الجريمة التي لا تغتفر: أكثر من 20 سنة تعطيل مشروع قيام الدولة الحديثة

-A A +A
Print Friendly and PDF

بقلم الدكتور مازن سويد*

 نشر مقال في هذه الصفحة بتاريخ 8/8/2011،  بعنوان: "الجريمة التي لا تغتفر: أكثر من 20 سنة من الخطأ في إدارة الشأن الاقتصادي". تناول كاتبه موضوع إهمال القطاعات الإنتاجية ويعني بذلك الزراعة والصناعة على مدى 20 عاماً، ويعدد من بين الأسباب "السياسة الاقتصادية الانفتاحية" وغيرها من السياسات التي غاب عنها "التعقل والإدراك للمصلحة الاقتصادية العليا للبنان".

 هذا الاتهام الشائع هو جزء من عمل منظومة تسعى إلى محاكمة فترة العشرين سنة الماضية وتحميلها مسؤولية الشوائب التي يعاني منها اقتصادنا الوطني، وهي عديدة من دون شك.

 في خضم هذه الاتهامات، لا بد لي من أن أعرض في هذه المقالة لبعض المسائل التي آمل أن تضع النقاش الاقتصادي على الصعيد الوطني في إطاره الصحيح، أي خارج المغالطات والمزايدات والطروحات الشعبوية والأفكار الموروثة من زمن آخر.

 ان تطوير وتعزيز القدرات الزراعية للبنان هو واجب وضرورة اجتماعية واقتصادية ولاسيما ان الارتفاع الحاصل على أسعار المواد الأولية والغذائية أعاد الاهتمام إلى مفاهيم كان قد تراجع الحديث عنها في وقت مضى كمفاهيم الأمن الغذائي. هذا التوجه يعيد الاعتبار إلى مبدأ أهمية تنوع وتعدد القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد وذلك بغض النظر أحياناً عن أهمية الميزة التفاضلية اتي يتمتع بها هذا القطاع أو ذاك في الاقتصاد الوطني.

 لقد عانى قطاع الزراعة في لبنان، ليس على مدى العشرين سنة السابقة فحسب، بل منذ منتصف القرن الفائت من مشاكل قديمة وشائكة لم تكن مرتبطة بالمشروع الاقتصادي الذي أُطلِق بعد نهاية الحرب الأهلية في التسعينات من القرن الماضي. ومن هذه المشاكل: تبعثر ملكية الأرض الزراعية (Fragmentation) وغلاء سعرها، وكلفة العمالة المرتفعة بالمقارنة مع البلدان المجاورة وصولاً إلى مشاكل أخرى كمشاكل الري وكلفته وضحالة الإرشاد الزراعي ومسألة اختيار البذار والمحاصيل الملائمة ومشاكل النقل والتمويل والتغليف والتسويق.

 ولقد قامت الحكومات اللبنانية المتتالية منذ العام 1992 بالعديد من المبادرات نذكر منها إنشاء مؤسسة كفالات التي أتاحت المجال للحصول على القروض المكفولة والتي بلغ مجموعها حوالي 750 مليون د.أ. بمنتصف العام 2011، وحيث تستحوذ الزراعة على حوالي 40% من مجمل هذه القروض، ويبلغ عدد المستفيدين حوالي 2500 مزارع. كما نذكر من ذلك أيضاً الجهد المالي الكبير المبذول لدعم الصادرات الزراعية عبر إيدال. كذلك أيضاً عملية تحديد وتحرير وكيل المناطق غير الممسوحة وغير المكالة فضلاً عن إعداد ومن ثم إقرار الخطة الشاملة لتنظيم الأراضي، وأخيراً لا آخراً دعم بعض المحاصيل الزراعية كالتبغ والقمح والشمندر السكري.

 ومع أهمية ما قامت به الدولة على هذا الصعيد إلاّ أن الظروف السياسية والأمنية التي سادت ولاسيما خلال السنوات العشرين الماضية حالت دون التقدم على مسارات أخرى كاستكمال عملية الضم والفرز في بعض المناطق وإزالة وتسوية التعديات وهي كلها قضايا تشكل مفتاحاً أساسياً لإطلاق طاقات لبنان ومن ضمنها طاقاته الزراعية وغيرها من المسائل التي يحتاجها هذا القطاع.

 في هذا الإطار يجب على أي خطة وطنية لتطوير وإنعاش قطاع الزراعة أن تعمل على مسارات متعددة وتتصدى في آن واحد إلى معالجة مشكلة عملية الضم والفرز وتصنيف الأراضي الزراعية وحمايتها وإلى تعزيز جهود مشاريع الري، وإلى مسألة الإرشاد الزراعي وتوجيه المزارعين للاهتمام بالأصناف الملائمة التي من الممكن أن تعوض الكلفة المرتفعة من خلال استهلاك أقل للمياه وإنتاجية أعلى ونوعية أفضل وجهد مضاعف على صعيد التسميد والأدوية الزراعية وصولاً إلى الأمور التي تتعلق بالتغليف والتسويق والتبريد والنقل.

 في ضوء ذلك، فإن على لبنان الانتقال وبسرعة من سياسة زراعية تفرضها الضغوط السياسية والقائمة على أسلوب الدعم ومنح الأفضليات وتوزيع الريوع (مثال دعم التبغ الذي يعتبره المقال المذكور مثالاً يحتذى به!)، إلى سياسة زراعية تقوم على الإنتاجية وتطوير الميزة التفاضلية لهذا القطاع وتطوير قدراته على المنافسة عالمياً بالأصناف والنوعية الملائمة لبيئته وأسواقه.

 يحتاج القطاع الصناعي أكثر من غيره إلى دولة مركزية قوية تفرض الاستقرار على المدى الطويل، وذلك بسبب الكلفة الثابتة المرتفعة (Fixed Cost) التي من غير الممكن استعادتها إلا على المدى المتوسط. وعلى ذلك، فقد دفع هذا القطاع في لبنان ثمن طبيعة تركيبة البلد السياسية وتكوينه الطائفي والتوازنات الدقيقة التي لطالما حكمته، والتي أنتجت وأدت معاً إلى نشوء دولة مركزية ضعيفة منذ الاستقلال. ومن الملفت أن الفترة الأكثر مساندة ودعماً للإنتاج الصناعي المحلي كانت تاريخياً خلال عهد الرئيس الراحل  فؤاد شهاب، حيث ارتفعت حصة الصناعة من 13% من الناتج المحلي إلى 17%، وقد تميزت تلك المرحلة ببروز لبنان كدولة أكثر قدرة وأكثر مركزية واستقراراً وأقل تأثراً بالمناخات الإقليمية المجاورة مما مكّن قطاع الصناعة من تحقيق معدلات نمو عالية.

 أما في فترة ما بعد الحرب، فقد حظيت عملية إعادة الإعمار واستنهاض القدرات وإعادة بناء البنى التحتية في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والمطار والموانئ إلى جانب التربية والصحة والأمن وهي جميعها قطاعات حيوية وأساسية لتطوير كل القطاعات الإنتاجية في لبنان، ومنها القطاع الصناعي. وقد تميزت هذه الفترة بأنها تحملت الكثير من الصدمات الداخلية والخارجية الحروب والعوائق التي زرعت في طريق حكومات ما بعد الحرب الداخلية.

 ولكن بالرغم من ذلك، لم تيأس الحكومات المتعاقبة من محاولة تحفيز الصناعة المحلية وهو ما تم ترجمته من خلال إقرار القانون رقم 360 لتشجيع الاستثمار في لبنان والذي يمنح حوافز ضريبية هامة ويخفض من رسوم العمل والسكن وتراخيص البناء كما يسهل عملية الحصول عليها، ويعطي إعفاءات وحوافز أخرى، ولاسيما للاستثمارات التي تتم  في المناطق المحرومة التي يدّعي المقال المذكور أنه "فات الحكومات المتعاقبة الالتفات إليها".

 وبالرغم من ذلك، وبعد حوالي عشر سنوات على إقراره، لم يؤد قانون تشجيع الاستثمار إلى نتائجه المرجوة. ويعود ذلك بالأساس إلى الظروف السياسية والأمنية التي مرت ولا تزال تعاني منها البلاد، والتي تؤخر قيام الدولة القوية والقادرة على توفير الأمن وبسط سلطة القانون على كامل البلاد. بل على العكس من ذلك، فالذي نشهده يشكل في الواقع ظروفاً معاكسة تؤدي إلى المزيد من دفع سلطة الدولة نحو التلاشي وكذلك إلى فقدان هيبتها وقدرتها على فرض الأمن والنظام والاستقرار.

 لا أحد ينكر أهمية القطاعات الزراعية والصناعة التقليدية وقدرتها على توفير فرص العمل ولاسيما في مناطق الأطراف وبين الفئات الأكثر تهميشاً. إلاّ انه من جهة أخرى، فإن حصر مفهوم "الإنتاج الاقتصادي" بالقطاعات التقليدية أصبح يتبدى أنه مفهوم قديم لا يتلاءم مع التطورات والمتغيرات التي شهدها العالم على مدى السنوات بل العقود الماضية. فالواقع أن كل عمل اقتصادي يؤدي إلى قيمة مضافة هو نوع من الإنتاج. والواقع أنه في ظل تطور الاقتصاد الرقمي واقتصاد المعرفة، فإن قطاع الخدمات ولاسيما تلك المتعلقة بالخدمات التكنولوجية والاتصالات وداتا المعلومات قد أضحت القطاعات حيث القيمة المضافة الأكبر هي التي تحظى باهتمام متزايد وتدفع بالاقتصاد كافة إلى تحقيق مستويات أعلى من النمو. ذلك ما أدى إلى أن يتلازم التطور الاقتصادي للكثير من الدول مع انخفاض نسبة إسهام الزراعة والصناعة في مكونات اقتصاداتها وارتفاع نسبة الخدمات في تكوين الناتج المحلي.

 في هذا الإطار أيضاً فإنه يجب أن لا ننسى ما واجهته الحكومات اللبنانية المتعاقبة من جهود مركزة لوضع العراقيل وعلى مدى العقدين الفائتين في وجه كل مبادرة أو مشروع سواء على صعيد إنشاء قرية التكنولوجيا في القريعة (الذي عورض بحجة أنه كان لشراء الأرض لتوطين الفلسطينيين!) أو بوجه إطلاق قدرات قطاع الاتصالات الذي كان لبنان رائداً فيه فأصبح اليوم يحتل المرتبة 19 على صعيد العالم العربي أي متقدماً فقط عن الصومال! وهنا لا بد من السؤال: من يمنع إطلاق طاقات هذا القطاع من خلال تحريره وخصخصته ومن يمنع قيام الهيئات الناظمة أو يعرقل عملها وهي الضرورية لإعادة صياغة دور الدولة الناظم والرقابي والبعيد عن الريعية والمحسوبية.

 أما في ما خصّ الاتفاقات التجارية الموقعة مع البلدان الأخرى، فإن التجربة اللبنانية المبنية على الانفتاح والتبادل التجاري والمالي الحر فإنها هي التي أثبتت نجاحها بالمقارنة مع ما كان عليه الحال لدى جميع البلدان العربية. وها هو لبنان الذي عانى ما عاناه بعد عقود من النزاعات والحروب والاعتداءات، يحافظ على أعلى مستوى للناتج المحلي للفرد على صعيد البلدان العربية غير النفطية. هذه التجربة التي أثبتت نجاحها حدت بالكثير من الدول، ومنها سوريا، إلى البدء بالاستغناء التدريجي عن الاقتصاد الموجه، وتحرير الاقتصاد (وهي العملية التي سادتها شوائب عديدة ليس هذا هو الوقت للتعرض إليها) والسعي إلى توقيع اتفاقات شراكة مع أوروبا كتلك التي يتم انتقادها من قبل البعض على أنها لم تكترث لصالح اللبنانيين. وكأن المستهلك اللبناني الذي تمكنه هذه الاتفاقات من الحصول على منتجات أكثر تنوعاً وجودة وبأسعار أكثر تنافسية، لا يُعدّ لبنانياً!

 يريد البعض محاكمة مرحلة كاملة وتصويرها على أنها السبب الرئيسي لكل المشاكل التي يعاني منها لبنان وهي مشاكل كثيرة وشائكة ومعقدة وبعضها يعود إلى فترة ما قبل استقلاله.

 ولكن المفارقة أن من يحكم اليوم كان هو ذاته من يضع العراقيل في الماضي في طريق نمو الاقتصاد الوطني وتطويره ويمنع كذلك قيام الدولة القادرة والقوية، كما يمنع قيام الدولة الحديثة التي تنطلق بلبنان إلى عصر التطور والتلاؤم الكامل مع المتغيرات الإقليمية والعالمية من خلال تبنٍ كامل لمفاهيم الاقتصاد الحديث ودور الدولة الرشيقة والفعّالة فيه الناظمة لحركة الاقتصاد والمحفزة لدور القطاع الخاص.

 هذه هي حقاً الجريمة التي لا تغتفر.

 

المصدر: صحيفة السفير/ العدد 11963

التاريخ: 
اثنين, 2011-08-15