الرئيس السنيورة للـ المشهد : حزب الله وحركة امل يتحملان مسؤولية ما يجري حايا من ازمة في لبنان

اجرى الاعلامي طوني خليفة عبر قناة المشهد حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناوللااخر التطورات في لبنان من مختلف جوانبها وفي ما يلي نص الحوار:
س: معنا من بيروت دولة الرئيس الأسبق فؤاد السنيورة. دولة الرئيس، بعد 17 عاماً على حرب تموز، يومها كنت أنت رئيساً للحكومة اللبنانية. انتهت الحرب لكن لم تنته الثغرات التي حلّت بلبنان سياسياً وأمنياً ومالياً وعلى كل المستويات. قبل أن ندخل في ملفات الداخل، السؤال الذي يطرح نفسه: هل فؤاد السنيورة اليوم هو نادم على ما اتخذه من قرارات أثناء حرب تموز؟
ج: كلا على الإطلاق. وعلى العكس من ذلك، فإنَّه لو عاد بي الزمن إلى تلك الفترة مرة ثانية لما اتخذت غير القرارات التي اتخذتها آنذاك. في الحقيقة، وإشارة إلى ما تطرّقت إليه في مقدمتك بشأن قرية الغجر، فإنَّه وقبل أن تجتاح إسرائيل لبنان في العام 2006 أي في العام 1978، فإنّي أودّ أن أذكّر هنا، بأن قرية الغجر هي بالفعل لم تكن قرية، بل هي كان
ت أرضاً لبنانية غير مسكونة محاذية لقرية الغجر الواقعة في منطقة الجولان السورية التي احتلها الإسرائيليون في العام 1967. ولذلك، وعندما احتلّت إسرائيل قسماً من لبنان في العام 1978، جرى انتهازها كفرصة من قبل سكان قرية الغجر السورية التي كانت من ضمن الأراضي السورية المحتلة للتوسع، حيث بدأوا يبنون بيوتاً جديدةً لهم، ويقيموا على الأراضي اللبنانية المحاذية لتلك القرية. إلاّ أنَّه، وعندما انسحبت إسرائيل من لبنان في العام 2000، باستثناء منطقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فقد انسحبت إسرائيل آنذاك من الأراضي اللبنانية التي تُسمى الجزء الشمالي من قرية الغجر. وأعني بذلك الأراضي اللبنانية غير المسكونة.
إلاّ أنَّه، وبعد أن اجتاحت إسرائيل لبنان في العام 2006، فإنها قامت مرة جديدة باحتلال المنطقة اللبنانية شمالي قرية الغجر السورية المحتلة، وهي لاتزال تحتل هذه الأراضي. وهذا الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة مخالف لقرار الهدنة أولاً ومخالف للقرار 1701 ثانياً.
من جهة أخرى، وعطفاً لما تطرّقت إليه في مقدمتك، فإنَّ الأوضاع العامة في لبنان لاتزال غير مستقرة، وهي غير مستقرة بسبب استمرار التهديدات الإسرائيلية، كما أنها غير مستقرة بسبب هذه السيطرة التي تمارسها الدويلة التي يتولاها حزب الله على الدولة اللبنانية. وهكذا، فإنّ الدولة اللبنانية لم تعد قادرة على ممارسة دورها وسلطتها الواحدة على لبنان، وهكذا يستمر التعدي على صلاحيات الدولة وعلى سلطتها الواحدة، ويستمر التعدي والتسلّط على إداراتها ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة.
هكذا يجري الحؤول دون استعادة الدولة لسلطتها الواحدة والكاملة، ويجري الحؤول دون استعادة الثقة لدى اللبنانيين بالدولة اللبنانية وبوجودها وبقدرتها على ممارسة سلطتها العادلة وغير المتحيزة لأي من الفرقاء. هذا الواقع المؤلم أدّى بدوره إلى نتائج سلبية كثيرة على كل الأصعدة زاد من حدّتها وتفاقمها الاستعصاء الكبير والمزمن على الإصلاح في لبنان على مدى عدة عقود ماضية. ولا نقلّل هنا ما أسهمت فيه المتغيرات السلبية والصدمات الكبرى التي حصلت في المنطقة العربية وعلى لبنان، ولاسيما ابتداءً من مطلع العام 2011، وتحديداً بعد الانقلاب الذي حصل على الرئيس سعد الحريري وحكومته، والتي تعاظم بعدها استمرار التعدّي على دور الدولة اللبنانية وسلطتها. ومن ذلك التطورات السلبية والصدمات التي حصلت في سوريا، وعدد من الدول العربية فيما سمي الربيع العربي- وكذلك في لبنان- ومن ذلك ما حصل بعد ذلك في العام 2016، والتي أتى بنتيجتها العماد عون إلى رئاسة الجمهورية، وذلك بعد تعطيل قسري لعملية انتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية لأكثر من سنتين ونصف السنة، ووصولاً بعد ذلك إلى ما وصلت إليه الأمور في لبنان حتى الآن، ولاسيما بعد الصدمات الاقتصادية والمالية والمصرفية الكبرى التي حصلت في لبنان في العام 2019، وكذلك في العام 2020 حين أعلن لبنان توقفه عن الدفع، وكذلك بعد أن حصل ما حصل في ذلك التفجير الكارثي لمرفأ بيروت.
س: أنا سألتك إذا كنت نادم على أي قرار اتخذته أثناء حرب تموز لماذا لأنه يومها قيل انّ حزب الله استدرجكم إلى اتخاذ قرارات من أجل إيقاف العملية العسكرية وإيقاف الحرب ولما توصلتم إلى الحل بالتواصل مع القوى الخارجية اعتبر حزب الله أن توقيف العملية العسكرية كان انتصاراً له، وأنكم كنتم الخونة والعملاء، وكنتم تنسقون مع الإسرائيليين من أجل القضاء على حزب الله. بمعنى آخر، قيل يومها أن حزب لله غدركم باتخاذ موقف لإيقاف الحرب ومن ثم اتهمكم بالعمالة والخيانة. ما هي حقيقة هذا الموضوع؟
ج: أنا أعتقد أنّ كل هذا الكلام هو باطل وافتراء من أساسه، وهو يُطلقُ على عواهنه، وليس إلاّ لبث شائعات يقصد منها تشويه صورة الخصم السياسي، وهي في الحقيقة لا تستحق حتى النظر إليها، ولا حتى الرد عليها لأنّ الحقائق الوطنية الدامغة التي حصلت، والتي بادرت إلى القيام بها وقامت بها حكومتي آنذاك تنفي وتدحض كل تلك الأقاويل والادعاءات، وتبين الدور الوطني الكبير الذي قمنا به لمنع إسرائيل من الانتصار.
على أي حال، أودّ هنا أن أشير- وبشكل عابر- إلى بعض ما حدث آنذاك. إذْ أنّه عندما حصلت الحادثة التي قام بها حزب الله صباح يوم الأربعاء في 12 تموز عبر الخط الأزرق في العام 2006، والتي استهدفت جنوداً إسرائيليين قامت الحكومة اللبنانية مباشرة باتخاذ موقف واضح وصارم، وهو ما أسميناه آنذاك بإيجاد مسافة ما بين الدولة وما بين المقاومة، لأنّ ما حصل كان يعتبر من وجهة نطر المجتمع الدولي اعتداء حصل من قبل لبنان ضد إسرائيل. وبالتالي، فقد عبَّرت الحكومة اللبنانية عن موقفها بأنها لم تكن تعلم. وبالتالي هي تتبرأ مما حصل، ولكنها تدين الاعتداء الإسرائيلي. ولقد نجحت الدولة اللبنانية آنذاك في أن يكون لها موقفاً واضحاً لبنانياً وعربياً ودولياً، وبالتالي استطاعت أن تجمع اللبنانيين وتوحدهم في موقف وطني واحد وصامد ضد إسرائيل. وأكاد أقول أنَّه كان دوراً وطنياً غير مسبوق بكونه وحّد جميع اللبنانيين تحت راية الدفاع عن لبنان واستقلاله وسيادته، وكذلك الدفاع عن اللبنانيين.
في هذا الصدد، يمكنني القول إنني أظن أنّه ربما لم يكن هناك من موقف وطني لبناني بهذا الوضوح من التراص الوطني والوحدة الوطنية الداخلية كالتي شهدها لبنان آنذاك وعلى مدى تاريخه الحديث، وحيث أجمع اللبنانيون جميعاً على احتضان بعضهم بعضاً، ولاسيما في احتضان النازحين اللبنانيين عن المناطق المستهدفة بالقصف، وبالتالي توفّرت لدى جميع اللبنانيين إرادة التصدي للعدوان الإسرائيلي والصمود وفرض الانسحاب الإسرائيلي.
ويعود الفضل بذلك للبنانيين أولاً، وكذلك للحكومة اللبنانية التي قادت ذلك الموقف الوطني الجامع، وكذلك لتضحيات المقاومين الذين تصدّوا للاجتياح الإسرائيلي ببسالة فائقة.
وهكذا استمر اللبنانيون واستمرت الحكومة اللبنانية في إدارتها الوطنية والمسؤولة الرفيعة في قيادة عملية التصدي للعدوان الإسرائيلي على مدى ذلك الشهر الطويل القاسي والدامي والمليء بالمآسي الإنسانية بسبب سقوط ذلك العدد الكبير من الشهداء والجرحى والدمار، ولكن من جهة ثانية، العامر بالموقف الوطني النضالي الجامع للبنانيين في وقوفهم واحتضانهم لبعضهم بعضاً ولجميع اللبنانيين، ولاسيما النازحين عن قراهم وبيوتهم. وبالتالي في العمل سوية من أجل التوصل إلى وقف سريع لإطلاق النار، والإصرار على تحقيق الانسحاب الفوري للجيش الإسرائيلي، وفي العودة الفورية للاجئين اللبنانيين، وكذلك في إيجاد صيغة صحيحة للحل الدائم لتحقيق الهدوء والاستقرار في منطقة الجنوب، ومع عودة الجيش اللبناني إلى تلك المنطقة من لبنان.
طبيعي، لقد كان هم حكومتي آنذاك العمل الدؤوب من أجل التوصل إلى حلٍّ دائم، لاسيما وأننا كنا نطالب بالوقف الفوري لإطلاق النار وفي صدور قرار أممي عن مجلس الأمن، ولكن ليس تحت الفصل السابع، وفي تعزيز دور قوات اليونيفيل، وليس في استدعاء القوات المتعددة الجنسية، وكذلك في عودة فورية لجميع النازحين عن قراهم وبلداتهم، والمباشرة الفورية في إعادة البناء والترميم للدمار الذي تسببت به إسرائيل.
كذلك أيضاً، كنا نطالب بأن يصار إلى انسحاب إسرائيل من منطقة مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا. ولقد كان موقفنا آنذاك يقوم على أنّ هذه الأرض هي إما لبنانية أو سورية، وحتماً فإنها ليست إسرائيلية. صحيح أنّه كان هناك من يقول بأن هذه الأرض ليست أرضاً لبنانية، بل هي أرض سورية. في المقابل، كان هناك من يقول بأنها أرض لبنانية.
إزاء ذلك، فقد اقترحنا آنذاك أن تنسحب إسرائيل منها، وأن يحل محل الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا قوات الأمم المتحدة، وذلك إلى أن يصار إلى البتّ بلبنانية أو سورية هذه الأراضي بين لبنان وسوريا.
ذلك كان الموقف الذي اتخذته وتمسكت به وأصرّيت عليه كموقف رسمي للبنان. وكان منطلقي في أن لبنان لا يمكن له أن يستمر- هو وأبناؤه وبناه التحتية وإنجازاته الاقتصادية- في حالة تعرض بين الحين والآخر لعدوان إسرائيلي يخسر فيها أبناؤه وتدمر فيها قراه ومدنه. وبالتالي كان موقفي واصراري أنّ يكون التوجه لدينا في العمل من أجل إيجاد حل دائم لمشكلة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وذلك بشكلٍ نهائي، بحيث تخرج منها إسرائيل، ويحسم وضع هذه المنطقة بين لبنان وسوريا. وبالتالي أن لا يصار إلى استعمال منطقة مزارع شبعا ذريعة لاستمرار وجود السلاح المتفلت عن سيطرة الدولة اللبنانية، وبالتالي أن يصار إلى وضع نصّ خاص بشأن هذه المزارع في متن القرار الذي سيصدر عن مجلس الأمن.
أودّ أن أذكِّر هنا بأمر مهم حصل أيضاً خلال فترة العدوان الإسرائيلي، وذلك خلال المؤتمر الذي عقد في روما، حيث أدليت في ذلك المؤتمر بخطاب باسم الحكومة اللبنانية، والذي تضمّن فكرة النقاط السبع. وهي الفكرة التي تولّدت لدي، وظهرت معالمها الأولى، وأعلنت عنها في اليوم الرابع على بدء الاجتياح الإسرائيلي، أي يوم السبت في الخامس عشر من تموز 2006.
هذه الورقة جرى إطلاقها في روما في السادس والعشرين من تموز 2006، وهي التي أقرَّها وأكَّد عليها مجلس الوزراء بالإجماع في جلسته التي عُقدت فور العودة من اجتماع روما بتاريخ 27/07/2006.
تجدر الإشارة- وللمفارقة- أنَّ السيد حسن نصر الله، وقبل التوصل إلى ذلك الاتفاق في مجلس الأمن، وقبل صدور القرار 1701 في الثاني عشر من آب 2006 أعلن بالحرف الواحد، وبالصوت والصورة، انه لا بديل عن هذه النقاط السبع، وأنَّه يُنبِّه الحكومة أن ليس هناك أي مجال للتخلي عن التمسك بهذه النقاط السبع التي جرت الإشارة إليها في متن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء، والذي أشار إليها أيضاً القرار 1701 الصادر يوم 12 آب 2006.
المفارقة أنّ السيد نصر الله عاد بعد صدور القرار 1701 بعدة أيام ليتراجع عن موقفه وقال انّه لا يوافق على هذه النقاط السبع، وهو ما اضطرنا أن نُذكّره بما قاله قبل صدور القرار الدولي بأنّه كان يؤكد ويصر على وجوب التزام الحكومة بهذه النقاط السبع، وذلك بصورته وصوته.
س: دولة الرئيس، دعنا ندخل في الوضع اللبناني الداخلي أنت من هندس الهندسة المالية ووضع الهندسة المالية للبنان بعد اتفاق الطائف. هل كنت تعلم أنه سيصل الوضع المالي في لبنان إلى ما وصل إليه اليوم؟ هل كنت تتصور أنّ لبنان سيصل إلى ما وصل عليه الوضع اليوم؟ وهل أنت من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور المالية في لبنان بما أنك كنت اب الهندسة المالية التي وضعت بلبنان؟
ج: دعنا هنا نفرق بين عبارة الهندسة المالية التي أشرت إليها، وكما أصبحت تعنيه هذه العبارة بعد الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان في الفترة ما بعد العام 2015، وحيث جرى الإعلان عن هندسات مالية اعتمدها مصرف لبنان برئاسة رياض سلامة، وهي تعني شيئاً آخر.
لقد كنت وزيراً للمالية على مدى السنوات من نهاية العام 1992 حتى نهاية 2004، مع استراحة لسنتين حيث أمضيت عملياً 10 سنوات كوزير للمالية في لبنان. وبالتالي، فقد كنت مسؤولاً عن وزارة المالية أحد المسؤولين عن سياسات الحكومة اللبنانية، مثلي مثل باقي أعضاء الحكومة.
هنا أودّ أن أعطي نموذج حسي لتبسيط الفكرة وتقريبها من أذهان المواطنين، وليتسنى للمشاهدين فهم حقيقة وطبيعة السياسة المالية التي اتبعت، وما كان ينبغي الالتزام به في حينها، ولاسيما أنّه لم يجر الالتزام بمقتضيات تلك السياسات الاقتصادية والمالية.
الفكرة التي أودّ أن أستعين بها هي انه عندما تقود سيارة، فإنَّه يفترض بك أن تقود السيارة إلى الجانب الأيمن حسب نظام السير اللبناني، وأن تنظر أمامك. ولكن ماذا يمكن أن يحصل إذا بادرت- وبدلاً من أن تنظر أمامك- أن تصرّ على الاستمرار في النظر إلى المرآة- أي إلى الخلف- وأن تقود السيارة إلى الجانب الأيسر. معنى ذلك أنك ستتعرض إلى حوادث وإلى صدمات. هل يمكن عندها أنك كسائق سيارة أن توجه اللوم لنظام السير، أم أن اللوم يقع عليك لأنك لم تلتزم بنظام السير، ولم تلتزم بتنفيذ مقتضياته.
النظام المالي الذي اعتمدناه في لبنان، كان النظام الصالح بالنسبة لبلد كان خارجاً للتو من فترة حرب داخلية وخارجية واجتياحات إسرائيلية طويلة امتدت لسبعة عشر عاماً، وحيث تهدّم اقتصاده والقسم الكبير من بناه التحتية والفوقية، وكان بحاجة إلى رفع مستوى ونوعية عيش اللبنانيين الذي شهد انهياراً كبيراً، وبحاجة للقيام باستثمارات كبيرة في البنى التحتية، ولاسيما في المجالات التعليمية والاستشفائية والاجتماعية، وكذلك العمل على حلّ مشكلات عودة المهجرين إلى قراهم وبلداتهم ومعالجة مشكلات استمرار وجود الاحتلال الإسرائيلي، والتصدي لاجتياحين إسرائيليين جديدين حصلا في العام 1993 والعام 1996. ذلك إلى جانب التصدّي لمجموعة كبيرة من الصدمات السياسية والأمنية الداخلية والإقليمية والدولية.
ذلك كلَّه كان يتوجّب على الاقتصاد اللبناني وماليته العامة أن تتحملانه، في الوقت الذي كان لبنان في حينها يشكو من عجز كبير وخطير ومزمن في الموازنة والخزينة العامة اللبنانية وفي ميزان المدفوعات. وكان قد تراكم على لبنان عن فترة الحرب المديدة دين عام كبير قدره ثلاثة مليارات دولار.
هذا علماً أنّ الوعود التي قطعت للبنان آنذاك بإنشاء صندوق عربي ودولي لإعادة أعمار لبنان بمبلغ قدره مليونا دولار أميركي، كانت قد تبخّرت بالكامل بسبب تحول انتباه العرب والعالم إلى الكارثة المستجدة الناتجة عن اجتياح النظام العراقي لدولة الكويت في آب من العام 1990.
هنا يمكننا أن نفهم معنى هذا المثل الذي أعطيته عن مخالفة قانون السير بمعناه أنّ لبنان أصبح متعذراً عليه العودة إلى خفض العجز في الموازنات العامة وفي الخزينة بسبب الاستعصاء المزمن لدى العدد الأكبر من السياسيين اللبنانيين عن إجراء مجموعة من الإصلاحات السياسية والمالية والاقتصادية والإدارية والنقدية في لبنان من أجل أن يعود لبنان إلى الالتزام بقواعد السلامة المالية، والتي تقضي أن يصار إلى التشديد على تحقيق خفض مستمر في حجم العجز المحقق في الموازنة العامة، وكذلك في تحقيق خفض مستمر في نسبة مجموع العجز المحقق إلى الناتج المحلي، وأن لا يكون هناك عجز في ميزان المدفوعات، بل أن يكون هناك فائض في ميزان المدفوعات. وكذلك في تحقيق خفض مستمر في نسبة حجم الدين العام إلى مجموع الناتج المحلي. وهذه كلّها مؤشرات اقتصادية ومالية ونقدية كان يقتضي الالتزام بها لتحقيق السلامة المالية والاقتصادية وهو ما لم يحصل، بل على العكس من ذلك، فإنّ جميع الجلسات النيابية وفذلكات الموازنة العامة على مدى تلك السنوات التي كنت فيها وزيراً للمالية ورئيساً للحكومة ونائباً في مجلس النواب تشهد على ما كنا ننبه إليه ونحذّر منه.
هذا الامر لم يحصل بسبب الاستعصاء المزمن على الإصلاح، وهو ما كان يحصل في قسم من الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة خلال العقود الثلاثة الماضية.
استمرار تلك العجوزات كان بالفعل بسبب موقف بعض الحكومات اللبنانية وجزء كبير منها أيضاً ناتج عن المواقف الاستعصائية للمجالس النيابية المتعاقبة التي كانت تمتنع عن القبول بتشريع الإصلاحات اللازمة من أجل أن تستعيد المالية العامة السلامة، بحيث يتحقق حفض العجز في الموازنة العامة وفي الخزينة، وكذلك في نسبة مجموع الدين العام إلى الناتج المحلي.
ويحلو لي أن أشير هنا، وعلى سبيل المثال، إلى أنّ ثلاثة من القوانين الإصلاحية الأساسية التي أقرّها المجلس النيابي في العام 2002 ظلّت- وهي لاتزال غير منفذة بالكامل- وهي قوانين الكهرباء والاتصالات والطيران المدني.
الإصلاح الذي كان مطلوباً كان ينبغي أن يحصل أيضاً على الصعيد الإداري لجهة العمل على ترشيق الدولة والاستمرار في ترشيد الإنفاق، وأيضاً في الحرص على تحقيق المردودية الحقيقية والاقتصادية للإنفاق العام، وبالتالي عدم الذهاب بعيداً في عملية تضخيم حجم الدولة.
المؤسف أنّ ما كان يصرّ عليه الكثير من السياسيين كان عكس ذلك تماماً، فحجم الدولة في لبنان زاد مرات عديدة خلال تلك الفترات، إذ كان هناك إصرار مستمر من قبل تلك المجالس النيابية وعدد من الحكومات المتعاقبة على زيادة الانفاق. وإصرار على تحميل الخزينة العامة أعباء كبيرة تفوق طاقتها نتيجة تلك العجوزات الكبرى التي كان يجري الإصرار على عدم الاهتمام بإدراك نتائجها وعواقبها، وهي التي تحوّلت بالتالي إلى دين كبير ومتعاظم في لبنان.
س: هل يتحمل رياض سلامة أي من تلك المسؤوليات بما وصل إليه الوضع في لبنان؟
ج: نعم، جزئياً وبالترتيب أقول انّ هناك ثلاثة أطراف أساسية تتحمل المسؤولية عما حصل في لبنان.
الطرف الأول: الدولة بشقّيها التنفيذي والتشريعي. وهذا هو الجزء الأكبر من المسؤولية، وذلك في الإصرار على زيادة الإنفاق، والحؤول دون الإصلاح بكافة أشكاله السياسية والإدارية والمالية والاقتصادية، وعدم المساعدة على تدبير الأموال التي تحتاجها الخزينة من أجل خفض العجز في الخزينة.
الطرق الثاني: هناك مصرف لبنان وحاكم مصرف لبنان الذي لم يلتزم- وكما يجب- في طبيعة وأسلوب أدائه لدوره كرئيس للسلطة النقدية. ذلك كان يفترض به عدم ممالأة السلطتين التنفيذية والتشريعية في انجرافهما نحو زيادة الإنفاق والتوسّع فيه. وهذا الأمر الذي أقوله لك الآن قد قلته للحاكم مرات ومرات، وحيث استدعيتُهُ أكثر من مرة بعد أن تركتُ السلطة التنفيذية في لبنان. إذْ أنني عمدت إلى تذكيره مرات عديدة، وذلك بتوجيه السؤال له: لماذا أعطاك القانون هذا القدر من الحصانة في ممارسة السلطة النقدية؟ سأل لماذا؟ قلت: لأمر واحد حتى تستطيع أن تقول لا للسلطة التنفيذية- وكذلك للسلطة التشريعية- عندما تميل كل منها أو تصر على تخطي قواعد وحدود السلامة المالية والنقدية. والحقيقة أنّ هذا ما توخّاه المشترع وقانون النقد والتسليف والدستور اللبناني في ما ينبغي أن يكون عليه أداء وتصرف حاكم البنك المركزي.
المشكلة هنا أن هناك دورا كان ينبغي أن يقوم به حاكم البنك المركزي بشكلٍ أفعل وأوضح- وبشكل حاسم- وذلك بأن يتوقف عن مسايرة السلطة التشريعية في الكثير من التشريعات التي تشرّع زيادة الإنفاق، وأن يتوقف عن إمداد السلطة التنفيذية بالتسهيلات المالية، وهو ما لم يفعله. ذلك ما كان يريح هاتين السلطتين ويجنبهما اعتماد السياسات والإجراءات الإصلاحية اللازمة، والتي ربما قد تكون مؤلمة وموجعة، ولكنها حتماً أقل وجعاً وإيلاماً من التقاعس عن القيام بها.
الطرف الثالث: وهي المصارف التجارية التي تخلّت في ممارستها لعملها المصرفي عن القواعد الحصيفة والرصينة في ممارسة العمل المصرفي من ناحية الحفاظ والالتزام باحترام قاعدتين أساسيتين في العمل المصرفي.
الأولى، بأن تلتزم بسياسة توزيع المخاطر التسليفية، أي أن لا يكون لديها مدين واحد كبير، وهو للأسف الدولة اللبنانية، أي التنبه إلى عدم إقراض الدولة هذا القدر من التسليف المباشر وغير المباشر. أي بعبارة أخرى أن لا ان تركز المصارف تسليفاتها لتكون بيد الدولة، وهذا خطأ كبير وخطير.
والثاني، ان المصارف غادرت ولم تحترم قاعدة ثابتة أساسية، وهي التي تقضي بموازاة طبيعة ومدد الودائع مع طبيعة التسليفات ومددها. فودائع المصارف هي في الغالب لفترات قصيرة، وبالتالي لا يجوز لها أن تمنح الدولة تسليفات لفترات طويلة، وهي بطبيعتها لمدد طويلة. ذلك مما أدى بالمصارف إلى أن تتحمل مخاطر كبيرة تؤثر على سيولتها، والتي تتحول بعد ذلك إلى مخاطر وخسائر تصيب ملاءتها وهذا ما حصل.
هذه هي المشكلات الأساسية التي تمَّ ارتكابها من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية ومن قبل المصرف المركزي والمصارف التجارية.
س: دولة الرئيس، هل كان باستطاعة رياض سلامة أن يقول لا للمنظومة السياسية، أو هو كان متورط معها "مشيلي لمشيلك"؟
ج: أنا لا أريد أن أوجه الاتهامات جزافاً. ولكن السؤال هنا: هل كان باستطاعة الحاكم القيام بدوره كما ينبغي والوقوف بوجه كل تلك الضغوط؟
نعم، بكل تأكيد كان باستطاعته. كان باستطاعته أن يقول لا للحكومة، ولا للمجلس النيابي. علماً أنه لا يستطيع أحد عندها أن يضغط عليه ليغير موقفه. كما أنّه لا يستطيع أحد أن يعزله. وأنا أتكلم من موقع العارف ليس فقط من خلال تجربتي بكوني كنتُ وزيراً للمالية، وبعدها رئيساً للحكومة اللبنانية، أو كنائب في مجلس النواب، بل وأيضاً بتجربتي كمصرفي سابق، وأيضاً بكوني كنت رئيساً للجنة الرقابة على المصارف.
نعم، كان باستطاعة رياض سلامة أن يسهم إسهاماً كبيراً ومهماً في ترشيد الأمور، والإسهام في تحقيق قدر أكبر من الانضباط وهذا ما لم يحصل.
المشكلة أنَّ الحاكم رياض سلامة، أصبح يتمنى أن يصل إلى موقع رئاسة الجمهورية، وبالتالي كان يحاول أن يدوزن علاقاته مع جميع المعنيين أو الناخبين الرئيسيين، وبالتالي انزلق نحو دوزنة الأمور. فهو كان يحاول أن يرضي جميع الأطراف، وهو ما كان بالفعل يتم على حساب المصلحة العامة.
س: الحلول اليوم: هل ممكن أن تعود أموال المودعين إليهم، أموال الناس إليهم؟ هل ممكن أن يعود الوضع المالي في لبنان إلى ما كان عليه سابقاً؟ هل ممكن أن نستعيد الثقة، وأن يعود الناس ليودعوا أموالهم في المصارف أو لا؟
ج: دعني هنا أن أقول لك شيئاً، قبل فترةٍ ليست قصيرة، وفي شهر نيسان من العام 2019، أرسلت رسالة إلى فخامة الرئيس، والتي جاءت تأكيداً لرسالة مفتوحة أخرى أرسلتها إليه في العام 2018، وذلك بعد مناشدات وأحاديث نشرت على الملأ، واستشهدت بها في مجلس النواب على مدى الفترات التي كنت فيها وزيراً للمالية ورئيساً للحكومة، وكذلك نائباً منذ السنوات 2009 إلى 2018، حيث عبرت عن مواقفي بكل صراحة وجرأة للتنبيه والتحذير من مخاطر الاستمرار في الاستعصاء على الإصلاح. لقد قلت وقتها بأنّ الإصلاح أمرٌ تقوم بها الدول عندما تكون قادرة عليه، وليس عندما تصبح مجبرة عليه، لأنها عندما تقوم به وهي مجبرة على القيام بالإصلاح يكون الإصلاح قد أصبح شديد الكلفة وشديد الأوجاع والآلام وربما لا يكون كافياً آنذاك، وهذا ما وصل إليه حالنا اليوم.
نحن الآن مررنا بفترة صعبة سادت فيها حالات تسمى: "اللارؤية واللإرادة واللاقرار" في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وبالتالي حالة الارتباك المزمن. وهذا الارتباك الذي نعاني منه الآن هو بسبب الإصرار على عدم القيام بالإصلاحات المطلوبة في السياسة، وفي الإدارة، وفي القضاء، وفي الاقتصاد وفي السياسات المالية والنقدية. تلك الممارسات غير الصحيحة والمستمرة هي التي سوف تكون نتائجهها كارثية وأكلافها عالية وأوجاعها كبيرة جداً. ليس هذا فقط، فإنّ هذه الأوجاع التي نتعرّض ونعاني منها اليوم هي بالفعل أقل بكثير مما قد نتوجع ونتألم منه في الغد إذا لم نسارع الآن إلى القيام بالإصلاحات الصحيحة والضرورية. وبالتالي، فإنّه آن أوان التوقف عن اللجوء إلى المعالجات الشكلية أو الجانبية أو السطحية، بل ينبغي الولوج إلى اعتماد الإصلاحات الجذرية والصحيحة مهما كلّف الأمر ومهما كانت الأوجاع والآلام لأنها هي الكفيلة باستعادة السوية لأوضاعنا الاقتصادية والمالية والنقدية، والتي يمكن على أساسها استرجاع جزء هام من ودائع اللبنانيين.
س: مَنْ بعد رياض سلامة- دولة الرئيس- في حاكمية مصرف لبنان برأيك؟
ج: أنا أقول بأنّ علينا أن ننطلق في هذه المسيرة الإصلاحية بوضوح في الرؤية وبعزيمة لا تلين في الإرادة، وبمواقف ثابتة في اتخاذ القرارات اللازمة، وفي انتقاء الأشخاص الجديرين بتحمل المسؤولية في المراكز الأساسية مثل حاكمية مصرف لبنان وغيرها.
الآن ينبغي أن نفتش عن من يمكنهم أن يكونوا على مستوى هذه المهمة، والذين يجب أن يكون همهم الأساسي أن يقوموا بعمل ما ينبغي القيام به للنجاح في المهمة الموكلة إليهم، وليس من أجل أن يستخدموا هذا الموقع الذي يتسلموه من أجل الوصول إلى موقع آخر ولو على حساب مخالفة الدستور والقانون.
يعني يجب علينا أن ننتهي مرة واحدة من كل تلك المخالفات الدستورية بالنسبة لتلك المواقع المفتاحية والأساسية في الدولة اللبنانية.
اسمعني قليلاً يا طوني يجب أن ننتهي من تلك المخالفات الدستورية التي قامت بها المجالس النيابية السابقة، حيث لجأ النواب في السابق إلى تشريع المخالفات الدستورية بالنسبة لانتخاب والتمديد لرؤساء الجمهورية عبر تعديل الدستور لمرة واحدة فقط وهذا مؤسف.
جهاد أزعور الآن هو مرشح لرئاسة الجمهورية، وهو رجل فاضل ويتمتع بالكثير من الكفاءات والميزات. هو اتخذ قراره بالترشح؛ وكل واحد يأخذ قراره بشأن ما يريد أن يقوم به وما يعتقد أنه يصلح له. هناك قول كريم: "كل امرئ ميسر لما خلق له".
لكن أنا بالنسبة للذي أريد أن أقوله لك بشأن وضع لبنان. باعتقادي أنّ هناك إمكانية للخروج من هذا المأزق الكبير والكارثة الكبرى التي أصبح يعاني منها لبنان.
دعني بدايةً أقول لك، ويجب علينا أن نقرّ بأن الدول لا تفلس، ولكن هناك إدارات تُفلس. وبالتالي، فإنَّ هناك إمكانية أن يخرج لبنان من هذا المأزق الخطير، ولاسيما أنّ الدول قادرة دوماً على أن تخلق قيماً اقتصادية جديدة وإضافية. وهذا يقتضي أن تعود الدولة لممارسة سلطتها الحصرية على حدودها ومرافقها ومواردها، وأن تستعيد ثقة الداخل والخارج بها.
هنا علينا أن ندرك أن حالنا الآن هو مثل حالة المريض الذي أصبح لديه مجموعة من الأمراض والاشتراكات، وعليه أن يأخذ جميع الأدوية اللازمة التي يقترحها الأطباء، والتي هي بالفعل في مصلحة المريض لكي يشفى من علله المزمنة ويستطيع بعدها أن يخرج من هذا المأزق الذي أصبح فيه وأصبحنا نحن فيه في لبنان. هناك إمكانية وأؤكد لك بأن هناك إمكانية، ولكن يجب علينا أن تكون لدينا الرؤية والإرادة والعزيمة والقيادية، وأيضاً التبصر والاستعداد لاتخاذ القرارات الصحيحة.
بمعنى آخر، أن لا نتعامى عن ضرورة اتخاذ القرارات الإصلاحية الأساسية من أجل استعادة الدولة في دورها وسلطتها الكاملة، والقيام بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية، واستعادة لبنان لدوره في محيطه العربي والعالم، وفي احترام الدستور واستكمال تطبيق وثيقة الوفاق الوطني.
س: دولة الرئيس، أكثر هجوم تعرّض له جهاد أزعور فور ترشيحه للرئاسة كان أنه تلميذ فؤاد السنيورة. كيف ستأتون بمن هو تلميذ فؤاد السنيورة؟ يعني حضرتك حرقت جهاد أزعور قبل أن يترشّح؟
ج: أولاً أنا أعتزّ بأن جهاد أزعور عمل معي بدايةً لمدة أربع سنوات في وزارة المالية، واعتز أيضاً أنه كان وزيراً في حكومتي الأولى، وهو بدون أدنى شك يعتز بأنّه عمل معي طوال هذه الفترة، وأن يفتخر بهذه العلاقة القويمة والمهنية العالية التي تميّزت بها علاقتنا على مدى سبع سنوات خلال مراحل تلك المسؤولية التي مارسها ومارستها. وهو يعتز بالتجربة المهنية الرفيعة التي سنحت له أن يراكمها خلال هذه السنوات السبع من العام 2000 إلى 2008. وبعد ذلك، فإنه يعتز بالتجربة المالية والاقتصادية العميقة التي اكتسبها خلال السنوات من خلال عمله في صندوق النقد الدولي. وهذا ما أكسبه الخبرة العميقة بشأن لبنان الذي هو الآن في أشدّ الحالات صعوبة. وكذلك مما اكتسبه أيضاً في عمله بعد ذلك في صندوق النقد الدولي من هذه الخبرات العميقة في العمل مع بلدان عديدة في المنطقة والعالم التي تعاني مثلما أصبح يعاني منه لبنان، وكيف استطاعت هذه الدول بعدها أن تنهض من كبوتها.
في ظل هذه الأوضاع الصعبة، ينبغي علينا أن نعثر في لبنان عن من يمكن ان تكون لديه هذه الكفاءات، ويتمتع بالحكمة والدراية والدربة على تولي هذه المسؤوليات الجسيمة.
من جهة أخرى، فإنّ علينا أن نفتش عن الشخص المطلوب بالنسبة لحاكمية مصرف لبنان، وبالتالي يمكن أن نجد هناك من يتمتع بهذه الكفاءات ويتولاها حسبما تقتضيها مهنة الحاكمية.
س: اليوم ننتقل إلى الموضوع السني. حضرتك حاولت إنقاذ الشارع السني فور تنحّي الرئيس سعد الحريري عن مهامه السياسية وقراره بالابتعاد عن العمل السياسي، حاولت أن تجمع القيادات السنية أو أن تقود المواجهة السنية من أجل الحفاظ على الشارع السني. وُوجِهْتَ بشراسة من وقفوا ضدك أيضاً بشراسة مما منعك من أنك تصل إلى أهدافك. اليوم الشارع السني في لبنان في مهب الريح. ما هو مستقبل الشارع السني؟ وهل يستطيع نجيب ميقاتي أن يقود هذا الشارع إلى فترة طويلة بعد؟
ج: أولاً، بالنسبة للرئيس ميقاتي طبيعي، فهو الآن رئيس حكومة تصريف الأعمال، وبالتالي هو من جهة رئيس الحكومة الذي عليه أن يستمر في تأدية واجباته الدستورية كما ينص عليه الدستور من أجل التوصل وبسرعة من أجل إنجاز عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وأيضاً في إدارة أمور الشأن العام، وحتى يصار إلى استعادة واستكمال تشكيل السلطات الدستورية في لبنان عبر البدء بانتخاب رئيس الجمهورية، وفي اختيار رئيس مكلف لتأليف الحكومة، وبالتالي من أجل أن يُصار إلى تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة التي يفترض بها أن تكون على قدر المسؤولية.
مثلما هو الحال أيضاً بالنسبة- طبيعي مع فرق المواقع- لنواب الحاكم الذين هم أيضاً دخلوا إلى العمل في مصرف لبنان وإلى تحمل هذه المسؤولية، حيث تولوا هذه المسؤولية في العام 2020، وبالتالي يتوجب عليهم تحمل هذه المسؤولية الأخلاقية والمهنية، والتي عليهم أن يؤدوها كنواب للحاكم، وحسب ما ينص عليه قانون النقد والتسليف.
أما بالنسبة للرئيس الحريري: الرئيس الحريري أخذ قراره بأن يوقف عمله السياسي. وأنا كنت من الذين عملوا كل ما باستطاعته من أجل أن يستمر الرئيس الحريري في تحمل مسؤولياته السياسية وأن يستمر في تولي مسؤوليته في زعامة الشارع الإسلامي والسني والوطني، وأن لا يعلّق عمله السياسي. ولكن هو أصرّ على تعليق عمله السياسي. بناء على إصراره، فإني سعيت من أجل تفادي وجود الفراغ في هذا الشارع الوطني.
لقد سعيتُ لإيجاد حلول لتغطية هذا الفراغ الذي قد ينشأ عن تعليق الحريري لعمله السياسي، وذلك مع تمكينه على الاستمرار في الاحتفاظ بزعامته عبر اعتماد منصة رؤساء الحكومة السابقة بحيث يستمر هو كرئيس لهذه المنصة وبالتالي يبقى قريباً من مناصريه ومن قاعدته السياسية، وهو ما لم يقبل له.
لقد استمريت في القيام بهذا المسعى دون الرغبة في تولي أي منصب، وهذا ما قمت به ولاأزال أقوم به ليس لأنني لستُ ساعٍ من أجل الحصول على موقع، وأنت تعلم أنني وصلت إلى كل المواقع التي يحلم أن يصل إليها أي مواطن لبناني أو أي مسلم. وبالتالي، فقد طويتُ هذه الصفحة منذ العام 2018 عندما لم أترشَّح للنيابة في حينها.
ما عملت من أجله هو من أجل تفادي وجود الفراغ في القاعدة الوطنية. الآن هذا الفراغ نشأ أيضاً بنتيجة التراجع الذي واجهه الرئيس الحريري على مدى هذه السنوات الماضية. ومن ذلك بسبب النكول الذي تعرض له ممن تحالف معهم.
أنت تعلم انه منذ أن استلم سعد الحريري المسؤولية وأصبح رئيساً للحكومة في نهاية العام 2009، فقد تعرّض الحريري لأول مواجهة. إذْ أنّه قد واجه أول انقلاب عليه في بداية العام 2011 عندما فُرِضَتْ عليه عملية إسقاط الحكومة. ثم أقدم بعدها على عقد تسوية مع ميشال عون- والتي كنت ضدها- ولقد نصحته بعدم القيام بذلك. ولكنه قام بها. المؤسف أنّ من قام بتلك التسوية معهم عادوا وانقلبوا عليه بعد العام 2016. وهو قد عمد بعدها إلى القيام بتسوية أخرى مع ذات الأشخاص بشأن إقرار قانون الانتخاب، الذي أدّى إلى المزيد من الاحتقانات السياسية في لبنان، وإلى زيادة حدّة التطرف والتوجهات الشعبوية. المؤسف أيضاً، أنّه قد جرى الانقلاب على الحريري في هذا الشأن من ذات المجموعات السياسية.
الآن هذا هو الوضع السني الذي يُعاني من الشرذمة. ولكن أنا على ثقة باستعادة لبنان ومكوناته السياسية والطائفية النهوض الوطني، وذلك على أساس طروحات وطنية لا طائفية، وإنشاء نصاب وطني جامع لكل اللبنانيين، ويقوم على توجهات وطنية وإصلاحية.
س: يُقال أيضاً أنكم أنتم انقلبتم عليه في النهاية وأنتم بتيار المستقبل غير مرغوب فيكم؟
ج: دعني أكون واضحاً معك. طبيعي كل واحد عنده رأي. أنا احترم رأي الآخرين، ولكن هذا الرأي الذي تقوله ليس صحيحاً على الإطلاق. أنا عندما خضت المعركة الانتخابية في العام 2022 لم أترشح، وخضت المعركة الانتخابية من أجل دفع اللبنانيين عموماً، وكذلك المسلمين للإقبال والمشاركة في العملية الانتخابية، وبالتالي إلى الاقتراع وليس للمقاطعة. ولقد قلت بوضوح آنذاك انه عندما يعود الرئيس الحريري إلى لبنان، وعندما يريد أن يباشر عمله السياسي مجدداً مستفيداً من كل تلك الدروس والتجارب، فإنني حتماً سأكون إلى جانبه.
من جهة أخرى، فإنّي عندما خضت تلك المعركة الانتخابية لم أكن أسعى من أجل أن أحلّ محل سعد الحريري، أنا أردتُ أن أوقف ما يُسمى "حالة الفراغ"، وأن أدفع المواطنين الناخبين للإقبال على الاقتراع وعدم ممارسة السلبية. وبظني المتواضع، أنَّه لو لم أقم بذلك الجهد في العام 2022، لكان الوضع السياسي اليوم أسوأ بكثير، وأنا يمكنني القول إنه بسبب عملي هذا ومشاركتي في التشجيع على الاقتراع، فإنّي قد أسهمتُ في نجاح سبعة نواب سياديين لم يكونوا لينجحوا لولا تلك الجهود التي قمت بها وأسهم بها آخرون.
س: هل هناك من اتصال بينك وبين الرئيس الحريري وفي الفترة الحالية؟
ج: عندما كان الرئيس سعد الحريري هنا في بيروت- في شباط الماضي- أنا اجتمعت به، وكان بيننا حديث صريح وأخوي إلى حدٍّ كبير. هناك اتصال دائم بيننا في المناسبات- أي نكون على اتصال- ولكن أنا طبيعي احفظ الكثير من الودّ لسعد الحريري، حيث يجب أن يكون واضحاً للجميع أنه هو صاحب الرمزية الوطنية بكونه ابن الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
من جهة أخرى، فإنّي أودّ أن أكون واضحاً جداً بأنّه لم يكن من الممكن لي أن أتولى رئاسة الحكومة في حكومتين متعاقبتين لولا تأييد سعد الحريري لي، ولا أن أصبح نائباً بعد ذلك، ولا أن أتولى رئاسة كتلة تيار المستقبل من دون دعمه. وأنا أتمنى أن يعود سعد الحريري، مستفيداً من كل هذه التجارب وسأكون إلى جانبه.
س: متى تكلّمت مع الرئيس الحريري أو هو كلّمك؟
ج: بالمباشر التقيته في شباط 2023، التقيته واجتمعت أنا وهو. ليس هناك من خلاف شخصي بيننا. ودعني أن أقول لك أمراً وحرفياً ذكر لي يومها وأكد لي مرة بعد مرة: "أن ليس بيني وبينك يا فؤاد أي خلاف شخصي".
س: من تتمنى أن يكون رئيس للجمهورية اليوم كمواطن لبناني؟
ج: أول شيء، أنا لست ناخب ولكني مواطن. ومواطن من الذين عندهم خبرة، أي مواطن صاحب خبرة سياسية عميقة.
أولاً، أنا أريد من رئيس الجمهورية أن يكون بدايةً مقتنعاً ومؤمناً باتفاق الطائف وباستكمال تطبيقه، ومؤمناً بدوره كرئيس للبلاد ورمز وحدة الوطن، وبالتالي أن يعتقد ويتصرف على أساس أنه ليس رئيس السلطة التنفيذية، بل هو في موقع أسمى من ذلك بأنه رئيس الدولة ورئيس كل السلطات، ورمز وحدة الوطن، أي أنه ليس رئيس فريق من الفرقاء، وهو فوق جميع الفرقاء السياسيين، وأن همّه الأساس هو في أن يحتضن جميع اللبنانيين، وأن يسهم في عملية إيجاد الوفاق فيما بينهم، وأن يحرص على احترام الدستور، وأن يحرص على إعادة الأمور إلى نصابها بعد كل تلك المخالفات والتجاوزات التي ارتكبت بحق الدستور. وأيضاً في إيقاف محاولات التخطّي على الدستور التي مارسها الرئيس ميشال عون. وأن يحرص على استعادة دور الدولة في سلطتها وهيبتها وموقعها الوطني لدى اللبنانيين، وفي استعادة دور وموقع لبنان في علاقاته مع أشقائه العرب، ومن ضمن المجموعة الدولية.
س: مَنْ من الأسماء المطروحة اليوم يمثل رأيك؟
ج: أنت توجّه لي الآن سؤال: أنا بالنسبة لي عندما تسـألني في هذا الموضوع أن أمامك اثنين من المرشحين فمن تختار يا فؤاد ومن تفضل؟ طبيعي أنا موقفي إلى جانب جهاد أزعور بدون أدنى تردد، نظراً لما اعرفه عنه ومن تجربتي معه ومن فهمي كيف يفهم هو دور رئيس الجمهورية. جهاد أزعور ليس هو فقط من التكنوقراط، بل هو اكتسب معرفة وخبرة سياسية جيدة جداً. جهاد أزعور لديه خزين كبير من الخبرة التكنوقراطية، ولكنه رجل مسيّس إلى حدٍّ بعيد. والتجربة السياسية التي خاضها واكتسبها معي وإلى جانبي تثبت ذلك. وبعد ذلك أيضاً، ما استطاع أن يضيفه إلى ما لديه من خزين في هذا الشأن فهو رجل متعدد الكفاءات، وهو لديه القدرة أن يبحر في مياه وأنواء صعبة. هو صاحب عقل راجح، ويستطيع أن يحلل الامور وأن يتبصر أمامه وأن يتخذ الخطوات اللازمة من أجل أن يجمع اللبنانيين.
س: دولة الرئيس، من يتحمل مسؤولية الفراغ الرئاسي اليوم حزب الله، جبران باسيل، أو سليمان فرنجية أو فريق المعارضة يعني سمير جعجع، حزب الكتائب؟
ج: الآن- وكما تسمع أنت- عم ينحكى كلام كبير بشأن الحوار- تعالوا لنتحاور قبل انتخاب رئيس الجمهورية. دعني أوضح هذا الأمر. لقد بادر اللبنانيون إلى إجراء التحاور فيما بينهم، وهم أنجزوا الحوار فيما بينهم عندما اتفقوا على اتفاق الطائف وأصبحت وثيقة الوفاق الوطني جزءاً من الدستور، وبالتالي على السياسيين اللبنانيين الآن أن يطبقوا الدستور، وأن يعملوا من أجل استكمال تطبيق الطائف.
الدستور ينصّ على أن يُصار إلى إجراء العملية الانتخابية مثل ما جرى في عملية انتخاب رئيس مجلس النواب في الولايات المتحدة قبل مدة- أتذكر ذلك- انه قبل حوالى شهر أو أكثر قليلاً، اجتمع مجلس النواب الأميركي، وعلى مدى أسبوع كامل- ليل نهار- من أجل التوصل إلى انتخاب رئيس مجلس النواب وبالتالي توصلوا إلى عقد جلساتٍ طويلة عديدة ومضنية إلى ان تمّ انتخاب رئيس مجلس النواب.
الذي يتحمل المسؤولية في هذا الوضع الذي أصبحنا فيه هو الذي لا يقوم بإجراء عملية الانتخابات لانتخاب رئيس الجمهورية.
هذا هو الأمر المطلوب من المجلس النيابي اللبناني من أجل إنجاز هذه العملية الدستورية الضرورية.
من يتحمل هذه المسؤولية حزب الله وحركة أمل- نعم بدون أدنى شك- على النواب جميعاً أن ينزلوا الآن إلى مجلس النواب وأن تتم عملية الاقتراع للانتخاب. اما التذرع بما يُسمى بضرورة إجراء الحوار قبل ذلك. الحوار على ماذا؟ هل نتحاور خلافاً للدستور.
السؤال لنتحاور على ماذا؟ ومن سيقود الحوار؟ وما هو موضوع الحوار؟ وما هي حدود هذا الحوار؟ وعن أي مواضيع؟ ولاسيما في ظلّ وجود مسائل عديدة شائكة يطرحها البعض. هناك أفرقاء عديدون يريدون طرح بعض المواضيع لحرف الانتباه، وبالتالي إدخال الوطن اللبناني في متاهات لا يمكنه الخروج منها بعد ذلك.
إذا كنا نريد أن ننزل لنتحاور كي نفتح "باندورا بوكس" جديدة في ظل تلك الخلافات العميقة المستشرية- فهذا خطأ كبير- هناك من ينزل سيقول انا أريد الفدرالية. وذاك يريد التقسيم، وآخر يريد أن يزيد من حصته من هنا أو من هناك معلّلاً ذلك بتغير موازين القوى. ماذا نفعل بهذا الموضوع؟ إذْ أننا عندها سنزيد مما يسمى من حدّة الخلافات فيما بيننا.
أنا أودّ أن انتهز هذه المناسبة، ولأعبر عن تمنياتي وأن أناشد المجموعة الخماسية (قطر ومصر والسعودية والولايات المتحدة وفرنسا) المجتمعة اليوم في الدوحة في قطر.
أنا أتمنى عليهم أن يصار إلى النظر في هذا الموضوع لجهة العمل على توجيه نداء إلى اللبنانيين من أجل الالتزام بأحكام الدستور. أي أن يصار إلى تشجيعهم من أجل التوجه نحو انتخاب رئيس الجمهورية. ومن ثم ينبغي على الرئيس القادم الذي تقع على المسؤولية وينبغي عليه أن يتولّى عملية إجراء الحوار الذي يحتاجه لبنان من أجل معالجة الكثير من النقاط التي هي ليست نقاط دستورية، ولكنها نقاط عملية تتعلّق بتنفيذ عدد من الأمور أو تفسيرها، وبالتالي التعجيل في ما يسمى رأب الصدع الناتج عن المخالفات الدستورية التي ارتكبت والتي عانينا منها الكثير خلال هذه السنوات الماضية خلال رئاسة الرئيس ميشال عون، وكذلك العمل من أجل استكمال تطبيق الطائف وما اتفق عليه في الطائف، وبالتالي الحرص على معالجة أمورنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تحت سقف الدستور.
هذا هو العمل المطلوب. أما أن يصار الآن إلى فتح "باندورا بوكس"، فإنَّ ذلك يعني مشكلات كبرى لا تنتهي فذلك فعلياً كمن يسعى إلى جهنم بقدميه.
