الرئيس السنيورة لـ العربية: لبنان بات فعلياً الآن بين المطرقة الاسرائيلية والسندان الايراني

اجرت قناة العربية حوارا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول اخر التطورات والمواقف وفي ما يلي نصه:
س: معنا من بيروت رئيس الوزراء اللبناني الاسبق فؤاد السنيورة. دولة الرئيس، حياك الله. نحن في برنامج "من خارج الصندوق" نتحدث عن الدولة اللبنانية التي باتت اليوم بين سندان الضغوط الدولية ومطرقة حزب الله كيف يجب ان يتصرف لبنان مع هذا الوضع؟
ج: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين.
لقد أصبتَ بالقول بأن لبنان بات فعلياً الآن بين المطرقة والسندان، وأعني المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني. وما نسمعه اليوم من كلام عالي السقف وشديد النبرة لافت للنظر، أكان ذلك من قبل الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، أم كان ذلك أيضاً من وكيل وزارة الخزانة الأميركية السيد جون هيرلي، وغيره أيضاً من المندوبين الأمريكيين، ومن غيرهم أيضاً من بعض المندوبين من الدول العربية والغربية بما خصّ ضرورة الإسراع في تحقيق حصرية السلاح في لبنان، على أن يتم ذلك خلال المهلة الممتدة حتى نهاية العام الحالي. وبظني أنّ هذه التصريحات العالية النبرة يُقصدُ منها أن تسهم في شد الانتباه إلى هذه القضية الأساسية، وكذلك من أجل التحمية تحسباً للإعداد لعمل ما، عسكري أو غير عسكري، يُمكن أن يحقّق هذا الغرض المنشود.
إلاّ أنني، أعتقد أن هذا الامر يجب ان ينظر إليه أيضاً في ضوء ما يشاع عن وجود اتصالات ومفاوضات جانبية تجري بين الولايات المتحدة وإيران لخفض حدّة الاحتقان، أو ربما من أجل التقدّم باتجاه إيجاد حل معقول للأزمة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران. وهذا الامر هو الذي يتمناه الايرانيون وتتمناه الولايات المتحدة أيضاً، وإن كان كل من الطرفين يسعى لتحقيق شروطه في هذا الصدد. وإلى أن ينجلي هذا الأمر عن نتيجة أو لا نتيجة، فإني اعتقد أنه طالما استمرّت هذه المفاوضات، فإنّي لا اعتقد أن هناك إمكانية لأن يتاح لإسرائيل بأن تقوم بأي عمل عسكري كبير ما لم يتبين نتيجة هذه الاتصالات بين هذين الطرفين إلى نتيجة أو إلى لا نتيجة، أكان هذا العمل العسكري ما يتعلّق ضد لبنان، أم أيضاً ضد إيران.
س: دولة الرئيس لبنان لديه مهل محددة كما تعرف، وهذا يعني الموقف الدولي، بشكلٍ عام، حقيقة وهو ليس فقط موقف واشنطن، بل ربما موقف كثير من الدول، حيث يسود انطباع أن الدولة اللبنانية لا تقوم بما هو مطلوب منها بشكلٍ جدي، وتحديداً في تطبيق مسألة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهذه مسالة أساسية حتى يصار بعدها إلى الذهاب نحو الدعم المالي، أو كذلك الذهاب إلى تمويل اعادة الاعمار؟
ج: دعني أوضح لكَ حقيقة هذا الأمر. الموقف الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في الخامس من اب اغسطس الماضي والقاضي بحصرية السلاح بيد السلطات الشرعية اللبنانية مهم جداً، وهو كان استجابةً ليس فقط للضغوط الدولية، ولكن هذا الأمر في أساسه هو مطلب لبناني عارم، وحظي بتأييد داخلي كبير في لبنان. صحيح أنّ هناك مناصرين لحزب الله وهم يرفضون تقبل هذا الأمر، وهم لايزالون يعانون من حالة إنكار ومكابرة يشجع عليها حزب الله. كما أنّ خطاب الشيخ نعيم قاسم بات يُعاني من التضارب وعدم التماسك. في المقابل، هناك موقفاً لبنانياً قد تشكَّل، وهو ينطلق من فكرة أساسية، انّه لم يعد هناك من امكانية لاستمرار ازدواجية السلاح وازدواجية السلطة في لبنان. وهذا الامر ينبغي أن يصار الى التأكيد عليه من قبل الحكومة اللبنانية، وتحديداً من خلال تكوين موقف موحد وقوي للدولة اللبنانية بسلطتها الواحدة، يكون داعماً لهذا القرار ولضرورة تطبيقه. وهو أيضاً الأمر الذي تمّ التأكيد عليه في الأساس في خطاب القسم لفخامة الرئيس، ولدولة الرئيس نواف سلام في البيان الوزاري. وهو الموقف الذي يفترض أن يقف إلى جانبهما ومعهما أيضاً رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
الآن، فإنه باعتقادي، أنَّ هذا الأمر ينبغي أن تُعبِّر عنه الحكومة، وبوضوح، عبر ممارسه الحزم في التمسك بهذا الموقف القاضي بحصرية السلاح بيد السلطات الشرعية اللبنانية، وعدم التزحزح عن هذا الهدف. من جانب آخر، يجب أن تمارس الحكومة الحكمة في التصرف والتعامل والاحتضان للمواطنين الجنوبيين الذين هم مواطنون لبنانيون، حيث ينبغي العمل، وبشكلٍ مستمر، على إقناعهم بأنّ في ذلك مصلحة أكيدة لهم، وهو الذي يضمن لهم العودة إلى بلداتهم وقراهم، والذي يسمح بإطلاق ورشة الإعمار، وفي تحقيق النهوض الاقتصادي والإنمائي، وأن هذه الحصرية للسلاح هي أيضاً، وفي الوقت ذاته في مصلحة كل اللبنانيين.
كذلك يجب أن تتمتع الحكومة بقدر كبير من الحنكة السياسية في عملية التطبيق، وبالتالي أن تتنبه الحكومة إلى أمر أساسي، وهو أنّ "ما لا يُدرك كُلُّه لا يترك جُلُّه"، بمعنى أن تفرض الحكومة اللبنانية سلطتها الكاملة أينما تكون قادرة على فرض ذلك، وبالتالي أن تتقدم، وبشكلٍ واثق ومستمر، على مسارات هذا السبيل، حيث أنّ هذه المعركة تُربحُ بالنقاط وليس بالضربة الواحدة.
أقول هذا الكلام، ان هناك عملاً هاماً وكبيراً يقوم به الجيش اللبناني في الجنوب الآن، وهو ما يجب أن يستمر ويتعزَّز. وأرجو أن يكون هذا واضحاً، لا بل ويجب أن يكون واضحاً للجميع بأنَّ الجيش يقوم بدوره في جنوب لبنان وهو مستمر في ذلك، ويجب أن يشجع لكي يستمر بعزيمة أكبر.
س: واضح كلامك تماماً، لكن دولة الرئيس إذا سمحت أنا أريد استغلال الوقت معك لأقول اليوم خطاب نعيم قاسم كان خطاباً مستفزاً للبنانيين طالما ان حصرية السلاح هي مطلب لبناني، لكنه عندما يتحدّث نعيم قاسم عن المستوطنات يقول أنها ستكون محمية، وانه لن يصل شيء الى المستوطنات الإسرائيلية. ولكنه، وللأسف، لا يتحدث عن لبنان ويحاول اللعب على وتر مسـألة إعادة الاعمار بأن الحكومة لا تتحدث عنه، وهو يقول بان الحكومة اللبنانية لا ترى من البيان الوزاري غير حصرية السلاح والحكومة لا تنظر لمسألة إعادة الاعمار، وهو يقول ان لبنان يتعرّض إلى تدمير كامل، وبالتالي يحق للمقاومة أن تحتفظ بسلاحها. وهذا يعني أن الدولة اللبنانية في اتجاه ونعيم قاسم في اتجاه آخر تماماً، وكأنّه يحاول عرقلة البيان الوزاري والقسم الدستوري لرئيس الجمهورية؟
ج: كما سبق وقلت لك. نعم أعود وأكرّر أن هذا الموقف الذي اتخذته الحكومة اللبنانية شكّل موقفاً متقدماً وصارماً، والحكومة لاتزال تتمسك به، وهي تعمل الآن على تنفيذه في جنوب الليطاني.
أما بشأن ما يقوله نعيم قاسم، فهو من جهة يحاول شدّ أزر جماعته، وذلك بقوله أنَّ الحزب أعاد بناء قدراته. كما أنّ نعيم قاسم يكرّر هذه السردية أيضاً لرفع السقف من اجل مساعدة إيران في جهودها ومحادثاتها ومفاوضاتها مع الولايات المتحدة. ولكن الشيخ نعيم قاسم في حديثه هذا، وللأسف، وفي المحصلة، فإنه يخدم اسرائيل بطريقة أو بأخرى عندما يقول نحن استعدنا قوتنا ونحن جاهزون لمواجهة إسرائيل، وكأنّه يوفّر لها الذريعة لمهاجمة حزب الله ومهاجمة لبنان. وبذلك، فإنّ ما يقوله الشيخ نعيم قاسم يصب بمصلحة اسرائيل بشكلٍ أو بآخر، وذلك في عملية تخادم بينهما غير مقصودة. ليس معنى ذلك أن حزب الله متفق مع إسرائيل، ولكن هذا الأمر يصب عملياً في خدمة المصلحة الإسرائيلية، ويبرر قيام إسرائيل باستهداف الحزب واستهداف لبنان في عملياتها العسكرية.
لذلك، فإنّي أودّ أن أوضح هنا الأمر منعاً للالتباس، وذلك انَّ الدولة اللبنانية والجيش اللبناني يقومان بالكثير باتجاه تحقيق مسألة حصرية السلاح، وأن موقف الحكومة اللبنانية لايزال متشدّداً في تحقيق هذا الأمر.
لكن أعود وأكرر أنّ الأمور يُمكن أن تعالج أيضاً بتوفير الأجواء المشجعة على تحقيق هذه الحصرية. بدايةً، فإنّ علينا أن ندرك أنه لا يمكن ان يترك لبنان ليقع فريسة بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الإيراني، أي أن لبنان عليه أن يقوم بعمله، وأن يُصار إلى دعمه، وتحديداً في الاستمرار بما ينبغي على الجيش اللبناني أن يقوم به، حيث أن ما يقوم به الجيش الآن في منطقة جنوب الليطاني هو أمرٌ مشكورٌ.
ولكن، من الطبيعي التذكير هنا، انَّ هذا التفاهم الذي جرى التوافق عليه في الثامن والعشرين من نوفمبر الماضي في العام 2024 بشأن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 لا يقتصر فقط على منطقة جنوب الليطاني، ويكون تطبيق هذه الحصرية للسلاح يجب أن تشمل كل لبنان. وهذا الامر واضح جداً أيضاً في قرار مجلس الأمن 1701، ولا يجوز لأحد أن يقرأ الأمور ويفسرها فقط على كيفه. وعلى أي حال، كانت التوضيحات في اتفاق التفاهمات الجديدة مفيدة لمنع هذا التفسير غير الصحيح. ولكن أكرّر أنّ هناك أمور أخرى يجب توفيرها أيضاً لسحب الذرائع التي يعتمدها الحزب في ما خصّ استمرار اعتداءات إسرائيل على لبنان.
س: غير واضحة دولة الرئيس حقيقة مسالة وقف إطلاق النار لماذا لا يتم مصارحة الشعب اللبناني بما يَرِد في هذه الورقة وما جرى او ما تم الاتفاق عليه، والذي جرى توقيعه من جانب نبيه بري الذي كان يمثل حزب الله، حيث أصبح كل فريق في لبنان يفسّر هذا الاتفاق على كيفه، وهذا مدعاة لعدم الوضوح واستسهال مخالفة القرار الدولي؟
ج: هذه المواضيع يجب ان تكون واضحة، وينبغي توضيحها مجدداً أيضاً، بأنَّ الهدف هو تطبيق حصرية السلاح على كل الأراضي اللبنانية، لكن ما أقوله بالإضافة إلى ذلك، وتعزيزاً لعملية التطبيق، أنّ هناك جهدا يجب أن يُبذلْ الى جانب ما تقوم به الحكومة اللبنانية من اجل ان تجتهد الحكومة أكثر لتنفيذ هذا العمل وذلك عملاً بقول الشاعر: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم"، وبالتالي ينبغي أن تبادر الولايات المتحدة إلى مساعدة الحكومة اللبنانية عبر الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على لبنان، وللبدء بالانسحاب من بعض النقاط التي تحتلها، وذلك لسحب الذرائع التي يتسلح بها حزب الله، وبما يعني عملياً مساعدة الحكومة اللبنانية في مساعيها بشكلٍ أكبر، وليس في توجيه الانتقاد للحكومة اللبنانية.
اعتقد ان ذلك غير مفيد، وبالتالي يجب أن تساعَدْ الحكومة من قبل الإدارة الأميركية، وبالتالي أن تقف هذه الإدارة الى جانب الحكومة اللبنانية لكي تبذل جهوداً أكبر وأكثر على صعيد التقدم على مسارات تحقيق حصرية السلاح، وهو الهدف الذي يجب ان نسعى جميعا لتحقيقه.
