الرئيس السنيورة لاذاعة الجزائر: أكثرالتدخلات الصارخة في لبنان عبر تدخل ايران وحزب الله في شؤونه الداخلية

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

اجرت الاذاعة الجزائرية عبر الاعلامية  سميحة هالي حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول مختلف التطورات في لبنان وفي ما يلي نص الحوار:

س: شكراً سيد فؤاد السنيورة لتلبيتكم دعوتنا لحضوركم معنا، وفي خضم أزمة اقتصادية وسياسية خانقة تباغت لبنان، وفي ظّل حكومة مؤقتة يقع على عاتقها الكثير من شؤون البلاد الضاغطة، ما هي الأسباب السياسية والاقتصادية الحالية التي تمنع تشكيل حكومة وتعيين رئيس للبلاد؟

ج: بدايةً أودّ أن أعبر عن اعتزازي وتلبية دعوتكم لي للحديث عبر الإذاعة الجزائرية إلى إخواني في الجزائر عن الهموم والمشكلات التي يعاني منها أشقاؤهم في لبنان.

مع طرحك لهذا السؤال، من المفيد أن أذكر أنّ لبنان قد مضى عليه الآن سحابة نصف قرن- ومنذ العام 1975- وهو يعاني الأمرين من حروب داخلية، ومن اجتياحات واحتلالات خارجية، وتحديداً من إسرائيل التي اجتاحت لبنان خلال هذه السنوات أكثر من ست مرات، ووصلت في اجتياحها إلى احتلال عاصمة لبنان في العام 1982. ذلك ما أدى إلى أن يتكبّد لبنان خسائر هائلة على كافة الصعد الإنسانية والوطنية والعمرانية والسياسية والأمنية والاقتصادية والمعيشية. وهذا ما أدخل لبنان في أزماتٍ كبرى، إضافةً أيضاً إلى تأثيرات المشكلات الإقليمية التي انعكست سلباً على لبنان، وأدّت أيضاً إلى إصابة الاقتصاد اللبناني وماليته العامة بمشكلاتٍ وترد كبير وخطير. كذلك بمشكلاتٍ على الصعيد السياسي، وهو ما نجم عنه ما يُسمى سيطرة الدويلات الطائفية والمذهبية والميليشياوية على الدولة اللبنانية وعلى الإدارات والأجهزة الرسمية اللبنانية.

تجدر الإشارة إلى أنّه كانت هناك وجهة نظر سادت لبنان بعد العام 1975، بأنّ أفضل طريقة من أجل إنهاء الحرب الداخلية يكون القبول بانضمام هذه العناصر الميليشياوية إلى جسم الدولة. ذلك على أمل أن تتخلّق تلك العناصر بأخلاق الدولة. ولكن ما حصل بعدها كان عكس ذلك تماماً، وهو أنّ الدولة اللبنانية تخلّقت بأخلاق الميليشيات. ذلك ما تسبَّب بأوضاعٍ سيئةٍ انعكست سلباً على الأوضاع الوطنية والسياسية والإدارية في لبنان. ولقد تمثّل ذلك أيضاً بعد ذلك في عدم قدرة لبنان أن يلتزم بالمواعيد الدستورية من أجل انتخاب رئيسٍ جديد للجمهورية، حيث تعذّر أن يُنتخب في لبنان رئيساً جديداً للجمهورية في العام 2008، وذلك لمدة سبعة أشهر. كذلك بعدها تعذَّر الانتخاب الرئاسي لمدة سنتين ونصف السنة في الأعوام 2014- 2016 حتى انتخب الرئيس ميشال عون. وها هو لبنان يعاني الآن من مشكلةٍ في عدم التمكن من انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وها قد مضى أكثر من سبعة أشهر دون أن يتمكن لبنان من ذلك.

خلال هذه الفترات تعطلّت آليات الحكم في لبنان، بحيث أنه ومنذ بداية العقد الثاني من هذا القرن أصبحت عملية تأليف الحكومات الجديدة أمراً يتطلب لإنجازه أشهراً طويلة، ولاسيما بسبب الإمعان في مخالفة الدستور.

على صعيد آخر، فقد تسبّبت تلك الأزمات المتلاحقة بتحمل لبنان خسارات كبرى على الصعيد الاقتصادي، وأسهم في ذلك تفاقم الممارسات الشعبوية على اكثر من صعيد سياسي واقتصادي ومالي، وهي الممارسات التي امعنت الأحزاب خلالها في ممارسة ضغوطٍ على السلطة التنفيذية لفرض أعباء لا يستطيع الاقتصاد اللبناني وماليته العامة من تحملها. ذلك ما ادّى بالتالي إلى الإمعان في ترتيب عجوزاتٍ كبرى على الموازنة العامة وفي الخزينة اللبنانية. وكل ذلك كان يجري بالتزامن وفي الوقت ذاته مع الاستعصاء المزمن عن إقرار أي من الإصلاحات التي يحتاجها لبنان، وهو الأمر الذي يوجب بطبيعة الحال أن يتحول ذلك العجز إلى دين عام متزايد. هذا الدين العام أصبح يكبِّل الاقتصاد اللبناني ويعيق مسيرته، وأدّى في المحصلة إلى الانهيار الذي عانى منه لبنان خلال هذه السنوات الأخيرة، والذي اتخذ شكل انهيارٍ في سعر صرف الليرة اللبنانية، ونسبة تضخم هائلة كان لها انعكاساتها السلبية الخطيرة على الأوضاع المعيشية والأمنية في لبنان.

هذه الصورة التي تعبِّر عن الحال الصعب الذي أصبح يمرّ به لبنان. وبالتالي فإنّي أرى أنّ ليس هناك من مخارج من هذا المأزق الكبير إلاَّ بالعودة إلى الأصول. والأصول يا سيدتي، هي بالعودة إلى التأكيد على ضرورة أن تستعيد الدولة اللبنانية دورها وقرارها الحر، والإصرار على العودة إلى حكم القانون والنظام وللتأكيد على احترام الدستور الذي يقوم عليه لبنان، والذي يقوم على فكرة العيش المشترك وعلى فكرة قبول الآخر المختلف.

كما تعلمين، لبنان بلد فسيفسائي، ولكن كلّهم لبنانيون، إذْ ليس هناك في الأعم الأغلب فروقات في الأعراق في لبنان، ولكن هناك مسائل مناطقية، ومسائل طائفية ومذهبية يجري استعمالها من قبل البعض من أجل إحداث شروخ وانقسامات في الجسم اللبناني.

س: ما هو الطريق الأمثل لولوج هذه المرحلة؟

ج: لا شكّ أنّ المفتاح الأساس The master key من أجل الخروج من هذا المأزق يكون بدايةً في انتخاب الرئيس الجديد للجمهورية، الذي هو كما يعرفه الدستور اللبناني رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والجامع بين اللبنانيين، وكذلك المسارعة بعدها من أجل أن يُستكمل بناء المؤسسات الدستورية في لبنان.

بالمناسبة، لبنان يفخر في أنّه كان من أوائل الدول العربية التي كان له دستور. وهو دستورٌ ينسجم مع الدساتير الحديثة التي تحترم حقوق الإنسان، وتحترم الأصول الديموقراطية، وأيضاً الحريات العامة.

لكن في المقابل، وعلى مدى سنوات عديدة، كان هناك من يحاول أن يستعمل لبنان من أجل زجِّه في محاور إقليمية، وذلك تلبيةً لمطامع إقليمية ودولية. وهذا الأمر لا يستطيع أن يتحمله لبنان. فلبنان بلد صغير بحجمه وبعدد سكانه، وهو كان يشكو ولايزال من حالة استعصاءً مزمن على الإصلاح.

الإصلاح الذي يمكن لبنان من العودة إلى التلاؤم مع المتغيرات والتحولات الجارية في العالم، وبذات الوقت من أجل أن يتلاءم اقتصاده وإدارة الدولة فيه مع حاجات أبنائه في الحاضر والمستقبل.

في الحقيقة، لا يستطيع لبنان أن يستمر من دون أن يتلاءم مع هذه المتغيرات، ولا يستطيع من دون ذلك أن يحافظ على ميزاته التفاضلية التي تمكِّنه من أن يستطيع أن يخفّض العجوزات في موازنته العامة وفي الخزينة اللبنانية، ويمكنه أيضاً من أن يعمد إلى ترشيق الدولة، ولإعادة الاعتبار للحوكمة الصحيحة في الإدارة الحكومية وأيضاً في إعادة الاعتبار للكفاءة والجدارة في تحمّل المسؤوليات في إدارات الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، واعتماد قاعدة المحاسبة على أساس الأداء والعودة إلى حكم دولة القانون والنظام، واحترام الشرعيتين العربية والدولية.

هذه هي الأشياء الأساسية التي يُمكن ان تخرج لبنان من هذه المآزق المتراكمة والمتناسلة على مدى هذه السنوات.

هل هناك إمكانية للخروج من هذه المآزق؟ الجواب: نعم، وبدون تردّد. ويكون ذلك شريطة أن يصمّم اللبنانيون إلى العودة بالنظر إلى الأمام، وذلك على أساس ما يسمى استعادة ثقة اللبنانيين بالمستقبل، وكذلك ثقة المجتمعين العربي والدولي بلبنان ومستقبله. لأننا لا يمكن أن يبقى اللبنانيون مهجوسين وملجومين ومنشدّين إلى الماضي. المسألة الأساس في ممارسة العمل الجاد من أجل أن نجمع اللبنانيين على التشارك في بناء المستقبل.

هذا لا يعني أن يُصار إلى السكوت عن الأخطاء التي يُمكن أن تكون قد ارتكبت في الماضي.

تعلمين أنّ هذا أمر مهم جداً، وكما يقول ديننا الحنيف: "وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ". ولكن هذا القصاص لا يكون عبر المحاكمات الميدانية والجماهيرية والشعبوية التي اشتُهر بها روبسبير أيام الثورة الفرنسية. المحاسبة تكون على أساس الأداء، وضمن القوانين التي ينصّ عليها الدستور، وذلك في إجراء المحاسبة والمحاكمة العادلة، والتي يجب أن تتم عبر المؤسسات الدستورية والقضائية اللبنانية المختصة.

س: هل لايزال لبنان يعاني من التدخلات بشؤونه الداخلية؟

ج: من دون أدنى شكّ، يعاني لبنان من خلال تدخلات الآخرين في شؤونه الداخلية. وأكثر تلك التدخلات الصارخة، وتأتي في المقدمة ما تمارسه الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر حزب الله- الذي هو حزب لبناني- ولكنه حزب مسلح، ولكن أصبحت بندقيته تُستخدم في ممارسة الضغوط الداخلية وموجهة إلى صدور اللبنانيين، وبالتالي ما يؤدي بالحزب إلى التلاعب بالتوازانات الدقيقة التي في لبنان، والتي ينبغي الحرص عليها بين مكوناته الطائفية والمذهبية في لبنان. ويتم هذا التدخل لمصلحة إيران في صراعها مع الولايات المتحدة، وكل ذلك يجري على حساب مصادرة القرار الحر للدولة اللبنانية.

هذه لمحة عن أهم الأمور هي التي أصبح يُعاني منها لبنان. ولذلك، فإنّ الأمر الذي نتمناهُ أن يستطيع اللبنانيون سلوك الطريق التي تمكنهم من استعادة دولتهم لسلطتها الحصرية في لبنان واقرارها الحر.

هناك بعض التباشير بشأن الانتخابات الرئاسية، وذلك من خلال وجود مرشحان الآن لرئاسة الجمهورية أحدهما هو وزير ونائب سابق وزعيم شمالي هو سليمان فرنجية، وهو المدعوم من حزب الله ومن حركة أمل. وهناك الوزير السابق الدكتور جهاد أزعور، والذي كان وزيراً للمالية في الحكومة الأولى التي ترأستها في لبنان وأيضاً وهو بذات الوقت رئيس قسم الشرق الأوسط في صندوق النقد الدولي. وهو يتمتع بخبرات واسعة ومهمة وأيضاً يتمتع بالصدقية التي يحتاجها لبنان في هذه المرحلة، وهو مدعوم من عدد من الكتل النيابية.

هناك من يحاول أن يعطّل عملية الانتخاب، وأن يحول دون ان تمارس الانتخابات الرئاسية بالشكل الديموقراطي السليم، وتحت أعذار واعتبارات شتّى.

نحن لدينا تجربة في العام 1970، عندما ترشّح شخصان لرئاسة الجمهورية، وفاز أحدهما بأن حصل على 50 صوتاً من مجلس النواب، بينما حصل الآخر على 49 صوتاً. وبالتالي نجح آنذاك سليمان فرنجية الجد، الذي هو جدّ سليمان فرنجية النائب المرشح الآن.

المهم أن يستطيع لبنان مرة جديدة، وعقب الإنجاز الديموقراطي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية وفي تأليف حكومة إصلاحية مؤلفة من وجوه إصلاحية حقيقية وأن ينفتح لبنان بالتالي على العالم، وأن ينفتح على محيطه العربي، وذلك بعد سنوات من المشكلات التي تسببت بها البندقية التي يحملها حزب الله بكونها وبدلاً من أن تكون مصوّبة نحو إسرائيل بأن أصبحت مصوَّبة إلى الداخل اللبناني.

وهذه الإشكالية أصبحت تعني استعمال لبنان من قبل تلك الأحزاب والقوى لما ليس فيه مصلحة لأبنائه. أي ان لبنان في هذه المرحلة يمرّ في خضم مشكلة أساسية مع أشقائه العرب. وذلك بكونه قد أصبح مركزاً لتهريب المخدرات، وأصبح مركزاً من أجل التهجّم على الدول العربية الأخرى.

لبنان ينبغي أن يكون حريصاً على أن يكون على علاقة قويمة مع كل أشقائه العرب من المغرب والجزائر في الغرب إلى المشرق بما في ذلك كل الدول العربية في الخليج.

على مدى عقود طويلة ماضية، اكتسب لبنان هذه الثقة من أشقائه العرب بأنه حريص على العلاقات القويمة والصحيحة والبناءة مع الدول العربية، وذلك بما يمكنّه من أن يلعب دوره الحضاري الهام الذي لطالما لعبه على مدى العقود الماضية، والذي كانت هي في صلب ما استطاع لبنان أن يحقّقه من إنجازات وتقدم ورقي وحضارة منذ بداية عصر النهضة، من نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وحتى الآن.

المذيعة: سيد فؤاد السنيورة، شكراً جزيلاً لحضوركم معنا سيدي شكراً.

الرئيس: شكراً لك على إتاحة هذه الفرصة لي في هذه الاطلالة التي تمكّنت من خلالها أن أتحدث إلى أشقائي في الجمهورية الجزائرية الذين نعتز بهم، والذين نحفظ لهم كل الودّ في دعمهم لبنان، والذي يعتزّ لبنان أنه كان من الذين وقفوا إلى جانب الثورة الجزائرية في تحقيق التحرير من الاحتلال الفرنسي، وبالتالي تحقيق هذا الاستقلال الكبير للجزائر.

تاريخ الخبر: 
08/06/2023