"الميزان الأولي" الغائب الكبير عن البيان الوزاري

-A A +A
Print Friendly and PDF

بقلم الدكتور مازن سويد*

 غابت الرؤية الاقتصادية البعيدة النظر المدركة للتحديات عن بيان الحكومة لكنها لم تكن الغائب الوحيد.

 كما غابت تفاصيل برنامج الإصلاح الذي تزمع الحكومة تنفيذه وكذلك الإجراءات المحددة الكفيلة بالدفع في مساراته، لكنها كذلك لم تكن الغائب الآخر الوحيد.

 الغائب الكبير عن بيان الحكومة الذي تقدمت به من المجلس النيابي طلباً للثقة كان تجاهلها الكامل لاستعمال مصطلح بسيط وهام وكثير الدلالة وهو حساب الميزان الأولي وضرورة تحقيق فائض مطرد فيه. والحكومة في تغييبها لهذا المصطلح الهام عن بيانها الوزاري بما يعنيه من دلالات اقتصادية ومالية تدلل على غياب القدرة والإرادة وكذلك الرغبة والجدية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي المستدام. كما أنها تدلل أيضاً على عدم الإحاطة بما يجري في العالم من حول لبنان وعبر المتوسط من أحداث هامة وتاريخية على الصعد الاقتصادية والمالية والاجتماعية، تهدد أحد أهم التجارب الاقتصادية العالمية الحديثة وتحديداً العملة الأوروبية الموحدة وتزيد من احتمال تدهور الأوضاع المالية لدى بعض الدول الأوروبية وصولاً إلى إعلان التوقف عن الدفع. وكذلك تداعيات هذا الأمر على لبنان، ولاسيما إذا لم يتخذ لبنان الإجراءات اللازمة لتحصين اقتصاده وماليته العامة والعودة إلى السياسات التي تحقق النمو الاقتصادي.

 لقد كان ولا يزال حساب الميزان الأولي هو المعادلة الصعبة والمحور الذي ترتكز عليه السياسة المالية لأي بلدٍ يرغب في الخروج من دوامة تفاقم الدين العام بهدف تأمين استدامة الاستقرار المالي والنقدي.

 فالميزان الأولي هو ببساطة رصيد ميزان حساب الخزينة منزلاً منه مدفوعات الفوائد لخدمة الدين العام، وبكلام آخر هو مجموع الإيرادات التي تحققها الخزينة العامة في سنة معينة ناقص مجموع الإنفاق من خارج خدمة الدين العام في السنة ذاتها.

 على هذا فإن أي عجز في الميزان الأولي يعني في ما يعنيه أن الدولة غير قادرة على تأمين الموارد اللازمة والكافية لمواجهة حاجاتها المالية لإنفاقها الأولي من رواتب وأجور واستثمارات وإلى ما هنالك من مستحقات ومتوجبات لإدارة شؤون الدولة وتسييرها. وبالتالي فإن ذلك يعني أنه ينبغي على الدولة عندها الاستدانة لتغطية بعضاً من إنفاقها الأولي وكذلك تغطية مجمل إنفاقها الثانوي أي الإنفاق على خدمة الدين العام. وهذا الأمر هو مؤشر أكيد لتفاقم معضلة الدين العام وتزايده بوتيرة مرتفعة لا يستطيع الاقتصاد ولا المالية العامة على تحملها.

 هكذا تتضح كيف تصبح ثلاثية الميزان الأولي، نسبة الفائدة، ومعدل النمو الاقتصادي الحقيقيأساس احتساب ما يسمى باستدامة الدين العام (Debt Sustainability) ونسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعني مدى قدرة الدولة على الإيفاء بمتوجباتها لناحية خدمة الدين العام. هذا مع العلم أن الميزان الأولي هو أحد أهم العوامل التي تحدد معدلات الفائدة التي تكون مرتفعة نسبياً إذا كان الميزان الأولي يحقق عجزاً ومنخفضة نسبياً إذا كان الميزان الأولي يحقق فائضاً.

 على سبيل المثال، يشكل عجز بلد كاليونان عن تحقيق فائض مطرد في ميزانه الأولي السبب الرئيسي لعدم اقتناع المستثمرين بأن خطة الإنقاذ الأوروبية كافية لمنعه من الإفلاس، وبالتالي يعتقد معظم المراقبين والمستثمرين أن خفض كلفة خدمة الدين العام تستدعي، وبالإضافة إلى الحصول على التمويل اللازم للدين العام بفوائد مدعومة (وهو ما تحتويه خطة الإنقاذ الأوروبية من خلال تمويل لليونان بقيمة 115 مليار يورو) خفض مستوى الدين العام، وذلك من خلال إعادة هيكلته (وهو ما يعني أن يتحمل القطاع الخاص من المستثمرين في أدوات الدين العام بعض الخسارة من قيمة تلك الأدوات). ذلك ما يؤدي بالتالي إلى خفض كلفة خدمة الدين العام وهو ما يؤدي إلى تحقيق فائض مستدام في الميزان الأولي. إلا أنه وللتوصل إلى ذلك فإنه يعني القبول بمبدأ الإفلاس والتوقف عن الدفع لكامل مبلغ الدين أو ما يسمى بقبول المستثمرين بخسارة جزء من قيمة استثماراتهم وهو ما يرفضه المصرف المركزي الأوروبي بسبب تداعياته المحتملة على حملة أدوات الدين العام ومنهم المصارف الأوروبية وتداعيات كل ذلك على مستويات الثقة في النظام المالي الأوروبي وكذلك على صعيد الاقتصاد الأوروبي حاضراً ومستقبلاً.

 الواقع أن ما يجمع البلدان الأوروبية التي تتعرض حالياً لضغوط مالية ونقدية واقتصادية هو العجز في ميزانها الأولي حيث حقق اليونان عجزاً مقداره 2.4% من الناتج المحلي في العام 2010، وحققت أيرلندا عجزاً مقداره 9.1% من الناتج المحلي والبرتغال عجزاً قدره 5.2% من الناتج المحلي وإسبانيا عجزاً قدره 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته. وها هي إيطاليا، حيث العجز كان بسيطاً بنسبة 0.1% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2010 ولكنه يتزامن مع نسبة مرتفعة من الدين العام فاقت 120% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، تتعرض لضغوط صعبة تهدد ولأول مرة منذ خمسينات القرن الفائت أحد اقتصادات الدول الصناعية الكبرى السبع.

 هذا في أوروبا، أما في لبنان فللميزان الأولي قصة طويلة شائقة وشاقة. فبعد أن عانى لبنان من عجز في الميزان الأولي في العام 1992 وخاض تجربة هامة على مسار إعادة الإعمار وعمل من أجل تحفيز النمو الاقتصادي في السنوات اللاحقة بالرغم من قلة الواردات المتاحة لدى الخزينة، حدد الرئيس الراحل رفيق الحريري ومعه الرئيس السنيورة وزير المالية آنذاك أهمية تحقيق فائض في الميزان الأولي كأحد أهم أهداف موازنة العام 1996 حيث ورد في فذلكتها "فتحقيق فائض بسيط في حساب الموازنة الأولي يشكل خطوة أولى ومهمة في عملية الحد من نمو الدين العام" وهذا الدين العام، الذي ورثه الرئيس الحريري في مطلع العام 1993 والذي كان يساوي 3 مليار د.أ. وشكل 50% من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك، فإنه من ثم ارتفع بسبب الضغوط المالية التي تأتت بسبب قلة الواردات وزيادة الإنفاق من أجل إعادة الإعمار وتمويل التعديلات المتتالية والكبيرة للرواتب والأجور وزيادة حجم الإدارة وعديد القوى الأمنية والعسكرية وكذلك أيضاً لتمويل كلفة خدمة الدين القديم ودعم الكهرباء ومعالجة مشاكل التهجير ونتائج استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب.

 إلا أن هدف تحقيق فائض في الميزان الأولي في العام 1996 لم يعمر طويلاً حيث ما لبث أن تبدد بسبب حرب نيسان (عناقيد الغضب) التي شنتها إسرائيل على لبنان والتي زادت النفقات الأولية من جهة وأدت إلى ارتفاع الفوائد من جهة أخرى وهو الأمر الذي استمرت تداعياته في العام 1997. وقد أدت مفاعيل حرب نيسان في العام 1996 إلى تبديد الفائض الأولي الذي كان متوقعاً بنسبة 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 1996 لتسجل المالية العامة آنذاك عجزاً في الميزان الأولي بنسبة 0.66% من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام. ولكن العودة إلى شد الحزام في موازنة العام 1998 من خلال الإصلاحات التي أقرت على صعيد خفض الإنفاق الأولي، أدت إلى تقليص العجز في الميزان الأولي إلى 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أنه وعقب ذلك بددت السياسة المالية المتبعة في العامين 1999 و2000، التي أقصي خلالها الرئيس الحريري عن رئاسة الحكومة، ما كان قد تم التوصل إليه على صعيد الميزان الأولي في العام 1998، إذ عاد وتدهور الأمر وتحول الفائض المرتقب إلى عجزٍ مقلق وخطير يساوي 6.4% من الناتج المحلي في العام 2000، وهو الأمر الذي كاد أن يهدد بانهيار مالي واقتصادي ونقدي سيما وأن الدين العام كان قد وصل حجمه إلى ما يعادل 146% من الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته وذلك بسبب المنحى الكارثي الذي اتخذته الحكومة اللبنانية الأولى في عهد الرئيس لحود. ولقد حصل ذلك التدهور المالي من دون أن تؤدي السياسة المالية المتبعة في تلك السنتين إلى أي نمو اقتصادي بل بالعكس، أدتا إلى انكماش ونمو سلبي في الحركة الاقتصادية خلال العامين 1999- 2000 وذلك بالمقارنة مع معدل نمو كان في حدود الخمسة بالمائة على مدى عدة سنوات سابقة.

 لقد تمحورت أهداف الرئيس الراحل رفيق الحريري ومعه الرئيس السنيورة وزير المالية آنذاك ووزير الاقتصاد الراحل باسل فليحان منذ العام 2001 إلى العمل على خطين متوازيين: تفعيل النمو وتحقيق فائض مطرد ومستدام في الميزان الأولي، وهو ما أتاحته أيضاً نتائج مؤتمر باريس-IIالذي أدى إلى خفض كبير في كلفة خدمة الدين العام بعد أن كان قد جرى استحداث ونجاح إدخال وتطبيق ضريبة القيمة المضافة بحيث اقتنع المجتمع الدولي بجدية الخطة الإصلاحية الاقتصادية والمالية للحكومة اللبنانية وقابليتها للنجاح. ومنذ ذلك الحين بدأ الفائض في الميزان الأولي يحقق زيادة مطردة، حيث حقق ارتفاعاً نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في كل عام حتى العام 2009، ما عدا العام 2006 حيث أظهر الميزان الأولي عجزاً بسبب تداعيات حرب تموز. وهو قد نما من 0.29% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في العام 2001 إلى 3.2% في العام 2009 وهي أعلى نسبة يحققها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية في العام 1990. هذا وأدى حجب إيرادات الاتصالات إلى تدني الميزان الأولي  في العام 2010 وإلى تدهوره في النصف الأول من العام 2011.

 هذه هي باختصار قصة لبنان مع هذه المعادلة، معادلة الميزان الأولي الصعبة والتي تشكل المحور الأساسي في المالية العامة وتحديد دينامية الدين العام. فالميزان الأولي يختصر عقدين من العمل على صعيد الإصلاح المالي والاقتصادي ومقتضيات إعادة الإعمار وهو مثل في عجزه انعكاساً لما تحمله لبنان من حروب واعتداءات خارجية ومشاكسات ومناكفات داخلية أخذت البلاد أحياناً بعيداً عن التقدم وبعيداً عن مسارات الإصلاح ومسارات الازدهار وفي فائضه نجاح المعالجات الدؤوبة والمستمرة لمشكلة المالية العامة والنمو والتنمية المناطقية.  كما مثل انعكاساً للتجارب الاقتصادية البديلة التي تحكمت باقتصاده في العامين 1999 و2000 (والتي يبدو أنها تطل مجدداً عبر بيان الحكومة الجديدة) وهي التي أدت إلى انكماش اقتصادي وانفلاش مالي في تلك الفترة. وهذا الحساب بالذات يشهد اليوم أيضاً بداية التداعيات للتسوية السياسية الهشة في العام 2010 ولتلك الممارسات التي حصلت في الربع الأخير من العام 2010 وما تزال مستمرة إلى الآن وتظهر أعباءها على الميزان الأولى وعلى كل المؤشرات الاقتصادية والمالية.

 لقد كان يستحق هذا المصطلح الهام والخطير أن يتم ذكره وتناوله بدقة والتشديد عليه في بيان الحكومة العتيدة وهو كان بالتالي الغائب المالي والاقتصادي عن البيان الوزاري. وعلى ما يبدو فإن الالتزام بتحقيق الفائض المستدام والمتنامي في هذا الحساب سيكون الغائب الكبير عن مشروع موازنة العام 2012. وسوف تبرر الحكومة ذلك بمشروع موازنة العام 2010 وهي حجة لا يمكن الركون إليها حيث فرضت كلفة الوحدة الوطنية والتركيبة الهشة خيارات يفترض أن لا تعاني منها حكومة تتباهى بكونها متجانسة ومتآلفة كحكومة "كلنا للوطن كلنا للعمل".

 كلمة أخيرة للاتعاظ وهي أن تفاقم الأزمة في اليونان واحتمال امتدادها إلى إسبانيا واليوم إيطاليا يفرض علينا نحن في لبنان أن نتعلم من دروس الآخرين وليس فقط من دروسنا الماضية. وعلى هذا فإنه ينبغي أن ندرك أخطار التهور وعدم التبصر في ترتيب أعباء مالية دائمة على الاقتصاد الوطني وعلى المالية العامة.

 قد تفاجئنا الحكومة بموازنة تثبت أنها تدرك التحديات التي يواجهها لبنان والتحولات التي يمر بها العالم وهذا ما ندعو الله أن يمن علينا به وهو ما نأمله... ولكن نخشى أن يصحّ المثل الشعبي القائل "أن المكتوب يقرأ من عنوانه"... وإن غداً لناظره قريب.

المصدر: صحيفة  النهر/ العدد 24461

التاريخ: 
خميس, 2011-07-28