المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة- لقاء مع قناة TV5 أجرته الصحافية أمل مغيزل

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

سئل: ما هو الأمر المخيف اليوم في لبنان، ما الذي يدعو الناس للخوف؟

أجاب: أهم أمر يجعلنا نخاف عليه هو المستقبل، ليس الحاضر بل المستقبل، وعندما لا تكون الصورة واضحة أو تثير بعض الهواجس، فهذا ما يستدعي من الإنسان أن يخاف، لكن البلد انتصر خلال السنوات الماضية بالرغم من كل الظروف التي مر بها على العديد من المشكلات وبدرجة عالية من التكيف والقدرة على التعامل مع المتغيرات والتغلب عليها. كما أنه بالرغم من كل ما نراه تبقى الديمقراطية في البلد ليست أمراً عابراً بل هي بعيدة الجسور. وبالرغم من أن هناك ممارسات في البلد بعيدة عن الديمقراطية ولا تتسم بصفاتها، لكن يبقى عند المواطن اللبناني هذا المنحى وهذه الرغبة بألا يبتعد في ممارساته عن الديمقراطية. كذلك فإن هناك محاولات جرت في الماضي في أكثر من مناسبة لسلوك مسالك قد تبتعد عن وحدة الدولة وعن الأساليب اللاديمقراطية ولا النظام الاقتصادي الحر ولا مستوى الحريات في البلد، وهذه التجارب أثبتت أنها غير ناجحة. كما أن هذا البلد وعلى مدى فترات زمنية جرب وسائل الغلبة من فئة على فئة ثانية، وهذه الوسائل لم تنجح أيضا. أعني بذلك أن كل هذه التجارب جديرة بأن يتم استيعابها حتى لا يسير خلف السراب. ولا أقول هذا لكي أخلق حالة من الطمأنينة عند الناس بقدر ما أريد أن أقول أن حالة التخوف ليس لها مبررا كبيرا. أعود وأقول أننا إن لم نحول تجنب المشكلة فسنقع فيها. هناك أسباب لا تستدعي أن نصل إلى مرحلة من اليأس لكن ذلك يقتضي جهدا استثنائيا من قبل اللبنانيين لتخطيها. وكلما ذهبنا بعيدا وأوغلنا في البعد عن اعتماد الجهد اللازم من أجل المعالجات كلما كان الخروج من المآزق أصعب وأكثر كلفة. باختصار لا شك أن الوضع دقيق لكنه غير ميؤوس منه ويمكن الخروج منه بجهد للبناء على عدد من العوامل التي تجعل الخروج من المأزق ممكنا للتعويض عن هذه المشاكل.

 

سئل: ما شعورك تجاه هؤلاء الأشخاص الذين يقبعون بالخيم تحت السراي؟

أجاب: لأكن واضحا فإن هؤلاء هم أبناء بلدي وأخواني في الوطن وأنا من موقع المسؤولية لدي مسؤولية تجاههم، وعلى الرغم من الكثير من المحاولات التي بذلت ولم تأت بنتيجة، ولكن في ذات الوقت فان النتيجة بعد ثلاثة أشهر من الاعتصام أثبتت أن هذا الأسلوب من العمل ليس الأسلوب الذي ينطلق من قبول للآخر واعتماد سبل الحوار بين اللبنانيين الذي يمكن أن يوصل إلى نتيجة. لذلك أقول أن هناك مسؤولية علينا أن نبقى نمد أيدينا ومنفتحين للحوار وراغبين في الجلوس سوية لمعالجة هذه المشاكل من خلال فهم متبادل لهذا الوضع، دون أن يعني ذلك أن نضحي بمستقبل الوطن و بمستقبل هؤلاء الشباب. فعلى ما اعتقده أن ما نسير به ليس كما يقول البعض منهم بأنه عملية استئثار بالسلطة وإهمال لهم ولا العمل ضد مصلحتهم. أنا من فهمي وقراءتي لتاريخ المنطقة ولبنان والتجارب التي مررنا فيها، فإني أعتقد أن ما نقوم به ليس فيه مصلحة لكل لبنان واللبنانيين ولكن لهذه المجموعة من اللبنانيين التي يجب أن تكون حريصة على أن تبقى متماسكة مع كامل فئات اللبنانيين لكي تتوصل على المعالجات الحقيقية، وأنا عندما أرى الخيم أمام السراي آسف لأن هناك جهدا يضيع وأن النتائج التي كان يمكن أن نستفيد منها تفوتنا، وبالتالي الكلفة التي سنتكبدها ويتكبدها الاقتصاد واللبنانيون نتيجة ذلك ستكون باهظة. لذلك أدعو إلى مزيد من الحوار والانفتاح والرغبة في المعالجة وهذا يحتاج إلى صبر. ومهما كانت قيمة الصبر المكلفة فهي تبقى أقل من المواجهة التي لا أعتقد أن لها نتائج بل لها سلبيات ولن يخرج أحد منها إلا مثقلا بالخسائر.

 

 

 

سئل: إذاً برأيك فإن المواجهة لن تحصل؟

أجاب: لا أعتقد أن الجو هو جو مواجهة، وليس هناك من مصلحة لأحد لا على الصعيد المحلي ولا العربي ولا الإسلامي. ليس هناك من مصلحة على الإطلاق في أن تكون هناك مواجهة.

 

سئل: لماذا على لبنان أن يمر كل 15 سنة بمواجهة، وكأن لبنان بني على فكرة خاطئة؟

أجاب: لبنان ليس فكرة خاطئة بل هو كعملة معدنية بالضبط، في وجهها الأول تمثل الفروقات التي هي مصدر غنى وثراء البلد، لكنه أيضا مصدر مزيد من التنوع لهذه الفكرة التي بقطعها هي مجموعة من الأشكال المختلفة التي تصور صورة جميلة. على الجانب الآخر من هذه القطعة المعدنية فإن هذا التنوع هو مصدر فروقات وإذا تم تفتيتها تصبح كومة حجارة ليست ذات قيمة. لبنان يتمثل فعليا بهذا التنوع الذي هو مصدر ثروة وغنى ليس له بل للبنانيين والعرب والعالم. بهذه القيم التي بني عليها فهو يمثل قيمة كبيرة على شتى الأصعدة أكان لما يفسح من مجال أمام أبنائه والمنطقة بأنه واحة للديمقراطية والاعتدال والتسامح والنظام الاقتصادي الحر، الذي لم نعد وحدنا فيه بل أصبح العالم كله يتمتع بمثل هذا النظام. لكن ذلك صحيح عندما تكون الرياح مؤاتية وعندما يكون العكس تتحول لتصب في الجانب الآخر من هذه القطعة المعدنية وهي السلبيات التي تستفيد منها ويصبح لبنان المكان الذي يستعمل لما يؤدي إلى فتح المعارك الخارجية، لذلك أحدهم يقول دائما أن لبنان كان يدفع حتى الآن ثمن محاسنه وليس ثمن مساوئه، ومحاسنه هو التنوع. وفي المنطقة قضايا أساسية يفترض على لبنان ألا يعزل نفسه عنها بل هو جزء منها وهذه المشاكل والصراعات والمتغيرات في المنطقة العربية كانت تجد لها متنفسا في المنطقة وتستعمل الساحة اللبنانية من أجل المعالجة. ليس الخروج من هذا المأزق من خلال أن نتخلى عن انتمائنا للمنطقة وقضاياها، وأنا أعتقد أنه خلال هذه الفترة كان هناك قضايا أساسية لم يكن متاحا في السابق طرحها أو معالجتها بشكل واضح بعيداً عن الإرضاءات والكلام الخافت في غرف مغلقة، وأول ذلك أن لبنان عربي مائة بالمائة وسقطت كل محاولات التقسيم والفدرالية وهو ليس بحاجة لأن يتلقى دروساً لا بالوطنية ولا بالعروبة من أحد، وما كان لدى البعض أحيانا من مواقف خجولة تجاه العروبة أو تجاه اللبنانية، فإننا حسمنا الأمر بأننا لبنانيين وموقفنا اللبناني واضح وفي نفس الوقت نحن عرب وننتمي إلى هذا البحر الكبير من العروبة، ولا نحتاج كل يوم لإصدار الشهادات بأننا عرب حقيقيون ومهتمون بالقضايا العربية ولا نحتاج لأحد أن يعطينا دروساً يومية بالعروبة. وما جرى في أوروبا من خلال إنشاء المجموعة الأوروبية أكد أن المواطن بإمكانه أن يكون فرنسيا وأوروبيا في الوقت نفسه، وليس هناك من انتماء هنا يعطل انتماء هناك بل على العكس، ولذلك بإمكاننا أن نكون لبنانيين وعربا أيضا وليس هناك إشكالية في ذلك ونكون حريصين على استقلالنا وسيادتنا وحرياتنا ونظامنا الديمقراطية والاقتصادي دون أن يكون هناك تعريض لموقفنا العربي. نحن لدينا عدو هو إسرائيل وفي الوقت نفسه حريصون على أن تكون لنا علاقة جيدة مع سوريا وألا يكون هناك أي إشكال معها، ولكن مبنية على أساس من العلاقات المنطلقة من احترام الآخر وتكون هناك علاقات دبلوماسية وترسيم للحدود فما المشكلة في ذلك. كما أنه لدينا أرضا محتلة من قبل إسرائيل ونحن نريد أن نحرر منطقة مزارع شبعا وهي أرض لبنانية، ولكن الأخوة السوريين لا يتعاونون معنا في مجال ترسيمها، وجدنا حل إلى أن تحل هذه المشكلة بأن توضع تحت وصاية الأمم المتحدة إلى أن يحل الأمر بيننا وبين بين السوريين، فإن ثبت أن هذه الأرض سورية، فهنيئا لها، وإن كانت لبنانية فهنيئا لنا، ولكن المهم أن هذه الأرض عربية ومحتلة من إسرائيل ولا يمكن أن تبقى محتلة. لكن حتى إذا حققنا هذا الأمر فيجب العودة إلى اتفاق الهدنة، وهذا من ضمن النقاط السبع التي توافقنا عليها. وإن كان الأخوة العرب راغبون بالذهاب نحو السلام فسنكون آخر بلد عربي يذهب نحو السلام، وإن كان العرب يرغبون بالحرب فسيكون لبنان في الطليعة لكن مع الكل وليس أن يحمل لبنان ما لا يستطيع أن يحمله والآخرون يتفرجون على هذا الأمر.

وهناك أيضا كيفية السير لتحقيق الحلول لهذا الأمر، فنحن لا نريد أن نكون ساحة لصراع الآخرين ولا نستطيع أن نكون كذلك، فنحن على مدى السنوات الـ30 الماضية عشنا 7 اجتياحات، و من الصعب جدا على أي بلد في العالم أن يتحمل هذا الكم ويصمد، فبذلك نحن نحمل اللبنانيين والأجيال القادمة ما لا يستطيعون تحمله.

كما أننا نريد أن نكون على علاقة جيدة مع كل الناس، ولدينا عدو واحد مع أشقائنا العرب، ومع البقية فنحن أصدقاء، أما كيف نعامل الناس فإن "أكرمكم عند الله أتقاكم" فمن يحبني أكثر ويساعدني أحبه ولكن ليس على حساب الآخرين ولا نريد أن ندخل في صراع المحاور من هنا وهناك، لا يستطيع لبنان أن يكون في محاور من هنا ضد محاور من هناك لأن تركيبته الاجتماعية والطائفية والمذهبية والمناطقية لا تسمح له، نحن نريد أن نستفيد من ميزاتنا وتنوعنا ولا نقع أسرى أو نخضع للمشاكل التي تمليها ظروف هذه الفروقات بل نستفيد منها لمصلحة اللبنانيين، هذا ما يجنب لبنان أن يبقى تحت التهديد المستمر ويضيع اللبنانيون كل خمس سنوات من مصيرهم ومستقبلهم وقدرتهم على بناء وطن يعتزون بالانتماء إليه وقادرون على أن يواجهوا المستقبل وتحدياته. ولبنان على مدى هذه السنوات الماضية تعرض لخسارات وتفويت فرص هائلة وخاصة باللبنانيين الذين انتشروا بعيدا عن أواطنهم ولم يعودوا يستطيعوا العودة أو المساعدة في بناء وطنهم بالشكل اللازم، فبدل أن يكونوا رسلا للعالم، يلجؤون للعالم هربا من الوضع في لبنان. لذلك إذا عاد اللبنانيون إلى رشدهم وضميرهم وإلى كلمة سواء فيما بينهم سيرون أن هناك الكثير مما يجمعهم والذي يمكن أن يوصلهم إلى مراتب جديدة، طبيعي أن لدينا مشاكل مع إسرائيل ونحن نريد أن تكون لدينا القدرة على مواجهة إسرائيل، هذا الدور يجب أن يعود لمنطق الدولة اللبنانية وسيادة الدولة على كل الأراضي اللبنانية هي من الأمور التي يجب أن نعيد لها الاعتبار. لا يستطيع اللبناني أن يبني حاضره ومستقبله إلا من خلال دولة عادلة وحرة وديمقراطية ومنفتحة وليبرالية ولكن تأخذ في عين الاعتبار طموحات اللبنانيين وإمكانياتهم وتحاول أن تستثمرها بشكل سليم وتبني منهم قوة تستطيع أن تواجه أي احتمال اعتداء يمكن أن تقوم به إسرائيل ولكن ليس فقط من خلال قوتها الذاتية ولكن أيضا نحن لا نعيش ولا نستطيع أن نبني كل علمنا على أننا نعيش في عالم يسود فيه قانون الغاب. طبيعي علينا أن نبني قوتنا الذاتية التي تستطيع أن تمكننا من الصمود والمواجهة ولكن أيضا على المجتمع الدولي أن يلعب دورا ويجب ألا نقلل من أهميته، لا أن نبني على أننا نسلم أمرنا إلى المجتمع الدولي ولا أن نظن أننا قادرون أن نواجه بمفردنا وبقواتنا الذاتية وحدها. علينا أن نبني هذا المزيج من الأمور التي تمكننا من المواجهة مع تحديات المستقبل بنجاح.

 

سئل: أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى يقول أن نموذج العيش المشترك إن لم ينجح في لبنان فهذا دليل خطر على العالم أجمع، فما ردك؟

أجاب: بالضبط، فهذه هي أهمية هذا النموذج اللبناني من العيش المشترك والانفتاح وقبول الآخرين، هذا الأمر هو ما يجعل لبنان له ميزة ويعطي للآخرين نموذجا من أن هذا النجاح في لبنان يمكن البناء عليه لأن لبنان هو نقطة الالتقاء بين الأديان والحضارات والمذاهب والشرق والغرب، لذلك النجاح في هذا الشأن أمر مهم جدا وضروريا، والاهتمام الذي يبديه العديد من دول العالم هو منطلق من هذه النقطة ومن أن الحل في هذا الجو المتنافر والذي يؤدي إلى حالة من الشحن الطائفي والمذهبي والحضاري والصراع الذي حاول أن يصوره البعض صراعا بين الحضارات والأديان. أنا أعتقد أننا إذا عدنا وأعطينا هذه الفرص وهذه البارقات من الأمل ولاسيما ما يحتويه لبنان بتركيبته، وهو ما يراه الآخرون في هذا الشأن، أعتقد أننا نكون قد أسدينا خدمة أساسية ليس لبنان ولا للعرب فقط والمسلمين بل أيضا للعالم الذي أصبح أصغر مما كنا نظن أو حتى ما نظنه الآن وهو سيكون متأثرا ببعضه بعضا أكثر فأكثر خلال المرحلة القادمة، ولا يستطيع أي بلد أن يظن أنه في منأى عما يجري من حوله بل على العكس بل هو متداخل ولا يستطيع تجاهل هذا التحولات، وهذا مدعاة أخرى لإيجاد حلول لمشاكل معلقة ومعقدة ومضى على وجودها سنوات وسنوات مثل القضية الفلسطينية والقضية اللبنانية التي لحقتها وتأثرت بها ومثل قضية الديمقراطية في العالم والانفتاح واحترام حقوق الإنسان، كل هذه مسائل بنيت على مشاكل سابقة وعقدت بعضها بعضا ويجب أن نجد لها حلولا. لذلك نخاطب العالم بأنه آن الأوان ومن الضروري ولمصلحة العالم أن يساعد لبنان والعرب في الوصول على حل لمشكلة الصراع العربي الإسرائيلي لما له من تأثيرات ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي بل في العالم بأسره. إن مسألة العيش المشترك في لبنان ليست قضية لبنان بل هي قضية العالم الآن وبالتالي إنجاح وإقدار اللبنانيين على إنجاح هذه التجربة هو تحد للعالم من أجل نجاح هذه التجربة.

 

تاريخ الخطاب: 
02/03/2007