي وليس عند رئيس الجمهورية. وبالتالي، فإنّ رئيس الحكومة هو من يتحمل المسؤولية؟ الرئيس المكلف فقط هو من يتحمل المسؤولية، وهو الذي يراهن في ذلك على مصيره السياسي. فرئيس الحكومة المكلف عندما يؤلف حكومة ولا تأخذ الثقة، فتلك بالفعل نهاية هذه الحكومة المقترحة منه وقتها، نهايته أيضاً كرئيس حكومة مكلف. فهذا الامر يجب أن نأخذه في عين الاعتبار. لذلك في هذا الدستور مجموعة من الأسئلة التي على الرئيس المكلف أن يجيب عليها بينه وبين نفسه.

كيف يمكن ان يكون رئيس مكلف ولا يكون له فترة زمنية؟

جاء الدستور على ذلك، ولكن فرض حسن النية من الطرفين، لكن حين يحاول أحد الأطراف أن يعاند، وأن لا يكون مرنا. فبالتالي، فإنّه بإمكان رئيس الجمهورية إذ كان الرئيس المكلف لديه شهر أو اثنين ليؤلف الحكومة ورئيس الجمهورية ليس لديه النية الطيبة أو الحسية، فإنه بإمكان رئيس الجمهورية ان يستمر يعاند بعدين روح على البيت. لذلك، فهذه الاستشارات النيابية، قد أكد عليها الدستور، وقال انها استشارات نيابية ملزمة، بينما نقول للرئيس المكلّف الاستشارات التي يقوم بها الرئيس المكلف ليست ملزمة، وبالتالي ما ينبغي إذاً على الرئيس المكلف ان يجري هذه الاستشارات، ويستمع إلى كل الآراء ثم عليه ان يخلد الى نفسه، وبالتالي أن يضع صيغة يعتقد هو انها قد تكون قابلة لان يصار الى ان عرضها على لجنة الامتحان وهو البرلمان، وبالتالي ان يأخذ الثقة من هناك.

إذاً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة محكومان بأن يتفقا. انا اعتقد حتى الآن طالما استمرت هذه الأفكار لدى البعض بأن همّه هو في كيف يمكن له أن يزيد حصته، فإنّ الأمر لا يمكن يحل بشكل صحيح.

أساساً، عندما جاء الرئيس ماكرون الى لبنان بعد التفجير الخطير الذي تعرض له لبنان نزل اول شي من بعد ما استقبل الرئيس عون بالمطار نزل مباشرة إلى مكان الانفجار وهناك رأى الناس وسمع منهم ماذا قالوا له؟ قالوا نريد حكومة بتفكير جديد وبعقل جديد وبممارسات جديدة لأنهم سئموا خلال الفترات الماضية، ولاسيما خلال السنوات العشر الماضية عندما رأوا ورأينا أنواعاً ونماذجاً لما سميت بحكومات الوحدة الوطنية والديموقراطية التوافقية التي تحولت إلى حكومات الفيتوات المتبادلة، وكذلك المقايضات المتبادلة. صاروا أعضاء الحكومة يتصرفون على قاعدة "مرقلي لمرقلك". وبالتالي لم يعد الهمّ لديهم إرضاء المواطنين أو ارضاء لبنان، بل صار همهم هو إرضاء بعضهم بعضاً، وأكثر من ذلك، لأنّ هذه العملية أدت الى فقد النظام الديمقراطي قدرته على إيجاد الحلول للمشكلات. أي أن تمارس الحكومة عملها التنفيذي، وأن تمارس المعارضة دورها في تصويب العمل الديمقراطي البرلماني عبر الآليات الديموقراطية لهذا النظام.

س: قبل أسبوعين قلت يا دولة الرئيس ان الرئيس سعد الحريري ليس في وارد الاعتذار ولا هناك استقالة لكتلة المستقبل هل ما زلت على التأكيد؟

ج: نعم، لأنّ الحاجة مستمرة بالرغم من كل ذلك الاستعصاء الذي شهدنا منه الكثير خلال هذه السنوات الماضية لتأليف الحكومة. والآن الاستعصاء لايزال مستمراً على تأليف الحكومة. وأنا اعتقد ان لا بديل سوى بتأليف الحكومة وانا باعتقادي أيضاً- وكما ذكرت- يوم السادس من كانون الثاني وبعد زيارتي للرئيس نبيه بري، أنّ امام فخامة الرئيس والرئيس المكلف خياران لا ثالث لهما، هو إما أن يؤلفا حكومة يرضيان بها السياسيين بما يتقاسموه بين بعضهم بعضاً من مناصب وحقائب وغيرها. بالتالي أرى أنّ هذه الحكومة سوف تولد ميتة، أو أن يجهدان من أجل أن يؤلفا حكومة يرضيان بها جمهور اللبنانيين والشباب الذين يريدون حكومة تستطيع ان تكون في مستوى الاحداث والتحديات. وكذلك بالتالي يرضيان بها ما يتمناه الاشقاء والأصدقاء في العالم من أن يصار إلى أن تتألف حكومة لبنانية تكون على قدر المسؤولية وتكون قادرة على استرجاع الثقة بين اللبنانيين وثقتهم بالدولة.

س: بما أنك تحدثت عن الأصدقاء في العالم يقال أن الرئيس الحريري- وبحسب آخر المعلومات- فقد كل الاغطية الخارجية الفرنسية الإماراتية والمصرية والسعودية في طبيعة الحال. هل دقيق هذا الكلام؟

ج: هذا الكلام كل واحد يحاول أن يردده ويعطي تفسيرات من تداعياته حتى أنّ البعض ذهب إلى القول "انو لازم الحريري يعتذر وبالتالي لازم يمشي. لأنه مش عم يقدر يجيب لا تغطية من فرنسا ولا من الامارات ولا من السعودية. أساساً شو دخلكم انتو بهذا الأمر".

الآن هذا الرجل حصل على تكليف واضح وثابت، وجرى التأكيد عليه من قبل مجلس النواب، وبالتالي يجب ان نتعامل مع الرئيس المكلّف على أساس ما يقدمه بعد ذلك من تشكيلة حكومية. وبعد الحصول على ثقة مجلس النواب يصبح مسؤولية الحكومة من أن تحاول ان تحصل على دعم من الخارج وهذا هو الأساس. فبالتالي ليس مقبولاً ما يحاول البعض ان يبديه من حجج واعذار ومحاولات للخروج من الأسباب التي يقولوها. فأعتقد ان هذه هي الطريق لمعالجة الأمور. استمرار إبداء الأعذار هي وسيلة من الوسائل التي يعتمدها كل من الرئيس وصهره جبران باسيل، بأنهم أبدوا رأيهم أكثر من مرة انهم لا يريدون سعد الحريري. وهذا الأمر وهذا المنحى لرفض الرئيس المكلف ليس من صلاحيات رئيس الجمهورية، ولا أحد يستطيع سحب هذا التكليف للرئيس المكلف، والذي منحه إياه المجلس النيابي.

س: إذاً لا اعتذار لا استقالة حتى نهاية العهد. هناك سؤال يطرح لماذا الرئيس الحريري وأنتم كرؤساء حكومات سابقين حساسين كثير بموضوع الصلاحيات فقط عندما يتعلق الامر بشي بيعمله رئيس الجمهورية أو جبران باسيل. ولكن على ما بتكونو أكثر تساهلاً حيال الألعاب التي يلعبها الرئيس نبيه بري والخليلين وحتى الحاج وفيق صفا. البعض يرى إذا أقدم رئيس الجمهورية على تشكيلة بتقوم القيامة، أما إذا تدخل الخليلين وقدموا تشكيلة بتصير مقبولة؟

ج: أنا لا استطيع أن أقول ماذا يرى الآخرون لكن فيي احكي عن حالي انا موقفي واضح وعلى مدى كل السنوات الماضية المبدأ الاساسي هو في العودة إلى احترام الدستور والحرص على استقلال لبنان وسيادته ومن خلال ممارستي للمسؤولية كنت في الوزارة وكنت في رئاسة الحكومة وبعدها كنائب ورئيس كتلة كنت دائما حريص على هذا الامر، ربما لم انجح بسبب الأوضاع السياسية في بعض الأحيان وهذا امر طبيعي ولكن لم اداهن ولم ازايد ولم اتخلى وبالتالي هذا موقفي وانا اعتقد ان الشرعة التي يجب ان يلتزم بها اللبنانيون جميعا هي الدستور وأنا اعتقد ان الموروث الثقافي الذي استشهد به بشكل دائم هو يقول: "من ترك أمراً من أمور الشرع أحوجه الله إليه" وانا اعتقد ان الشرع هنا اعني به الدستور. كل نقطة نراها الآن هي تعبير عن الانحرافات التي تمت وعمليات الالهاء التي نتعرض لها في هذه الآونة مثل واحد عم بيسوق سيارة وبدو يروح ع طريق معين لازم يأخذ مفرق معين بدل ما يأخذ المفرق الصح بياخد مفرق غلط عندها يدرك أنه قد ضاع، الطريقة لأجل ان يجد نفسه وبالتالي وحتى يذهب وفي أقصر وقت ممكن الى المكان الذي كان يقصده في الأصل هو في العودة الى الاوتوستراد والطريق الواسعة وهذه الطريق هي الدستور.

نحن لا نتطلع على مسألة الصلاحيات إلاّ من زاوية العودة إلى احترام الدستور. واي افتئات على الدستور- من أي جهة كانت- أكانت من قبل رئيس الجمهورية أو من قبل رئيس المجلس أو ناتجة عن ممارسة التهويل الذي يمارسه حزب الله ومندوبيه هي مرفوضة بالكامل.

س: دولة الرئيس، ظاهرة تشكيل الحكومة اليوم هو الصراع بين الرئيس الحريري من جهة، ورئيس الجمهورية والنائب جبران باسيل من جهة ثانية. ولكن على افتراض ان حلت كل العقد، ماذا عن عقدة الأساس التي اسميتها وضعية حزب الله؟ هل يستطيع الشيخ سعد أن يشكّل حكومة ويكون لحزب الله تواجد فيها مباشرة أو مواربة وهل يقدر أن يأخذ رضا خارجي على هذه الحكومة؟

ج: أنا اعتقد أنّ هذه الحكومة الموجود فيها حزب الله وبدون أدنى شك ان افراده هم من الشعب اللبناني. طبعاً حزب الله ليس حزباً مسجل قانوناً في لبنان وليس حزباً معترف فيه قانونياً. ولكن أفراده لبنانيون وعلينا ان نتعامل معهم، ولكن من موقع احترامنا للقانون والدستور، فإن لبنان قد عانى خلال هذه السنوات، ولاسيما منذ نشأة حزب الله في العام 1982، عندما كان لبنان لايزال يعاني من الاجتياح والاحتلال الإسرائيلي. وبعد ذلك، وحتى نهاية الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، فإنّه بدون أدنى شك، وبكل وضوح وكلما تكلمت، كنت أقول انّه وخلال الفترة التي كان حزب الله، وحيث كان همّه الأساس اخراج إسرائيل من لبنان، وفي استعادة الأراضي اللبنانية المحتلة من إسرائيل الى السيادة اللبنانية. فطبيعي كان هناك ما يسمى قبولاً نسبياً لدى اللبنانيين بالدور الذي كان يقوم به حزب الله. إلاّ أنّ الامر تغير وتحوّل بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000 وفي نهاية العام 2006، وتأكد عند العام 2008، انّ هذه البندقية التي لايزال يحملها حزب الله، قد تحوّلت إلى اتجاهات مختلفة. فبدلاً من أن تكون هذه البندقية موجهة نحو العدو الإسرائيلي، اذ أصبحنا نراها موجهة نحو صدور اللبنانيين. وهذا ما جرى وشهدناه في شوارع بيروت وبكل المناطق. وتحولّت هذه البندقية بعد ذلك الى أن أصبحت موجهة نحو صدور بعض الدول العربية والاخوان العرب، أكان ذلك في سوريا او العراق او اليمن وفي لبنان وأيضاً في أماكن أخرى.

هذا الامر يجعلني دائماً أقول انّ الامر الذي يجب علينا أن نركّز عليه هو التأكيد على ضرورة انضواء حزب الله كحزب لبناني تحت سلطة الشرعية اللبنانية، وأن يعود إلى لبنان وبشروط الدولة اللبنانية، وأن تعود بالنهاية البندقية هذه تحت شروط الشرعية اللبنانية. وبالتالي هناك قاعدة يفهمها حزب الله، وهناك آية في القرآن الكريم تقول: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا". فبالتالي لا تستوي الأمور في أي بلد ان يكون هناك قراران متعارضان، أو ما يسمى ازدواجية السلطة، كان يقول لي والدي: "يا ابني رئيسان في المركب يغرقوه" فبالتالي ما بيركب أن يكون في الدولة أو في أي بلد سلطتان. في هذا الامر، كنا نقول ونردد حتى أيام الاجتياح الإسرائيلي انّ الأمر بالنسبة لسلاح حزب الله يجب ان يحل ما بين اللبنانيين بطريقة سليمة وسلمية، والتوافق على هذا العمل واجب لكي نتوصل الى هذه النقطة- هذا هو السؤال- هو كيف يمكن ان نصل بشكل معقول وبأسرع شكل ممكن حتى تستقيم الأمور. لانّ المشكلات التي تأتي عن وجود هذا السلاح أصبحت كبيرة جداً وليس حزب الله هو الطرف الوحيد المسؤول عن هذه المشكلات، ولكنه يعمق ويزيد من حجم المشكلات، وبالتالي أصبح لدينا حاجة من اجل معالجة مجموعة الامراض التي أصبحنا نشكو منها، وأن تسارع إلى إيجاد الحلول الصحيحة والناجعة، وليس أن نستمر في الإنكار وتضييع الأمور ظانين أنّ الوقت سيسهم في حلّها، بينما في الواقع أنّ الأمور تزداد تردياً وانهياراً على كل الأصعدة الوطنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية.

س: السيد حسن نصر الله قدم أخيراً هدية للرئيس سعد الحريري بإطلالته الأخيرة دعا إلى عدم وضع مهل وتواريخ للتشكيل بوقت كان الرئيس بري وحتى النائب باسيل عم يحطوا مهلة أسبوعين وحتى انحكي بمهلة أسبوع حاسم. السيد نصر الله وحزب الله نحنا منعرف انو ما سموا الرئيس الحريري ويظهر انهم من الأكثر تمسكا بالرئيس الحريري. هل يريد السيد نصر الله اراحة الشيخ سعد بهذا الموضوع أم العكس قاعد على جنب والضغط عم بكون بين فريقين عم يتشارعوا بانتظار نتيجة المفاوضات؟

ج: انت في بداية حديثك سألتني هل المشكلة بعدم تأليف الحكومة كلها داخلية؟ أجبتك بمعظمها داخلية ولكن هناك جوانب خارجية، وانا ما زلت اعتقد انه وبالرغم من كل المظاهر التي نراها بشأن موقف حزب الله الداعي لتسريع عملية تشكيل الحكومة اعتقد ان حزب الله ما يزال يتلطى وراء رئيس الجمهورية وجبران باسيل وهو لا يزال يريد ان تبقى هذه الورقة بيده ويستعملها في تحسين قوته التفاوضية بين إيران والولايات المتحدة في مفاوضاتها النووية. طبيعي عم يعمل كل المظاهر كي يبدو انه يحاول ان يقنع ويعطي فرص، ولكن كلاهما بانتظار الرياح التي يريد كل واحد منهما أن تملأ اشرعته.

س: هل هذا الشيء يجعل الشيخ سعد أقرب الى الحزب؟

ج: مشكلة الحزب مشكلة أساسية وكبرى ومستمرة، وهي مصدر أوجاع، لكن ما يسمى الوجع الحاضر الآن هو الوجع الذي يتسبّب به ويمارسه رئيس الجمهورية وجبران باسيل، لكن هذا لا يعفي ولا يغطي الوجع الآخر والاكبر الذي يتعلّق بموضوع السيادة اللبنانية، والذي يمارسه حزب الله بالتعدي على السيادة اللبنانية.

س: ما رأيك بكلام السيد نصر الله بدءاَ من قراره التفاوض كحزب مع إيران لشراء البنزين والمازوت بدون ما يعرف الشعب اللبناني كيف بدو يدفع وعلى أي أساس وانه يعرض 20000 متطوع لرفض الاحتكار؟ كيف قرأت كلامه؟

ج: أول شيء، أنا عندي وجهة نظر في موضوع إيران، انا أقول ان إيران حقيقة جغرافية وهي على حدود بلداننا العربية ونحن يجب ان نسعى لكي يكون لدينا معها علاقات مبنية على المصلحة ومبنية على الاحترام الكامل لاستقلال وسيادة كل بلد على عكس ما يُلوِّح به ويقول عنه المسؤولون في طهران بأن لدينا نحن سلطة وقدرة على التأثير الكبير في 4 عواصم عربية في بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء. بالتالي، فإن هناك ضرورة ماسة كي نمد أيدينا كعرب لإيران على أساس واضح جدا بعدم القبول بالتدخل ورفض نظرية ولاية الفقيه العابرة للحدود السياسية، وبالتالي رفض فكر التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية. وهذه هي أمور مرفوضة، وانا اعتقد ان ما يجري من استعصاء على سلطة الدولة اللبنانية لحساب إيران وعلى حساب لبنان والدول العربية فهذا الامر بالنسبة لنا كعرب في توضيح طبيعة العلاقة بيننا وبين إيران؟ اعتقد أن العلاقة يجب ان تكون علاقة ندِّية مبنية على الاحترام وعدم القبول بالتدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي من قبل إيران أو غيرها.

أما فيما خص موضوع البنزين والمازوت، أولا نحن جزءاً من هذا المجتمع الدولي، وبالتالي لا يستطيع لبنان ان يواجه المجتمع الدولي في هذا الشأن بالطريقة التي يقولها السيد حسن نصر الله. أنا كنت أتمنى عليه أن يقول: "أنتم من ماذا تعانون؟ أنا فيني ابعت نفط ومحروقات. وطبعاً إذا قدر- وأنا أشك- أنه قادر على أن يرسل لسوريا نفط، وبالتالي عندها ينجح من وقف التهريب من لبنان إلى سوريا". أما ما يسمى بالهدية الملغومة إلى لبنان التي قام بها السيد نصر الله، والتي تحمل معها الكثير من النتائج السلبية التي لا يستطيع أن يتحملها لبنان اعتقد انها لا تساعد، يعني بعبارة أخرى اللي بدو يساعد لبنان أولاً عليه أن يساعده في استعادة دولته. هناك من يدفعنا بشكل مستمر الى ان نفتش عن الحلول لمشكلاتنا في الأمكنة الخطأ وبالتالي يلهينا بهذه الأمور عن اعتماد الحلول الصحيحة. المؤسف عم يلهوا الشعب اللبناني الآن ويذلوه أكثر فأكثر وهؤلاء هم الذين يمنعون عودة الدولة اللبنانية لبسط سلطتها.

س: عودة الدولة بتصير عند البعض متل ما بشوفوها البعض عند الانتخابات. السيد نصر الله رفض نهائياً الانتخابات النيابية المبكرة، واعتبرها تضييع للوقت، وزيادة عن هيك أكد أنّ أي انتخابات ما لح تغير شيء بالمعادلات القائمة.

دولة الرئيس إذا بهكذا أزمة نحن نرفض نعمل انتخابات، يعني نحنا عن أي نظام نتكلم؟

ج: في الدول الديمقراطية، عندما يواجه بلد معين مأزق، ولإخراج نفسه من هذه المآزق، فهناك طرق معينة يتم اللجوء إليها:

  1. أن يستقيل رئيس الدولة، وهو بالفعل أصبح رمزاً لاستمرار المشكلات، لكن لا يمكن فرض الاستقالة على رئيس الجمهورية الا أن يبادر هو إلى ذلك. هذا الخيار مسكر.
  2. لما يصير في استعصاء بهذا القدر في الدول الديمقراطية تلجأ هذه الدول الى الدعوة الى الانتخابات المبكرة للعودة للطرف الأساس أي لإعادة بناء السلطات الدستورية من جديد. اما بنظامنا الديمقراطي، فهذه غير موجودة. وأنا برأيي الشخصي أنّ أحد مظاهر الاختلال في الدستور اللبناني حصل عندما سحبت القدرة من قبل الحكومة ورئيس الجمهورية من أجل استعادة توازن السلطات بحل مجلس النواب، يعني دستورنا اللبناني ينص على فصل السلطات وتعاونها. لذلك، ولكي يصار إلى استعادة توازن السلطات، فإنّ ذلك يكون بالقدرة عند رئيس الجمهورية والحكومة أن يعمدا إلى حلّ المجلس النيابي. وهذا الامر أصبح غير متوفر في دستورنا. وبالتالي، فإنّ حل المجلس النيابي غير ممكن.
  3. إذا ممكن يصير في استقالات وحتى الآن لا يبدو أن هناك استقالة ممكنة لأكثرية المجلس النيابي اللبناني.

اللي صار عنا لم يكن فقط خطأ كبير ارتكب في انتخاب رئيس جمهورية مثل الرئيس ميشال عون، لا يؤمن بالدستور اللبناني مع أنه هو الذي أقسم على احترامه، ولكن ازدادت المشكلة عمقاً وحدّة أيضاً بقانون انتخاب شرير، أدّى الى تعميق حالة التشنج الطائفي والمذهبي في لبنان. والآن نرى بوضوح توجّه عدد كبير من الأحزاب لممارسة الشحن الطائفي والمذهبي لاستنهاض العصبيات الطائفية والمذهبية، وهذا أمر لا يفيد، بالعكس هو يزيد من حدّة الشروخ وهذا يؤدي الى تعميق الجورة التي نحن فيها.

س: هناك قانون اشتغلتو عليه كثير حضرتك وتوصلتم إليه بعد 8 سنوات؟

ج: لا نحن اشتغلنا على قانون ثاني. حكومتي الأولى أعدت مشروع قانون للانتخابات. إذ تألّفت لجنة خاصة كانت برئاسة فؤاد بطرس بعضوية عشرة أعضاء من كبار القانونيين، واعتقد أن كتار عم بشوفوا الآن أنّ ذلك المشروع كان يتضمن حسنات كثيرة، وبالإمكان إضفاء بعض التصحيحات عليه بما يحافظ على وحدة اللبنانيين وانسجامهم مع بعضهم، وليس التسبب بالمزيد من الشروخ داخل الصف الوطني.

الآن المأزق موجود، إذ نحن غير قادرين على أن نحل المجلس النيابي، ولا بإمكاننا أن تكون هناك أكثرية تستقيل من المجلس النيابي، وتدفعه إلى الاستقالة. حتى الذين يطالبون الآن أن بصار إلى تأليف حكومة انتخابات، اعتقد أنّ هذا هو هروب من المشكلة، ويؤدي إلى إدامة العذابات التي يعاني منها اللبنانيين. اللبنانيون يعانون الآن من عذابات مستمرة وفي حدا هلا عم يأخذهم لإطالة عذاباتهم، ولمزيد من العذابات لحين موعد الانتخابات النيابية، وما حدا بيعرف شو بيطلع بعد ذلك، بس البعض يريد أن يدفع لبنان نحو تجديد رئاسة الرئيس ميشال عون.

س: أي انتخابات أصلا في ظل السلاح تعكس التمثيل الحقيقي وتترك حرية الترشيح والانتخابات مثلا من عام 2005 مش قادرين تخرقوا في مناطق الأكثرية الشيعية وبالتالي الانتخابات في أماكن معينة تعكس تمثيل حقيقي؟

ج: أنا اعتقد أنه عندما يزداد الشحن الطائفي والمذهبي مثل ما هو حاصل حالياً، فإنّ الهدف هو دفع الناس حتى لا يتعاموا عن تبين حقيقة مشكلاتهم، ويركزوا على عداوتهم للمواطن الآخر ولبعضهم بعضاً.

س: دولة الرئيس، البعض يرى حزب الله يخرق بقوة الساحة السنية، الرئيس الحريري خسر حلفاؤه الـ14 آذاريين، وكمان حزب الله قدر يحصل على 6 نواب سنة ومن يومين شفنا زيارة من جهاد الصمد والاحباش للرئيس الحريري والبعض يتحدث انو هذه الزيارة تحضير لتحالفات انتخابية، البعض يسأل انو هل يستطيع حزب الله ان يدير المعركة الانتخابية؟

ج: أنا اعتقد أنّ الساحة فيها الكثير من المتغيرات، وبالتالي على أن الواحد يتنظر ليرى، ولكن أنا لا اعتقد ان مجيئهم جاء محاولة من قبل حزب الله.

س: نحن اليوم وصلنا الى نفق كارثي يعني نحن اليوم بلا أفق سياسي مالياً واقتصادياً. المفارقة انو كل الأطراف السياسية تشتكي وتقول نحنا حددنا بس نحنا ما قدرنا نعمل شيء. حضرتك عندك خطابات تاريخية خصوصا بمجلس النواب من التسعينات طالبت مرارا وتكرارا بالإصلاحات وترشيق حجم الدولة وترشيد إدارتها وغيرها وغيرها. يمكن ببعض الأحيان كنت غير شعبي حتى بالمطالبة بفرض ضرائب لتحقيق توازن بالاقتصاد. حضرتك كنت وزير مالية وعملت رئيس حكومة مرتين وتمثل تيار سياسي عريق وما قدرت ان تحقق التغيير. الرئيس نبيه بري كمان بيشكي والرئيس ميشال عون بعد 5 سنين من عهده كمان بيشكي وبقول ما عم بخلوني. القوات وحزب الله والتيار الوطني الحر بقولوا ما خلونا وما قدرنا. أما آن الأوان دولة الرئيس أن نعترف بعقم النظام اللبناني اللي صار شركة كل طرف عنده حق الفيتو والتعطيل وما حدا عندو صلاحية القرار. فلنعترف الكل شارك بالحكم وما عم نعرف مين اللي وصلنا لهون؟ هل نظامنا فاشل؟

ج: سأحاول ان استشهد بطرفة، تقول ان هناك كان شخصا كان يداوم على تعاطي الكحول وشربها ليلة وراء ليلة وكان يؤدي ذلك به إلى السكر، فكان هناك انتقادات عليه لدى عائلته وأصدقائه، وذلك بأنه لا يجوز أن يستمر هذا الشخص في هذه الطريقة بالعيش. فقال لهم: "سأجرب شيئاً آخر. أول ليلة شرب ويسكي مع صودا، سكر. ثاني ليلة، الليلة الثانية، شرب فودكا مع صودا، سكر. ثالث ليلة شرب جن مع صودا، سكر. فقرر عنها أنّ عليه يوقف شرب الصودا.

ما أقصده هنا، أننا نحن "عم نغطي السموات بالأبوات". المشكلة فينا وليس بالنظام. كما يقولون: "نلوم زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا". المشكلة عنا. هذا اتفاق الطائف أتى لحلّ مشكلة استمرار الحرب الاهلية اللبنانية، وانطلق من حقيقة أساسية وأكثر من عبر عنها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عندما قال أنّ قيمة لبنان بكونه رسالة العيش المشترك، أي أنكم تمثلون هذا التعارف والتكامل بين مكونات الشعب اللبناني، والتي هي نموذج لكم ولمحيطكم العربي وللعالم. ونحن نشهد حالياً أكثر فأكثر في العالم ما يسمى الدعوات بشأن الهويات المتقاتلة، فبالتالي ليس ما تقولينه وسيلة للمعالجة. صحيح أنه ربما يكون هناك مشكلة في النظام ربما تستدعي اعادة النظر في بعض الأمور، وذلك عندما يؤون الأوان، لكن المشكلة الأكبر هي في عدم التطبيق الحقيقي للنظام، أي لمندرجات اتفاق الطائف، ولضرورة استكمال ما نص عليه الطائف. هذا الامر طبيعي ما نراه انه كان هناك استعصاء، بل كان يجري المزيد من النفخ في جمر الطائفية في لبنان والامتناع عن تطبيق عدد من النصوص مثل الغاء الطائفية، وضرورة الإقرار من الجميع بأن اللبنانيين كلهم مثل بعضهم ومتساوون ولهم حق بتولي جميع المراكز، وبالتالي ضرورة تطبيق المادة 95 التي لم تطبق، وكان هناك إصرار مزمن على عدم تطبيقها.

س: هل وجد الطائف ليطبق دولة الرئيس ام فقط يطبق إذا كان تحت الوصاية؟

ج: لا، الذي جرى أنّ مشكلتنا كانت أننا كنا تحت وصاية. حصل هذا التطبيق على شاكلة: "الولد اللي توفت والدته وعم تربيه مرت بيو". فبالتالي ما بتكون حريصة كثير عليه يعني أقصد النظام السوري كان هو المشرف على تطبيق الطائف، فما كان حريصاً على التطبيق الصحيح لهذا الاتفاق. دعيني أعطي مثلاً عن سوء التطبيق في تطبيقه مثلا في قضية التشكيلات القضائية. الدستور ينص على فصل السلطات ما بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية. أنا عندما كنت رئيس حكومة، وكان هناك تشكيلات قضائية أقرّها مجلس القضاء الأعلى وقانون القضاء ينص على أنه إذا كانت هذه التشكيلات قد حظيت بموافقة 8 من أصل 10 أو 10 من أصل 10 من مجلس القضاء الأعلى. فإنه، وعندها تصبح صلاحية وزير العدلية ورئيس الحكومة ورئيس الجمهورية صلاحية مقيدة، بالتالي عندما وصلتني التشكيلات القضائية، وكانت بموافقة 10 من أصل 10، وتقيّداً بما كنت قد قلته أنه إذا اجتني التشكيلات القضائية، فأنا سأوقعها دون أن أراها، وبإمكان أي واحد أن يرجع للتاريخ وللجرائد ويشوف شو كنت قول. ولذلك، فقد وقعتها ودون أن أراها، ولكن الرئيس إميل لحود رفض توقيعها مثل ما صار اليوم مع الرئيس عون.

أكثر من ذلك، سأعطيك مثال آخر عن أمر، وبعدهم أعضاء المجلس القضائي عايشين حتى الآن وباستطاعتك أن تسأليهم. جاؤوني مجلس القضاء الأعلى في زيارة للقصر الحكومي وبالتالي رحبت فيهم، وقلت لهم كلاماً واضحاً، هذه أول زيارة بتجوا فيها لعندي وآخر زيارة لأني أنا اريد ان احترمكم كسلطة منفصلة، وعليكم أن لا تذهبوا وتزوروا أحد. طبقوا القانون الذي لديكم، وتحديداً المادة 95 من قانون القضاء لديكم الذي يعطيكم صلاحية تنقية القضاء. نحن نرى اليوم كيف نسيء تطبيق الدستور والقوانين.

س: هون بيت القصيد. أنت تقول أنّ هناك أحداً من الداخل يعطل النظام ومش هوي القانون فاشل بس إذا ما في قدرة على الإصلاح من الداخل؟

ج: لح ارجع ذكرك بالمثل اللي عم يتعاطى الكحول. هو يحاول أن يغير، ولكنه يرد المشكلة للمكان غير الصحيح. هو يفتش عن الفرص التي أضاعها بالمكان الغلط. لازم نرجع نواجه فعليا المشكلات بعقل منفتح وبرؤية واضحة وبرغبة وإرادة سياسية بأن علينا نحن ونريد ان نمارس ونطبق الإصلاحات ونريد ان نُخرِجَ بلدنا من ما أصبح عليه من مآزق. نحن الآن مش قادرين ان نؤلف حكومة لان رئيس الجمهورية يقول انو انا بدي وزيرين انا بدي سميهن وبدي امنع رئيس الحكومة ان يسمي الوزراء المسيحيين بينما هو لو أراد الآن ان يتصل بالرئيس المكلف ويقول اتفضل لعندي بدي حلها انا واياك، لو كان هناك حسن نية ما كنا وصلنا لهون.

س: عملياً، كل المؤسسات اليوم الدستورية والقضائية والإدارية ووزارات سقطت دولة الرئيس. من أيام مؤتمر سان كلو نحن نسمع عن تغيير النظام ونسمع عن المثالثة. أخيراً سمعنا عن تهديد بأنّه إذا بدها تنفرض انتخابات مبكرة الافضل نروح الى مؤتمر تأسيسي. وفي ناس عم بتقول كل ما يصير في اذلال للشعب اللبناني صحيا او على كافة المستويات بتصير الحاجة الى مؤتمر لتحقيق المثالثة. وكل المكتسبات تسجل في الدستور وهذا توقيت إقليمي مميز حتى الواحد يقدر يثبت مكتسباته. هل نحن ذاهبون الى مؤتمر تأسيسي أو الى نظام جديد؟ أي نظام واي توازنات؟

ج: هذا الامر هو كما يقول المثل: "كالمستجير من الرمضاء بالنار". الواحد بدو يهرب من شيء عاطل يقع بشر أعماله بمشكلة أكبر. الحقيقة انّ المسألة هي في لبنان وفي وجوب إقرار اللبنانيين بأنّ عليهم ان يمارسوا فهماً جديداً لمشكلاتهم وكيفية الخروج منها. أنا بتقديري ان الكثير من السياسيين اللبنانيين أصبحوا أسرى أنفسهم ويجب تخليصهم من أنفسهم، وبما يمارسونه من تهييج وإثارة ومحاولات اللجوء الى الأساليب الشعبوية والإثارة والإصرار على عدم العودة الى العقل والتعقل في معالجة المشكلات.

المشكلة التي نحن فيها الآن متعددة الأنواع، نحن أشبه ما نكون بمريض يعاني من مجموعة من الامراض يعني مثلا عندو مرض بالقلب وسرطان وعندو كورونا وغيرها، وبالتالي لازم يقتنع انه لازم يروح على المستشفى ولازم يقتنع انو يشوف الأطباء المتخصصين، ويتعاطى كل الادوية اللازمة للشفاء، وأن يثابر على تناول تلك الأدوية. في الحقيقة، لبنان يعاني من مجموعة من الامراض منها ان الدولة غائبة والدستور يُنتهك، وهناك اختلال في التوازنات الداخلية والخارجية وهناك مشكلات نقدية ومالية ومشكلات إدارية، ومشكلات مع السلطة القضائية وكل هذه المشكلات تتراكم وبالتالي أصبحت كلها مطبقة على اللبنانيين جميعا وبالتالي الآن الدولة أصبحت مخطوفة من قبل الأحزاب الطائفية والمليشياوية. كيف نعالج هذا الكمّ الكبير من المشكلات؟ ماذا نفعل؟ هل إذا هربنا من هذه المشكلات نستطيع بأن نخترع مشكلات جديدة بالعمل على الطعن بالدستور، وهو مما يدفع بالأمور إلى المزيد من المشكلات.

س: النظام سيصحح نفسه عن طريق الانهيار الشامل؟

ج: هذا هو الخطأ بعينه، وهذه التجربة شهدناها في عدة دول عربية عندما سقطت الدولة الوطنية وأصبحت هناك شقوق في هذه الدول العربية من سقوط هذه الدولة الوطنية نقوم نحن باختراع مشكلات جديدة. لا يجوز لنا نحن أن نجرّب تجارب ثبت فشلها. علينا ان نعالج مشكلاتنا ونحن كذلك نعاني من مشكلة اللا يقين. هل نزيد من حالة اللايقين او نعالجها؟ هذا الامر بحاجة الى أن نفهمه جميعاً ان لبنان ما عاد بالإمكان معالجة مشكلاته بالمراهم.

أتذكر في موازنة قدمتها في أيلول عام 2004 عن العام 2005، وكانت آخر موازنة أقدمها كوزير مالية. وقلت في حينها أنّ هذه موازنة شفائية وليست موازنة تسكينية، وبالتالي أردت في حينها أن أقول انّه الآن يجب ان نقدم حلولاً للبنانيين، وليس أن نخترع ونتسبب بمشكلات إضافية. بدنا نعرف انو ما في حبة دواء واحدة فينا نأخذها لمعالجة الأمراض التي نشكو منها. بل هناك مجموعة من الادوية. مثل ما قال البارحة أحد المتكلمين باسم الصندوق الدولي، قال: عم يعملوا إجراءات من هون وهون وهذه إجراءات ما بتعطي نتيجة إذا لم تكن جزءاً من باقة حلول كاملة ومتكاملة. اللبنانيون اجتمعوا وقرروا انهم يريدون هذه المناصفة بهذه الطريقة حتى تنهي ما يسمى هواجس البعض تجاه مسألة العدد. فبالتالي مشيوا بهذا الموضوع وهذه ليست منَّة من أحد. ماذا حصل عندما هاجمت إسرائيل في العام 2006 مش بس المقاومة كانت باسلة وصمدت لا في شغلتين أساسيتين حرصنا عليهما وحققناهما. في شغلة أنّ اللبنانيون احتضنوا بعضهم بعضا وكانوا متآزرين مع بعضهم وموحدين والامر الثاني ان اللبنانيون شعروا وشعر أشقاءهم وأصدقاءهم في العالم بأن "وراء الدركسيون شوفارية". وقتها كان في هناك حكومة تصرفت بأعلى مستويات المسؤولية اليوم، واقتنع اللبنانيون في حينها بقدرتها على إدارة دقّة الأمور واقتنع الأشقاء والأصدقاء بها. اليوم هناك حالة انقسام داخلي كبيرة تمارس من قبل رئيس الجمهورية وحزب الله وبعض المجموعات وأيضا ليس هناك من رؤية لدى أهل الحكم. ليس ذلك فقط، ليس هناك رؤية وليس هناك إرادة ولا قدرة قيادية.

س: هناك توجس دولة الرئيس من تقدّم إيراني في ظل رئاسة بايدن هناك مقايضة في اليمن مقابل لبنان؟

ج: ربما هناك شيء من هذا القبيل، ولكن هذا لا يمكن الحد من مشكلاته إذا اللبنانيين حددوا ماذا يريدون وتمسكوا بحقوقهم وبحرصهم على دولتهم وسلطتها الواحدة. في عبارة جميلة بالإنكليزي تقول: Stand up to be counted أي قف حتى الناس يعملوا لك حساب. اما تجي تقولي هيدا شو بدو وهيدا شو بدو هيك ما فيكي تعرفي شو بدك تأخذي. هذا الوضع يتطلب منا فهم حقيقي واستيعاب الحاجة لتكوين قيادة وإرادة سياسية ترى المشكلات، وتُبْعِدْ عنها مخاطر اللاقرار. هذه التجربة التي مررنا بها منذ 13 سنة، وهي حكومات اللاقرار. الحكومة مكان القرار وليس مكان للمجادلة والمساجلات. المجادلة تتم في مجلس النواب. اصدقاؤنا في العالم يقولون انه يجب عليكم أن تعمدوا إلى تأليف حكومة، وأن يكون لدينا قرار لنقدر نوصل الى نتيجة. يجب ان يرى العالم ان هناك من يريد ان يخرج لبنان من هذه المآزق. يجب أن نقنع ا لجميع أنّ لدينان الرؤية والإرادة والقرار والقيادة، وهو كما قلت لك أنه- وياللأسف- لازال غير نتوفر.

س: دولة الرئيس رغم كل ما يحصل في لبنان داخليا، الوضع السياسي في لبنان مرتبط بكل ما يحصل في المنطقة من حولنا. اليوم نحن عشية قمة بين بايدن وبوتين ستبحث بالوضع في سوريا والوضع في لبنان، هناك مفاوضات تجري في فيينا هناك مفاوضات خارجية حول سورية. ما بعرف إذا لازم نقول من حسن حظنا ان المنطقة تحتوي على الكثير من النفط والغاز. دفعنا في السابق ثمن القضية الفلسطينية وثمن الصراع العربي الإسرائيلي. هل سندفع اليوم ثمن صفقة القرن والتطبيع العربي الإسرائيلي والصراع العربي الفارسي وصراع الجبابرة على الغاز والنفط؟

ج: الحقيقة التي يجب أن نتمسك بها، وهي أنّ هناك مبدأ أساسي يقول: "انّ لبنان يجب أن يحكم بقوة التوازن وليس بتوازن القوة". لما يصير لبنان يحكم بتوازن القوى، فهذا يعتبر وصفة سريعة لعدم الاستقرار. يعني مثلاً إذا كنا 10 اشخاص واتفقنا على شيء ثاني يوم بيجي واحد من هؤلاء العشرة ويقول انا امارس الرياضة اليومية لتقوية عضلاتي، وهي قد زادت قليلاً. ولذلك، فإنّ هذا الاتفاق اللي عملناه لازم نعيد النظر فيه. هذا يعني ان بقية الأعضاء سيقولون إذا انت هيك بتقول كمان نحنا لازم نعمل رياضة ونقوي عضلاتنا وإذا عضلاتنا غير كافية وبإمكاننا أن نستعين بعضلات غيرنا. فبالتالي هذه دعوة مستمرة للااستقرار. فبالتالي علينا ان نقتنع أن لبنان يحكم بقوة التوازن الحقيقي وبقوة الدستور اللبناني، وليس باعتماد أسلوب توازن القوى الذي يؤدي إلى اللااستقرار الدائم.

س: حرب الخليج الثانية واجتياح الاميركيين للكويت كلها كانت على خلفية النفط والغاز؟

ج: ما في حدا يمكن أن يظن أنّ التاريخ باقي له. الرئيس رفيق الحريري الله يرحمه أخذ المقولة الموجودة على باب امارة الكويت ووضعها على باب السرايا الحكومي ليقول: "لو دامت لغيرك لما آلت اليك". انا اعتقد ان اللبنانيين امام امتحان كبير الآن وعليهم الادراك ان هذا الامر لا يمكن أن يدوم، وهذا ما ترينه الآن. قد تظنين أنّه عنصر من عناصر الدوام؟ وهو ليس كذلك. العالم يتغير بشكل مستمر. الهيمنة الإيرانية على المنطقة لا يمكن أن تدوم. هذا لا يعني هذا اننا نريد ان نتغلّب على إيران لا بل ان نعمل من أجل أن نعيش مع إيران، وذلك على قاعدة الاحترام المتبادل. مبدأ الغلبة لا ينطبق لا على إيران ولا علينا.

منذ ثلاثة أشهر، كان هناك من يقول ان القضية الفلسطينية انتهت والآن علينا ان نعلن الوفاة ونباشر بعملية الدفن. لقد جاءت هذه الحوادث الأخيرة الذي جرت في فلسطين 48 وفي الضفة الغربية وفي غزة لتقول للعالم كله ان القضية الفلسطينية لم تنته وهي بحاجة الى ان يصار الى إيجاد حل حقيقي، وبالتالي أصبح هناك من يقول في داخل الولايات المتحدة وفي داخل الجماعات الصهيونية يجب ان ننقذ إسرائيل من إسرائيل، مثلما أنه علينا نحن ان ننقذ جبران باسيل من جبران باسيل. هذا إذا استطعنا.

س: لننتقل الآن الى الملف المالي والاقتصادي وهو الاحب الى قلب الرئيس السنيورة. كنت وزيرا للمالية لأعوام طويلة. دولة الرئيس والمفارقة ان كل الأطراف في لبنان كانت تعلم وتقول إذا بقينا هكذا، فنحن واصلين لهون. وكثير من اللبنانيين لا يعرفوا أنك انت من أكثر المطالبين بالإصلاح وبترشيد الإدارات العامة وتقليص حجمها. في كلمتك عام 2018 اشرت الى ان كل محاولات الإصلاح كانت تصطدم بعراقيل شتى من كل نوع وحدب للسير بها. من كان وراء العراقيل؟

ج: انا قصتي طويلة مع الإصلاح، في مثل لبناني يتداوله كثيرون يقول: اعط الخبز للخباز لو اكل نصو". أنا عدّلت في هذا المثل لأقول: "اعط الخبز للخباز وراقبو حتى ما يأكل نصو" على بساطة هذا المثل، فإنه يختصر فكرتين أساسيتين الفكرة الأولى هي في اعتماد معايير الجدارة والكفاءة في تحمل المسؤوليات في الإدارات والمؤسسات العامة، وذلك كما يجري اعتماده في القطاع الخاص، بالتالي تعطى المسؤوليات الى أكْفائها وعن استحقاق وجدارة. وبالتالي عليك أن تخضعي هذا المسؤول للأصول الحقيقية في الحوكمة الصحيحة، أي للمحاسبة والمساءلة المؤسساتية وليست الفضائحية على الإعلام.

من خلال هذا العمل، سعينا على أن نعمل هذا الجهد وان نطبقه على مدى عدة فترات، وبالتالي كان ذلك من خلال الخطوة التي اعتمدتها عندما كنت وزيرا للمالية وبالتالي اعتمدناها. وكان من ذلك ما قمنا به من أجل أن يصار إلى تطبيق سلسلة رواتب ورتب جديدة في القطاع العام في نهاية العام 1998، وذلك بعد عدة سنوات من الدراسة والتمحيص واللجان النيابية والاجتماعات والمؤتمرات على مدى عدة سنوات حتى وصلنا إلى نهاية عام 1998، وعندها كان قد أصبح هناك مشروع موجود في مجلس النواب اقرته اللجان المختصة واللجان المشتركة، وما كان بدو الا أن يصار إلى إقراره بالهيئة العامة لمجلس النواب، وبالتالي أن يقر بمادة واحدة.

وقتها كان قد انتخب الرئيس اميل لحود ولم يكن بعد ولم يتل خطاب القسم. في ذلك الوقت، أرسل ضابطين الى الرئيس رفيق الحريري، وهما موسى الزهران وسالم أبو ضاهر ليقول للرئيس الحريري: "أنا موقفي واضح، أنا بمشي بالسلسلة ولا أوافق على تمرير الإصلاحات". وبالتالي أوقفت الإصلاحات بالكامل، ونزعت من مشروع القانون خمسة مواد إصلاحية من ذلك المشروع، وأقرّ القانون مبتوراً من أي إصلاحات.

حاولنا بعد ذلك عدة مرات بأن نعمل عدة مشاريع أو قوانين جرى إسقاطها.

عقب ذلك، مارست هذا الامر في حكومتي الأولى التي كانت في العام 2006 و2007 وطبقناها، حيث التزمت الحكومة آنذاك في إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة والاستحقاق، وذلك في اختيار وتعيين من هو كفوء لتحمل المسؤولية، وذلك بالرغم من ضغوط الاعتصام والحصار على السراي. كان هناك قرار وقانون مؤخراً ولكن مجتزأً حتى ما بقرب لجوهر المشكلة، صدر القانون ولم يقره الرئيس عون.

بالنسبة لموضوع الرقابة كان هناك دائما نقاش حاد بيني كوزير مالية وبين ديوان المحاسبة. كنت دائما أقول ان عمل ديوان المحاسبة امر جد ضروري ويجب ان يمارس بكل جدية، ولكن بدلاً من أن يكون التركيز على الرقابة المسبقة، والتي يمكن ان تتم عبر وزارة المالية، فقد كان رأيي ان الهدف الأساس لرقابة ديوان المحاسبة هي في تطبيق الرقابة اللاحقة لما يجري وهذا ما تتابعه الغالبية الساحقة من دول العالم، وتدعيماً لدور ديوان المحاسبة في إجراء الرقابة اللاحقة دعوت إلى الاستعانة بمؤسسات الرقابة الخارجية.

س: من كان يمنع؟ الفاسد في لبنان ليس له اسم؟ من يمنع الإصلاح؟

ج: الفساد في لبنان في جوهره هو فساد سياسي. مثلاً كان هناك من يتعاطف مع ديوان المحاسبة وتركيزه على الرقابة المسبقة وليست المؤخرة لأنهم ينظرون الى الموضوع ليس من زاوية الرقابة بل من زاوية من يمارس السلطة من يقول في آخر النهار. القرار الأخير أي من يقول نعم للإنفاق أو لا للإنفاق.

أنا أقول إنني حاولت أن أتخطى بعد عدة سنوات من الممانعة الرفض على الرقابة اللاحقة، واستطعت أن أمرّر في قانون موازنة العام 2001 المواد القانونية اللازمة لإخضاع جميع المؤسسات العامة في لبنان الى الرقابة اللاحقة من قبل شركات التدقيق الدولية للتدقيق الخارجي. وبعدها، وفي العام 2006، أقرّت حكومتي الأولى وبحضور كامل والاجتماع وقتها كان برئاسة الرئيس إميل لحود، أرسلت إلى مجلس النواب مشروع قانون ومازال هذا المشروع قابعاً الى الآن في ادراجه أي منذ 15 سنة ولم يقرّ. المفارقة الآن أنّ الذين ينادون الآن بضرورة اعتماد الـForensic audit. الآن هم ينادوا باعتماد هذا النوع من التدقيق لمصرف لبنان، وهم كانوا اكثر الناس اعتراضا على تعيين شركات دولية للتدقيق. موضوع التدقيق الخارجي عرضته ليس استبدالاً لدور ديوان المحاسبة، بل إضافة لدور ديوان المحاسبة، والذي هو تطبيق للفقرة الثانية من هذا المثل الذي استشهدت به: "راقبو حتى ما ياكل نصو".

س: فينا نقول لم نعطل ونمنع الإصلاح حتى ما روح على اسم. هو تحالف السلاح والفساد؟

ج: طبيعي. الفساد في لبنان ليس فقط من يمد يده على الجارور ويسرق مصاري وهذا موجود. ولكن الفساد الأساس هو فساد سياسي، وهو ما يسمى باستتباع الدولة لصالح السياسيين، واستتباع الدولة لصالح الأحزاب الطائفية والمذهبية وفي مقدمها مصلحة حزب الله. وهناك مشكلة العلاقة الزبائنية مع المواطنين. يعني انتي مواطنة لك حق أنه بدك وظيفة معينة ما بتاخديها الا بعد ما تترجي هيدا النائب ليساعدك وهوي بيحرص على انو ما تاخديها إلاّ لتجي لعندو وتطلبيها منه. والفساد أيضاً مثلاً، إذا عندك مطلب معين مش بس وظيفة ما تحصلي عليه الا عبره وما يصير هناك مشروع ينفذ إلا عبره وما يصير في توزيع للمغانم الا عبره وهذا ما يسمى الزبائنية والمحاصصة، وهي المفارقة الكبرى في الممارسة السياسية التي تستشري الآن في لبنان.

النائب والوزير هما خدام للشعب. وأنا أقول من أول يوم، أن هذا الامر الذي يجب ان نسعى له أيضاً، وهو في حوكمة إدارات الدولة ومؤسساتها، وكذلك أيضاً في ترشيق الدولة، أي ان الدولة يجب ان تكون رشيقة، وليست فضفاضة وليست في توظيف أنا لا حاجة حقيقية لتوظيفهم.

كنت وزير مالية وكانت إحدى المؤسسات التابعة لوزارة المالية "الريجي" كان عدد الموظفين فيها 2225. وبعد ان اخذت قرار بمنع التوظيف الجديد بالريجي، فأنا تركت وزارة المالية بعد مرور 10 سنوات فيها تقريبا 1000 موظف، علماً أنّ حجم العمل زاد سبعة مرات. وانا فخور بهذا العمل.

الإصلاح في الإدارة ليس أغنية نغنيها أو قصيدة نلقيها من على المنابر، بل هو فعل التزام ومثابرة، ويتوجب اتباعها، وأن يكون الكلام متناسق دائماً مع الأفعال ومنسجم معها، وليس فقط أن نردّد أقوالاً وتكون أفعالنا غير ذلك.

س: دولة الرئيس اليوم وبالأرقام هناك فجوة مالية كبيرة تقدر بحوالي 140 مليار دولار بموجبها ودائع اللبنانيين مع انو هيدي الأرقام وجهة نظر في لبنان ما حدا بيعرف حقيقتها وما حدا بيعرف قيمة الدين وقديش في أموال بمصرف لبنان وبالمصارف ما حدا بيعرف أي رقم مطلقا. البعض يسميها سرقة العصر. كيف يمكن الخروج من هذه الكارثة.

ج: في الحقيقة، انّ الدولة اللبنانية منذ العام 1975، وهي تعاني من عجز في خزينتها ودين عام متضخم في ذلك التاريخ. يعني الدولة عم تتدين وتنفق، وكان يتوجّب على الدولة اللبنانية في نهاية سنة 1992: //3 مليارات دولار//. وهذا الدين العام مع فوائده قد أصبح يساوي في نهاية سنة 2020 أكثر من 35 مليار دولار.

الدعم للكهرباء خلال السنوات 1993-2019 يعادل 24 مليار دولار والفائدة على الأموال التي اضطررنا لاقتراضيها لتمويل سلف الكهرباء بيطلعوا حوالى 26 مليار دولار أي فعلياً أكثر من 50 مليار دولار. وهو يعني أنّ الكهرباء مسؤولة عن أكثر من خمسين بالمائة من مجموع الدين العام.

بنتيجة ذلك، فإنّ الدولة اللبنانية تتلاشى وقوتها للممانعة تقل وأصبحت أكثر هشاشة.

بعد ذلك، الذي جرى خلال السنوات من مطلع العام 2011، هناك أربع مؤشرات أساسية تبين ماذا حصل في لبنان:

1-بدل من أن يكون النمو الاقتصادي كما كان خلال السنوات: 2007- 2010 بحدود 9.5% انخفض الى ان وصل الى ما بين 2 و -2% على مدى السنوات بين 2011 الى 2019 وبعدها أصبح سلبياً بشكل كبير.

2- العجز في الخزينة بدا يحقق زيادات كبرى ابتداءً من العام 2011.

3- ميزان المدفوعات للبنان بعد ان كان يحقق فوائض كبيرة جدا خلال السنوات 2007 و2010 أصبح يحقق عجوزات سنوية كبيرة في ميزان المدفوعات.

4- مصرف لبنان بدأ ومنذ العام 2014 ان لا يكون لديه احتياطي صافي بالعملات الأجنبية، أي أنّ مصرف لبنان أصبح لديه احتياط سلبي بالعملات الأجنبية بما يعني إذا جمعنا كل موجوداته ومطلوباته بالعملات الأجنبية من غير الذهب أصبحت سلبية، أي أنّ مصرف لبنان استنفد كل الاحتياجات النقدية الصافية التي تجمعت لديه في الأعوام 2007- 2010، وصار عم بدين الدولة من أموال المصارف. ما عاد عندو فوائض او ما يسمى الاحتياط الصافي.

هذه كلّها زادت من هشاشة الوضع المالي، وبالتالي أصبح وضع لبنان قابل للسقوط عند أول هزة، وكما يقول المثل "القشة التي قصمت ظهر البعير" هل يعقل ان البعير انكسر ظهره من قشة؟

س: الكل كان شايف والكل استمر بزيادة الأعباء على كاهل الدولة؟

ج: سأقول كلمة حق. إنّ القول بتحميل رياض سلامة بأنه المسؤول الوحيد عن كل ما جرى فيها افتئات بالحقيقة. ولكن القول بأنه غير مسؤول أيضاً غير صحيح. أنا كنت أقول لرياض سلامة ليش القانون اعطاك هذه الحماية والحصانة تجاه السلطة السياسية يعني بكلام آخر، ما في حدا بيقدر يشيلك من مركزك كحاكم. لماذا؟ هذه الحصانة التي أعطاك إياها القانون لكي تكون وتضل ثابتاً على موقفك في التعامل مع السلطتين التنفيذية والتشريعية.

هذا مقصود في البنوك المركزية وفي قانون البنك المركزي اللبناني، حتى يقول بالفم الملآن للسلطة كفى؟

كان المفروض أن يقف رياض سلامة ويقول ومعه المجلس المركزي لا للسلطة السياسية في إيقاف هذا الانفلاش في الإنفاق وفي ترتيب الأعباء على الخزينة اللبنانية. الذي حصل أن الأمور كانت تتردى تدريجياً. لا يمكن تحميل رياض سلامة فقط عمّا جرى. إذ أنّ هناك تخل من قبل السلطة السياسية عن مسؤوليتها بشقّيها التنفيذي والتشريعي، وبالتتالي كان يفترض ان يتوقف هذا الامر، وكان على المسؤولين في الحكومة والمجلس النيابي العمل من أجل إيجاد الحلول الحقيقية.

الآن لا يوجد فقط انهيار في الثقة ما بين اللبنانيين وبين الحكومات وبين العهد ورئيس الجمهورية وبين المنظومة السياسية بمن فيها من الأحزاب السياسية. هناك انهيار في الثقة في المستقبل، وكذلك هناك انهيار في كل المؤسسات منها المؤسسات المصرفية، التعليمية، القطاع الاستشفائي، القطاع السياحي، القضاء الذي أصبح وسيلة لممارسة الشعبوية وللأحكام القضائية الميدانية. يعني القاضي الذي يصدر احكامه مثل أيام الثورة الفرنسية أيام "روبسبير" كان مدعي عام متنقل كان يروح من مكان لمكان يصدر الاحكام وتنفذ هذه الاحكام فوراً. هذا الوضع الخطير لم يعد بالإمكان معالجته يجب ان نعود إلى الاحتكام إلى الدستور وإلى القانون.

س: عم بتقول بدنا نرجع، هذه الطبقة اللي تسبب بالكارثة، هل هي نفسها اللي بدها تخلصنا من ما وصلنا إليه؟

ج: أنا اعتقد ان هذه الطبقة السياسية انتهت ويجب ان تنتهي ويجب ان يصار الى استبدالها، ولكن ليس فقط أن نترحم عليها او نستبدلها بناس يمارسوا أفظع منها. طبيعي هذه الممارسة لا توصلنا إلى الخلاص من مشكلاتنا. المسؤولين الذين نراهم اليوم لديهم نشوة في انهم وصلوا إلى محل معين بمن فيهم حزب الله وغيره. هؤلاء برأيي انتهوا ولكن متى يحصل ذلك؟ لا اعلم. ولكن التاريخ قد حكم عليهم. هم قادرين على إخراج لبنان من مآزقه. متى يكون تاريخ إعلان الوفاة لا أدري ولكنهم انتهوا.

س: حضرتك وصفت بكتاب للرئيس نبيه بري بتاريخ 22 نيسان 2019 انو صار في كثير قرارات شعبوية ولم يتم تبني أي إصلاحات عندما كنا قادرين على أن نقوم بها وليس عندما أصبحنا مجبرين عليها وقلت حتى لما أصبحنا مجبرين لم ننفذها. اشرت الى تنافس شديد بين مختلف الدويلات المليشياوية والطائفية والمذهبية لابتلاع الدولة وتجريدها من سلطتها وصلاحياتها. اول سؤال تبادر في ذهني عندما قرأتها: الم يكن تيار المستقبل أيضا دولة الرئيس أحد هذه الدويلات الطائفية داخل الدولة الى جانب حلفائه وخصومه حتى؟

ج: أول شيء الكتاب الذي ارسلته الى الرئيس بري هو واحد من 13 كتاب مماثلة لبعضها بعضاً. وأولها لفخامة الرئيس عون ولكل الوزراء المعنيين آنذاك و13 واحد من القياديين. وانا أرسلت مع تلك الكتب كل المستندات، ومستشهداً بمشروع قانون الموازنة التي أرسلتها في أيلول من العام 2004 عن موازنة العام 2005. أنا قلت ان هذه المشكلة لا تقتصر فقط على حزب من الأحزاب لكن طبيعي كل واحد ذنبه على قدو بس الكل أسهم بما وصلنا اليه بما فيهم تيار المستقبل.

س: لماذا لم يتمكن فؤاد السنيورة كرئيس حكومة او كوزير للمال مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري لإنجاز المطلوب. اليوم عم نحكي عن الرئيس السنيورة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري بكل علاقاته والانغماس العربي والرهان عليه وامكانياته المالية لم نستطع انجاز الإصلاحات معه هل علينا ان نفقد الامل اليوم؟

ج: لا، طبعاً لا. الرئيس رفيق الحريري سعى كل جهده وكان من اهم ميزات رفيق الحريري أنّه عمل ما باستطاعته من أجل تحويل المشكلات إلى فرص. في العام 1996، وبعد الاجتياح التي قامت به إسرائيل آنذاك، وحصول مذبحة قانا. بالتالي سعى الحريري مع الأميركيين والروس والعرب من أجل إنقاذ سعي الحريري من أجل عقد مؤتمر لأصدقاء لبنان في واشنطن. وانا كنت حاضرا معه وقد تمّ تأمين التزامات لدعم لبنان آنذاك بحوالي 3.6 مليار دولار دعم للبنان من خلال هبات وقروض ميسرة للمشاريع، وقروض ميسرة لاستبدال دين عالي الكلفة. ولكن كان يفترض ان يقوم لبنان بالإصلاحات التي كان ينبغي عليه القيام بها. ولكن تلك الإصلاحات لم تحصل.

بعدين صار في خلافات من اجل انتخاب الرئيس لحود والمشكلات التي سادت بعدها، والذي جرى بعدها في عام 1998، اعتذر الرئيس الحريري ثم عاد في العام 2000.

استطاع الرئيس الحريري بعدها أن يعمل من اجل ان يعقد مؤتمر باريس-1. وبالتالي، انعقد مؤتمر باريس-1 من اجل اجراء الإصلاحات، وبعدها باريس-2. ومن ضمن الأشياء اللي انعملت عشان الإصلاحات مثل ما جرى من إصلاحات الـMEA وفي زارة الاعلام وتعديلات قانونية بنظام التقاعد، وطبقنا الضريبة على القيمة المضافة عام 2002 وعملنا عدة قوانين منهم 3 قوانين أساسية بتاريخ الدولة اللبنانية: قانون للكهرباء والاتصالات وللطيران المدني، اقرها المجلس النيابي عام 2002. ولكن- وللأسف- لاتزال هذه القوانين غير مطبقة الى الآن. لأنّ جبران باسيل يقول: "انا ما بيعجبني قانون الكهرباء، وأنا ما بدي طبقه". ثم بعد العام 2002، انعقد في مؤتمر باريس-3 في العام 2007. وكل هذه المؤتمرات حصل لبنان على تعهدات من قبل المجتمع الدولي، يعني بمؤتمر أصدقاء لبنان ومؤتمر باريس-1 وباريس-2 وباريس-3 ومؤتمر ستوكهولم وفيينا وسيدر، حصل على ما يقارب 32 مليار دولار.

الذي جرى أنّه تمّ تضييع تلك الفرص التي كانت متاحة، لأننا لم نستعملهم أو استعملنا اللي حصلنا عليه لكن نكلنا بكل الوعود التي قطعناها لأشقائنا وأصدقائنا. ثم كان هناك سيدر. انا عم بعطي الأمثلة لأقول في النهاية نحن يجب ان نكون واضحين امام كل العالم ان هناك أمورا نستطيع ان ننفذها ونعطي صورة للعالم والاشقاء والأصدقاء بأننا جديرون بالثقة. وهناك أمثلة عديدة نستطيع أن ننفذها ونلتزم بها، ولا تتطلب منا صرف أموال، ولكنها عندما ننقذها تبين ونبرهن للأشقاء والأصدقاء بأننا جديرون بالثقة. لأعطيك أمثلة: يعني توقيع رئيس الجمهورية على حكومة اختصاصيين موثوقين. هيدي بدها موافقة مجلس الامن؟ توقيع رئيس الجمهورية على التشكيلات القضائية بدها موافقة الأمم المتحدة؟ ان يقول رئيس الجمهورية انا احترم الدستور. انا اناشد رئيس الجمهورية أنك الآن وقد مضى على رئاستك 55 شهرا في موقع السلطة ماذا تريد ان يذكرك الناس به؟ ماذا فعلت؟ انا مرة سمعته يقول انو "انا اللي عملت Forensic audit حتى هيدا لا يستطيع رئيس الجمهورية يحكي فيه. لأنّ اللي لازم يحكي فيه هوي أنا.

أنا الذي أرسلت مشروع قانون التدقيق، والذي مازال مجمداً إلى الآن وفريق رئيس الجمهورية كان ضده. فليجر إقرار هذا القانون.

هل يستطيع رئيس الجمهورية أن يقبل ويستمر في تجاهاه لحقيقة أنّ كل هذه القطاعات الرئيسية في الاقتصاد اللبناني قد سقطت؟

هل هو رئيس جمهورية لكل اللبنانيين ام هو فقط يمثل فريق واحد من اللبنانيين. رئيس الجمهورية فعليا هو رمز وحدة الوطن ويجب عليه ان يكون كذلك. اما إذا كان يريد ان يكون لفريق من اللبنانيين فأنا اريد ان اسأله ان هذه القطاعات الاقتصادية التي سقطت ايامك هذه القطاعات هي في غالبيتها الساحقة تعود للمسيحيين. ماذا قدمت للمسيحيين يا فخامة الرئيس؟ انا اعتقد انو يا ليت فخامة الرئيس يقف امام نفسه وامام الناس ويستدرك هذه الأخطاء التي تراكمت ويبادر إلى إنقاذ نفسه وسمعته واسمه وتاريخه ويقوم فعليا باتخاذ القرارات التي تستعيد للبنان وحدته وتضامن اهله ويستعيد بالتالي لبنان قدرته على النظر امام العالم بأننا الشعب اللبناني يستحق أن يعيش، وهو شعب يستحق أن يُدْعمْ، وبالتالي علينا أن نقوم بمساعدة أنفسنا، وبالتالي نستحق عندها أن يساعدنا الأشقاء والأصدقاء.

س: هل يمكن إجراء أي إصلاح بدون سيادة فعلية فنحن دولة مرتهنة وفي مصلحة أنه نظل هكذا فارطين ليضل حدا مسيطر؟

ج: رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة. المهم ان نضع أنفسنا، وبدايةً رئيس الجمهورية، في الاتجاه الصحيح، أي أن تكون بوصلتنا صحيحة وان نخطو خطوة واحدة بالاتجاه الصحيح ونقول اننا سنلتزم بالمثابرة ونتقدم على هذا الأساس. العالم مش غبي، العالم ما عنده وهم بأن لبنان يقدر أن يحوّل الظلام الدامس إلى ضياء كامل خلال 24 ساعة. ولكن لبنان يستطيع أن يمشي بهذا الاتجاه، وإذا مشينا في هذا الاتجاه. اعتقد أنّ العالم أشقاء وأصدقاء يعطونا الثقة. نحن عندنا- وياللأسف- تراث طويل بعدم الالتزام بالوعود والعهود التي قطعناها.

س: دولة الرئيس، النموذج الاقتصادي الذي حمله الرئيس الشهيد رفيق الحريري مع السياسات المالية والاقتصادية والتي بني عليها سقط بشكل ذريع. يعني منطق أن يكون اقتصاد لبنان ليس مبنياً فقط على الخدمات من دون ما يكون على اقتصاد منتج يعمل توازن بميزان التجاري. البعض يقول انه سقط؟

ج: هذا فيه افتئات على الحقيقة. سأعطيك مثلا عن السيارة، انت تقودين سيارة وبالتالي لما تطلعي لتسوقي بتدوري الموتير وبتطلَّعي بالمرايا ومن ثم بتسوقي. نظام السير عنا بيقلك تسوقي على اليمين. إذا أنت أحببت أن تسوقي السيارة على الشمال، بالتالي ماذا يحصل؟ بتعملي حادث. هل تقع المسؤولية عندها على نظام السير أم عليك؟

النظام الاقتصادي يفترض أن يلتزم الشخص بكل مقتضياته. مش صحيح انو لبنان تحول الى نظام خدمات. لبنان تحول الى نظام الاقتصاد الحديث والقائم على الاعتماد على المزايا التفاضلية التي يتمتع بها لبنان. هذه المزايا التي يتمتع بها لبنان هي عند لبنان بنظامه بموقعه بطقسه بناسه بخبراته باللغات التي يتقنها اللبنانيون بمرونتهم بالمبادرات التي يتمتع بها، هذا هو نظامنا. نريد ان يكون لدينا صناعة؟ نعم ولكن صناعة متميزة قادرة على المنافسة. ان يكون لدينا زراعة؟ نعم، كما يجب ان يكون لبنان اخضر، ولكن زراعة قائمة على المنافسة الحقيقية. مثلاً هيدي إسرائيل عندها نفس الشيء، ولكنها تسعى أن تكون متميزة؟ متميزة مش بزراعتها العادية، ولكن متميزة بالزراعات القائمة على البذور، كيف يعملوا البذور؟

أنا أتذكر عام 1995 كنا في زيارة الى ماليزيا وكانت ماليزيا تتطلع في ذلك الوقت لتكون متميزة في قطاع الاتصالات وقطاع المعرفة، وكيف تصبح متميزة في هذا الشأن.

أنا ذهبت في العام 1993 إلى سنغافورة في رحلة رسمية. وقتها قال لي وزير مالية سنغافورة: بدي ذكرك معالي الوزير انّه في العام 1960 ارسلنا بعثة من سنغافورة إلى لبنان لنعرف كيف يمكن لنا أن نجعل من سنغافورة "لبنان الشرق الأقصى". جينا نحنا من ماليزيا بفكرة أن نعمل نظام الحاضنات. وهذا الشيء الذي أراد أن يطبقه الرئيس الحريري. وتمّ شراء الأرض باسم إيدال يلي هيي 100% للدولة اللبنانية اشترى قطعة ارض بمنطقة القريعة مساحتها 1,200 مليون متر مربع من اجل ان تكون مكان للحاضنات. يعني كل واحد عندو ابتكار من هذا النوع بكون عندو مكاتب مخدومه، بيقدر يشتغل على هذا الموضوع، ومكان من أجل الصناعات النظيفة ومناطق care and cure centers. ماذا كانت النتيجة؟ اتهموا الحريري أنه عم يعمل القريعة من اجل ان يوطن الفلسطينيين في لبنان!

س: يعني السياسة تتدخل وتمنع كل شيء؟

ج: نحن دمرنا لبنان بأيدينا. بالمقابل العالم عم يخطو خطوات واسعة ونحن نتراجع. الله يرحم والدي كان يقول لي: "يا ابني اللي بيسبقك فشخة بيسبقك كل الدرب". نحن الآن نتراجع لكن إذا لم تكن هناك إرادة إذا لم يكن هناك من قرار باسترجاع السيادة الحقيقية للدولة اللبنانية على قرارها فسيستمر التراجع وسيستمر الانهيار.

س: دولة الرئيس، مساعد الصندوق النقد الدولي رفض الكابيتال كونترول ورفض حتى أنه أين بدنا ندفع الـ400 دولار، ونحن لدينا عجز في العمولات الأجنبية. تحايلنا على صندوق النقد؟ ولماذا لم نتعامل معه؟

ج: أنا اعتقد ان البداية كانت غلط. من سنة 2020 كان المفروض بلبنان أن يذهب فوراً، وأن يتعامل مع صندوق النقد الدولي وبالتالي ان يستعين فيه وانو يروح لبنان بموقف واحد. التعاون مع صندوق النقد الدولي ضرورة. أساساً العالم من أجل أن يساعد لبنان، يعتمد على برنامج لبنان للتعافي الاقتصادي، ويكون البرنامج عييش وقادر ان يلتزم به لبنان، وكفى تجهيلاً للناس، وأن نبرر ذلك بأننا نخاف من التعامل مع الصندوق النقد الدولي.

س: في الختام أسئلة سريعة ودسمة، هناك من يقول ان لبنان يدفع ماليا واقتصاديا ثمن هزيمة قوى 14 آذار وانتصار حزب الله ومحور الممانعة. هل قوى 14 آذار اليوم عم تبكوا وطن ودولة وحكم لم تتمكنوا من الحفاظ عليه ومتى يحين أوان المواجهة الفعلية؟

ج: أولاً، لبنان لا يدفع هزيمة 14 آذار الذي انهزم هو الدولة اللبنانية، انهزم الدستور اللبناني. المشكلة في 14 آذار بأنها لم تكن على مستوى ما طمحت اليه وما طمح اليه اللبنانيون وبالتالي أصبح كل فريق من فرقاء 14 آذار يبحث عن حصته. قديش أنا بيطلعلي من هذه العملية، ولم ينظروا اين هي مصلحة لبنان. وانا اعتقد ان هذه العملية يجب على كل واحد ان يجري مراجعة ومحاسبة بينه وبين نفسه، ماذا حصل واللي بعدو مش مقتنع بدو يقتنع لأنّ اللبنانيين لن يرحموا أولئك المسؤولين الذين أعطوا فرصة وضيعوها بمناكفاتهم.

س: في بداية الحلقة دولة الرئيس، ذكرت تفجير 4 آب وليس انفجار. هل لديك أي معلومات؟

ج: كلا، ولكن لديّ ما يسمى وجهة نظر. فلقد بادرت صباح 5 آب إلى الاتصال بالأمين العام لجامعة الدول العربية، وقلت له: يا احمد نحنا صار عنا مبارح كذا وكذا. أنا أرى انها جريمة العصر. ليس لديّ معلومات، ولكن أعتقد وبهذه العملية المريبة، لا اعتقد أنّ القضاء اللبناني سيكون قادراً على معالجتها بالطريقة الصحيحة. نحن اليوم لدينا اجتماع كرؤساء حكومات سابقين. هل ممكن أن اطرح إذا تعذر المطالبة بتحقيق تجريه لجنة تحقيق دولية؟ هل بالإمكان أن نطرح شيء كلجنة تحقيق من قبل الجامعة العربية. فقال فوراً: أنه يؤيد مثل هذا الاقتراح. ولذلك، فقد صدر بيان عن رؤساء الحكومة السابقين صباح 5 آب للمطالبة إما بتحقيق دولي، أو من قبل لجنة عربية، وبالتالي أنا أقول لك أنّ هذه الكميات التي نزلت في مرفأ بيروت، بالرغم من أنه ممنوع على أي أحد من لبنان أن يستورد غرام واحد من نيترات الأمونيوم بدون موافقة مسبقة من مجلس الوزراء. كذلك كنت أقول دائماً أنّ يداً سحرية كانت ترعى استمرار وجود هذه الكميات وتهريب قسم منها، لأن ما ثبت أنّ التفجير الذي حصل يوم الرابع من آب، هو لا يتعدى حجمه خُمس الكمية الموجودة، اين الكمية الباقية؟

س: سابقاً أنت نصحت الرئيس الحريري عبر الحدث في تشرين الاول 2020 بعدم قبول التكليف، وترك حزب الله وحلفائه أن يشكّلوا الحكومة لوحدهم. النصيحة رجع كررها وليد بك اليوم. بماذا تنصحه؟

ج: لقد قلت له قبلاً أن لا يترشّح ودعهم يتولون المهمة. وهم باعتقادي غير قادرين على تحمل هذه المسؤولية. أما وان الرئيس الحريري قد ترشح مع أنه خلافاً لنصيحتي، فإني اليوم أقول ان يستمر بالرغم من العراقيل التي ينصبوها له. لكن آنذاك كان موقفي صحيحاً.

س: ختاما دولة الرئيس لوين رايحين بهذا البلد؟ كيف بدنا نطلع من اللي نحنا فيه؟

ج: انا أقول يجب ان يكون لدينا إرادة، لا يوجد لدينا غير هذا الوطن ويجب ان نكون حريصين عليه ويجب ان نبقى صامدين إزاء كل هذه العواصف. القرآن الكريم يقول: "قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ" أي بعبارة أخرى إذا الخبيث زاد وكبر لا يصح وبالتالي لا يصح الا الصحيح. وهذا يتطلب أناس مؤمنين واثقين أصحاب إرادة وأصحاب قرار بأن يستمروا في قول الحقيقة ويواجهوا هذا العَسَفْ والتعنت والاذلال للبنانيين واذلال الدولة اللبنانية وانا اعتقد انو مهما طال الأمد سيبقى لبنان.

تاريخ الخبر: 
11/06/2021