الحكومة بين غياب الرؤية والرؤية المغلوطة

-A A +A
Print Friendly and PDF

بقلم الدكتور مازن سويد*

لفتني في إحدى الجلسات خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدولي التي عقدت في واشنطن مؤخراً قول أحد الخبراء، وذلك في سياق النقاش الدائر حول خطر تدهور الوضع الاقتصادي العالمي ودخوله في مرحلة ركود عميق، أن البلدان الصناعية الكبرى منقسمة بين من لا يملك رؤية، ويعني بذلك الولايات المتحدة وبين من يملك رؤية سيئة، ويعني بذلك الدول الأوروبية. وقد تابع ذلك الخبير متسائلاً: في ظل هذه الأجواء الاقتصادية العالمية القاتمة ، أيهما أسوأ غياب الرؤية أم سؤها؟

 هذه التساؤلات جعلتني أمعن النظر إلى ما نعانيه نحن في لبنان على الصعيد الاقتصادي في هذه الآونة لأتبين أننا لا نشكو من حيرة في محاولة إيجاد جواب على هذا السؤال المحير فيما يجري عندنا في لبنان. فنحن نعاني حقيقة من غياب الرؤية وسؤها في آن معاً. وهما اجتمعتا سوية في حكومة كلنا للوطن، كلنا للعمل. وها نحن نشهد يوماً بعد يوم كيف أنتج هذا الزواج القسري حكومة المولود الهجين اللامنتمي، ولاسيما بما تمثله رؤية هذه الحكومة وسياستها الاقتصادية والاجتماعية من عدم تجانس في المقاربات والسياسات والأدوات المعتمدة.

 ولتبيان ذلك فلنأخذ على سبيل المثال موضوع تصحيح الأجور والزيادة غير المدروسة التي أَقرّتها الحكومة مؤخراً، وهي الزيادة التي لم ترض بها القوى العاملة ولم توافق عليها الهيئات الاقتصادية ولم تقتنع بها وقبل ذلك كله مختلف مكونات الحكومة المفترض بها أن تكون متجانسة في طروحاتها وقراراتها. وفي حقيقة الأمر نجد أن هذه الزيادة جاءت نتيجة ومحصلة لعوامل مختلفة وذلك مع غياب اقتراحات الحلول التي يمكن أن تقترحها الحكومة والتي يمكن أن تسهم في تحسين الإنتاجية وزيادة مردودية استعمال الموارد المتاحة لدى الاقتصاد. ولقد كان من أغرب تلك العوامل التي أوصلت الحكومة إلى اعتماد تلك الزيادات بالشكل التي صدرت عليه الغياب التام لدور وزير المالية، وهو الذي يفترض به أن يكون ربّ العمل الأكبر في الاقتصاد الوطني والمدرك بالضرورة لتداعيات تلك القرارات، هذا فضلاً عن غيابه عن النقاش الذي حصل بين الفرقاء المعنيين في العلن، وغيابه أيضاً عن التسوية التي أقرت في الكواليس السياسية. كذلك فقد كان واضحاً للقريب والبعيد غياب الرؤية عن مقاربة وزير الاقتصاد الذي كان همه الوحيد الدفاع عن وجهة نظر رئيس الحكومة ووجهة نظر الهيئات الاقتصادية، كونه جزءٌ منها، من دون أن يقدم أي اقتراح جدي يؤدي إلى تحسين مستويات الإنتاجية في الاقتصاد وفي الإدارة الحكومية بما يسهم في خفض الكلفة وتحقيق زيادة في الأجور في آن، وهي أي الإنتاجية، جزء أساس من مسؤولياته. كما أنه، ومن جهة أخرى، لم يقم بأي جهد يقنع المواطنين بأنه يسعى إلى ضبط الأسعار المتفلتة من أية ضوابط وهذه مسألة تقع كاملة في إطار مسؤولياته، بحيث شهدنا وشهد المواطنون ارتفاعاً كبيراً وسريعاً للأسعار حتى قبل أن تقر الزيادة!

 أما العوامل الأخرى، فتمثلت بالرؤية المغلوطة، بل الخطيرة لوزير العمل وهي الرؤية التي تؤدي حكماً إلى زيادة العجز (من خلال زيادة الإنفاق بحكم اقتراحه أن تتولى الدولة مباشرة مسؤولية وكلفة الضمان الصحي لجميع اللبنانيين وإعفاء أرباب العمل من هذه المسؤولية) وارتفاع كلفة الإنتاج (من خلال زيادة غير مدروسة للأجور) وتدهور مستوى التنافسية (من خلال غياب أي طرح جدي لزيادة الإنتاجية).

 في ظل هذا التجاذب الداخلي، الذي غاب عنه عملياً النقاش الاقتصادي السليم والمقاربات العلمية الدقيقة، ولدت هذه التسوية الهجينة لزيادات الأجور، التي من جهة ستؤدي إلى زيادة العجز لدى الحكومة بما لا يقل عن 600 مليون د.أ. وذلك بأدنى تقدير، ومن جهة أخرى تخل بمفهوم التراتبية الوظيفية، التي ترفع النقابات العمالية لواء الحفاظ عليها ، إضافة إلى كونها- أي الزيادة العشوائية- قد تسببت باضطراب في الوضع الاجتماعي وفي مستويات الأسعار وهي بدأت تؤدي إلى تقلص في فرص العمل المتاحة وانخفاض في مستويات العمالة.

 هذا في موضوع الأجور، وهي المسألة التي لم تنته فصولاً بعد فلا زال هناك الكثير من التداعيات السلبية والتي سنراها على ما يبدو في القادم من الأيام. أما في موضوع مشروع الموازنة الذي رفعته وزارة المالية إلى مجلس الوزراء، والذي استغنى واضعها عن هدف أساسي جرى السعي إلى التقدم على مسارات تحقيقه على مدى أكثر من عقد من الجهد المضني للحكومات السابقة من أجل تحقيق فائض في الميزان الأولي، فقد تمّ تحويل ذلك الفائض الأولي من قبل هذه الحكومة إلى عجز بقيمة حوالي 290 مليون د.أ. وهذا قبل احتساب كلفة زيادة الرواتب والأجور، وهذا الأمر هو ما حذرنا منه في مقال منشور لنا في هذه الصحيفة بتاريخ 28/7/2011 عندما قلنا أن الغائب الكبير عن البيان الوزاري للحكومة هو الالتزام بالسياسة المالية الرصينة والهادفة إلى تحقيق النمو واحتواء الزيادة في العجز والدين العام من خلال تحقيق فائض أولي يسهم في خفض الفوائد وخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.

 لقد عاد وزير المال من واشنطن حيث ساهم على رأس وفدٍ كبير في اجتماعات صندوق النقد الدولي التي ذكرتها في بداية هذا المقال، غير مدركٍ على ما يبدو لطبيعة التغيير الكبير الذي طرأ على توقعات معدلات النمو العالمية، بما فيها ما هو متوقع في منطقة الشرق الأوسط والتي راجع صندوق النقد الدولي نسبها انخفاضاً بحوالي 1% خلال فترة ثلاثة أشهر فقط.

 فالوزير الصفدي يعتبر في مشروع الموازنة المقترح أن النمو الحقيقي المقدر في العام 2012 سيكون في حدود 4% وهو ما يؤدي به في الحقيقة إلى المبالغة في تقدير الواردات وبالتالي المبالغة في تقدير خفض العجز المتوقع ونسبته ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي. فالواقع أن العام 2012 هو العام الذي تدل كل المؤشرات أنه العام الذي سيهبط فيه معدل النمو العالمي والإقليمي، وستستمر فيه على الأرجح الأزمة السورية التي تطول شظاياها الاقتصاد اللبناني كما تدل على ذلك كل المؤشرات. الغريب أن معالي الوزير يعتبر أن العام 2012 سيكون عاماً أفضل من العام 2011 حيث يقول أنه سيتحقق فيه نمو يوازي ضعف نسب النمو الذي ربما سيبلغ 1.5%- 2% مع نهاية هذا العام بأفضل تقدير. ومعدل النمو هذا العام سيأتي لكي يكون أدنى بنسبة 7 درجات مئوية من معدل نسبة النمو المحقق على مدى السنوات 2007- 2010 والذي بلغ 8.5% وكان أحد أعلى المعدلات المحققة في العالم خلال تلك السنوات.

 بذلك يبدو وزير المال كمن يعقد الآمال على سمك في بحر هائج لم ينجح في اصطياده بعد، بل حتى قبل أن يقنع حلفاؤه في الحكومة بتسليمه شبكة الصيد، وذلك من خلال الضرائب التي ما أن اقترحها حتى أسقطها شركاؤه سلفاً. إلاّ أن الغريب أن وزير المال وزع مغانم صيده النظري والافتراضي فزاد الإنفاق الجاري 13% في مشروع الموازنة للعام 2011 من دون ان يتقدم بأي بندٍ إصلاحي في الموازنة ومن دون أي توجه واضح لديه لزيادة الإنتاجية التي يحتاجها لبنان واقتصاده بإلحاح ليحافظ على ما تبقى من تنافسية في ظل ارتفاع الأجور من جهة وتأثيرات ذلك على تنافسية الاقتصاد اللبناني وارتفاع حدة المنافسة الإقليمية والعالمية من جهة أخرى.

 على ما نظن، فإنه من المرجح أن تسود المقاربة الشعبوية في مناقشات الموازنة لدى مجلس الوزراء فتقر ربما الزيادات في الإنفاق الجاري لا بل يضاف إليها إذا ما حصل وزير العمل على ما يريده وذلك من دون تحقيق أي زيادة تذكر في الإيرادات. فالزيادات على الإيرادات المتوقعة التي ستقر ستطال "القطاعات الريعية" برأي وزير العمل أي قطاعي المصارف والعقارات (مع اختلافنا الجذري في استعمال هذا التوصيف) حيث ستجتمع الحكومة وفي حمأتها من أجل إقرار هذه الرسوم والضرائب على ما سيساهم في تعجيل التباطؤ الحاصل في هذين القطاعين (بدل عكسه) وبالتالي على الاقتصاد الوطني ككل. وسيؤدي ذلك إلى انخفاض في مستوى الإيرادات المحققة لدى الخزينة منهما بدل زيادتها. وعلى كل حال لم ينتظر وزير المال نتيجة المناقشات، فهو أقرّ في مشروع الموازنة أن الإيرادات من القطاع العقاري ستنخفض في مشروع موازنته بنسبة 20% عن الإيرادات في العام 2011 ويدل ذلك مجدداً على تناقض كبير بينه وبين وزير العمل الذي يعقد الآمال على الإيرادات الضريبية العقارية لتمويل كلفة الضمان الصحي الكامل الذي يفترض أن تؤمنه الدولة من خزينتها ومن زيادة في ضرائب مفترضة لا توحي المؤشرات بإمكان تحققها!

 مما لا شكّ فيه، أن الوضوح في الرؤية والإدراك لحجم المخاطر والتحديات والوضع الذي يعاني منه الاقتصاد العالمي والإقليمي وتداعيات كل ذلك على الاقتصاد الوطني والمالية العامة غائب تماماً عن مقاربة الفريق الاقتصادي في هذه الحكومة والمتمثل بالثنائي وزير المال ووزير الاقتصاد. بينما المقاربة الاقتصادية المتهورة والمغلوطة والتي تأخذ البلاد واقتصادها حتماً على مسار مصير يوناني تغلب على فكر وزير العمل وفريق تكتل التغيير والإصلاح في الحكومة. وعلى هذه القواعد والفرضيات والمنطلقات أتت تسوية الأجور مجتزأة وعشوائية وستأتي الموازنة إذا ما أقرت في مجلس الوزراء وما بعدها وليداً هجيناً متسرعاً وغير ناضجاً (Half Baked Solutions) لسياسات وممارسات اقتصادية في غير زمانها وفي غير مكانها.

 ملاحظة أساسية يدركها العائد من اجتماعات واشنطن والمراقب لما يجري من حولنا في العالم من متغيرات وانشغالات وهو أن لبنان وفي هذه الآونة لم يعد أولوية على الصعيد العالمي بل ليس أولوية حتى على الصعيد الإقليمي. فالعرب مشغولون بربيعهم وهو لا يزال في مراحله الأولى، والغرب مشغول بأزمته الاقتصادية وبعدم قدرته بل بعجزه المالي. والواقع أن هذه قد تكون هي المرة الأولى على مدى العقدين الماضيين التي يواجه اللبنانيون فيها وحدهم استحقاقات هامة وداهمة ولا يمكن لهم أنهم يتوقعوا أن يسارع أشقاءهم وأصدقاءهم لنجدتهم في حال الحاجة إليهم. المقلق، بل المخيف وفي غياب شبكة النجاة، أن يتولى شؤونهم في هذه المرحلة بالذات تحالفٍ هجينٍ بين من لا يملك رؤية وبين من يدعي أنه يملك رؤية ولكن إن صحّ ذلك فهي حتماً رؤية خطيرة.

 

المصدر: صحيفة النهار / العدد 24544

التاريخ: 
سبت, 2011-10-22