الرئيس السنيورة لـ الحدث : الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات سيادية أساسية وشجاعة يجب ان تتمسك بتنفيذها ودور الرئيس بري الوطني اساسي

أجرت قناة الحدث من محطة العربية الفضائية حواراً مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول آخر التطورات في لبنان وفي ما يلي نصه:
س: نناقش الوضع اللبناني هذا المساء مع ضيفنا من بيروت رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة. مساء الخير دولة الرئيس، أهلاً بك معنا دائماً على شاشة الحدث. أريد أن ابدأ حديثي معكم في ضوء المعطيات الجديدة ونتحدث عن الضربة الإسرائيلية الجديدة داخل مدينة بيروت وبالحازمية تحديداً. ونتحدث هنا عن وجود عناصر من حزب الله، وتحديداً من فيلق القدس والحرس الثوري الموجودين في مناطق مأهولة بالسكان. وهذا ما يعيدنا من جديد إلى نقطة الصفر. كيف يمكن أن نفهم هذا التغلغل بعد كل ما قالته الدولة اللبنانية عن منع وجود تلك العناصر؟ وكيف يمكن مواجهة هذه العناصر المسلحة والحد من انتشارهم بين المدنيين؟ لماذا ما زلنا نتحدث عن وجود أولئك العناصر بين المدنيين؟
ج: مساء الخير لك ولجميع المشاهدين. مرة جديدة تحصل هذه الاستهدافات من قبل إسرائيل لعناصر من حزب الله نتيجة الاختراقات الاستخباراتية التي نجحت إسرائيل في تحقيقها لاستهداف عناصر من حزب الله، كذلك لعناصر من المجموعات العسكرية المتعاونة مع الحزب. لقد أصبح واضحاً أنّ إسرائيل بات باستطاعتها أن تصطاد تلك العناصر اصطياداً، أكان ذلك في لبنان أو حتى في إيران من قبل إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. ولكن، وبما يخص الحزب في لبنان، فقد أصبح هذا الانكشاف لعناصر حزب الله واضحة بعد انكشاف الحزب استخباراتياً، ولاسيما بعد أن اتخذ الحزب القرار بالتدخل في سوريا. كذلك، فإنّ هذا الانكشاف بات أيضاً كبيراً بسبب الممارسات الخاطئة من قبل الحزب، وبسبب عدم التبصر وعدم التنبه إلى التفوّق الكبير الذي بات لدى إسرائيل على الصعد النارية والاستخباراتية والتكنولوجية، وكذلك بسبب إصرار الحزب، وبالرغم من كل ذلك، على زجّ لبنان في معارك لا قبل للبنان بها، ولا يستطيع لبنان أن يتحمل تبعاتها. هذا ولاسيما وأنّ عناصر الحزب باتوا منتشرين في الكثير من الأمكنة، وموجودين بكثرة في صفوف المدنيين في معظم المناطق اللبنانية.
على صعيد آخر، فإنَّ الحقيقة التي يجب أن تُقال، انّ الحكومة اللبنانية اتخذت قرارات سيادية أساسية وشجاعة، عبرت فيها عن موقفها وهي ما تزال متمسكة بهذه القرارات والمواقف، وتحديداً ما يتعلّق بحصرية قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، وأيضاً بما يتعلّق باعتبار نشاطات الحزب العسكرية والأمنية نشاطات غير شرعية، وأن الدولة اللبنانية متمسكة ومصرة على تطبيق هذه القرارات السيادية.
كذلك، فإنَّ الجيش اللبناني، وخلافاً لما يحاول أن يقوله البعض عن تقصير من قبل الجيش اللبناني، وهو أمر باعتقادي غير صحيح، أو في الحد الأدنى، فإنّ الكثير من هذا اللوم غير دقيق. والحقيقة، انَّ ما قام به الجيش في منطقة جنوب الليطاني لجهة تطبيق حصرية السلاح، وذلك حسب ما سمعته من عدد من المسؤولين اللبنانيين السياسيين والعسكريين، أنّ الجيش اللبناني قد قام بعمل جيد في منطقة جنوب الليطاني، لجهة تطبيق حصرية السلاح في تلك المنطقة، وبما يفوق توقعاتهم. وبالتالي، فإنّ الواجب والمصلحة الوطنية تقتضي الآن أن يصار إلى تشجيع الجيش اللبناني، والعمل على إقداره على متابعة مهامه في المناطق اللبنانية الأخرى للتدرج في تحقيق هذه الحصرية بشكلٍ كامل مع حصول الجيش على ما يمكنه من تحقيق هذا الهدف.
ولذلك، وحتى نضع الأمور في نصابها اليوم، فإن هذه العملية العسكرية الأخيرة التي جرت في منطقة الحازمية، وكما سمعنا، فإنّ إسرائيل استهدفت شقة سكنية جرى استئجارها قبل سته أشهر من قبل زوجة ذلك العنصر المستهدف.
على أي حال، وفي ضوء هذه المعطيات، فإني أعتقد أنّ الوضع بات يتطلب جهداً إضافياً زيادة على ما تمّ إنجازه من قبل الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني. وبحيث يجب أن يمتد هذا الجهد ليشمل المناطق الأخرى من لبنان، ولكن تحقق هذا الأمر يتطلّب مجموعة من المقتضيات والجهود، وعلى أكثر من صعيد. ومن ذلك، على صعيد الجيش اللبناني لجهة تمكينه وإقداره على تعزيز جهوده وقدراته من خلال تزويده بالمعدات والإمكانات التي يستطيع من خلالها ان يتوسع في القيام بهذه العمليات العسكرية والأمنية الآيلة إلى تطبيق حصرية السلاح بيد السلطات والأجهزة الشرعية للدولة اللبنانية.
من جهة أخرى، فإني اعتقد انه من الضروري أن يصار إلى دعم جهود الحكومة اللبنانية، إغاثياً وسياسياً، لجهة تمكينها من تعزيز الجهود التي تبذلها، ولاسيما في عملية اغاثة النازحين الذين فاق عددهم حتى الان المليون ومئة ألف نازح، وحيث أنّ الموجود منهم في أمكنة اللجوء التي أعدّتها الأجهزة المختصة للدولة اللبنانية حوالى 150,000، والباقيين منتشرين في مختلف المناطق اللبنانية. وبالتالي، فإنّ هناك جهداً كبيراً يجب أن يبذل ويجب أن يستمر ويتعزّز لدى أجهزة الحكومة اللبنانية، وهو الذي بدوره يحتاج إلى دعم قوي من خلال التعاون مع الاشقاء والأصدقاء لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية، وأجهزتها وجهودها العملانية والمادية والإغاثية.
أما على الصعيد السياسي، فإنّ هناك جهداً إضافياً، يجب أن يبذل على صعيد الأشقاء والأصدقاء لتعزيز صدقية الدولة اللبنانية السياسية والإدارية لدى اللبنانيين، بما يدفع أعداداً متزايدة من اللبنانيين، ولاسيما ممن هم من ضمن البيئة الحاضنة لحزب الله للانضواء تحت سقف الدولة. وهذا الأمر يقتضي من الدول الكبرى الصديقة مساعدة الدولة اللبنانية سياسياً للتقدم على مسارات تطبيق المبادرة الأخيرة للرئيس جوزاف عون.
س: تتحدث حضرتك عن جهود الدولة اللبنانية، وهي بالفعل موجودة ومقدرة، وحتى كذلك بما يتعلّق بجهود تنفيذ حصرية السلاح بيد الدولة والإجراءات اللازمة لذلك. ولكن بنفس الوقت، نسأل هنا عن حزب الله، حيث مازلنا نسمع بالمقابل تصريحات المسؤولين بحزب الله التي تتحدى جهود الدولة ومواقفها وقراراتها، وتهدّدها وصولاً إلى ما قاله المسؤول في حزب الله وفيق صفا بالأمس، وهو الذي قال انّ الحكومة ستضطر إلى التراجع عن قراراتها المتخذة في آب الماضي ومطلع آذار الحالي، وذلك كما تراجعت بعد السابع من أيار في العام 2008. حضرتك كنت موجود على رأس تلك الحكومة وما رأيناه وقتها. هذا تلويح بما يمكن أن يقوم به الحزب في المرحلة الجديدة، والتي يتحدث عنها ويؤكّدها حزب الله ما معنى هكذا تصريحات؟
ج: بدايةً، يجب علينا أن نلاحظ أنّ الظروف وما حصل يوم السابع من أيار 2008 مختلفة عن ظروف الحاضر الآن، والتي لا يمكن للحزب أن يُهوّل على الدولة اللبنانية بها. ولكن، وعلى أي حال، لا بدّ من استخلاص الدروس والعبر الصحيحة من تلك المرحلة السابقة حتى لا يُصار إلى تكرارها اليوم.
أما لجهة ما يقوله هؤلاء المسؤولون في الحزب الآن، فيجب علينا أن لا نعطيها وزناً أكثر من حقيقتها. إنّه مما لا شكّ فيه، وكما نعلم أن حزب الله والمجموعات الملتفة من حوله لا يزالون يعانون من حالة انكار ومكابرة، مما لا يسمح لهم بإدراك حقيقة المتغيرات والتحولات التي باتت واقعاً اليوم. كذلك أيضاً، فهم يعانون من حالة ارباك شديدة، ومن فقدان للقيادة القادرة على اتخاذ القرارات الصحيحة، ويعانون أيضاً من معاناة شديدة، أكان ذلك من خلال ما توقع بهم إسرائيل في استهدافاتها المستمرة لأعضاء من حزب الله، أم كان ذلك ايضاً من المعاناة التي يعاني منها النازحون. وبالتالي، فإنهم بحاجة ماسة لبذل كل جهد ممكن من أجل رفع معنويات من يلوذ بهم. وبالتالي، فإنّ ما يسعون إليه الآن، يتركّز بأنهم يحاولون ان يبثوا في صفوف مجموعاتهم هذه الأجواء الحماسية لشد العصب.
إزاء تلك المحاولات الاستنهاضية التي يقوم بها الحزب التي يجب أن نعرف دوافعها وحقيقتها، فإني لا اعتقد ان الحكومة اللبنانية والشعب اللبناني في غالبيته الساحقة هو في وارد التراجع عن القرارات السيادية الأساسية التي اتخذتها الحكومة. لا أقول هذا الكلام فقط من أجل الإصرار على تلك المواقف، بل لأنّه وبالفعل، فإنّ هناك مصلحة حقيقية للبنان واللبنانيين من أجل التمسك بها، وبالتالي للقيام بتنفيذ وتطبيق هذه القرارات لاستعادة سلطة الدولة اللبنانية الحصرية. وهذا الامر يتطلب، من جهة أولى، حزماً مستمراً ومثابرة من قبل الحكومة اللبنانية، للتمسك بهذه القرارات والعمل على تنفيذها وتطبيقها. كما أنّ الحكومة، ومن جهة أخرى، بحاجة إلى ممارسة قدْر كبير من الحكمة في التعاطي مع البيئة الحاضنة لحزب الله. ويكون ذلك من خلال الخوض في عملية واسعة هادفة للتواصل مع هذه البيئة عبر الشرح والإقناع والاحتضان لهذه البيئة وإقناعها في تنفيذ قرارات الدولة أن لها فيها مصلحة حقيقية. كذلك أيضاً للشرح لهم أنّ هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيعون من خلالها ان يعودوا الى المناطق التي هُجِّروا منها. وان هذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن عبرها أن يصار الى اعادة اعمار المناطق المدمرة. وكذلك في أنّ هناك حاجة ماسة لهم في أن يعود الجميع إلى المبدأ الأساسي، وذلك ان ليس هناك من حماية لهم ولا لغيرهم وحتماً لجميع اللبنانيين الا في عودة الجميع للانضواء تحت لواء الدولة اللبنانية وبشروط الدولة اللبنانية.
س: دولة الرئيس، في الوقت ذاته، نسأل هنا انّه عندما تخرج هكذا تصريحات من حزب الله، هل هي فعلياً فقط موجهة للبيئة الحاضنة للحزب، ومن الذين مازالوا يؤيدونه أم هي، ومن جانب آخر، تكريس لأمر واقع بات في داخل لبنان الآن، وفي ظل معطيات تتحدث عن أن إسرائيل تعمل على تنفيذ ما تريده على أرض الواقع، وتحديداً على حدودها الشمالية عبر إنشاء منطقة عازلة في جنوب الليطاني. وأنها بالتالي ستترك حزب الله للبنان للتعامل معه، فقط لا غير، وذلك بعد أن تكون قد أمنت حدودها الشمالية بعيداً عن استهداف مدفعية حزب الله؟
ج: صحيح ما تقولينه في أنّ هذا هو ما تريده إسرائيل. لكن نحن هنا علينا أن نتناول هذه المواضيع من زاوية ما يريده لبنان واللبنانيون، وما هو من حقهم ومن واجبهم أن يقوموا به.
إسرائيل من طرفها تريد ان لا يكون لدى حزب الله الصواريخ البعيدة المدى، كما أنّ إسرائيل تريد وتخطط لكي تحاول ان تحتفظ بمنطقة عازلة في المنطقة الحدودية من لبنان، وأن تكون هذه المنطقة خالية من السكان، وهي تحاول أن تنشئ هذه المنطقة العازلة التي هي في حدود 8 إلى 10 كلم من حدودها الدولية، والتي تعادل مدى بعض الأسلحة الصاروخية التي لدى الحزب، والتي يستطيع الحزب عند إطلاقها أن يستهدف مركبات او دبابات العدو الإسرائيلي، أو المناطق السكنية داخل إسرائيل. هذا هو ما تريده إسرائيل، وهي بالتالي لا تهتم أن يستمر وجود حزب الله بقواه العسكرية المتبقية لديه في لبنان، وبالتالي أن تسود في لبنان حينذاك حالة من الفوضى واللااستقرار، وذلك إن استمرت سلطة حزب الله في لبنان فوق سلطة الدولة اللبنانية. هذا ما تريده إسرائيل.
لكن، وفي المقابل، ما يجب علينا نحن أن نقوم به، وهو ما يريده لبنان وما يريده اللبنانيون، وما هو في مصلحتهم، وذلك في أنه لا يجوز ان تستمر هذه الحالة من انتهاك للسيادة اللبنانية، وانتهاك لسلطة الدولة اللبنانية. ذلك لأنّ استمرار الحال كما هو عليه الآن، ليس فقط في كونه يعرِّض لبنان إلى أن يبقى بعيداً عن حضنه العربي وعن حضّ أصدقائه في العالم فقط، ولكنه أيضاً لكونه يُبقي لبنان في حالة عدم استقرار ويُبقي اقتصاده في حالة تردي وأوضاع اللبنانيين المعيشية في حالة صعبة جداً يستحيل معها النهوض من جديد. وهذا كله ليس من مصلحة لبنان واللبنانيين، بمن فيهم البيئة الحاضنة لحزب الله.
لذلك يجب علينا أن ننظر الى الأمور من زاوية ما هي الحلول الحقيقية التي يحتاجها لبنان، والتي تستطيع ان تحقق للبنان ما يريده أبناؤه لكي يعود لبنان بلداً سليماً معافى في ظل حكومة قادرة وفاعلة. وتستطيع الدولة اللبنانية عند ذلك، أن تبسط سلطتها الكاملة على جميع أراضيها. حينذاك يستطيع اللبناني أن يشعر بأنّه يعيش بالفعل بحماية الدولة اللبنانية.
في هذا الصدد، يجب علينا، وفي هذا المضمار أن نستخلص درساً أساسياً في أنه لم يعد من الممكن للتنظيمات المسلحة من خارج سلطة الدولة اللبنانية، أن تستمر مسيطرة في لبنان، ولاسيما أن تلك التنظيمات لا تستطيع أن تؤمن للبنانيين الحماية التي يريدونها ولا تستطيع ان تعيد اللبنانيين الى المناطق التي هُجِّروا منها.
تجدر الإشارة في هذا الصدد، أنّه يجب ان لا ننسى ان القرارات التي اتخذها الحزب مؤخراً، والتي قضت بتوريط لبنان في هذه المواجهة العسكرية الدامية انطلقت في الأساس من أن ذلك القرار بإطلاق الحزب الصواريخ الستة جاء من إيران، وبما يعني أنّ القرارات التي يتخذها حزب الله هي بالفعل هي قرارات إيرانية. والدليل على ذلك يا سيدتي، أنه ربما كان بإمكان حزب الله، ومن حيث المبدأ، أن ينتفض لكرامته يوم اغتيل السيد حسن نصر الله، واغتيل من خَلفَهُ السيد صفي الدين، وأن يقوم بالتالي بإشعال هذه الجبهة. لكنه بالفعل لم يقم بذلك إلاّ عندما جرى اغتيال المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي. وبالتالي كان قرار الحزب بإطلاق تلك الصواريخ، وخلافاً لتأكيداته للرئيس بري بعدم المبادرة إلى إشعال الجبهة في لبنان، نتيجة صدور القرار الإيراني الذي طلب من حزب الله أن يشعل المواجهة ضد إسرائيل من خلال تكرار عملية الاشغال والمساندة التي كان قد أطلقها الحزب بعد عملية طوفان الأقصى في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023.
الآن أرى أنه يجب توجيه الأنظار إلى ما تشهده المنطقة من مفاوضات تجري بين الولايات المتحدة وإيران، ولا ندري ماذا سيكون عليه القرار إنْ حصل ذلك. هل سيكون القرار بشأن التفاوض أن يشمل ذلك الساحة اللبنانية أم أن لبنان سوف يترك عرضة لما تقوم به إسرائيل في لبنان والمستند حصراً لما يحقق مصالحها في لبنان؟
س: دولة الرئيس، انا اريد ان انتقل لموضوع المفاوضات مع إيران. اليوم يُطرحْ موضوع تهدئة الحرب التي تشنها الولايات المتحدة مع إسرائيل ضد إيران، وهذا هو موضوع اللقاءات أو الحوار الاميركي الإيراني. ولكن، وعلى ما يبدو، أنّ هذا لا يشمل ما يتعلق بما يجري على الساحة في لبنان. أي بعبارة أخرى، انّ ملف لبنان غير موجود على الطاولة. من المؤكد أنّ علينا أن ننتظر إيضاحات أكثر، ولكن بنفس الوقت، وبالنسبة لأميركا نفسها علينا أن ندرك أنها لا تربط ملف لبنان بملف إيران. لا بل، وعلى ما يبدو، فإنّ هناك نوع من التسليم لهذا الملف اللبناني لإسرائيل. واسرائيل لا تريد أن تربطه حتماً بإيران. لذلك، فإنّ علينا اليوم أن نبحث عمّن سيدعم الدولة اللبنانية في علاقتها وتفاوضها مع المجتمع الدولي. هذا يعني، وبعبارة أخرى، أن ملف لبنان لم يعد ملفاً موجوداً على طاولة الدول الكبرى عندما تتحدث هذه الدول مع بعضها بعضاً؟
ج: هذا صحيح. للأسف، تدل التجارب لدى الكثير من دول العالم في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية أنّ الولايات المتحدة، وفي المحصلة، تأخذ القرار الذي يناسبها وتترك الاخرين رهينة التطورات. ولذلك، فإنّ هذا الاستنتاج الذي تتحدثين عنه ممكن، وحيث ستقوم الولايات المتحدة باعتماد ما تراه من مصلحتها، وحيث كالعادة تكون للاعتبارات السياسية الداخلية الأميركية الوزن الأكبر في صياغة القرار الذي تتخذه الإدارة الأميركية. وبالتالي، وعند ذلك، وللأسف، يمكن أن يترك لبنان رهينه لما تريده إسرائيل.
لذلك، وفي ضوء هذه الاعتبارات وهذه السوابق، فإنّ علينا نحن في لبنان أن ننظر إلى الامور من زاوية اعتماد تحديد صحيح لما هو بالفعل في مصلحة اللبنانيين ومصلحة لبنان على الأمدين القصير والمتوسط. وهذا الامر يتطلب من جهة أولى، بذل كل الجهود الممكنة في الداخل اللبناني لتوحيد الصف الداخلي اللبناني تحت لواء القرارات السيادية التي اتخذتها الحكومة اللبنانية. وهذا يقتضي أن يكون الاعتبار الأساس لدينا ما يمكن ان يلبي مصلحة لبنان واللبنانيين، وهو ما لم يمكن أن يصار إلى تحقيقه من دون الاستناد إلى عمل تضامني من قبل جميع اللبنانيين. وهذا يعني أنّ الجهود لا يمكن أن تقتصر فقط على صعيد وحدة الموقف اللبناني، وتحديداً على صعيد السلطة التنفيذية، والتي هي المسؤولة، والمتمثلة بفخامة الرئيس ودولة رئيس مجلس الوزراء والحكومة اللبنانية، ولكن بما يشمل ما ينبغي ويجب أن يقوم به الرئيس بري بكونه هو رئيس السلطة التشريعية، والذي لديه التواصل الأساسي مع قيادة حزب الله.
نحن نعلم ان الرئيس بري هو الذي فاوض وتدخل من أجل تمرير الاتفاق الذي جرى مع الإسرائيليين برعاية الولايات المتحدة الأميركية من أجل ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان في العام 2022. وهو الذي فاوض وتدخل أيضاً في عملية المفاوضة للتوصل إلى اتفاق التفاهمات الجديدة لتطبيق القرار 1701 في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024.
لذلك، وبالتالي، فإنّ هناك دوراً يفترض بالرئيس بري ان يقوم به من اجل توحيد الصورة الوطنية الجامعة للبنان، بما لديه من تأثير على البيئة الحاضنة لحزب الله، وليس هذا فقط، لأنّ هذا الدور مطلوب من الرئيس بري من اجل اعطاء هذه الصورة الجامعة للبنان لدى المجتمعين العربي والدولي، لا بل وأيضاً من أجل ان يكون للبنان موقفاً موحداً صارماً يعبر عن الأكثرية من اللبنانيين، وبالتالي يستطيع لبنان، وبناء على ذلك، أن يفاوض مع الآخرين من الأشقاء والأصدقاء على هذا الأساس الوطني الواحد.
هذا الأمر لا يقتصر فقط على العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء، بل وأيضاً لأن هناك حاجة ماسة لتطوير وبلورة موقف وطني كبير من الرئيس بري من اجل ايضا حماية وصيانة الوضع الداخلي اللبناني من أجل تأمين وحدة اللبنانيين في وجه من يحاولون تمزيق الصف الداخلي اللبناني وتعريضه للاهتزاز، لاسيما وان لبنان واللبنانيين باتوا يتحملون العبء الكبير الذي يترتب على وجود هذا العدد الكبير من النازحين قسراً عن بلداتهم وقراهم ومنازلهم، والتي دمر الكثير منها، وحيث باتت هناك صعوبة كبيرة في إعادة بنائها أو ترميمها بشكلٍ سريع. وهذا يتطلب بحد ذاته جهداً كبيراً من أجل الحفاظ على الجبهة الداخلية اللبنانية موحدة إزاء هذه الضغوط المجتمعية، ولاسيما بنتيجة الضغوط الشعبوية التي يمارسها كثير من المزايدين على أكثر من ضفة، أكان على الضفة الشيعية أم على الضفة المسيحية. وهي الأمور الدقيقة التي من الواجب العمل سوية على معالجتها ومنع تفاقمها عبر العمل على جمع صفوف اللبنانيين. حيث تبين التجارب السابقة أن لبنان أقوى ما يكون عندما تتوفر لدى اللبنانيين وحدتهم وانضوائهم جميعاً تحت لواء الدولة الضامنة والحامية لجميعهم.
س: طيب اسمح لي بسؤال هنا بما انه حضرتك تتحدث عن الرئيس بري ماذا ينتظر الرئيس بري حتى يتصرف ويتحرك بشكل أكبر اليوم قبل الغد. فلقد كان هناك لقاء بينه وبين رئيس الجمهورية، ولكن لا تصريحات واضحة ولا مناشدة او حديث مع البيئة الحاضنة للحزب على الأقل؟
ج: لنكون واضحين بشأن أهمية المبادرة والدور الذي يمكن ان يلعبه الرئيس بري على صعيد تحصين الوحدة الداخلية لدى اللبنانيين من أجل تحقيق الإنقاذ المنشود. وأنا هنا لا اقلل من صعوبة الوضع الذي بات عليه الرئيس بري. ولكن، باعتقادي إلى هذا هو الموقف الوطني الكبير الذي يتطلب من الجميع، وتحديداً من الرئيس بري، الارتفاع والارتقاء بمواقفه ومبادراته لكي تكون قادرة على أن تسهم في تحقق الإنقاذ المنشود للبنان.
نحن الآن بحاجة إلى انقاذ لبنان وانقاذ اللبنانيين، حيث لا يجوز أن يترك اللبنانيون رهينة لما يريده نتنياهو ولما تريده إسرائيل، ولاسيما أنه بات علينا أن ندرك أنّ العالم منشغل بأزماته العديدة. دول الخليج العربي منشغلة بأوضاعها الصعبة، وكما تعلمين ما تتسبب به إيران من استهدافات عسكرية ضد جميع دول الخليج في قصفها لتلك الدول، وذلك بشكلٍ أرعن وغير مفهوم. كما أنّ المنطقة العربية أيضاً لديها انشغالاتها ومشكلاتها العديدة، والمتمثلة باشتعال العديد من بؤر عدم الاستقرار فيها. ولذلك، وفي هذا الشأن، فإنّ الأمور باتت تتطلب جهداً لبنانياً استثنائياً لصيانة أوضاعنا الداخلية في لبنان، وعلى كل الأصعدة. وبالتالي، فإنّي أرى أنه يُمكن للبنان أن يعول على الدور الوطني الكبير المنتظر من الرئيس بري، وهو الدور الذي بات لبنان بحاجة إلى من يبادر إليه ويقوم به. هذا هو الدور الوطني المطلوب الآن من الرئيس بري، وهو الدور الذي يُصلِّب ويحصِّن الجبهة الداخلية اللبنانية، وهو ما يمكِّن للبنان من أن يبين موقفه الوطني أمام الجميع في الداخل والخارج، وبشكلٍ واضح.
تجدر الإشارة إلى انّ هذا الموقف اللبناني الموحد، هو الذي نجحنا في تحقيقه، مع اختلاف الظروف، والذي عملنا على تأمينه في العام 2006 عندما تعرض لبنان للاجتياح الإسرائيلي، وحيث نجح لبنان آنذاك في أن يكون له موقفاً واحداً موحداً ظهر واضحاً أمام العالم أجمع. وبالتالي، فقد استطعنا حينذاك، ومن خلال ذلك، أن نحقق صدور القرار 1701 بإجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي. لذلك، فإنّي أرى أن هذا هو المطلوب الآن من الجميع أن يبادروا لكي يكون للبنان موقفاً لبنانياً واحداً، نخاطب بموجبه اللبنانيين من جهة، ونخاطب به المجتمعين العربي والدولي من أجل تحقيق الإنقاذ المنشود.
