كلمة لبنان في مجلس الأمن

-A A +A
Print Friendly and PDF

السيد الرئيس،

 

يجتمع مجلس الامن في هذه الجلسة الفصلية لمناقشة قضيتي لبنان وفلسطين، في ظروف بالغة الخطورة والمأساوية يعيشها البلدان. ويكشف انفجار العنف مجددا، وكما حصل في مرات عديدة خلال ستة عقود الحاجة الملحة والحيوية لايجاد حل عادل ودائم وشامل لمأساة عمرها من عمر منظمة الامم المتحدة. ولعل استمرار الوضع الخطير يعود إلى الاخفاق المزمن في احترام القانون الدولي، وفي الاستجابة إلى ما دعت اليه القرارات العديدة والمتكررة لمجلس الامن، والجمعية العامة، وغيرها من أجهزة الامم المتحدة على مدى السنين. ولم تفلح الجهود لإخراج القضية من الامم المتحدة، عبر قنوات موازية، في الوصول إلى حلول تنهي المعاناة المستمرة لشعوب المنطقة والخسائر الجسيمة على كل صعيد. إن الفشل في إقامة السلام العادل على قاعدة احترام الحقوق المشروعة يتسبب بالمزيد من القلق واليأس والتطرف.

 

السيد الرئيس،

 

مرة جديدة تراهن اسرائيل على قوتها المفرطة في حل مشاكلها مع جيرانها. وها هو لبنان مجدداً ضحيةً لعدوانٍ تجاوز بوحشيته كل التوقعات، وكل السوابق، وكأن المسؤولين الاسرائيليين يريدون مضاعفة ما ارتكبوه بحق هذا البلد في اجتياحاتهم المتكررة في الاعوام 1978 و1982 و1993 و1996 كما في كل مرة متذرعين بممارستهم حقّ الدفاع عن النفس.

 

لقد مضت عشرة أيام على بدء العمليات العسكرية التي دمرت البنى التحتية الاساسية للبنان، واستهدفت المدنيين فيه ووسائل عيشهم وتنقلهم، وقد تجاوز عدد القتلى الثلاثمائة، وعدد الجرحى الالف، وأصبح أكثر من نصف مليون مواطن دون مأوى. وهجر لبنان عشرات الآلاف من الاجانب الذين استطاعت جهود اللبنانيين في الخمسة عشر سنة الأخيرة اجتذابهم إلى بلد أعاد بناء نفسه، وخرج من الانقاض ليعاود لعب دور بناء في المنطقة والعالم.

 

لقد وجه دولة رئيس مجلس الوزراء الاستاذ فؤاد السنيورة نداءات مؤثرة إلى المجموعة الدولية طالباً تدخلها السريع لوضع حد للمآسي التي يعيشها لبنان وأبناؤه من جراء القصف الاسرائيلي الكثيف من البر والجو والبحر على انحاء مختلفة من البلاد ونتيجة الحصار البحري المحكم على منافذه، والذي يهدد بكوارث حقيقية لأنه سيؤدي في القريب إلى نقصٍ فادحٍ في المواد الغذائية والادوية والوقود.

 

السيد الرئيس،

 

إن اللبنانيين الذين يعيشون ظروفا شاقة وعسيرة يعتصرهم الالم على الارواح التي فقدت ومنشآتهم التي دمرت والحزن على جهود وتضحيات بذلت للنهوض ببلدهم بعد حروب مدمرة على أرضه واحتلال اسرائيلي طويل لجنوبه، لكنهم يشعرون بالخيبة للسكوت المتمادي في هذا المجلس على المجزرة المستمرة التي ترتكب بحق دولة عضو بل مؤسس في منظمتنا الدولية. إنهم يأسفون، بل يتملكهم الغضب، بسبب تأخر مجلس الأمن أو تردده في اتخاذ موقف منسجم مع مبادىء الأمم المتحدة في حماية الدول الصغيرة من الممارسات العدوانية. إن الإحجام عن الخروج بموقف واضح، يكشف عن خلل خطير في ممارسة مجلس الأمن لدوره وهو الهيئة التي أنيطت بها مهام أساسية في الحفاظ على القيم الإنسانية وحقوق الشعوب في الحرية والكرامة والسلامة، والسلم الدولي.

 

السيد الرئيس،

 

إن الحكومة تشدد مجدداً على:

  • الوقف الشامل والفوري لاطلاق النار برعاية الامم المتحدة بما يفسح المجال امامها وامام الدول العربية الشقيقة، والجهات الدولية الصديقة بالتعاون معا لمعالجة مسؤولة وكاملة لكل المشكلات الناجمة عن الاحداث الأخيرة وأسبابها وتداعياتها.

 

  • المسؤولية الكاملة عن صيانة الوطن وأمن المواطنين اللبنانيين، من خلال العمل على بسط سلطة الدولة على كل أراضيها، وكذلك العمل على استعادة كامل الاراضي اللبنانية المحتلة، وممارسة الدولة لسيادتها غير المنقوصة عليها، وإطلاق الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، والتمسك باتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، كما أجمع عليها اللبنانيون في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف.

 

  • يناشد لبنان أشقاءه وأصدقاءه في العالم المسارعة إلى نجدته وأغاثته سواءً لجهة وقف العدوان وإنهاء الحصار، أو لجهة ايصال المساعدات الإنسانية بكل أشكالها.

 

  • تُحمِّل الحكومة اللبنانية اسرائيل مسؤولية الكارثة الإنسانية والاقتصادية والاعمارية التي حلت وتحل بلبنان، الذي عمل بجهد كبير لإزالة آثار الاجتياحات الاسرائيلية المتكررة، واحتلاله الطويل. ولن يدخر بلدي أي جهد لإلزام إسرائيل بالتعويض للشعب اللبناني نتيجة تخريبها البربري الذي أنزلته بمرافقه ومؤسساته.

 

  • تعلن حكومتي لبنانَ بلداً منكوباً، وهو سيحتاج إلى خطة نهوض عربية ودولية سريعة وشاملة للإغاثة وإعادة الإعمار وإصلاح كلِّ ما تهدَّم نتيجة العدوان المجرم.

 

السيّد الرئيس السادة الأعضاء،

 

منذ ما يزيد على السنة شهد العالم مئات الآلاف من الشباب اللبنانيين يملأون الشوارع والساحات في بيروت، يهتفون لوحدة وطنهم ولحريّته، لأملهم بحياة مشرّفة كشمس بلادهم، فماذا بقي لهم اليوم... دمار وإحباط وتهجير وموت.

 

أيّ مستقبلٍ يخرج من هذا الركام غير الخوف واليأس والفقر والتطرّف.

 

كفى استهتاراً بحياة البشر وحقوقهم، كفى تدميراً وتهديماً لما بنته سواعدُ الناس الطيبين.

 

كفى قتلاً وتنكيلاً وتشريداً للأبرياء. وحرباً تورث الأجيال القادمة على جانبيّ الحدود الكراهية والعداء.

 

وإلى المجتمع الدولي، إليكم أيُّها السادةُ الحاضرون، نُوجِّهُ النداءَ، إذ مَنْ أَولى منكم بحماية منجزات الشعب اللبناني، عن طريق تمكين الحكومة اللبنانية من الصمود في وجه العدوان، ومتابعة التطوير الديمقراطي، ومن أولى منكم بصون الاستقرار في منطقتنا من طريق السلام العادل والشامل في منطقتنا.

 

وسيبقى لبنان وطناً للتلاقي والتواصل والرسالة الإنسانيّة وهو ما عجزت إسرائيل عن أن تكونه... ولن تكون.

تاريخ الخطاب: 
07/07/2006