ورقة الوزير نحاس: "معاينة" غير متوازنة و"اقتراحات" غير متناسقة

-A A +A
Print Friendly and PDF

شرت جريدة النهار في 30/5/2010 هذه المقالة للخبير الاقتصادي الدكتور مازن سويد، يناقش فيها ورقة وزير الاتصالات شربل نحاس والتي كان وزعها على الوزراء في الحكومة، وقد تولت هذه المقالة تفنيد افكار الوزير نحاس والرد عليها وتبيان نقاط الضعف التي حملتها والتناقضات التي حملتها،  وفي مايلي نص المقالة :

طرح معالي وزير الاتصالات شربل نحاس ورقة اقتصادية تم تداولها في الإعلام ولدى الرأي العام على مدى الأسبوع المنصرم. وقد أظهرت بعض وسائل الإعلام حماسة بالغة لها، فاعتبرها بعضها فوراً، ودون أن يجري عليها ما يلزم من التمحيص والدراسة الكافية، "أول مشروع اقتصادي واجتماعيمتكامل منذ عهد الرئيس فؤاد شهاب".

والواقع أن الأفكار والطروحات الجديدة مطلوبة، بل مُرحّب بها ولاسيما عندما يتاح للبنانيين إجراء مناقشة هادئة ورصينة وصريحة ومنفتحة لهذه الطروحات وذلك في ضوء التحديات الاقتصادية التي تواجههم، وبما يتيح لهم التداول في كيفية مواجهتها والعمل على إيجاد الحلول العملية والواقعية لها.

لقد تحدث الوزير نحاس عن إشكالية أساسية في اقتصادنا الوطني ألا وهي ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي، وبالتالي فقدان التنافسية في الكثير من القطاعات المولدة لفرص العمل. ونحن نتفق معه ونزيد بالقول أن لبنان يحتاج لأن يوسع قاعدته الإنتاجية، وأن يحسن من إنتاجيته في إدارات ومؤسسات القطاعين العام والخاص وأن يخلق المزيد من فرص العمل وبالأخص في المجالات حيث القيمة المضافة تكون مرتفعة، وهو ما يولد بدوره ارتفاعاً حقيقياً في مستويات العمالة ومستوى ونوعية معيشة اللبنانيين.

والواقع أن هذه الأهداف هي بالذات ما سعت إليه سياسة الرئيس الحريري في التسعينات من القرن الفائت، وهي أيضاً الأهداف المعلنة والواضحة والأساسية في برامج باريس-1 وباريس-2 وباريس-3. كما أنها أيضاً جوهر برنامج العمل الاقتصادي والاجتماعي الذي أطلقه تيار المستقبل قبل الانتخابات النيابية الأخيرة والذي يحتوي على تفصيلٍ لِخُطّتِهِ على صعيد "تحسين بيئة ممارسة الأعمال عبر إزالة المعوقات أمام نشاط القطاع الخاص وتخفيض كلفة ممارسته لنشاطه وتحفيز وتطوير القطاعات المنتجة التقليدية والجديدة الواعدة".

إن انضمام وزير الاتصالات بالذات إلى قافلة من ينادي منذ أكثر من عقد بضرورة تعزيز الإنتاجية والتنافسية في الاقتصاد اللبناني هو أمر يدعونا للتفاؤل والأمل. ولكننا من جهة أخرى نفاجأ في كيفية طرحه للأمور ولذلك ترانا مضطرين للاختلاف معه جذرياً في كيفية قراءته أو ما سماه "المعاينة" لأسباب هذه الإشكالية. كما نعتبر في ذات الوقت أن "الاقتراحات" التي قدمها الوزير  نحاس لم تكن على مستوى أهمية ما يطرحه.

في المعاينة:

نبدأ من ما سماه الوزير "المعاينة"، حيث يعتبر أن التدفقات الخارجية هي المسؤول الأساسي عن ارتفاع كلفة الإنتاج المحلي وذلك من خلال تأثيرها على التضخم الذي بحسب أرقام الوزير نحاس كان 18% في العامين 2008 و2009.

لقد كنا نتوخى من الوزير نحاس المزيد من الدقة في استعمال الأرقام سيما وأن أرقام دائرة الإحصاء المركزي تشير إلى تضخم بنسبة 5.5% في العام 2008 وبنسبة 3.4% في العام 2009، (أي نصف المعدل الذي يشير إلى الوزير)، وهذه الأرقام هي بالمناسبة من أدنى معدلات التضخم التي سادت في العالم العربي بحسب أرقام صندوق النقد الدولي في هاتين السنتين المعنيتين.

كما أننا كنا نتوخى من الوزير نحاس أيضاً أن يكون أكثر شمولاً وإحاطةً في مقاربته لموضوع ارتفاع كلفة الإنتاج، وبالأخص في إطار ورقة اقتصادية وصفها بأنها "تأسيسية". فالواقع أن التراجع في القدرة التنافسية في لبنان كان ولا يزال بشهادة المؤسسات الدولية ومختلف المؤشرات والدراسات التي قاربت هذا الموضوع نتيجةً للعديد من العوامل المعقدة والمتداخلة والتي نذكر منها أربعة عوامل أساسية وهي التي تأتي على ذكرها معظم الدراسات الموضوعة في هذا الخصوص وهي التي تعتبر الأكثر أهمية وإلحاحاً برأيهم:

  1. المشاكل البنيوية في قطاع الطاقة.
  2. عدم تطور قطاع الاتصالات وعدم تلاؤمه مع التقدم الحاصل على الصعيد العالمي وحاجات الاقتصاد اللبناني.
  3. البيروقراطية في القطاع العام ومدى تأثيرها على فعالية ومبادرات القطاع الخاص وصعوبة تنفيذ الأعمال (Ease of Doing Business) والقيود التي تمنع الدخول السهل إلى بعض القطاعات والخروج منها (Ease of Entry and Ease of Exit).
  4. البطء في المعاملات القضائية لتحصيل الحقوق واستمرار تردي مسألة عدم سيادة حكم القانون بصورة عامة.

 

هذه العوامل البنيوية الضاغطة كما والبطء في تحقيق تقدم إيجابي على صعيدها أدت إلى أن تكون كلفة الإنتاج والعمل في لبنان (Cost of Doing Business) مرتفعة وليس ما ذكره معالي الوزير من أنها تعود إلى أسباب نقدية مرتبطة بالتحويلات. وهو بالمناسبة لا يقترح أي إجراءً يُعالج المسألة النقدية. في المقابل فإنه لو جرى تطبيق ما يدعو إليه الوزير نحاس من اقتراحات أخرى فإنه يؤدي إلى زيادة العجز المالي وبالتالي وفي محصلة الأمر إلى الضغط على الاستقرار النقدي ومن ثم زيادة كلفته.

من جهة أخرى يشير معالي الوزير نحاس، في ورقته أن الأجور (أي تكلفة العامل) لم ترتفع كثيراً في لبنان والتي نعلم أنها تشكل في الإجمال عاملاً أساسياً في تكلفة الإنتاج. نتوقف قليلاً هنا لنقول أن هذا الأمر الذي إن جرى الدفع باتجاهه بدون روية واتزان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في كلفة الإنتاج وبالتالي تدهور في مستوى التنافسية ما لم يسبقه تحسن كبير في مستويات الإنتاجية.

هنالك إذاً تناقض في المعطيات التي بنى عليها الوزير نحاس قراءته أو معاينته وهذا أيضاً ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن ارتفاع كلفة الإنتاج يعود أساساً إلى عوامل بنيوية وليس إلى عوامل نقدية كما يعتقد الوزير نحاس. (وهو بالمناسبة يستند في مقاربته التحليلية إلى نظرية "لعنة الموارد" أو الـDutch Diseaseالتي لا نعتبرها ملائمة لمقاربة حالة الاقتصاد اللبناني).

يلقي الوزير نحاس بسهولة اللوم على تحويلات المغتربين فيحملها عبء زيادة كلفة الإنتاج في لبنان. وفي هذا الإطار كنا نأمل من الوزير نحاس توخي الدقة والتوازن في خطابه الاقتصادي خاصة أنه يحرص كما يقول على أن يكون خطابه ومقارباته متآلفان مع خطاب القسم والبيان الوزاري وهي جميعها تدعو إلى أن يزيد المغتربين ارتباطهم بالوطن الأم وليس العكس.

فللبنان المهاجر أوجه جميلة وبناءة أيضاً هي مصدر فخر لنا كلبنانيين. وهذا اللبنان المهاجر هو الذي أنتج مايكل دبغي، وكارلوس سليم وكارلوس غصن ورفيق الحريري وغيرهم كثيرون من الذين سلطوا الضوء على وجه لبنان الناجح في العالم وكانوا نعم السند للبنان في أوقات الشدة ونعم المحفز والمبادر في أوقات الوفرة والنماء.

  ويعلم الوزير نحاس حقيقة أن الهجرة لم تبدأ مع "المنحى السلبي" الذي شدد عليه في مطالعته، فلبنان المهاجر ظاهرة بدأت في أواسط القرن التاسع عشر ومرت بمراحل وموجات عديدة منذ بداية أزمة تصدير الحرير في جبل لبنان أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى الاعتداءات والحروب الإسرائيلية المتكررة ومنها أخيراً حرب تموز 2006 حيث تشير الأرقام إلى أعداد كبيرة من اللبنانيين الذين هاجروا على أثر هذه الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل على لبنان متسببة بإزهاق الأرواح وبدمار كبير وبموجة جديدة من عدم الاستقرار الداخلي.

لا ندري كيف توصل معالي الوزير نحاس مع كل هذا إلى أن يركز لومه على من يبني ويبادر ويدعم ويرسل المال إلى وطنه ويستثمر في بلده ويخلق فرص العمل الجديدة الصغيرة والكبيرة، فيدعونا إلى عدم "الارتهان للتحويلات من الخارج"! ولا يُحَمِّل أي مسؤولية لمن يعيق ويعرقل في الداخل ويتسبب في المزيد من خسارة الفرص من جهة أولى ودون أيضاً إلقاء اللوم على إسرائيل لما سببته ولا تزال من دمار وإزهاق أرواح وخسارة مستمرة للفرص وعدم استقرار في لبنان وفي المنطقة من جهة ثانية.

في الاقتراحات:

ينتقل الوزير نحاس من "المعاينة" غير المتوازنة إلى "الاقتراحات" التي لا نجد فيها اقتراحاً واحداً واضحاً أو حتى جديداً لمعالجة مشكلة عدم خلق فرص العمل الجديدة. والواقع أننا انتظرنا وما نزال من وزير الاتصالات أن يطلعنا على خطته للقطاع الذي يُعتَبرُ اليوم الأكثر أهمية على صعيد إتاحة المجال لتطوير اقتصاد المعرفة (Knowledge- Based Economy) والخدمات المتطورة من المعلوماتية وتكنولوجيا المعلومات والبرمجة، وهي جميعها صناعات اليوم والغد، والقطاعات الأكثر قدرة على خلق فرص العمل الجديدة وزيادة الإنتاجية في الاقتصاد الحديث. كما انتظرنا منه أن يتناول ولو بالإشارة لمسألة شديدة الأهمية وتتعلق بقطاع الطاقة ونحن جميعاً ندرك المشاكل البنيوية التي يعاني منها هذا القطاع وهو الذي لا زال يراوح مكانه منذ فترة متقلباً بين اقتراحات من هنا واقتراحات من هناك تتعارض مع بعضها بعضاً فتكون النتيجة أن لا تقدم يتحقق على الإطلاق في موضوع يتحكم بحاضر ومستقبل الاقتصاد اللبناني ومجالات نموه وقدراته التنافسية.

يعتبر الوزير نحاس أن الطابع الريعي للاقتصاد اللبناني هو الغالب، وهو أمر نختلف معه بشأنه ولكننا نتركه لنقاش آخر، ولكن في الواقع أن معظم اقتراحاته ولاسيما المالية منها وهي الغالبة، تزيد في الواقع من الطابع الريعي التوزيعي لهذا الاقتصاد ولا تتوجه إلى صميم ما اعتبره الوزير نحاس الهدف الأساسي ألا وهو خفض كلفة الإنتاج وتعزيز التنافسية. كما أنها- أي اقتراحاته، تشجع، إذا ما طُبّقت، على زيادة حجم الاستهلاك، الذي يعتبره الوزير نحاس أصلاً المحرك الأساسي للاقتصاد. والمفارقة في هذا الصدد أن الوزير نحاس يعتبر أن من الواجب العمل على تخفيف الاعتماد في النمو الاقتصادي على عامل الاستهلاك، بينما تؤدي اقتراحاته بالفعل إلى نقيض ذلك.

فهو يقترح "تخفيض العبء الضريبي على الأجور وميزانيات الأسر الفقيرة والمتوسطة الدخل". في هذا المجال لا بد من الإشارة إلى حقيقة أساسية وهي أن الإعفاءات الضريبية على ضريبة الدخل في لبنان تُعتبر من الأعلى بالمقارنة مع الدول النامية والمتقدمة، حيث تبلغ التنزيلات على ضريبة الدخل 67% من الناتج المحلي للفرد وهي نسبة أكثر ارتفاعاً من معظم الدول الأوروبية المتقدمة، بما فيها اليونان حيث تبلغ التنزيلات 54% من الناتج المحلي للفرد على سبيل المثال. من جهة أخرى فإن السلع والخدمات الأساسية التي تتألف منها سلة الاستهلاك لدى الأسر المتدنية والمتوسطة الدخل (أدوية، مواد غذائية، خدمات صحية وتربوية وإيجارات منازل وغيرها)، هي أصلاً معفية من ضريبة الاستهلاك (الضريبة على القيمة المضافة)، ما يعني أن مجمل الوقع الضريبي على الفقراء وعلى متوسطي الدخل في لبنان متدنٍ إلى حد بعيد. في ضوء ذلك كنا نود أن يطلعنا الوزير نحاس على اقتراحاته المحددة على هذا الصعيد؟

كما انه يقترح "إخضاع الأرباح العقارية وأرباح الفوائد" إلى الضريبة، وهو أمر جيد ولكنه ليس بجديد فعلى حد علمنا فإن وزارة المال تعمل على الإعداد له بإصرار حتى لا تفرض أية ضريبة لا تكون هناك إمكانية حقيقية على تحديد مطرحها أو على جبايتها بكفاءة وعلى كل حال على الوزارة الإسراع في تحقيق ذلك.

أما في ما خص الضرائب على الفوائد والتي من المقترح رفعها في مشروع قانون موازنة 2010 من 5% إلى 7%، فإننا نرى أن خطوة وزارة المالية في هذا الإطار يجب الترحيب بها ودعمها. أما أن يصار إلى اقتراحات إضافية تؤدي إلى تغريم عملية التدفقات المالية بفرض معدلات ضريبة عالية أكثر من هذا الحد فإن لذلك مخاطر محتملة إذ قد تؤدي تلك الزيادة إلى نتائج عكسية على أكثر من صعيد اقتصادي ومالي.

وبغض النظر عن هذا كله، فنحن لا نرى كيف يرى الوزير نحاس أن هذه الضرائب على العقارات والفوائد سوف تؤدي مباشرةً إلى توفير وخلق فرص العمل الجديدة في القطاعات المجدية للعمالة الماهرة التي نصبو نحن والوزير نحاس إلى إطلاقها وتطويرها في لبنان.

أما فيما خصّ "منح الشركات الحوافز الضريبية الكافية لتشجيعها على المزيد من الاستثمار"، فنحن نتمنى عليه التقدم باقتراحات محددة في هذا الإطار. لأننا في لبنان وبشهادة حاكم مصرف لبنان وسائر القيمين على هذا الشأن، تقدم الدولة اللبنانية اليوم دعماً مباشراً للاستثمار، عبر منظومة تمويلية متكاملة بدءاً من مؤسسة كفالات وصولاً إلى الخفض على الاحتياط الإلزامي للقروض الاستثمارية. كما أن الدولة تقدم الكثير من الحوافز والإعفاءات الضريبية للاستثمارات لاسيما في المناطق المهمشة اقتصادياً (قانون الاستثمار) خصيصاً في المناطق خارج العاصمة وجبل لبنان وخارج المدن الساحلية بقصد نقل قسم من الحركة الاقتصادية إليها وتعزيز الحركة الإنتاجية في تلك المناطق بقصد إيجاد فرص جديدة للعمالة المتوفرة في تلك المناطق والعمل على تأهيلها وتعزيز مهاراتها وبالتالي إلى تحسين مستويات الدخل فيها. والواقع أن ضعف الحركة الاقتصادية في هذه المناطق لا يعود إلى مشاكل مرتبطة بالتمويل فقط، بل إلى تعقيدات أخرى تناولتها الرؤية التنموية المناطقية التي أقرتها حكومة الرئيس السنيورة الأخيرة بالإجماع.

أما لناحية "الخفض الملحوظ للضرائب والمكونات شبه الفريدة الملقاة على الاتصالات خصوصاً وعلى الاستهلاك عموماً"، فإن تحرير قطاع الاتصالات (Liberalization) هو هدف ومطلب جميع اللبنانيين، وعلى وزير الاتصالات أن يشرح لنا كيف ينوي أن يقوم بذلك، وكيف سيوسع القدرة الاستيعابية للقطاع التي ستتأتى عن خفض كلفة التخابر، وكيف سيواكب التقدم السريع الحاصل في العالم على صعيد هذا القطاع الحيوي، وكيف سيقوم بكل ذلك مع الإدارة العامة التي يعتبرها "مترهلة وغير قادرة على إدارة الشأن العام".

من جهة أخرى كنا نتمنى لو تطرق معالي الوزير إلى ما يعاني منه قطاع الطاقة من مشاكل بنيوية تحد من إنتاجية الاقتصاد وتنافسيته والذي سيؤدي تحريره إذا ما تمّ بالتزامن  مع تحرير قطاع الاتصالات إلى مزيد من الإنتاجية والتطور والتقدم الاقتصادي. كما أنه حتماً سيؤدي إلى خفض إجمالي التكلفة التي تتحملها الدولة والتي تدفع في مجال الطاقة أكثر مما تجنيه من قطاع الاتصالات. وبحيث تستطيع الدولة عندها توفير ما تتحمله من هدر وخسارة في قطاع الطاقة، وهو لزاماً عليها أن تقوم به، وتعوض بذلك ما تخسره ولو مرحلياً من واردات في قطاع الاتصالات. وهذان أمران في منتهى الأهمية والخطورة بحيث لا يجري في المحصلة اقتراح أي أمر أو إجراء دون معرفة تداعياته في أكثر من وجهة اقتصادية ومالية وحتى لا يؤدي أي إجراء منفرد إلى إيقاع المالية العامة في مأزق يصبح من المستحيل الخروج منه.

في الواقع ان مجمل الإجراءات التي يقترحها الوزير نحاس ليست "إصلاحاً ضريبياً"، بمعناه الحقيقي. فالوزير نحاس يبني مقاربته الضريبية من خلال تأثير مختلف الضرائب على الأسعار، وليس من زاوية العدالة في العبء الضريبي أو تأثيراتها على الإنتاجية وهذه مقاربة غريبة. فالإصلاح الضريبي الحقيقي هو الذي يسعى إلى أن يكون الوقع الضريبي أكثر عدالةً على شتّى فئات المجتمع (More Equitable) كما وأن تكون تأثيراته الجانبية على الإنتاج قليلة (More Efficient) وان يكون أيضاً قابلاً للتطبيق بسهولة ويسر مع أقل قدر ممكن من التهرب. ولا بدّ من الإشارة إلى ما تعمل وزارة المالية على متابعته من جهود لجهود إطلاق مشروع الضريبة الموحدّة على الدخل بما يحقق مزيداً من العدالة الضريبية ويزيد الحصيلة الضريبية.

على هذا الأساس، وبين هلالين، فإن النظام الضريبي الأكثر ملائمةً للبنان حيث  يعمل ويستهلك 4 مليون مواطن، بينما يعمل في الخارج حوالي الـ14 مليون لبناني، يستهلكون في لبنان عندما يزوره بعضهم، هو النظام الذي يركز في الأساس على ضريبة "الاستهلاك" (مع التشديد على سلة الإعفاءات) لا على "الدخل" فقط مع عدم إغفال هذا الأمر على الإطلاق لا بل والتأكيد عليه، وهو أيضاً موضوع نقاش نتركه إلى وقت آخر.

أما فيما خص "تصحيح الأجور في القطاع العام" وهو الإجراء الذي تفاجأنا به فعلاً في ورقة الوزير نحاس خاصة بعدما شرح لنا بإسهاب ارتفاع كلفة الإنتاج في لبنان، إذ هو الأدرى بأن أي رفع لمستوى الأجور لا يتماشى مع ارتفاع في الإنتاجية (يكون على الأقل موازياً لارتفاع الأجور) يؤدي حكماً إلى تدهور في مستويات التنافسية. وما علينا في هذا الإطار إلا أن نستخلص العبر من الأزمة المستحكمة حالياً في اليونان والتي كانت إحدى مسبباتها الأساسية فقدان التنافسية الناتج عن ارتفاع في الأجور والرواتب بنسبة 45% بين العام 1998 والعام 2008 في اليونان، بينما ارتفعت هذه الأخيرة في ألمانيا بنسبة 2% فقط في الفترة ذاتها. ذلك ما ساهم في تدهور القدرة التنافسية في اليونان بسبب عدم تحسن الإنتاجية بالقدرة ذاتها في اليونان مقارنة بما هي عليه في ألمانيا.

نصل إلى "التغطية الصحية الأساسية الشاملة" في لبنان، وهو أمر شبه قائم من خلال وزارة الصحة ويحتاج إلى تحسين كبير وتعزيز لمستوى كفاءته وتوسيع تغطيته، وكذلك خفض كلفته في آن معاً. فحيث يسعى وعلى حد علمنا الوزير محمد خليفة منذ زمن ولكن بهدوء وتصميم إلى وضعه في إطارٍ مؤسسيٍ من خلال إطلاق مشروع البطاقة الصحية الموحدة الذي تتم مناقشته بتأنٍ ورصانة، خاصة في ضوء المشاكل التي يعاني منها صندوق الضمان الاجتماعي، والتي لا نشك بأن الوزير نحاس مدرك لحجم التحديات القائمة على هذا الصعيد وعدم قدرة صندوق الضمان الاجتماعي على الإحاطة بهذا الأمر.

أما خطة النقل فهي ضرورية ومفصلة في خطة ترتيب الأراضي التي أطلقها الرئيس الحريري رحمه الله، وأقرّتها حكومة الرئيس السنيورة، ولكن تعقيداتها بالغة بدءاً من الاستملاكات وصولاً إلى التمويل. ومن الأجدى أن يصار إلى القيام بمبادرة سريعة وشجاعة باتجاه أن يتولى القطاع الخاص تمويل وتنفيذ هذه الخطة بإشراف دقيق وتشجيع جدي من الدولة عبر هيئة ناظمة كما يتم في عدد من دول العالم المتقدمة، حتى ولو أدى ذلك إلى بعض الدعم من قبل الدولة فإن ذلك أفضل من الوقوع مرة ثانية في وهده تدني الفاعلية والإنتاجية وانخفاض مستويات الإدارة والمبادرة وبالتالي نوعية ومدى الخدمة للمواطنين.

لقد قدم الوزير نحاس ورقة اقتصادية وعدت بالكثير، لكنها أهملت أصول التعاطي الاقتصادي الجدي وهو مقارنة التقديمات بالتكلفة Cost-Benefit Analysis، حيث غابت تقديرات التكلفة كلياً عن هذه الورقة. أما الواضح فإنها في مجملها، تزيد الإنفاق، وتقلل الواردات، فتزيد العجز والمديونية وترفع الفوائد فتخنق أكثر الاستثمارات ولا تحل مشكلة الإنتاجية ولا تؤدي إلى خلق فرص العمل الجديدة ولا تعزز النمو المستدام وهو ما علينا أن نسعى جميعاً لتأمينه.

في المحصلة، ليست ورقة الوزير نحاس بالتأسيسية كما وصفها فهي لا تطرح أي جديد. ولا تتصف أيضاً بالشمولية إذ يغيب عنها الإطار الماكرو- اقتصادي كما تغيب عنها جوانب أساسية فيما خصّ المسائل البنيوية والاجتماعية التي كان من الواجب التطرق لها. وهي أيضاً ليست بالإصلاحية إذ لا تتعرض إلى جوهر الإشكالية وهي المسائل المتعلقة بالإنتاجية والتنافسية. هذا فضلاً عن أنها تقترح مجموعة من الإجراءات تعطّل بعضها بعضاً، وتتعارض أصلاً مع الأهداف التي يسعى معالي الوزير إلى تحقيقها.

نحن لا نشك أن الوزير نحاس يريد الخير لهذا البلد، ففيه يريد أن يبقى أولاده وأن يكبر أحفاده. ونحن نأمل بأنه لا يشك بأن الآخرين يريدون أيضاً الخير لهذا الوطن، وان كان يبدو أنه يسعى من وقت لآخر أن يمارس مواقف تحرم الآخرين من الإسهام في هذا الدور فقط لأنهم يخالفونه الرؤية والنظرة.

يعلم معالي الوزير أن هذه الأهداف التي نسعى إليها ويسعى إليها كثيرون غيره تتحقق بالحفاظ أولاً على الاستقرار الاقتصادي وعلى السعي لتدعيم النمو وتحقيق التنمية المستدامة والإنماء المتوازن والتكافؤ الاجتماعي ويكون ذلك عبر سياسات لا تهز الثقة فنخسر الاستقرار من دون أن نحقق التكافؤ الاجتماعي.

بداية الإصلاح، الصعب ولكن الضروري اليوم قبل الغد، تكون من خلال مصارحة اللبنانيين أولاً بتكلفته على المدى القصير ولكن أيضاً بحسناته الكثيرة على المدى الطويل.

ونحن على قناعة بأن الوزير نحاس هو شريك أساسي في هذا الجهد الإصلاحي المطلوب بحكم رعايته لقطاعٍ نأمل منه الكثير الكثير.

 

مــازن ســـويد

اقتصـادي لبنانــي

التاريخ: 
أربعاء, 2010-06-09