الجسر وحبيش : المحكمة الدولية دستورية وقانونية ولا وجود لقضية شهود ا لزور ودلائل الاتصالات قوية وما قدمه نحاس بوليسي

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثاني: 
عقدا مؤتمرا صحافيا في مكتبة مجلس النواب فندا فيه طروحات حزب الله الضعيفة و غير الدقيقة

 

المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان

دستوريتها وكونها إطار لتأمين العدالة

والوصول إلى الحقيقة

 

 

 

 

توطئــة

نرحب بكم أجمل ترحيب، شاكرين لكم حضوركم هذا المؤتمر الصحفي الذي أردناه أن يشكل ردا" قانونيا" على النقاط القانونية كافة التي أثارها زميلنا النائب الأستاذ محمد رعد بالتعاون مع المحامي الأستاذ سليم جريصاتي في مؤتمرهما الصحفي بتاريخ 8/12/2010.

 

بداية لا نستطيع إلاّ أن نعبر عن سرورنا بلجوء النائب الحج محمد رعد مستعيناً بمستشاره القانوني الأستاذ سليم جريصاتي إلى مجلس النواب ليعقد فيه مؤتمراً صحفياً يبيّن مآخذه السياسية ثم القانونية على المحكمة الدولية.. لأن هذا جعلنا نطمئن إلى أن السجال ينتقل من الساحات العامة ويعود إلى ساحته الشرعية، أي إلى مجلس النواب.

 

مقدمـــة

لقد أدى التمديد في العام 2004 لولاية رئيس الجمهورية إلى احتقان سياسي أفرز اصطفافات سياسية جديدة ومواقف وجدت فيه خطراً على النظام الديمقراطي البرلماني فضلاً عن مخالفته لأحكام الدستور. وبلغ الاحتقان السياسي ذروته إلى أن كان اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي أطلق مداً شعبياً هائلاً مستنكراً الاغتيال وداعماً لهذا التحرك السياسي. واستطاع هذا المد الشعبي من تجاوز حواجز الخوف الذي أشاعه النظام الأمني لفترة طويلة وليعيد تصويب الأمور في التمثيل السياسي.

وفي ضوء الخوف من استمرار الاغتيالات السياسية التي بدأت أبان الحرب الأهلية والتي لم تسفر إحالتها إلى المجلس العدلي إلى أي نتيجة، كان من الطبيعي على قوى المعارضة في ذلك الحين (14 آذار لاحقاً) مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته تجاه لبنان والدعوة إلى إيجاد لجنة تحقيق دولية تضع يدها على هذه الجريمة لكشف الحقيقة بعد فقد الثقة بالسلطة وبأجهزتها من إمكانية اكتشافها لهذه الجرائم.

 

وجاءت انتخابات عام 2005 تعبيراً عن التوجه الشعبي الذي غابت عنه اللوائح المعلبة.. ولم تخل العملية الانتخابية من تحالفات عديدة كان من بينها التحالف الرباعي الشهير الذي أحدث في حينه ردات فعل سياسية تحولت إلى جدالٍ سياسي حول ما إذا كان هذا التحالف هو في أصل وجود الأكثرية.. رافقته دعوات إلى انتخابات مبكرة.. إلاّ أن نتائج انتخابات العام 2009 وبغياب الحلف الرباعي جاءت لتؤكد حقيقة التمثيل الشعبي من دون لبس.. داحضةً بذلك كل زعم عن كون التحالف الرباعي في أصل وجود الأكثرية.

 

أما الكلام عن انكشاف البلد أمنياً منذ بعثة تقصي الحقائق في شباط 2005 فيقتضي التذكير بأن لجنة تقصي الحقائق برئاسة المحقق الدولي بيتر فيتزجرالد قد قامت بأعمالها تحت إشراف وزير الداخلية آنذاك معالي الوزير سليمان فرنجية وفي ظل حكومة الرئيس عمر كرامي وتحت أعين الرئيس لحود. وما أسماه المؤتمر الصحفي انكشافاً أمنياً لم يكن في حقيقته سوى تلبية لحاجة أقرت بها حكومة العهد الممدد له وهي أن الأجهزة اللبنانية كانت عاجزة عن التحقيق بكفاءة في مثل تلك الجريمة الهائلة وهو ما أكده بعد ذلك تقرير المحقق فيتزجرالد بأن الأجهزة الأمنية اللبنانية لا تملك الاحتراف اللازم ولا القدرة ولا التنسيق ولا الإرادة للتصدي بهدف كشف الذين أقدموا على تلك الجريمة أفراداً أو جهات..

 

والحقيقة أن اغتيال الرئيس الحريري هو المثال الساطع على الانكشاف الأمني بحد ذاته، وليس العكس.

 

وبعد أن أصدر مجلس الأمن قراره بتكليف لجنة تحقيق دولية لمساعدة القضاء اللبناني في التحقيق في الجريمة تم توقيع بروتوكول التعاون بين لبنان ممثلاً بوزير العدل الدكتور خالد قباني وبين ديتليف ميليس رئيس اللجنة وفي ظل حكومة دولة الرئيس نجيب ميقاتي والتي كانت تضم ممثلين لحزب الله وحركة أمل وتيار المردة وحزب الطاشناق.

 

من جانب آخر فإن المفاوضات التي حصلت مع الأمم المتحدة لإنشاء المحكمة الدولية الخاصة تولاها قاضيان لبنانيان بقرار من الحكومة اللبنانية التي كانت تضم فيما تضم ممثلين عن حركة أمل وحزب الله..

 

وبناء على ذلك فقد أُقرّت المحكمة على طاولة الحوار بالإجماع.. وحتى بعد احتدام الأزمة السياسية بين أواخر العام 2006 ومنتصف العام 2008 والتي انتهت بتفاهم الدوحة.. فإن المحكمة لم تكن أبداً موضع نقاش لأنها كانت أمراً مسلماً به من جميع الأطراف المشاركة بالحوار..

 

في ضوء هذه المقدمة نجد أنفسنا مضطرين بشكل علمي وموضوعي لتوضيح ما تضمنه المؤتمر الصحفي من مغالطات قانونية تصويباً للأمر وحتى لا يعتبر السكوت عنه موافقة ضمنية لمضمونه.

 

لكن قبل أن نبدأ بتناول النقاط القانونية، لا بد من سرد مراحل إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان وكل محاولات التعطيل التي قام بها فريق المعارضة، مما أدى إلى عدم بحثها وإقرارها في مجلس النواب. الأمر الذي أدى في المحصلة إلى مبادرة المجتمع الدولي بإصدار القرار 1757 القاضي بإنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان.

 

في تسلسل المراحل

 

  • عام 2005:

 

  •  14/2/2005: اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.

 

  •  15/2/2005: صدر البيان الرئاسي عن مجلس الأمن الذي يدين بشدة الجريمة و"يطلب إلى الأمين العام للأمم المتحدة أن يتابع عن كثب الحالة في لبنان وان يقدم على وجه السرعة تقريراً عن الملابسات والأسباب التي أحاطت بهذا العمل الإرهابي وما يترتب عليه من عواقب."

في ذات اليوم، اجتمع أركان المعارضة ("14 آذار" لاحقاً) ومن جملة المقررات التي اتخذوها، "مطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته تجاه لبنان- الوطن الأسير- والدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية تضع اليد على هذه الجريمة في ظل انعدام ثقة اللبنانيين بهذه السلطة وأجهزتها كافة" لكشف ملابسات هذه الجريمة ومرتكبيها.

 

  •  18/2/2005:أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنه سيرسل بعثة تقصي الحقائق إلى بيروت.

 

  •  25/2/2005:وصلت إلى بيروت بعثة تقصي الحقائق برئاسة المحقق بيتر فيتزجيرالد للتحقيق في الأسباب والظروف ونتائج الاغتيال، من أجل جمع المعلومات الضرورية وتقديم تقرير إلى مجلس الأمن.

 

  •  24/3/2005:صدر تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة برئاسة نائب مفوض الشرطة الايرلندي بيتر فيتزجيرالد، حول جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي يدعو لإنشاء لجنة تحقيق دولية في الجريمة، معتبراً أن عمل هذه اللجنة الدولية لا يمكن أن يتوصل إلى نتائج بشأن من ارتكب هذه الجريمة طالما أن الهرمية الحالية للأجهزة الأمنية اللبنانية لا تزال قائمة كما هي.

 

  •  7/4/2005: صدر قرار مجلس الأمن رقم 1595 الذي أنشأ لجنة دولية مستقلة للتحقيق، بناءً لطلب الحكومة اللبنانية.

 

  •  13/6/2005:تمّ توقيع مذكرة تفاهم حول أطر التعاون بين الحكومة اللبنانية ولجنة التحقيق الدولية وانطلاق عمل اللجنة.

 

  •  28/7/2005: صدر البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى (حكومة الإصلاح والنهوض) وجاء في بند استقلال القضاء ما حرفيته:

"إن الحكومة لن تألو جهداً في سعيها الدؤوب وبالتنسيق والتعاون المستمرين مع لجنة التحقيق الدولية لكشف حقيقة جرائم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان، كما ستلاحق بقوة أعمال التحقيق بالجرائم التي ذهب ضحيتها الكاتب والصحافي سمير قصير والمناضل جورج حاوي وضحايا التفجيرات في أكثر من منطقة ومحاولة اغتيال نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع الوطني الياس المر، وقبل ذلك محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة. وتؤكد الحكومة إصرارها وفوق ذلك إصرار اللبنانيين جميعاً بأن يحاسب جميع المسؤولين عن تلك الجرائم أمام القضاء محاسبة كاملة".

 

  •  31/10/2005: صدر قرار مجلس الأمن رقم 1636 (2005) الذي يثني على عمل اللجنة وعلى تعاون السلطات اللبنانية، ويطلب من كل الدول التعاون، وخاصة سوريا.

 

  • 12/12/2005: على أثر اغتيال النائب جبران تويني، اجتمع مجلس الوزراء، وكان الرئيس لحود حاضراً. تغيب عن الجلسة الوزراء، الياس المر، محمد جواد خليفة وجوزف سركيس. حضر جميع الوزراء الآخرين، بمن فيهم طراد حمادة ومحمد فنيش (ممثلا "حزب الله"). ولم يطلب احد يومها تأجيل الجلسة.

في هذا اليوم، قدم رئيس مجلس الوزراء اقتراحين، الأول يقضي بإنشاء محكمة ذات طابع دولي والثاني يطلب بتوسيع مهمة لجنة التحقيق الدولية للتحقيق في كل جرائم الاغتيالات ومحاولة الاغتيال.

وافق المجتمعون على الاقتراحين بالأكثرية ولكن ليس بالإجماع. فقد امتنع طراد حمادة ومحمد فنيش عن التصويت وكذلك فعل يعقوب الصراف، ليس للاعتراض على الاقتراحين، إنما لعدم وجود إجماع.

بعد هذا الاجتماع، استنكف وزراء "حزب الله" عن حضور جلسات مجلس الوزراء.

 

  • 13/12/2005:استناداً إلى ذلك فقد وجه رئيس الوزراء اللبناني رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة يطلب فيها إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع من تثبت مسؤوليتهم عن الجريمة الإرهابية، وتطلب أيضاً توسيع نطاق ولاية اللجنة أو إنشاء لجنة تحقيق دولية أخرى، للتحقيق في الهجمات الإرهابية التي وقعت في لبنان منذ 1/10/2004.

 

  • 15/12/2005:صدور قرار مجلس الأمن رقم 1644 (2005) الذي يتبنى مطالب الحكومة اللبنانية.

 

***********

  • عام 2006:

 

  • 12/1/2006:جرى تعيين القاضي البلجيكي سيرج براميرتس رئيساً للجنة التحقيق خلفاً للمحقق الألماني ديتليف ميليس.

 

  • 2/2/2006:عقد مجلس النواب جلسة عامة.. وقد أكد فيها الرئيس السنيورة خلالها بأنه لم يسم يوماً المقاومة بغير اسمها... وتبع ذلك رجوع الوزراء المستنكفين إلى الحكومة.

 

  • مؤتمر الحوار الوطني: (2 آذار 2006)

كان البند الأول المطروح: " موضوع الحقيقة ومتفرعاتها" ويتضمن موضوع لجنة التحقيق الدولية، وموضوع المحكمة الدولية، وموضوع توسيع صلاحيات لجنة التحقيق.

 

  • 18/2/2006:كلَّف مجلس الوزراء القاضيين رالف رياشي وشكري صادر تلبية طلب مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية نيقولا ميشال السفر إلى نيويورك للتباحث في تنفيذ مضمون القرار 1644 تاريخ 15/12/2005 لتحديد طبيعة واختصاص المحكمة ذات الطابع الدولي المطلوب إنشاؤها.
  • 14/3/2006:رفعت الجولة الثانية عشرة من مؤتمر الحوار الوطني، وأعلن رئيس مجلس النواب أن المتحاورين أقروا بالإجماع البند الأول، أي بند لجنة التحقيق والمحكمة.
  • 29/3/2006: صدر قرار مجلس الأمن رقم 1664 (2006) الذي يطلب فيه المجلس من الأمين العام للأمم المتحدة التفاوض مع حكومة لبنان على اتفاق يرمي إلى إنشاء محكمة ذات طابع دولي، استناداً إلى أعلى المعايير الدولية في مجال العدل الجنائي.
  • 22/6/2006:قرر مجلس الوزراء إيفاد القاضيين رياشي وصادر إلى لاهاي لمتابعة الجولة الثالثة من المشاورات بغية الانتهاء من صياغة اتفاقية لإنشاء المحكمة الدولية ذات الطابع الدولي. (قرار رقم 2)
  • 9/11/2006:خلال جلسة مجلس الوزراء التي عقدت هذا اليوم أشار الرئيس السنيورة بوضوح بأنه سيدعو إلى جلسة خاصة لمجلس الوزراء يوم الاثنين في 13/11/2006.

 

  • 10/11/2006:اتصل الرئيس السنيورة هاتفياً بالرئيس لحود بشأن عقد جلسة خاصة لمجلس الوزراء يوم الاثنين في 13/11/2006 للبحث في جدول أعمال من ضمنه مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة الدولية، واللذان كان قد أودعه إياهما الأمين العام للأمم المتحدة صباح اليوم (10/11). ولقد أرسل الرئيس السنيورة إلى الرئيس لحود النسخة الكاملة عن المشروعين مع كتاب الأمين العام للأمم المتحدة، فور تسلمهما ومباشرة بعد المحادثة الهاتفية.

خلال هذه المحادثة طلب الرئيس لحود تأجيل انعقاد جلسة يوم الاثنين 13/11/2006، لان انشغالاته تحول دون حضور الجلسة. إلاّ أن الرئيس السنيورة أكد للرئيس لحود على أهمية انعقاد هذه الجلسة وأهمية بت المواضيع التي ستطرح فيها. وبعد هذه المحادثة المستفيضة قال له انه سيعاود البحث معه بهذا الأمر.

  • 11/11/2006:صباح هذا اليوم وفي ضوء التطورات المتسارعة اتصل الرئيس السنيورة هاتفياً بالرئيس لحود ولفته بأن موضوع المحكمة الدولية الخاصة طغى على كل ما عداه من مواضيع وأحداث، وبالتالي تمنى على فخامة رئيس الجمهورية حضور جلسة يوم 13/11/2006، التي قال له بأنه سيدعو إليها للنظر في مسألة مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة الدولية.

وتوضيحاً لما أبدى الرئيس لحود من حاجته لمزيد من الوقت لدراسة مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي، فقد أكد الرئيس السنيورة للرئيس لحود أن الملاحظات والتقارير التي وضعت وخاصة من قبل الرئيس لحود على مسودة المشروعين، تتناول بالفعل كل كلمة من هذين المشروعين، وانه لم يعد هناك ثمة أية موضوع فيهما لم يتم تناوله بالملاحظات التي كانت لرئيس الجمهورية، وان ما ادخل على المشروعين لا يعدو كونه تعديلات محدودة جداً، وان بعضها اخذ بما أبداه الرئيس لحود من ملاحظات.

وقد شدد الرئيس السنيورة خلال هذه المكالمة على أهمية عقد جلسة الاثنين 13/11/2006، لان من شأن ذلك إزالة أجواء الاحتقان السائدة في البلاد، ولان الموضوع يعتبر بذاته قضية أساسية ومهمة، وبالتالي فقد أكد الرئيس السنيورة على أهمية اضطلاع الرئيس لحود بدور أساسي فيه، وعلى أهمية أن يجتمع مجلس الوزراء، من اجل بت هذا الموضوع بالذات، بمبادرة وتمن من الرئيس لحود لأنه كان ولا يزال يؤكد على انه يؤيد قيام هذه المحكمة والتي، بعد أن حاز مشروعا الاتفاق والنظام الأساسي بشأنهما على موافقة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي وغيرهم من الأعضاء، فقد بادر الأمين العام للأمم المتحدة إلى إرسالهما فوراً للحكومة اللبنانية لإبداء الرأي فيهما قبل أن يصار إلى عرضهما في جلسة رسمية لمجلس الأمن الدولي للنظر في إقرارهما.

بالمقابل، كان موقف الرئيس لحود بأنه يتمنى عدم انعقاد جلسة مجلس الوزراء، بسبب حاجته لمزيد من الوقت لدراسة مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة، وبسبب انشغاله يوم الاثنين 13/11/2006.

بعد هذه المكالمة، وبعد دراسة كل المعطيات، ونظراً لأهمية الموضوع وحساسيته ودقته، خاصة بعد اجتماع الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن الدولي من خلال المشاورات التي أجراها الأمين العام للأمم المتحدة على مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة، وتكريساً لما قرره مؤتمر الحوار وبالإجماع حول المحكمة الدولية الخاصة، بادر الرئيس السنيورة، في إطار صلاحياته المنصوص عليها في الدستور إلى دعوة مجلس الوزراء للانعقاد يوم الاثنين في 13/11/2006.

في اليوم ذاته (11/11/2006) أرسل المدير العام لرئاسة الجمهورية كتاباً إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء بشأن عقد هذه الجلسة الخاصة. وكخطوة ايجابية من قبل الرئيس السنيورة لتجنيب البلاد خضة سياسية أخرى، آخذاً بالاعتبار فرضية ارتباط الرئيس لحود بانشغالاته يوم الاثنين في 13/11/2006، طلب الرئيس السنيورة إلى الأمين العام لمجلس الوزراء عصر يوم السبت في 11/11/2006 إبلاغ مدير عام رئاسة الجمهورية اقتراحه على رئيس الجمهورية أن يجتمعا سوياً يوم الأحد في 12/11/2006 للبحث بالموضوع، على ان يبادر الرئيس السنيورة إلى إرجاء انعقاد مجلس الوزراء إلى يوم الثلاثاء 14/11 أو إلى يوم الأربعاء في 15/11/2006 أو تحديد أي يوم آخر. تجدر الإشارة إلى أن هذا الإرجاء كان يستوجب إلغاء سفر الرئيس السنيورة إلى كل من كوريا الجنوبية واليابان، مع ما يترتب على هذا الإلغاء من انعكاسات سلبية حيث كان سيجتمع إلى وزير خارجية كوريا الجنوبية بان كي مون الذي انتخب لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة للبحث معه في القضايا العربية عموماً والقضايا الأساسية التي تهم لبنان خصوصاً. وكذلك إلى التباحث مع رئيس الوزراء الياباني والمسؤولين اليابانيين في تقديم المساعدات للبنان.

في هذا المجال يمكن العودة إلى البيان الذي أصدره المكتب الإعلامي للرئيس السنيورة بتاريخ 12/11/2006 والرسالة التي أرسلها الأمين العام لمجلس الوزراء إلى جانب المديرية العامة لرئاسة الجمهورية بتاريخ 15/11/2006.

  • 11/11/2006:قدم عدد من الوزراء استقالتهم من الحكومة التي بادر دولة الرئيس السنيورة إلى رفضها مباشرة.
  • 12/11/2006:ظهر هذا اليوم تلقى أمين عام مجلس الوزراء رسالة من مدير عام رئاسة الجمهورية، يفيده بموجبها أن استقالة عدد من الوزراء أصبحت تتجاوز مسألة انعقاد مجلس الوزراء.

ولفت الرئيس السنيورة رئيس الجمهورية إلى انه ( الرئيس السنيورة) كان قد بادر مساء السبت في 11/11، وفور اطلاعه عبر وسائل الإعلام على بيان الاستقالة الصادر عن حركتي "أمل" و"حزب الله"، والوزير يعقوب الصراف إلى رفض استقالة الوزراء والى الإعلان عن تمسكه بمشاركتهما الفاعلة في الحكومة، والى التأكيد على أن هذه الحكومة تمارس الحكم من خلال التمسك بنص وروح الدستور القائم على التشاور والحوار والتوافق، وأنها ستظل متمسكة بذلك.

وبعد أن شدد الرئيس السنيورة على دقة الظروف في هذه المرحلة الحرجة، تمنى على رئيس الجمهورية حضور جلسة مجلس الوزراء الخاصة التي ستعقد يوم الاثنين 13/11/2006، عند الساعة الثانية عشرة، للبحث في مشروعي الاتفاق والنظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة للبنان. وأضاف انه من البديهي أن مجلس الوزراء سيعمد إلى مناقشة وجهات النظر وكل الملاحظات المطروحة ولن يكون قراره إلا بعد التأكد من سلامة هذا القرار وشموله كل المعطيات التي تمكن لبنان من كشف هذه الجريمة بعدل وشفافية.

  • 13/11/2006:عقدت جلسة مجلس الوزراء برئاسة الرئيس السنيورة. (دون حضور وزراء 8 آذار).

قرر مجلس الوزراء في هذه الجلسة اعتماد مسودة الاتفاق والنظام الأساسي المتعلقين بالمحكمة الخاصة للبنان وإبلاغ الأمين العام للأمم المتحدة بذلك.

  • 25/11/2006:انعقد مجلس الوزراء وقرر الموافقة على:
  • مشروع الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان وعلى النظام الأساسي المتعلق بها كما أودعهما الأمين العام للأمم المتحدة.
  •  تفويض وزير العدل أو من يكلفه التوقيع على هذا الاتفاق.
  •  مشروع مرسوم بإحالة مشروع قانون معجل على مجلس النواب يرمي إلى الإجازة للحكومة إبرام الاتفاق المتعلق بالمحكمة الخاصة للبنان مدار البحث والنظام الأساسي لهذه المحكمة.

 

  • 9/12/2006: بعث رئيس الجمهورية إلى الأمين العام للأمم المتحدة رسالة مفادها عدم دستورية قرار الموافقة على مشروع الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية في شأن إنشاء محكمة خاصة والنظام المرفق به.
  • 12/12/2006:انعقد مجلس الوزراء وقرر استناداً إلى أحكام الدستور الموافقة على الإصرار على قراره رقم 2 تاريخ 25/11/2006 المتعلق بالموافقة على ما يلي:
  • مشروع الاتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان وعلى النظام الأساسي المتعلق بهذه المحكمة.
  • تفويض وزير العدل أو من يكلفه التوقيع على هذا الاتفاق.
  • مشروع مرسوم بإحالة مشروع قانون معجل إلى مجلس النواب يرمي إلى الإجازة للحكومة إبرام الاتفاق، وبالتالي اعتبار مشروع المرسوم المذكور نافذاً حكماً ووجب نشره عملاً بأحكام الفقرة الثانية من المادة 56 من الدستور.

إصدار المرسوم النافذ بتاريخ 12/12/2006 بإحالة مشروع قانون معجل على مجلس النواب يرمي إلى الإجازة للحكومة إبرام اتفاق بين الأمم المتحدة و الجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان والنظام الأساسي العائد لهذه المحكمة. (الجريدة الرسمية- ملحق العدد 59، تاريخ 14/11/2006).  

 

***********

  • عام 2007:
  • 6/2/2007:تمّ توقيع مشروع اتفاقية إنشاء المحكمة الخاصة للبنان ونظامها من قِبل الأمانة العامة للأمم المتحدة.
  • 30/3/2007:أحيل بموجب مرسومإلى مجلس النواب مشروع قانون معجل يرمي إلى الإجازة للحكومة إبرام اتفاق بين الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية بشأن إنشاء محكمة خاصة للبنان والنظام الأساسي العائد لهذه المحكمة الذي أصبح نافذاً حكماً ووجوب نشره عملاً بأحكام المادة 56 من الدستور. (وهذا المرسوم الذي نشر في ملحق عدد الجريدة الرسمية رقم 59 الصادر بتاريخ 14/12/2006).
  • 2/4/2007:توجه مندوب رئاسة الوزراء إلى مجلس النواب لتسليم أمين عام المجلس مشروع القانون المشار إليه أعلاه. فرفض الأمين العام تسلمه وأعاده إلى رئاسة مجلس الوزراء.
  • 14/5/2007:بعث الرئيس السنيورة برسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة يبلغه فيها أن كل الخيارات المحلية للتصديق على إنشاء المحكمة الخاصة قد استنفدت، ويطلب منه أن يعمل مجلس الأمن على إقرار المحكمة الخاصة للبنان.
  • 15/5/2007:بعث فخامة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود إلى الأمين العام للأمم المتحدة رسالة مفادها عدم دستورية قرار الحكومة "غير الشرعية" لأنه تجاوز برأيه الخطوات "الدستورية" لإقرار المحكمة الخاصة للبنان، وبحجة رفض رئيس مجلس النواب عقد جلسة عامة لمناقشة الموضوع.

 

  • 21/5/2007:قرر مجلس الوزراء إيفاد وفد برئاسة وزير الخارجية والمغتربين بالوكالة إلى الأمم المتحدة لمتابعة موضوع المحكمة الخاصة للبنان.

 

  • 30/5/2007: صدر القرار رقم 1757 (2007) الذي اتخذه مجلس الأمن، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والذي اعتبر بموجبه أن مشروع الاتفاق ما بين الأمم المتحدة ولبنان حول إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان كما ونظام تلك المحكمة يصبحان اعتباراً من 10 حزيران 2007 ساريي المفعول.

***********

  • عام 2008:
  • 15/5/2008: عقد اجتماع الدوحة بحضور ممثلين لكافة الأطراف السياسية اللبنانية ولم يأتِ البيان الختامي على أي ذكر للمحكمة الدولية الخاصة لأنها كانت من المسلمات المتفق عليها في هيئة الحوار الوطني.

 

 

***********

 

 

 

  • عام 2009:
  • 1/3/2009:انطلاق عمل المحكمة الخاصة للبنان في لاهاي.
  • 8/4/2009:المحقق العدلي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري صقر صقر يصدر قراراً برفع يده عن التحقيق لصالح المحكمة الدولية.
  • 29/4/2009:إطلاق سراح الضباط الأربعة.
  • 28/6/2009:توقيع مذكرة تفاهم بين لبنان ومكتب المدعي العام في المحكمة الخاصة.
  • 10/11/2009:صدر البيان الوزاري لحكومة الرئيس الحريري الذي أكد على التزام الحكومة التعاون مع المحكمة الخاصة بلبنان التي قامت بموجب القرار الدولي 1757 والذي نالت الثقة في مجلس النواب على أساس منه.

 

*********

  • عام 2010:
  • 3/2/2010:صدر قرار مجلس الوزراء القاضي بالموافقة على دفع لبنان حصته من تمويل المحكمة الخاصة بلبنان فيما خصّ المبلغ المتوجب عن العام 2010.

***********

في ضوء كل ما تقدم، ندخل في بحثنا القانوني، آملين أن نصوب كل المغالطات الدستورية والقانونية التي أثيرت في المؤتمر الصحفي للزميل رعد.

أولاً: حول شرعية الحكومة التي رافقت نشوء المحكمة:

ينطلق المؤتمر الصحفي الذي عقده النائب محمد رعد بتاريخ 8/12/2010 في بناء دفاعه عن وجهة نظره من مسلمة لديه قائمة على أن الحكومة التي زامنت نشوء المحكمة هي حكومة غير شرعية.. لينتهي إلى القول بأن كل الأعمال القانونية بما فيها الاتصالات التي جرت مع الأمم المتحدة لم تكن قانونية..

 

ولذلك فإننا نجد أنفسنا مضطرين قبل الرد على البنود السبعة إلى التذكير بالمبادئ القانونية التي ترعى هذا الأمر.. لأن تحديد كون الحكومة شرعية أم غير شرعية، لا تختصر برأي فريق معارض يجمع بين صفتي الخصم والحكم كما ولا تختصر برأي شخص مهما علا شأنه..

لقد كان من الأجدى في ذلك الحين العودة إلى المجلس النيابي الذي هو الحكم الفصل للبت بشرعية ودستورية الحكومة أو طرح الثقة، وعند ذلك تتأكد شرعية الحكومة من عدمها.

 

إن النصوص الدستورية الثلاثة التي تحكم هذه المسألة هي:

  • نص المادة 69 من الدستور التي تنص صراحة على أنه "تعتبر الحكومة مستقيلة في الحالات التالية:

أ-...

ب- "إذا فقدت أكثر من ثلث أعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها".

ج-...

 

  • نص الفقرة (ي) من مقدمة الدستور:

"لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

  • نص الفقرة (أ) من المادة 95:

"تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة".

وهنا لا بدّ أن نذكر مع البروفسور نصري أنطوان دياب بما سبق أن نشره في جريدة النهار بتاريخ 7/3/2007: "بأن النصوص الثلاثة موضوع النقاش أي الفقرة (ي) من المقدمة والمادة 69 والمادة 95 تم إدخالها أو تعديلها بشكل متزامن بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 أيلول 1990. فالدستور في نصه الأساسي والمعدل قبل هذا التاريخ لم يكن يتضمن مقدمة، وقد تم إدخالها بموجب القانون الدستوري المنوه عنه في نفس الوقت الذي تم فيه تعديل المادتين 69 و95. وذلك يعني أنه لو كانت النية في اعتبار الحكومة مستقيلة ("ساقطة") بسبب استقالة وزراء يمثلون طائفة معينة ولكن دون ثلث أعضاء الحكومة لكان تم إدخال هذا السبب في التعداد المنصوص عليه في المادة 69. تتضمن المادة 69 ستة أسباب وكان من أبسط الأمور إدخال هذا السبب عليها خاصة وأنه بهذه الأهمية البالغة. فلا يعقل أن تكون النية في اعتبار الحكومة مستقيلة بسبب استقالة وزراء يمثلون طائفة واحدة وأن يبقى ذلك في إطار المبادئ العامة المبهمة المنصوص عليها في مقدمة الدستور وفي ذيله وان لا يتم الاستفادة من تعديل المادة 69 من هذا التعداد حصرياً، يجعل من المستحيل الأخذ به.

وفي قراره رقم 2/99 الصادر بتاريخ 24 تشرين الثاني 1999 والمتعلق بصون الحق بسرية المخابرات.. أكد المجلس الدستوري اللبناني على أن: "مقدمة الدستور تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الدستور ولها قيمة دستورية موازية لأحكام الدستور".

"وذلك يعني أن لأحكام المقدمة نفس القوة الدستورية التي تتمتع بها المادتان 69 و95 ولا يصح القول أن لنص من هذه النصوص الثلاثة قيمة فائقة فلا للمقدمة قوة تفوق قوة النصوص الدستورية ولا العكس".. وبالتالي لا تتقدم الفقرة (ي) من المقدمة في مجال التطبيق على المادة 69 وكل حديث مخالف يدخل في ما سماه البروفسور Gicquelوجهات النظر السياسية أو الفلسفية التي لا تمت للقانون بصلة".

ونكمل مع دراسة الدكتور نصري أنطوان دياب:

"تتضمن الفقرة (ي) من المقدمة مبدأ عاماً لا يمكن وصفه بالقاعدة القانونية (Règle de Droit) وكذلك الأمر بالنسبة للفقرة (أ) من المادة 95. إن النصوص التي لا تتضمن سوى مبادئ عامة توصف أحياناً بالبرنامجية (Programmatique) ولا تتمتع بقيمة تطبيقية، في حين أن النصوص التي تتضمن قاعدة قانونية تكون قابلة فوراً للتطبيق. ويتبين من حرفية النصوص الثلاثة موضوع النقاش أن نص المادة 69 واضح ومفصل ولا يحتاج إلى أي تفسير ولا يحتمل أي تأويل، عملاً بالقاعدة الأساسية في تفسير النصوص القانونية القائلة بأن لا تفسير عند وضوح النص (Théorie de l'acte clair- interprétation cessat inclaris).

فقد عددت المادة 69 بشكل حصري الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة (ساقطة) ولم تدخل فيها السبب الذي تتذرع به المعارضة وهو استقالة وزراء ينتمون إلى طائفة واحدة. كذلك الأمر بالنسبة لنص الفقرة (أ) من المادة 95 فهذا أيضاً واضح تماماً وغير قابل للتفسير على الشكل المعتمد من "المعارضة": أن تمثيل الطوائف يجب أن يكون عادلاً عند تشكيل الحكومة، وعبارة "تشكيل" دقيقة وغير قابلة لجدل جدي خاصة وانه تم استعمالها في الفقرة (ب) من المادة 69 مما يثبت أنها تتعلق بلحظة محددة وهي لحظة نشوء الحكومة وليس بفترة مفتوحة أي طيلة حياة الحكومة.

فلو كانت النية في أن يكون التمثيل عادلاً طيلة فترة قيام الحكومة وليس فقط عند تشكيلها، لكان تم ذلك طرحه في هذه الفقرة (وأدخل هذا السبب في المادة 69. تفرض إذا الفقرة (أ) من المادة 95 أن تمثل جميع الطوائف في لحظة تشكيل الحكومة، ليس إلاّ، وهنا أيضاً لا تفسير عند وضوح النص، ومن المؤكد أن حكومة الرئيس السنيورة شكلت وفق معيار الفقرة (أ) من المادة 95.

أما نص الفقرة (ي) من مقدمة الدستور فهو هام ومبهم: فمفهوم العيش المشترك يتعلق بالعلوم السياسية والاجتماعية أكثر مما هو مفهوم قانوني، لا يعقل استعماله لتعطيل المادة 69 التي تدخل في صلب الدستور وتتضمن قاعدة صرف قانونية.

وأخيراً فإننا نذكر مع البروفسور نصري أنطوان دياب بأنه: "من المبادئ الأساسية أو الكلية التي تضمنتها "المجلة" والتي هي جزء من القانون الوضعي اللبناني تشع القاعدة العامة القائلة بأن: "من سعى في نقض ما تمّ من جهته يكون سعيه مردوداً عليه" مادة 100 من المجلة) وهذا ما كرسه الاجتهاد اللبناني محكمة التمييز في قرارين صادرين في العام 2001)".

ثانياً: حول الزعم بأن إنشاء المحكمة فيه تجاوز للدستور اللبناني:

ورد في المؤتمر الصحفي:

  • أن آلية إقرار المحكمة الخاصة بلبنان تجاوزت الدولة اللبنانية والدستور اللبناني كلياً لاسيما المادة 52 (مباشرة المفاوضات... إلى إقرار الاتفاقيات).
  • اختزال صلاحيات مجلس النواب الذي تم تغييبه بالكامل.
  •  طلب حكومة الرئيس السنيورة (غير الشرعية) إلى الأمم المتحدة بالعمل على أن يصدر قرار عن مجلس الأمن بنفاذ مشروع الاتفاق لأن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة فيما اعتبره الحاج محمد رعد تزويراً وتوسلاً لأعلى سلطة دولية..

لقد نسي أو تجاهل الزميل رعد أن إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد تمّ بقرار صادر عن مجلس الأمن الدولي ذي الرقم 1757 تاريخ 31/5/2007 وذلك استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدّة، وبالتالي فان الحديث عن دستورية المحكمة وما يستتبع ذلك، وفقا" لأحكام المادة 52 من الدستور اللبناني، من تولي رئيس الجمهورية صلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة وعرضها على مجلس الوزراء ومن ثمّ على مجلس النواب لتصديقها وأخيراً إصدارها ونشرها بمرسوم الخ.... إن هذا الكلام واقع في غير موقعه الدستوري لأننا تجاوزنا في ذلك مبدأ المعاهدة الدولية التي تستلزم لإبرامها تلك الشروط، وأصبحنا كما أشرنا أمام قرار دولي ملزم ونافذ وصادر استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدّة مع ما يعني الفصل السابع من موجبات تقع على عاتق الدول المعنية بهذا القرار من جهة وما يعني بالمقابل من حقوق وتدابير يمارسها مجلس الأمن الدولي في حال عدم تقيّد والتزام الدولة المعنية بأحكام هذا القرار.

وباختصار كلي إن القرار 1757 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والذي بموجبه أنشئت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يتخطى الإشكالات الدستورية المعتمدة لعقد المعاهدات الدولية التي تستلزم موافقة فريقي أو فرقاء المعاهدة، بل هو نتاج إرادة دولية بحتة.

ويؤسفنا هنا أن نقول بأن الزاعمين بأن إنشاء المحكمة تجاوز الدستور اللبناني هم أنفسهم من فوّتوا على لبنان وعلينا جميعاً فرصة إبرام اتفاقية دولية بإنشاء هذه المحكمة الدولية موقعة وفقاً للأصول، من طرفي الاتفاقية أي لبنان من جهة والأمم المتحدة من جهة ثانية وذلك وفقا" للقرار الدولي رقم 1664 الصادر بتاريخ 29 آذار 2006 والذي طلب بموجبه مجلس الأمن الدولي من الأمين العام للأمم المتحدة أن يتفاوض مع حكومة لبنان على اتفاق يرمي إلى إنشاء محكمة ذات طابع دولي...

وأمام تعذُّر إنشاء محكمة دولية وفقاً للقرار 1664، صدر قرار دولي ملزم للبنان استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يحمل الرقم 1757 وأُعلن في نهايته عن استئخار نفاذه لمدة 10 أيام أُعطيت للدولة اللبنانية فيما إذا أرادت العودة إلى إبرام المعاهدة وفقاً لأصول إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية. لكنّ الدولة اللبنانية لم تستطع إبرام هذه المعاهدة بسبب إقفال مجلس النواب فتدخّل مجلس الأمن الدولي وأصدر قراره المعروف بإنشاء المحكمة الخاصة بلبنان استناداً إلى الفصل السابع وأصبحت هذه المحكمة قائمة لا يشوبها أي عيب قانوني.

ومن العجب أن الذين عطلوا إقرار المحكمة ضمن الأطر الدستورية سهّلوا بعد ذلك أمر هذه المحكمة. فهل لنا أن نتساءل كيف يتحاشى هذا الفريق في كل مقارباته الإتيان على البيانين الوزاريين الذين وافق عليهما وعلى الثقتين المتتاليتين للحكومتين المتعاقبتين بعد الـ1757 وموافقته على دفع حصة لبنان لتمويل المحكمة، وكيف عبّروا عن حفاوتهم بالعدالة الدولية إثر قرار إخراج الضباط الأربعة من السجن؟!

ثمّ إنّ الكلام عن اختزال صلاحيات مجلس النواب ليس دقيقاً على الإطلاق. وواقعة أن الحكومة وبعد إتمام الإجراءات المنصوص عنها في المادة 56 من الدستور وإرسالها لمشروع القانون إلى المجلس ورفض الأمين العام لمجلس النواب استلام مشروع القانون يدحض هذا الاتهام تماماً ويثير السؤال حول الجهة المسؤولة عن عدم إقرار المحكمة باتفاقية. إن الحكومة عليها واجب إرسال مشروع القانون إلى المجلس ولكن لا يمكن أن تُسأل عن عدم استلام مشروع القانون من قبل الأمانة العامة لمجلس النواب أو عن عدم عرضه على هيئة عامة ومناقشته وإقراره أو رفضه.. ذلك لأنّ دور الحكومة محدود بعرض الأمر على المجلس وعلى هذا الأخير مسؤولية اتخاذ القرار المناسب.

ويبقى الزعم الثالث في كون الكلام الذي تضمنه خطاب رئيس الحكومة إلى الأمين العام بالعمل على إقرار المحكمة لأن الأغلبية البرلمانية أعربت عن تأييدها للمحكمة فيه تزوير وتوسل...

إن مجرد مراجعة كتاب دولة الرئيس المؤرخ 10/4/2007 إلى الأمين العام للأمم المتحدة يدحض محاولة الكلام عن تزوير طاول الإيحاء بأن الأكثرية أقرته في المجلس ذلك لأن الكتاب تكلم عن:

  • عريضةموقعة من قبل الأكثرية (70 نائباً) سلمت إلى السيد بيدرسن، وتطلب اتخاذ كل الإجراءات لإنشاء محكمة دولية خاصة استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1595.
  • تكلم عن الصعوبات التي تواجه تصديق نظام المحكمة بسبب الشلل المحيط بمجلس النواب لأن رئيس المجلس لم يدع إلى عقد جلسة خلال الدورة العادية ولا إلى جلسة استثنائية بالرغم من إصرار الأكثرية على ذلك وفق حقها الدستوري.
  • لأن دولة رئيس مجلس النواب قد أعلن صراحة على أنه لن يدعو إلى جلسة تحت حجة أن حكومة الرئيس السنيورة غير دستورية.

من أجل هذا وجدنا أنه من الأمانة التذكير بالمضمون الحرفي للكتاب.

حول زعم النائب رعد أن مجلس الأمن الدولي تخطى السيادة اللبنانية:

إن مسألة تخطي الأمم المتحدة للسيادة التي زعم الحاج محمد رعد في مؤتمره الصحفي مسألة بحاجة إلى تصويب.. ذلك لأنه بمجرد معارضة 5 من أصل 15 لقرار مجلس الأمن لا يعني أن هناك تخطي للسيادة.. فقرارات مجلس الأمن تتخذ بالأكثرية مع إعطاء حق الفيتو للأعضاء الدائمي العضوية.. ويبقى رأي المعارضين مجرد رأي سياسي ما لم يكن له سند قانوني.

تجدر الإشارة في هذا الصدد أن  الأعضاء الممتنعين عن التصويت أو المعارضين لأي قرار يتخذه مجلس الأمن ملتزمون باحترام وتنفيذ تلك القرارات (يراجع هنا موقف الاتحاد الروسي فيما خص المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وموقف كل من البرازيل وتركيا فيما خصّ قرار العقوبات بالنسبة لإيران).

إن قرار المجلس صدر بالاستناد إلى أنظمة ومواثيق الأمم المتحدة.. فلو صدر القرار خلافاً لذلك لأمكن الكلام عن تخطي للسيادة نتيجة تخطي هذه المواثيق والأنظمة.. من دون حاجة للتذكير بأن البند ب من مقدمة الدستور نص على أن لبنان هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. إن مجرد الانضمام إلى منظمة الأمم المتحدة والالتزام بمواثيقها أتى بعمل سيادي صادر عن الدولة اللبنانية.. فيه تنازل عن بعض السيادة لما يحقق الأمن والاستقرار في العالم.. وفي الأصل فإن كل اتفاقية بين دولتين فيها بعض التنازل عن سيادة كل دولة، ولكن الاتفاقية لا تتم إلاّ بموجب عمل سيادي صادر أصلاً عن الدولة التي التزمت.

لو راجع المؤتمرامحكمة الدولية جاء بصورة قانونية وشرعية وهو لم يتخطّ السيادة اللبنانية كما أسلفنا أعلاه.

إلا أنه بإمكان أي متضرّر وفقا" للمادة 90 من قواعد الإجراءات والإثبات التي أقرّت من المحكمة بتاريخ 20 آذار 2009 الدفع بعدم صلاحية المحكمة وعدم اختصاصها وبالتالي الاعتراض على قرار مجلس الأمن الدولي أمام المحكمة الدولية ذاتها.

وقد أكّدت اجتهادات دولية سابقة، نذكر منها اجتهاد 1995 TADICالصادر عن المحكمة الدولية ليوغسلافيا سابقا"، هذا المنحى القانوني، إذ تمّ الإدلاء بدفع عدم شرعية إنشاء المحكمة الدولية ليوغسلافيا السابقة وعدم إعطاء الأولوية لهذه المحكمة على المحاكم الوطنية الخ... ولقد بتّت هذه المحكمة بهذه الدفوع.

ثالثاً: حول الزعم بتنصل المحكمة من شهود الزور:

حاول الحاج محمد رعد في مؤتمره الصحفي "الإيحاء بأن مكتب المدعي العام دانيال بلمار حاول إيجاد الفتاوى القانونية التي تبرر عدم ملاحقة شهود الزور وليس العكس. بالرغم من أن الاتفاقية الملحقة بالقرار 1757 تنص على أن تبدأ المحكمة عملها في تاريخ يحدد بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية مع مراعاة التقدم المحرز في أعمال لجنة التحقيق. وبالرغم من أن نص المادة 19 من نظام المحكمة الأساسي ينص على أن المحكمة تقرر مقبولية الأدلة التي سبق جمعها قبل إنشاء المحكمة من قبل السلطة الوطنية أو لجنة التحقيق الدولية ليستنتج أن هناك ارتباط عضوي بين صلاحية المحكمة في اغتيال الرئيس الحريري وفي ملاحقة شهود الزور وليخلص إلى أن القاعدة 152 من قواعد الإجراءات والإثبات تتكلم عن شهادة الزور بعد حلف اليمين وتحدد إجراءات المحاكمة والعقوبة وان التجزئة الزمنية قبل المحاكمة وبعد المحاكمة غير جائزة لتلازم مراحل التحقيق الدولي.. وانه لا يمكن التذرع بأن محاكمة شهود الزور تخرج عن ولايتها لأن شهادة الزور تندرج في هذه الولاية حكماً كون المسألة هي بطبيعتها مسألة اعتراضية وينتهي النائب رعد إلى القول بأن المحكمة أوجدت توصيفاً جرمياً جديداً لشهادة الزور هو تحقير المحكمة بالرغم من أن المادة 2 من النظام الأساسي تنص على أن المرجعية النصية للملاحقة القضائية والمعاقبة على الجرائم هي أحكام قانون العقوبات اللبناني".

في الحقيقة إن الجدير بالإشارة إليه وما يثير العجب والتساؤل هو التناقض بين المطلب العلني الذي يزرع الإعلام صبح مساء ويكاد يعطل عمل الحكومة في الإصرار على أن المجلس العدلي هو الجهة الصالحة للنظر في محاكمة شهود الزور بينما يؤكد الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني في مؤتمرهما الصحفي على انه: "بناء عليه يتضح وجود ارتباط عضوي بين صلاحية المحكمة في قضية اغتيال الرئيس الحريري وبين ملاحقة شهود الزور الذين برزوا أثناء سار التحقيق الأول لهذه القضية"- الكتيب ص 17- فقرة أخيرة).

والأعجب من ذلك هو ما رفع على جميع المنابر من أن الهدف الذي عبرت عنه المعارضة في أكثر من مناسبة هو إلغاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.. ليعود الحاج محمد ومستشاره القانوني فيؤكدان في مؤتمرهما الصحفي بأن مسألة شهود الزور تدخل في اختصاص المحكمة الدولية المطلوب إلغاءها؟!

في كل الأحوال يبدو أن مسألة شهود الزور أضحت قميص عثمان. ولا بدّ هنا من لفت الانتباه إلى مسألة على بساطتها تعني الكثير. من الواضح أنه وفي هذه القضية يوجد قتيل وقاتل. وفي معظم قضايا القتل يكون هناك شهود زور.. يصطنعهم القاتل لينجو بفعلته.. فهل انقلبت المعايير حتى يضطر القتيل للاستعانة بشهود الزور ليستطيع الانتقال للآخرة.

نعود إلى القانون! شهادة الزور هي حالة قد تقوم في مرحلتين: مرحلة التحقيق ومرحلة المحاكمة وفي كل مرحلة من هذه المراحل ينظم القانون اللبناني أصولها ويضع لها العقوبات كما قد يعفي من العقوبات.

فشهادة الزور أصلاً هي إفادة تعطى أمام سلطة قضائية للجزم بباطل أو لإنكار الحق أو لكتم بعض أو كل ما يعرفه صاحب الإفادة من وقائع القضية.

فلجنة التحقيق الدولية ليست سلطة قضائية بل هي لجنة مستقلة للتحقيق صدرت بقرار عن مجلس الأمن بتاريخ 7/4/2005 برقم 1595 قبل إنشاء المحكمة، في حين أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي محكمة أنشئت بقرار دولي رقم 1757 بتاريخ 30/5/2007. ولذلك، ووفقاً للمادة 408 من قانون العقوبات اللبناني، فإن الإفادات التي أعطيت أمام لجنة التحقيق الدولية أصلاً لا ترقى إلى اعتبارها شهادة زور لأن شرط الإدلاء بها أمام سلطة قضائية هو شرط أساسي لقيام الجرم..

في كل الأحوال وبصرف النظر عن التوصيف القانوني لهذه الإفادات أمام المرجع الذي أدليت بها أمامه (أي لجنة التحقيق الدولية) فإنه إذا ما قامت المحكمة الخاصة بلبنان وبعد تفحصها للأدلة باستدعاء هؤلاء الشهود فإن إفاداتهم أمامها تعتبر عندئذ إفادات أمام سلطة قضائية يعاقب عليها بجرم شهادة الزور فيما لو ثبت كذبها... في كل الأحوال نحن هنا نكون أمام حالتين:

  1. حالة أولى: يعطي الشاهد إفادته الكاذبة أمام المحكمة ويصر عليها في كل مراحل المحاكمة.
  2. حالة ثانية: يعطي الشاهد إفادته الكاذبة... ثم يعود عنها أثناء المحاكمة.

وطالما أن المحكمة الدولية تطبق وفقاً للمادة 2 من النظام الأساسي تحت عنوان القانون الجنائي الواجب التطبيق أي القانون اللبناني.. ففي الحالة الأولى يعاقب شاهد الزور وفقاً للمادة 408 عقوبات. وفي الحالة الثانية يعفى من العقوبة وفقاً للمادة 409 عقوبات.

وان ما يحاول الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني أن يستنتجانه من أن المحكمة تحاول تغيير الأحكام العقابية المنصوص عنها أمام المحكمة الخاصة وباعتبار شهادة الزور وفقاً للقاعدة 152 من قواعد الإجراءات والإثبات هي التي تقوم بعد حلف اليمين هو كلام غير صحيح. لأن المحكمة الخاصة في الأصل ووفق نظامها لا تستطيع سماع الشاهد إلاّ بعد تحليفه اليمين.. فلا مجال إذاً لشهادة أمام المحكمة بدون تحليف يمين..

ومن ثم فإن ما ذهب إليه الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني من أن المحكمة تحاول استحداث وصف جرمي جديد لشهادة الزور باعتباره جرم تحقير للمحكمة هو عار عن الصحة ذلك لأن المحكمة تحاول وكما قال الحاج محمد رعد في الشق الأول من كلامه: الفصل بين شهادة الزور وتحقير المحكمة.. فعلى فرض أن شاهد الزور تراجع عن إفادته أمام المحكمة.. وأصبح وفقاً لنص المادة 409 من قانون العقوبات معفياً من العقوبة.. فإنه وفقاً للقواعد الإجرائية للمحكمة فإنه يبقى بالإمكان مطاولة الشاهد بجرم تحقير المحكمة.. فإذاً النصوص الإجرائية للمحكمة تعتمد قانون العقوبات وتضيف عليها عقوبة أخرى هي عقوبة جرم تحقير المحكمة حتى لا ينجو الشاهد الكاذب بفعلته من جراء رجوعه عن الإفادة الكاذبة.

فجريمة تحقير المحكمة هي عقوبة مضافة وليست بديلاً عن عقوبة شهود الزور.

في كل الأحوال إن مجرد مراجعة المادة 152 من قواعد الإجراءات والإثبات ومقارنتها مع المادة 60 مكرر يتبين أن الأمر يتعلق بجرم آخر يقوم بشروط معينة مختلفة عن جرم شهادة الزور المنصوص عنه.

رابعاً: حول انتهاك سرية التحقيق:

يزعم الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني أن هناك تسريبات عن التحقيق كان القصد منها الإساءة والافتراء على المقاومة، وبالرغم من أنه يشير إلى أن القانون يؤكد على سرية التحقيق ويعاقب من يخل به بالحبس من شهر إلى سنة أو بالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين تراه يخلص إلى طلب إبطال التحقيق.

استند الزميل الحاج محمد رعد على ما أسماه تسريبات صحفية (السياسة الكويتية، لوفيغارو، وديرشبيغل، لوموند الخ...).

بداية من قال أن هذه المقالات هي تسريبات، فالتسريب هو تسريب خبر صحيح إلى الصحف، فكيف أكّد النائب رعد أن هذه المعطيات المتوفرة في الصحف هي حقيقية.

وهل يمكن الاستناد قانوناً على هذه المقالات؟ وهل هذه المقالات الصحفية، تعتبر تصريحات رسمية؟ ومن قال أنها مستقاة من مصادر مطلعة في التحقيق الدولي وما هو الإثبات؟

وهل يمكن الركون إلى تصريح قادة عسكريين في كيان العدو الصهيوني؟

2- إننا نوافق الزميل رعد على ضرورة احترام مبدأ سرية التحقيق باعتباره مبدأ سائدا" في مختلف قوانين أصول المحاكمات الجزائية ومنها لبنان، لكن هل انتهك أفراد التحقيق الدولي هذا المبدأ، وإذا كان الجواب بنعم فمن هم وما هو الإثبات؟

وهل نحمّل التحقيق الدولي مسؤولية مقالات صحفية لا نعرف من وراءها وما هي صحتها، خاصة وأن كل معلومة تأتي متناقضة للأخرى. ألم تذكر هذه المقالات أن السوريين وراء اغتيال الرئيس الحريري ثمّ جاءت مقالات أخرى تتهم حجاج استراليا، ثم تيار المستقبل ثم آل الحريري أنفسهم ثم حزب الله الخ... ومن يدري من ستتناول هذه "التسريبات" غداً وبعد غد.

صحيح أن معظم قوانين العالم تنص على سرية التحقيق.. والقصد من ذلك هو عدم إعطاء الفرصة للجاني من خلال إطلاعه على التحقيق أن يحاول النجاة من فعلته عن طريق التأثير على الشهود وتشويه الأدلة وعمل كل ما من شأنه أن يضلل التحقيق...

والذي يحاول أن يخرق سرية التحقيق في العادة هو الجاني.. لكن هذا لا يحول دون أن يقوم آخرون بهدف السبق الصحفي أو الإعلامي من محاولة الحصول على بعض الأدلة من هنا أو هناك..

في كل الأحوال إن ما يحاول الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني الإشارة إليه من أن نشر تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة يشكل خرقاً لسرية التحقيق قول يعوزه الدقة.. ذلك لأن نشر التقارير تتناول تقدم الإجراءات والعمل، ولا تتعرض لمضمون التحقيق.. فضلاً عن أن مجلس الأمن اشترط في قراراته المتعددة ضرورة تقديم المحقق الدولي تقريراً عن أعماله ونشاطاته كل ثلاثة أشهر.

في كل الأحوال حتى لو ثبت أنه كان هناك خرق لسرية التحقيق فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى توقيع العقوبة على من سربه ونشره وأذاعه ولكن لا يمكن إطلاقاً أن يؤدي إلى بطلان التحقيق... فالقاعدة القانونية معروفة: "لا بطلان بدون نص".

في كل الأحوال، أنا أدعو الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني وكذلك أدعو نفسي وزملائي وأدعوكم جميعاً إلى التوقف بروية عند ما قاله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه عند إحياء الليلة العاشرة من عاشوراء.. قال: "أنا اليوم أقول لكم مسألة وتفصيلها أنا أخبئه لوقت لاحق إذا احتجنا إليه في الجزء الثاني من المؤتمر الصحفي، لما كان ميليس رئيس لجنة التحقيق الدولية في لبنان، وكان نائب رئيس لجنة التحقيق الدولية في لبنان (المستقلة) اسمه غيرهارد ليمان، وهو ألماني معروف- والذي دائماً اللواء السيد يتحدث عنه- غيرهارد ليمان كان ميليس يعتمد عليه بالتحقيقات، هذا ضابط مخابرات ألماني ومؤتمن على التحقيق، وهو أكبر مسؤول عن تسريب المعلومات والوثائق، وهو رجل فاسد وأنا عندي الدليل، وإذا احتجت في يوم من الأيام أن أقدمه سأقدمه، إن نائب رئيس لجنة التحقيق الدولية باع- ليست تسريب معلومات بل باع- وثائق بفلوس هنا في لبنان، وهناك أشخاص اشتروا منه وثائق بفلوس وأعطوني هذه الوثائق وقتها. هذا من؟ نائب رئيس لجنة التحقيق الدولية، وبلمار يشن معركة طويلة عريضة لحماية شهود الزور ولا يريد أن يعطي الشهادات للواء السيد مثلاً، بالوقت الذي هذا نائب رئيس لجنة تحقيق يبيع شهادات لقيادات سياسية كبيرة، يبيعها بيعاً، وهو ليس فاسداً فقط، بل هو فاسد ورخيص، يعني تعرفون بكم باع هذه الوثائق؟ بـ50 أو 60 ألف دولار، يؤسفني أنه نحن ليس عندنا باب لهذا الموضوع ويمكن أخطأنا أو اشتبهنا لا أعرف، يوم ذاك أنا شخصياً من خلال وسطاء عرض عليّ أن هذا الرجل (غيرهارد ليمان) حاضر أن يعطينا كل شيء بالتحقيق الدولي مقابل مليون دولار، ونحن بخلنا بالمليون دولار".

 

نعم هكذا تتم التسريبات في الغالب.. لكن هل أن المسرب يفتح بسطة يعرض فيها بضاعته... أم أن هناك من يتصل به لهذا الغرض.. الله أعلم.. في كل الأحوال نحن نعلم "أن النفس أمّارة بالسوء" كما نعلم "أنه زُيّن للناس حب الشهوات الدنيا".. لكن يبقى السؤال لو صحّت الرواية من الذي يدفع هذه المبالغ وبأي دافع؟.. هل عن حب الحشرية أم عن مصلحة يهدف إليها..

 

هذا السؤال موجه لنا جميعاً... والمهم معاقبة المسؤولين عنه.

 

خامساً: حول المريب في قواعد الإجراءات والإثبات:

يزعم الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني أن الصلاحية المعطاة للقضاة لوضع وتعديل قواعد الإجراءات والإثبات مسألة تدعو للريبة..

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يوجد قواعد إجراءات وإثبات لدى المجتمع الدولي... ومسألة المحاكم الدولية لشؤون الإرهاب هي مسألة مستجدة.. لذلك تجد أنه عند إنشاء كل محكمة كان يوضع نظامٌ لهذه المحكمة للإجراءات والإثبات... ومهما حاول العقل البشري أن يتوقع من إجراءات يقتضي تنظيمها أو وسائل إثبات يقتضي ذكرها فإنه قد يُقَصِّرُ نظراً لكون المحكمة تتعاطى مع ظروف خاصة غير مسبوقة... ولقد دلت التجربة على ذلك ومن هنا نجد وكما ذُكر في المؤتمر الصحفي أن هذه القواعد مقتبسة عن أنظمة محاكم جنائية دولية سابقة أنشئت للنظر في جرائم ضد الإنسانية.. وكان من الطبيعي أن يستفيد واضعو النظام من التجارب السابقة فكيف إذا ما تعلق الأمر بمحكمة هي الأولى من نوعها في العالم مخصصة للنظر في اغتيال زعيم وطني وعربي كبير بعمل إرهابي كبير يفوق كل تصور ويترك أثره على السلم والأمن الدوليين.

 

- أن المحكمة الخاصة بلبنان ومنذ تاريخ إنشائها محكمة مستقلة، إدارياً ومالياً وقضائياً عن مجلس الأمن الدولي الذي أنشأها. وفي ظل هذه الاستقلالية يكون من حق هذه المحاكم وضع قواعد إجراءات عملها وقواعد الإثبات فيها. وهذا أمر طبيعي  وليس فيه ما يثير الريبة. فهذه المحاكم ليست تابعة لدولة معينة لكي تعود إلى سلطتها الإجرائية أو سلطتها التشريعية لوضع قواعد الإجراءات والإثبات لديها.

 

كما أن هذا الواقع له سوابقه في كل المحاكم الدولية أو ذات الطابع الدولي . وإننا نورد هنا على سبيل المثال لا الحصر نص المادة 14 فقرة 2 من نظام المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون لعام 2002:

 

Les juges du tribunal spécial réunis en plénière peuvent modifier le règlement de procédure et de preuveou adopter des dispositions supplémentaires lorsque les dispositions existantes ne prévoient pas un cas particulier ou ne permettent pas de le régler. Dans l’exercice de cette fonction, les juges peuvent s’inspirer, selon que de besoin, du Code sierra- léonais de procédure pénale de 1965.

 

 

أي ما معناه:

"يحق لقضاة المحكمة الخاصة تعديل قواعد الإجراءات والإثبات أو اعتماد نصوص إضافية عندما تكون النصوص الحالية لا تعالج حالة خاصة ويمكن للقضاة الاسترشاد عند الحاجة بالقانون السيراليوني لأصول المحاكمات الجزائية الصادر عام 1965".

 

- تجدر الإشارة إلى  أن كل المحاكم الدولية التي تنشأ تضع قواعد وإجراءات واثبات خاصة بها لأن معايير العدالة تكون دائما" لمصلحة المتهم وهي أشد بكثير من أي قانون أصول محاكمات داخلي خصوصا" فيما يتعلق بقدسية حق الدفاع والحفاظ على حقوق الإنسان. ولو قام المؤتمران بقراءة كل قواعد الإجراءات والإثبات التي وضعتها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، لوجدا أن حق الدفاع في هذه القواعد مصان إلى أقصى الحدود وحقوق المتهم تمت مراعاتها بشكل كامل، ويذهب أبعد بكثير مما يؤمنه قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني من حماية وحقوق.

 

نذكر على سبيل المثال التعديل الأخير الذي أجرته المحكمة الدولية الخاصة بلبنان حول المحاكمات  الغيابية إذ سمحت بموجبه للمتهم أن يدافع عن نفسه بتوكيله محام يحضر المحاكمات دون حضور المتهم. وقد استندت المحكمة في هذا التعديل إلى آخر اجتهاد صدر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

ثم عن الكلام حول أن عدد القضاة اللبنانيين 4 في حين أن بعض التعديلات ممكنة باحداث 7 من 11؟!

 

أولاً: نريد أن نلفت الانتباه إلى أن القضاة في هذه المحكمة لا يمثلون دولهم بل يمارسون عملهم باستقلالية تامة وان البند الرابع من المادة 2 من الاتفاق المرفق بالقرار 1757 للمحكمة ينص صراحة على: "أن يكون القضاة على خلق رفيع، وان تتوفر فيهم صفة التجرد والنزاهة، ويتمتعون بالخبرة القانونية الواسعة. ويتعين أن يتمتع القضاة باستقلالهم في أدائهم لوظائفهم ولا يجوز لهم أن يقبلوا أو يتلمسوا توجيهات من أي حكومة أو من أي مصدر آخر".

 

هذا وان التعديلات ممكنة بـ7 أصوات شرط أن تكون قد قدمت وفقاً لإجراءات خاصة من أشخاص ليس لهم حق التصويت في الهيئة العامة والا يكون التصويت بالإجماع.

 

ويتابع الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني في سوق أمثلة يعتبرونها ثغرات تتيح التلفيق وتشويش التحقيق... لكن الذي يدقق بتفاصيل المواد أو القواعد يتبين له مثلاً أن طلب عدم الكشف عن الهوية للمتضرر أو الشاهد هو تدبير مؤقت (المادة 115 فقرة أ). وهكذا... في كل الأحوال إن الجريمة هي جريمة إرهابية بامتياز وعلى الوجه الحتمي ومن الممكن أن يكون خلفها منظمات إرهابية أو أجهزة استخبارات وليس مجرد هواة. من أجل هذا فإنه من الطبيعي، إضافة إلى نظام حماية الشهود، أن يجري استثناء بعض الأشخاص من الشهود أو المتضررين وبناء لطلب المدعي العام من كشف هويتهم... حماية لهم حتى عن عدم الإبلاغ عن مصادر معلومات قد تشكل مصدر تهديد للدولة أو الجهة المنظمة التي زودت المحكمة بالمعلومات.. ولكن ذلك من ضمن إجراءات صارمة واستثنائية.. إلاّ أن هذه الإجراءات الاستثنائية يوازيها ما يمكن أن يؤمنه مكتب الدفاع للمدعى عليهم من ضمانات لحقوقهم، كما يوازيها حق المتهم في المثول بواسطة نظام المؤتمرات المتلفزة أو بواسطة محام من دون أن تعتبر الإجراءات غيابية بحقه.

 

سادساً: حول طلب قواعد البيانات وتحديثها بشكل دوري:

وحول ما أثاره الزميل العزيز النائب محمد رعد والمحامي جريصاتي في أنّ مكتب المدّعي العام يطلب كامل قواعد البيانات من الأجهزة الأمنية والمؤسسات الرسمية دون مبرّر ومنها DATAاتصالات الخليوي ورسائل الـSMS، فإننا نطرح السؤال التالي:

- عندما يحقق قاضي لبناني في جريمة قتل عادية حصلت في لبنان وحتى ليس لها طابع إرهابي ألا يستطيع أن يطلب أية معلومات هاتفية أو DATA  من شأنها إنارة القضية للوصول إلى كشف المرتكب؟

 

أكثر من ذلك لو تمّ سؤال خبراء الاتصالات التقنيين والأمنيين في لبنان حول كيفية الوصول إلى كشف مرتكب جريمة لها طابع إرهابي عن طريق الاتصالات لكان الجواب واضحا" بضرورة الاستحصال على كل حركة الاتصالات وليس محتوياتها أو مضامينها في البلد للوصول إلى ضرورة إجراء تحليل بطريقة الاختزال Par Elimination. أما السؤال لماذا الاستحصال على DATAلغاية عام 2010 فالجواب واضح: لأن مراقبة حركة الاتصالات وتعقبها يجب أن تتم قبل وقوع الجريمة وبعدها ولغاية الانتهاء من كل التحقيقات للتأكد من أن كل المعطيات المتوفرة هي معطيات دقيقة. علماً أنه وحسب المعلومات المتوفرة لدينا فإن المدعي العام الدولي لا يطلب كامل DATAالاتصالات بل يكتفي بطلب معلومات حول حركة اتصالات أشخاص محددين ربما معرفة حركة اتصالاتهم قد تفيد التحقيق.

أكثر من ذلك،

 هل من المنطق والعقل أن نحجب معلومات لها علاقة بالاتصالات، استطاعت الأجهزة الأمنية اللبنانية من خلالها اكتشاف العديد من شبكات التجسس الإسرائيلية عن المحققين الدوليين في جريمة إرهابية بحجم جريمة اغتيال الرئيس الحريري ربما تكون وراءها أجهزة استخبارات دولية بحجة عدم كشف حركة الاتصالات؟

- وبالعودة إلى ما أثاره المؤتمران حول تفسيرهما المغلوط للمادة 16 من قواعد الإجراءات والإثبات والمادة الثالثة من اتفاقية التعاون بين لبنان وبين المدعي العام  لوجدنا بداية أن المادة 16 من قواعد الإجراءات والإثبات تناقض بشكل فاضح وصارخ ما ذهب إليه تفسير المؤتمران لها  حيث نصّت على ما حرفيته:

"إذا تبين للمدعى العام أن اعتداء" يمكن أن يقع ضمن اختصاص المحكمة بموجب المادة 1 من النظام الأساسي هو رهن التحقيق أو الملاحقة الجنائية أمام المحاكم اللبنانية فله أن يطلب من السلطات اللبنانية تزويده بكل المعلومات  بهذا الخصوص".

 

وعندما تنص هذه المادة على عبارة كل المعلومات فكيف يفسّر لنا المؤتمران أن كل المعلومات لا تشمل DATAالاتصالات؟

- أما بالنسبة إلى المادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة التي نصت على الاختصاص القضائي للمحكمة الخاصة والتي ورد في متنها ما حرفيته:

"يكون للمحكمة الخاصة اختصاص على الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شياط 2005 على رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري والى مقتل أو إصابة أشخاص آخرين وإذا رأت المحكمة أن هجمات أخرى وقعت في لبنان في الفترة بين 1/10/2004 و 12 /12/2005"...

- وبالعودة إلى ما نصت عليه مذكرة التفاهم الموقعة بين مكتب المدعى العام ممثلا" بالسيد بلمار والحكومة اللبنانية ممثلة بوزير العدل إبراهيم نجار فقد نصّت هذه المذكرة في مادتها الثالثة على ما يلي:

"تضمن الحكومة اللبنانية بأن يكون مكتب النائب العام في المحكمة الخاصة حرا" من أي تدخلات خلال قيامه بتحقيقاته في لبنان وأن يتم تقديم كل المساعدة الضرورية له من أجل تحقيق تفويضه وذلك يشمل:

  • تقديم كل الوثائق والإفادات والمعلومات المادية والأدلةالتي هي بحوزة الأجهزة والإدارات والمؤسسات اللبنانية في القضايا التي لها صلة بتفويض المحكمة الخاصة بأسرع وقت ممكن وجمع أي معلومات وأدلّة إضافية حسّية وتوثيقية.

ب- تسهيل الوصول إلى ما يتطلبه التحقيق من أمكنة ومواقع وأشخاص ومستندات ذات صلة".

إن التفسير للمواد الثلاث باعتبار المادة 16 من قواعد الإجراءات والإثبات والمادة الأولى من النظام الأساسي للمحكمة والمادة الثالثة من مذكرة التفاهم الموقعة بين مكتب المدعي العام في المحكمة أو وزارة العدل اللبنانية، باعتبار أن هذه المواد تسمح بإعطاء معلومات فقط عن الأشخاص المسؤولين عن الهجوم الذي وقع في 14 شباط والهجمات المتلازمة معه..." هو تفسير مستغرب ومريب.

وهذا التفسير كان يصحّ لو كان المحققون الدوليون أو المدعي العام الدولي بلمار يعلمون من هم الأشخاص الذين نفّذوا الجريمة، ففي هذه الحالة يصحّ تفسيرهم الضيق لهذه المواد وساعتئذ يجب على المدعي العام الدولي طلب قواعد بيانات فقط لهؤلاء المجرمين. أما وان لجنة التحقيق الدولية عندما بدأت تحقيقاتها لم تكن تعرف هوية مرتكبي هذه الجريمة ليصار إلى مراقبة اتصالاتهم حصراً. وهذا ما ستدعى الحصول على كامل DATAحركة الاتصالات.

 

أما الآن وكما أسلفنا فإن مكتب المدعي العام الدولي يكتفي بطلب حركة اتصالات أشخاص محددين وفق آلية محددة.

 

سابعاً: حول اعتماد الأدلة الظرفية:

أشار الزميل رعد  أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان تتجه الى اعتماد الأدلّة الظرفية بدلا" من الأدلة القطعية كون هذه الأخيرة بحسب رأي رئيس المحكمة غير متوافرة في القضايا الارهابية لصعوبة الحصول عليها، الأمر الذي يجعل لبنان مسرحا" للتجارب والاجتهادات والبدع القانونية والقضائية كما يقول الزميل رعد.

رداً على هذه الادعاءات نقول:

  1. لا يمكننا أن نعرف مسبقا" ما هي الأدلة التي سوف يستند اليها القرار الاتهامي. هل هي أدلة ظرفية أم أدلة قطعية وبالتالي لا يجوز لنا أن نصدر الأحكام الاستباقية قبل صدور القرار الاتهامي.
  1. من الممكن أن يستند المدعي العام في قراره الاتهامي الى أدلة ظرفية غير مباشرة مدعومة بأدلة قطعية مباشرة. ومن المفيد أن ننتظر صدور القرار الاتهامي لكي نقيّمه فيما بعد ونطّلع على الأدلة التي استند اليها.
  1. في مطلق الأحوال وسواء اعتمد القرار الاتهامي على أدلة ظرفية أو على أدلة قطعية أو على الاثنين معا"، فان ما يجب التأكيد عليه هو أن قوانين الدول، جميع الدول تعترف بأهمية الأدلة الظرفية في اكتشاف الجرائم وبالتالي فان الأدلة الظرفية ليست كما يدعي الزميل رعد، بدعة قانونية اخترعت من قبل المدعي العام أو من قبل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بل هي نظام اثبات متعارف عليه ومعمول به في المحاكم الوطنية والدولية.
  1.  ان تقييم الأدلة الظرفية وبالتالي معرفة ما اذا كانت تؤدي إلى قناعة مطلقة لدى القاضي، هي شأن القاضي نفسه الذي سيوازن بين جميع الأدلة، الظرفية وغيرها، المتوفرة لديه، فيقيّمها لكي يشكل قناعة لديه لا يرقى اليها الشك.
  1. وأخيرا" فانه مما لا شك فيه أن الأدلة القطعية المباشرة تفوق وتتقدّم على الأدلة الظرفية لكنّ القاضي يستطيع أن يستعمل هذه الأدلّة كغيرها من القرائن والاستدلالات وذلك لتعزيز الدليل القانوني الذي يكون قد توصل إليه. من البديهي أن قانون العقوبات اللبناني وكذلك قانون أصول المحاكمات الجزائية من المراجع التي تستند إليها المحكمة الخاصة بلبنان بحسب المادة 28 من نظامها الأساسي وبناءً عليه فإن الذين يحاكمون أما هذه المحكمة بإمكانهم الاستفادة من الضمانات التي حددها القانون اللبناني.

ثامناً: حول القيمة الثبوتية لدليل الاتصالات:

بعد التقديم الذي سبق أن قدمه الحاج محمد رعد ومستشاره القانوني عن الأدلة الظرفية كونها لا ترتقي إلى مستوى الأدلة المباشرة ينتقل إلى القول بأن الركون إلى دليل الاتصالات والروابط الهاتفية هو نوع من اعتماد الأدلة الظرفية..

بداية نقول بأنه لا علم لنا فيما إذا كانت المحكمة تعتمد أو اعتمدت دليل الاتصالات والروابط الهاتفية كنوع من أنواع الإثبات لأشخاص ترابطوا فيما بينهم في زمن معين وفي مكان معين ولفترة محددة... لكن رفض دليل الاتصالات بالمطلق فيه الكثير من المبالغة والمكابرة والتقليل من أهمية هذا الدليل خاصة بعدما كان دليل الاتصالات العنصر الأساس في كشف الكثير من خلايا التجسس على لبنان وعلى المقاومة تحديداً.

ونعتقد أن الأمر مرهون بوقته وبالأدلة والإثباتات التي تساق خاصة وانه لا يخفى على المحكمة وعلى لجنة التحقيق الدولية بما تضمان من مهارات علمية وتقنية قادرتان على الفرز بين الصحيح والغلط والقائم فعلاً من المفبرك لاسيما في جريمة شديدة التعقيد ومنفذة على الأرجح من مجرمين إرهابيين محترفي

خاتمـــة

أيها السادة،

لقد قصدنا من هذا التصويب العمل على جلاء الحقيقة، حتى لا يبقى هناك التباس في ذهن أحد ولإدخال الطمأنينة إلى من ارتابت قلوبهم ولو إلى حين.

أيها السادة،

منذ اليوم الأول لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري رحمه الله طالبنا بمعرفة الحقيقة.. لم نطلبها انتقاماً ولا ثأراً ولا طمعاً بتعويض.. فما ذهب لا يعوض، ولكن طلبناها لأننا على يقين بأن لنا جميعاً في القصاص حياة.. طلبناها من أجل سلامة الناس، طلبناها من أجل حرية وسلامة العمل السياسي، طلبناها من أجل تعزيز نظامنا الديمقراطي البرلماني، طلبناها من أجل سيادة البلد واستقلاله.. طلبناها من أجل أن لا يكون للخوف سلطان على عقول الناس وإرادة الناس.

وما نريد أن نؤكده هو بأننا مع إصرارنا على كشف الحقيقة فنحن لا نقبل بأن يقع ظلم على أحد مهما كان الظلم تافهاً أو بسيطاً. كما أننا لا نقبل أن يساق إنسان بجريرة آخر.. فنحن من أمة "ولا تزر وازرة وزر أخرى".. ونحن نؤمن بأن الحرام يقف عند أهله..

ونختم بالقول المأثور: "الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".

:

تاريخ الخطاب: 
23/12/2010