الرئيس السنيورة: لبنان أصبح بين المطرقة الاسرائيلية والسندان الايراني

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 

 

اجرت القناة المصرية الاولى حوارا صحافيا مع الرئيس فؤاد السنيورة تناول اخر التطورات وفي ما يلي نصه

س: للمزيد من المتابعة والتحليل ينضم إلينا عبر الهاتف من بيروت دولة الرئيس فؤاد السنيورة رئيس وزراء لبنان الأسبق. دولة الرئيس، وبعد التحية، اعتداءات إسرائيل لاتزال مستمرة، وهي باتت تطال الجميع، وتستهدف الأرض اللبنانية. أين أصبح المسار التفاوضي بشأن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ولاسيما في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية؟

ج: بدايةً، تحياتي لك ولجميع المشاهدين. في الحقيقة انَّه، ومن جهة أولى، وبعد التوقيع على اتفاق الإطار مع إسرائيل وبرعاية الولايات المتحدة الأميركية، فقد كان يُفترضُ بإسرائيل أن تلتزم بتهدئة الأمور، وأن يتوقف قصفها للجنوب اللبناني. وبالتالي أن يصار إلى التقدم على مسارات تحقيق وقف حقيقي لإطلاق النار، ومن ثمَّ يليه الاتفاق على برنامج زمني محدّد للمناطق التجريبية، بما يُمهد لتحقيق للانسحاب الإسرائيلي الكامل من المناطق المحتلة من الجنوب اللبناني. وذلك على أساس أن يتسلَّم الجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية المسؤولية في هذه المناطق، وذلك بعد أن تنسحب إسرائيل من جميع المناطق اللبنانية المحتلة.

الذي جرى كان عكس ذلك تماماً. حيث إن إسرائيل استمرّت في توسيع نطاق احتلالاتها لمناطق جديدة في لبنان، وأمعنت في الاستمرار في إطلاق النار، وفي استمرار القصف والتدمير والتجريف لعدد من القرى والبلدات اللبنانية في الجنوب، وفرض نزوح أهلها منها. وهي تقصد من ذلك أن لا يكون هناك مكان بالتالي ممكن لعودة سكانه إليها. وهكذا، وبالتالي يظهر وجه إسرائيل الحقيقي فيما تقوم به، ويتبين من ذلك سوء نواياها، ولاسيما وأنها باتت تتوسَّع من جديد في مناطق خارج منطقة الحزام الأصفر الذي حدّدته هي، كما وباتت تقول إنها لن تتخلّى عن احتلالها لمنطقة الحزام الأصفر. يعني هذا كلّه، انَّ إسرائيل ترتكب مخالفة شديدة، وخرقاً صارخاً لاتفاق الإطار الموقع معها برعاية الولايات المتحدة الأميركية. هذا علماً أنَّ لبنان كان يتوقع من ذلك الاتفاق الإطار أن يصار بداية إلى التزام إسرائيل بوقف حقيقي وكامل لإطلاق النار، وبالتالي أن يصار إلى وضع برنامج لتطبيق المناطق التجريبية، بحيث يتحقَّق من ذلك انسحاب إسرائيلي حقيقي وكامل من جميع المناطق اللبنانية التي تحتلها إسرائيل.

للأسف، فإنَّ هذا الأمر لم يتحقّق. ولهذا يجب على الجانب اللبناني أن يسلّط الضوء على هذا الانتهاك الإسرائيلي مع الجانب الأميركي الذي يتحمّل المسؤولية إلى جانب إسرائيل في استمرار الاحتلال، واستمرار القتل والقصف والتدمير والتجريف.

وهكذا أيضاً، ومن جهة أُخرى، نعلم أن إيران تستعمل حزب الله من أجل تعزيز أساليبها وقدراتها التفاوضية السلمية والعنفية التي تقوم بها في إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة. وها هو لبنان، ومن جانب أول، قد بات رهينة بيد إيران التي تستعمله من أجل أن تحقق أهدافها السياسية. للأسف، لبنان الآن قد أصبح بين المطرقة والسندان:

بين المطرقة الإسرائيلية التي تستمر بعنجهيتها وعربدتها ومخالفتها لاتفاق الإطار وللقانون الدولي، ومتحلّلة من أي ضوابط. وهذا الأمر يجري من دون أن يترافق معه أي جهد حقيقي من قبل الإدارة الأميركية لوقف هذه الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة على لبنان.

من جانب آخر، بات لبنان خاضعاً لإملاءات السندان الإيراني، حيث تقوم إيران وعبر حزب الله في الاستمرار والعناد والمكابرة وأيضاً في الإنكار لما يجري. أملاً من إيران أن تنجح في مواجهتها مع الولايات المتحدة، وأن تنجح التالي في استعادة سيطرتها ونفوذها على لبنان.

هذا هو حقيقة الوضع الآن في لبنان. ولبنان في هذا الشأن يدفع الثمن كل يوم عبر القتل اليومي الذي ترتكبه إسرائيل، ومن خلال ما تقوم به إسرائيل من تدمير وتجريف للقرى والبلدات على مرأى من العالم أجمع. اليوم، وعلى سبيل المثال، سقط أكثر من 11 ضحية لبنانية، منهم سبعة من عائلة لبنانية بكامل أفرادها، هذا ناهيك عن التدمير اللاحق بالأبنية والتهجير الكبير للسكان الأبرياء. وها نحن نرى سيلاً لا ينقطع من السيارات العائدة من الجنوب، وهي تقل ركابها النازحون إلى بيروت وغيرها من المناطق اللبنانية بسبب استمرار العدوان والاحتلال الإسرائيلي.

س: أستاذ فؤاد السنيورة، نحن نعلم أنَّ لك باع طويل في العمل السياسي والعمل الدبلوماسي في لبنان وفي الوطن العربي ككل وتاريخك يثبت ذلك. الآن، ما هو انطباعك وكيف يُمكن الخروج من هذا الوضع الصعب، وما هو السبيل للخروج؟ هل بالإمكان وضع خارطة طريق لنا بشأن انسحاب إسرائيل. هذا علماً أنَّ الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً، وفي لقاء الرئيس الأميركي مع رئيس لبنان. السيد جوزاف عون تحدث عن وجود إمكانية وحلحلة للأزمة اللبنانية بصورة حقيقية. وهذا الأمر لا يبقى انطباعات أو رؤى، ولكن لضرورة اتخاذ إجراءات محددة. سؤالي لك دولة الرئيس، كيف يكون الحل؟ وما هو السبيل الذي ينبغي اتباعه مع إسرائيل؟

ج: بدايةً، لا بدّ لي أن أصوِّب الأمور بسؤالي: أليست إسرائيل هي المعتدية. أليست هي التي تحتل الأراضي اللبنانية؟ ألا يُلْزمُها القانون الدولي بالانسحاب من الأرض اللبنانية وحتى الحدود الدولية؟ ألا يشكّل وجودها على الأرض اللبنانية احتلالاً وخرقاً لقرارات الشرعية الدولية، ولقرارات مجلس الأمن الدولي؟

أعود الآن إلى اتفاق الإطار، فإنّه وفي الحقيقة في أنّ لبنان، وفي هذه المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والتي تجري برعاية الأمم المتحدة، فقد دخلها لبنان، وبحسن نية، وعلى أمل أن تلتزم الولايات المتحدة بتنفيذ ما عليها من التزامات للأسف لم يحصل، وحتى الآن ما يريده لبنان، وذلك أيضاً لأنَّ إسرائيل شاركت في هذه المفاوضات بسوء نيّة، وهو ما يظهر من خلال ما كانت تضمره لجهة رغبتها في الاستمرار في الاحتلال والقصف والقتل والتدمير.

كذلك نحن نشهد الآن ما تقوم به إيران باستمرارها في استعمال لبنان كصندوق بريد دموي وتدميري لإرسال الرسائل الإيرانية إلى الولايات المتحدة، وذلك في محاولة لتحسين قدراتها التفاوضية مع الولايات المتحدة.

بالمناسبة الكل يعلم أنّه، ويوم البارحة، كان ذكرى مرور 20 سنة على بدء سريان العمل بالقرار 1701 الذي أصبح سارياً بدءاً من يوم الرابع عشر من تموز/ يوليو من العام 2006. والحقيقة أن حزب الله كان يُفترض به أن يحترم هذا القرار الدولي الأساسي، ولاسيما بعد أن انسحبت إسرائيل بعد ذلك من جميع الأراضي التي كانت قد احتلتها في لبنان في العام 2006، وذلك باستثناء منطقة شمالي قرية الغجر. يعني بعبارة أخرى إن إسرائيل انسحبت من لبنان آنذاك. وهذا ما كان يفترض من حزب الله أن يلتزم بدوره بتطبيق نصوص هذا القرار الدولي رقم 1701.

الذي جرى كان العكس تماماً. لا إسرائيل طبقت هذا القرار بنية حسنة، ولا أيضاً حزب الله طبق هذا القرار. وشهدنا على مدى تلك السنوات ماذا كان يفعل حزب الله خلال العقدين الماضيين. إذْ كان يُراكم عدد الصواريخ البالستية وغيرها من جميع أنواع الصواريخ الأخرى، ويقوم بحفر الأنفاق وأيضاً كان يُراكم عدداً كبيراً من الطائرات المسيرة. ولكنه لم يكتفِ بذلك. وهو بالتالي، قد عمد إلى ارتكاب جريمة إضافية بحق لبنان بتهوره وعدم تبصره عندما تدخل وزج بلبنان في الحرب التي اشتعلت في غزة في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر في العام 2023، وذلك بدعوى المساندة لحماس والأشغال لإسرائيل، وحيث جرى توريط لبنان في حرب ضروس لا طاقة ولا قدرة للبنان على تحملها.

ومن ثمَّ، وبعد ذلك ما تسبب به حزب الله للبنان من توريط جديد وإضافي في العام 2024، ولاحقاً أيضاً في الثاني من آذار/ مارس في العام 2026. وذلك عندما تدخل حزب الله في الحرب انتقامًا لاغتيال المرشد السيد علي خامنئي، وهو مما زاد من حجم الكوارث التي بدأ لبنان واللبنانيون في تحملها ويعانون منها. وكل ذلك بات يجري ضد مصلحة لبنان واللبنانيين. للأسف، لايزال الحزب يتصرف بعناد وإمعان، وبدرجة كبيرة من الإنكار والمكابرة.

س: طيب سيد فؤاد هذه الأمور يعني الأمور مطروحة على طاولة التفاوض. إذا تحدثنا عن الإنكار والمكابرة ورمي المسؤولية كل في اتجاه. إذا بالعودة إلى هذا الطريق سيد فؤاد حزب الله وتحمل دائماً إسرائيل والولايات المتحدة مسؤولية التصعيد في جنوب لبنان. إذاً، هناك أهداف ودلائل، وما هي الأهداف الإسرائيلية من مواصلة الانتهاكات، وكيف يمكن وقف هذا التصعيد الخطير في هذا التوقيت بالتحديد، سواءً عبر المؤسسات الدولية في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن، أو في الجامعة العربية؟

ج: نحن نشهد عملياً كيف أن الطرفين، الإسرائيلي والإيراني، يستعملان لبنان كساحة للمواجهة بين بعضهما بعضاً، وكل طرف يأخذ لبنان رهينة من أجل الضغط على خصمه.

من جهة أُخرى، فإنَّ القيادة الإسرائيلية تصرّ على تسليم حزب الله لسلاحه قبل أي شيء آخر، وهي لذلك لا تنسحب، ولا تريد أن تنسحب من لبنان الآن، إلاّ بعد تسليم الحزب لسلاحه.

والحزب من طرفه، وإيران من خلفه، يقولان أنّ سلاح الحزب، والحزب يعني بذلك السلاح الموجود في جنوب الليطاني حصراً، لا يمكن تسليمه للجيش اللبناني ما لم تنسحب إسرائيل من لبنان، وهما يقصدان من ذلك أن لا تسليم لسلاح حزب الله إلى الدولة اللبنانية، وتحديداً الموجود خارج منطقة جنوب الليطاني، وهذا أمر على قدر كبير من الخطورة. بمعنى أنَّ سلاح هذا الحزب فقد مبرّره في مواجهة إسرائيل، وأصبح المقصود منه استعماله في الداخل اللبناني.

فضلاً عن ذلك، فإنّ هناك أوضاعاً سياسية باتت تضغط على لبنان. ذلك لأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بات مهتماً الآن بتحسين ظروف انتخاباته المقبلة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر القادم، وهو بالتالي يمانع في أن تنسحب إسرائيل من لبنان الآن. وهو بالتالي حريص على أن تستمر إسرائيل في استهدافها للبنان واللبنانيين. لذلك وبالتالي، فإنَّ إسرائيل حريصة على استمرار هذا الصراع الدموي في لبنان، وحيث أصبح لبنان وتلة علي الطاهر في منطقة النبطية ناخباً أساسياً في الانتخابات الإسرائيلية القادمة التي يخوضها نتنياهو للفوز بها، ولضمان استمراره رئيساً للحكومة الإسرائيلية العتيدة.

كذلك أيضاً، هناك مشكلة لدى الرئيس ترامب الذي لديه انتخاباته أيضاً، وبالتالي لديه التزاماته الانتخابية.

نحن نرى كيف أنَّ لبنان بات يُستعملُ ساحة لخوض المعارك الدموية لكل من إسرائيل وإيران. كيف يمكن أن يستمر هذا الأمر؟ لذلك، لا بدَّ من إظهار موقف سيادي لبناني قوي مع الولايات المتحدة، التي يتوجب عليها التزامات سياسية وعسكرية لدعم الموقف اللبناني سياسياً، وكذلك في دعم الجيش اللبناني عسكرياً. أعتقد أن الموقف الذي اتخذه كل من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام اليوم مهم، والمتمثل بإرسال رسالة قوية للولايات المتحدة وللعالم، كان ضرورياً لوقف هذه العربدة الإسرائيلية، وأنا أصدرت اليوم بياناً أيضاً في هذا الشأن.

ولكن هذا لا يكفي، يجب أن توضع الأمور بنصابها الصحيح، وبشكلٍ واضح وأمام الجميع. انَّ هذا الأمر يهدِّد بإفشال هذا الاتفاق الإطار، لأنه ما معنى أن نتوصل إلى اتفاق ونوقع عليه ولا يطبق! وبالتالي في أن تستمر إسرائيل في عمليات القصف والاغتيال، والتدمير، والتجريف، والتهجير، وبحيث تعمد إسرائيل إلى إعفاء نفسها من المسؤولية، ومن الالتزام به خلافاً للإرادة الدولية والقانون الدولي. هذا الأمر غير ممكن أن يستمر هكذا، وها هي إسرائيل، وللأسف، تتوسَّع خارج منطقة الحزام الأصفر باحتلالها واستهدافها لمناطق جديدة من لبنان.

ليس ذلك فقط، فنحن نسمع من المسؤولين الإسرائيليين يهددون ويتوعدون وينذرون ويؤكدون ويصممون على أنهم لن ينسحبوا من أي منطقة من المناطق التي احتلوها في لبنان. لا بل وأكثر من ذلك، فإنهم يقولون بأنهم لن ينسحبوا من غزة، وكذلك أيضاً من سوريا، وهم في الوقت ذاته يعمدون إلى تدمير كل فرص الحل في الضفة الغربية لفلسطين.

بالتالي، فإنَّ هذا الجو غير المؤاتي الموجود الآن داخل إسرائيل، والذي تتحكَّم به الاعتبارات الانتخابية لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، فإنَّه من الصعب للبنان أن يتحمله. وبالتالي ليس بالإمكان أن يستمر هكذا الوضع. وعلينا أن ننتظر أشهراً عديدةً، وربما حتى نهاية العام الحالي في أحسن الأحوال.

يعني، وبصريح العبارة، انَّ هناك حاجة ماسة لدور فاعل من قبل الولايات المتحدة ومن المجتمع الدولي، بأن تأخذ كل منها موقفاً حازماً للجم ما تقوم به إسرائيل. هذا الأمر يهدد بالفعل هذا الاتفاق الذي حصل، وأن ما تقوم به إسرائيل، وبحد ذاته، ما يقدم هدية استثنائية لسردية حزب الله وإيران، وهو ما لا يمكن تقبله.

المشكلة الحقيقية التي نراها أمامنا. انّه في هذا الشأن، فإنَّ هناك نوع من تبادل المصالح، أي أنَّ هناك حالة تخادم ما بين إسرائيل وإيران، وكلاهما له مصلحة في استمرار هذه الحرب. لأنّه فعلياً الذي جرى حتى الآن، هو على الشكل التالي، أي ما معناه، أنّ إسرائيل تقول إنها لن تنسحب طالما حزب الله لا زال موجوداً ومسلحاً في لبنان. وحزب الله يقول إنه لا يمكن أن يسلم سلاحه طالما أن إسرائيل لا تزال محتلة في لبنان. هناك عملية تخادم حقيقي بين الطرفين، ولكلاهما مصلحة في أن تبقى الجبهة اللبنانية جبهة مشتعلة. وهذا الأمر لا يُمكن أن يستمر هكذا. وانطلاقاً من الوضع الذي بات عليه لبنان الآن، فإنّ هذا الوضع لا يجوز أن يستمر هكذا. وبالتالي ينبغي على الولايات المتحدة الأميركية أن تبادر إلى إجراء تدخل حقيقي وسريع وصارم من قبلها لفكّ هذه العقدة المستعصية، هذا فضلاً عن الدول الذي ينبغي أن يقوم به المجتمع الدولي المتمثل بالأمم المتحدة ومجلس الأمن.

تاريخ الخبر: 
15/08/2026