مطالعة اقتصادية لمشروع موازنة 2012

-A A +A
Print Friendly and PDF

 بقلم الدكتور مازن سويد*

قدم وزير المال مشروع موازنة العام 2012 لدراسته في مجلس الوزراء، وهي الموازنة الأولى التي تقترحها حكومة "كلنا للوطن، كلنا للعمل" والتي كان يمكن على أساسها ومن حيث المبدأ أن نستطلع حقيقة توجهاتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وفي ما يلي مطالعة اقتصادية ومالية لمشروع الموازنة كما قدم وكما ستناقشه الحكومة. وتحتوي هذه المطالعة على خمسة أقسام:

أولاً:الإطار الاقتصادي العام.

ثانياً:توقعات النمو والتضخم.

ثالثاً:سياسة الحكومة لناحية الإيرادات.

رابعاً:سياسة الحكومة لناحية النفقات.

خامساً:الخلاصة والتوصيات.

 

أولاً: في الإطار الاقتصادي العام:

تفتقر الموازنة إلى التصور الاقتصادي المتكامل الذي يظهر سياسة الحكومة فيما يتعلق بأمور أساسية ومنها دور الدولة في الاقتصاد والدور المناط بالقطاع الخاص، وسياستها في ما يتعلق بالاستثمارات وسياستها فيما يختص بالرواتب والأجور وغيرها من التوجهات الإستراتيجية للحكومة على المدى المتوسط. وزيادة على ذلك فهي، أي الموازنة، تفتقر إلى الإطار الماكروالاقتصادي العام الذي يفترض أن يبين تصور الحكومة للفترة المقبلة والذي يفترض أيضاً أن يحتوي على توقعاتها بالنسبة للمؤشرات الاقتصادية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات مقبلة. إن هذا هو ما يفترض أن يدل على التوجه العام للحكومة في المدى المتوسط وعلى أساس منه تأتي الموازنة لتكون في إطار هذا التوجه العام وعندها تكون أداة لتطبيق سياسات اقتصادية ومالية ذات أهداف محددة تتعلق بعدد معين من المؤشرات.

 على هذا، لا تقدم الحكومة في مشروع موازنتها للعام 2012 تصوراً متوسط الأمد لكيفية خفض المستوى المرتفع للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، وحول ما إذا كانت ستعتمد لتحقيق ذلك على السياسات المالية أم على سياسة تشجيع وتحفيز النمو، وهذان خياران مختلفان لكل منهما تداعيات مختلفة على صعيد أولويات الحكومة الاقتصادية. فمبادرة الحكومة مثلاً لجعل النمو الاقتصادي أولوية لها يحدد سياسات مالية واقتصادية تختلف عن تلك التي حددتها الحكومة في هذه الموازنة كما سنفصل لاحقاً.

 ويشكل غياب هذا الإطار الماكرواقتصادي عن الموازنة نقطة ضعف في ظل ما يشهده العالم من تطورات اقتصادية تاريخية وشديدة الأهمية بمدلولاتها وتداعياتها. والحكومة بذلك، ومن خلال هذه الموازنة، تفشل في النظر إلى لبنان في ضوء ما يجري حوله في المنطقة وفي العالم من متغيرات وتأثيرات ذلك على لبنان الذي هو من البلدان العربية الأكثر تأثراً بما يجري من حوله وذلك بحكم انفتاح اقتصاده وطبيعة مكوناته وليبرالية نظامه المالي والمصرفي وهي من جملة الصفات التي ميزته وميزت اقتصاده منذ ما قبل الاستقلال.

 إن غياب الإطار الماكرواقتصادي الذي يبين التوجه العام للحكومة وسياساتها ويربط الموازنة ومنطلقاتها وأهدافها بما يجري حولنا من تطورات خطيرة ولها انعكاسات على لبنان يدل على فقدان هذه الحكومة للرؤية الاقتصادية الواضحة وهو ما دل عليه أيضاً وافتقر إليه بيانها الوزاري، وتدل عليه ويا للأسف مجدداً الموازنة الأولى التي تقدمها هذه الحكومة.

  

ثانياً: في توقعات النمو والتضخم:

إن غياب الرؤية وتجاهل المتغيرات الإقليمية والعالمية وتداعياتها وانعكاسات ذلك كله على لبنان أدى إلى أن تقع الحكومة في خطأ خطير وهو خطأ المبالغة في أرقام النمو والتضخم، والتي بدورها تؤدي إلى تضخيم تقدير الإيرادات المتوقعة وبالتالي إلى تخفيضٍ مُبالغٍ به في نسبتي العجز إلى الناتج المحلي والدين العام إلى الناتج المحلي حيث تتوقع الحكومة أن ينخفضا إلى 8.1% و132% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك من 9.4% و135% في العام 2010 بحسب الموازنة.

 والواقع أن جميع المؤشرات الاقتصادية تدل على أن النمو المتوقع في العام 2011 لن يتجاوز 2% بأفضل تقدير وذلك بالرغم من الدفع الايجابي الذي كان ما يزال متوافراً من العام 2010 الذي حقق خلاله لبنان نمواً تجاوز 8% بحسب التقديرات وبعد تحقيق معدلات نمو غير مسبوقة ومستمرة في الأعوام 2007 (7.5%) و2008 (9.3%) و2009 (8.5%).

 وللدلالة على تدهور معدل النمو في العام 2011، نورد أدناه بعض المؤشرات الأساسية التي تدل على ضعف الحركة الاقتصادية في هذا العام:

  • نما معدل مؤشر الحركة الاقتصادية الذي يعده مصرف لبنان (coincident indicator) بنسبة 1.78% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2011 وذلك مقارنة بنسبة نمو قدرها 13.1% في الفترة ذاتها من العام 2010.
  • نما مجموع مبالغ شيكات المقاصة بنسبة 2.9% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2011 مقارنة بنمو 32.29% في الأشهر السبع الأولى من العام 2010. ويجدر التذكير أن هذا المؤشر هو اسمي وبالتالي يدل على تدهور كبير في حركة الاقتصاد الحقيقي إذ بلغ معدل التضخم حوالي 4.8% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011.
  • انخفضت عائدات الجمارك بنسبة 23.3% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2011 مقارنة بنمو بنسبة قدرها 7.4% في الفترة ذاتها من العام 2010.
  • نمت الصادرات بنسبة 5.6% في الشهر الثمانية الأولى من العام 2011 وذلك مقارنة بنسبة نمو قدرها 26.4% في الفترة ذاتها من العام 2010.
  • نمت الواردات بنسبة 6.3% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011 وذلك مقارنة بنمو بنسبة 10.6% في الفترة ذاتها من العام 2010.

 ويبين الجدول أدناه بعض المؤشرات الاقتصادية على مدى الأشهر الثمانية الأولى من السنوات الخمس الماضية:

 

 

نسب النمو السنوي المقارن المحقق

حتى نهاية آب من العوام 2007- 2011

 

2007

2008

2009

2010

2011

مؤشر مصرف لبنان للحركة الاقتصادية

%0.83-

%9.8

%13.9

%13.1

%1.8

شيكات المقاصة

%3.2

%41.4

%3

%32

%2.9

واردات الجمارك

%18.5

%5.5

%99.8

%7.3

%23.3-

الصادرات

%17.3

33.4%

%7.7

%26.3

%6.6

الواردات

%27.6

%37.2

%3.5

%10.6

%6.3

 

 والواقع أن الفريق الذي تمثله هذه الحكومة يتحمل المسؤولية الكبرى عن تدهور الحركة الاقتصادية من خلال ما قاموا به لجهة رفع حدة التوتر السياسي وبالأخص منذ صيف العام 2010 عندما تصاعدت لغة التخوين والتشكيك بالمحكمة الدولية والإمعان في افتعال معارك لا يقصد منها سوى النيل من مرحلة سابقة وما رافق ذلك من تهديدات وإيحاءات باستعمال السلاح وصولاً إلى إسقاط الحكومة السابقة والظروف التي رافقت تشكيل الحكومة الحالية. كذلك فقد أسهمت الممارسات على الأرض والتي شجعت عليها وغضت النظر عنها قوى ممثلة في هذه الحكومة بما أسهم في إضعاف الدولة والنيل من هيبتها. هذا إضافة إلى عدم وضوح السياسات الاقتصادية والمالية والقطاعية والاجتماعية للحكومة والمواقف المتناقضة التي تصدر عن أركان الحكومة، وجميعها عوامل أدت إلى إضعاف عامل الثقة في الدولة وهو العامل الأهم والأكثر فعالية في إطلاق حيوية الاقتصاد اللبناني كما دلت على ذلك تجارب سنوات وعقود ماضية.

 في ظل هذه المؤشرات، لا بد لنا أن نتساءل، كيف تتوقع الموازنة نسبة نمو حقيقية بنسبة 4% في العام 2012 في ظل ظروف إقليمية وعالمية من المرجح أنها ستكون أصعب من تلك التي كانت متوافرة في العالم 2011. فمن المستغرب أن الوفد اللبناني الرسمي الكبير (حجماً) الذي عاد لتوه من اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن في أيلول لم يتنبه إلى أن صندوق النقد الدولي خفّض نسبة النمو المتوقعة للعام 2012 في البلدان الصناعية من 2.6% (كما ورد في تقرير حزيران 2011) إلى 1.9 % (كما ورد في تقرير أيلول 2011) كما خفض نسبة النمو المتوقعة للعام 2012 في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 4.4% (كما ورد في تقرير حزيران 2011) إلى 3.6% (كما ورد في تقرير أيلول 2012) وهي نسب تدل على تراجع كبير إذا ما أخذنا بعين الاعتبار قصر المدة (3 أشهر) التي تمت خلالها مراجعة هذه التوقعات. وهذه النسبة مرشحة على ما يبدو للمراجعة سلباً مجدداً كلما ساء وضع الاقتصاد العالمي كما تشير معظم المؤشرات.

 نقول هذا ولم نتطرق بعد إلى تأزم الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية في سوريا وهي التي يبدو أنها مرشحة للاستمرار على هذا المنوال لمدة قد تطول كما تدل المؤشرات الأمنية والسياسية وما يترتب على ذلك من تداعيات على الاقتصاد اللبناني على ثلاث صعد أساسية:

1) حركة التصدير.

2) حركة السياحة.

3) حركة الاستثمار الخارجي المباشر.

 ولقد دلت جميع المؤشرات المتوافرة حتى الآن إلى تأثر واضح لحركة الاقتصاد اللبناني بالوضع السوري على هذه الصعد الثلاث:

  1. على صعيد الصادرات، انخفضت الصادرات اللبنانية إلى سوريا بنسبة 8.2% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011 كما انخفضت الصادرات اللبنانية إلى سائر الدول العربية بنسبة 11.7% وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2010.
  2. على صعيد الحركة السياحية، دلت الأرقام الصادرة عن وزارة السياحة على انخفاض عدد السواح القادمين إلى لبنان بنسبة 24.5% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011 مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2010، وقد تأثر العرب بنسبة اكبر إذ تدنى عدد السواح العرب بنسبة 40.2% في هذه الفترة.
  3. توقعت مؤسسة UNCTADوبناء على الأرقام المتوافرة حتى الفصل الثالث من العام 2011 تدني حجم الاستثمار الخارجي المباشر المتجه إلى لبنان من 4.9 مليار د.أ. في العام 2010 إلى ما لا يزيد عن 3 مليار د.أ في العام 2011 أي بنسبة انخفاض 40%.

 هذا في ما خص النمو أما في ما خص نسبة التضخم السنوي والتي بلغ معدلها4.8% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011 و كانت قد بلغت ذروة 6% في شهر حزيران 2011 ومن ثم سجلت انخفاضاً في شهري تموز وآب حيث بلغت 5.5%. وهي مرشحة للمزيد من الانحدار في ظل انحسار الحركة الاقتصادية- ولكن أيضاً وهنا الأهم، في ظل تدهور وضع الاقتصاد العالمي ومعه أسعار المواد الأولية والتي يتأثر بها إلى حد بعيد عامل التضخم في لبنان بحكم أن اللبنانيين يشبعون 32% من مجمل طلبهم على السلع والخدمات من خلال الاستيراد (أرقام الحسابات الوطنية للعام 2009: مجمل الطلب= 51 مليار د.أ.، مجمل الاستيراد= 16.7 مليار د.أ).

 من جهة أخرى، فقد راجع أيضاً صندوق النقد الدولي توقعاته لسعر النفط العالمي وكذلك أيضاً لأسعار المواد الأولية الأخرى. وفي هذا الإطار يتوقع الصندوق أن يتراجع معدل سعر النفط في العام 2012 بنسبة 3.1% عن معدل سعره في العام 2011 (بمراجعة -2.1 %بين تقرير حزيران وتقرير أيلول 2011) كما يتوقع أن يتراجع معدل أسعار المواد الأولية غير النفطية في العام 2012 بنسبة 4.7% عن معدل العام 2011 (بمراجعة - 1.4% بين حزيران وأيلول 2011).

 وتدل هذه المؤشرات على أن نسبة التضخم مرشحة للانحدار، الأمر الذي حدا بالمصرف المركزي الأميركي وبالمصرف المركزي البريطاني أن يستمرا بسياسة Quantitative Easingالنقدية التوسعية، وذلك ما حدا أيضاً بالمصرف المركزي الأوروبي (المحافظ جداً) إلى الإشارة بأنه مستعد لتخفيض معدل الفائدة في أول فرصة تتيح له ذلك وهو موقف أخرجه من السياسة النقدية المتشددة إلى سياسة نقدية أكثر ليونة لإدراكه أن التحدي الأكبر الذي يواجهه الاقتصاد الأوروبي اليوم هو لناحية العمل على تعزيز النمو لا مكافحة التضخم.

 في هذا الإطار، وفي ظل مراجعة سلبية لمعدلات النمو والتضخم العالمية والإقليمية، فاجأنا مشروع الموازنة بمعدلات متوقعة مرتفعة للنمو (4%) وللتضخم (5%) وهي بذلك تضخم تقدير الإيرادات وتخفض من تقدير ارتفاع العجز والدين العام – وهو ما يدل إما على عدم إلمام بالمنحى الذي يتخذه الاقتصاد العالمي والإقليمي، وإما عن تجاهل لهذا المنحى بهدف تجميل للأرقام وهما أمران كلاهما يدل على مقاربة خاطئة وغير مسؤولة للشأن المالي والاقتصادي.

 

ثالثاً: سياسة الحكومة في ما خص الإيرادات:

لقد ساهم في تحقيق النمو الاقتصادي على مدى السنوات الأربع الماضية قطاعين أساسين ساعدا بشكل كبير على تحقيق معدلات النمو المرتفعة وهما قطاعي المصارف والبناء وهما القطاعان اللذان يعانيان مشاكل ضخمة على صعيد الاقتصاد العالمي، بينما يمران بمرحلة من تباطؤ النمو (وليس الركود كما الحال عالمياً) في لبنان. ولذلك فإن المطلوب هو تحفيزهما والمحافظة على المكتسبات التي تحققت من خلالهما في الأعوام الماضية. على هذا يبدو من المستغرب أن نجد أن سياسة الحكومة الضريبية تستهدف هذين القطاعين بشكل مركز وذلك من خلال رفع الضريبة على فوائد الحسابات الدائنة لدى المصارف من 5% إلى 8% وفرض ضريبة بمعدل 3% على القيم الناتجة عن تفرغ الأشخاص الطبيعيين والمعنويين عن العقارات وكذلك استيفاء زيادة على رسم انتقال العقارات المبنية في الدوائر العقارية على أساس القيمة التأجيرية للعقار مضروبة بالرقم 20. وهي بذلك تعطي في الواقع دوافع للبائع تماماً كما للشاري بعدم التصريح الصحيح وبعدم الشفافية في الإفصاح عن سعر المبيع وبالميل إلى التصريح عن سعر أقل من السعر الحقيقي.

 وتدل تجارب لبنان في قطاعات مختلفة، وحتى تجارب بلدان أخرى على أن رفع الضرائب إذا لم يكن مدروساً يؤدي إلى تدني مجموع الضرائب المحصلة وذلك تأثراً إما بالتهريب وإما بتأثير ذلك على الحركة الاقتصادية.

 في ضوء ذلك، نرى أن سياسة الحكومة الضريبية التي انبنى عليها مشروع الموازنة يسهم في تباطؤ النمو في القطاع المصرفي وفي قطاع البناء في وقت يحتاج هذان القطاعان إلى تنبه وتحفيز ليعكس هذا المنحنى في التباطؤ.

 فعلى صعيد القطاع المصرفي، زادت ودائع المودعين في القطاع (ودائع القطاع الخاص) بمعدل 9.9% في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2012 وهي نسبة أدنى حتى من تلك التي تحققت في العام 2007 (على الرغم من الظروف السياسية والأمنية الصعبة السائدة آنذاك) والتي بلغت 12.3% في الفترة ذاتها، ومن ثم إلى 16% في العام 2008 و 19% في العام 2009 و15% في العام 2010 ودائماً في الفترة ذاتها أي في الأشهر الثمانية الأولى من العام.

 ولقد تأثرت حركة نمو الودائع بانخفاض التحويلات المالية إلى لبنان بحيث حقق ميزان المدفوعات عجزاً وقدره 1237– مليون د.أ في الأشهر الثمانية الأولى من العام 2011 هو الأول منذ العام 2007 عندما حقق هذا الميزان فائض 290 مليون د.أ في الفترة ذاتها، ومن ثم فائضاً وقدره 2013 مليون د.أ في العام 2008، وفائضاً وقدره 4367 مليون د.أ في العام 2009 وفائضاً وقدره 2754 مليون د.أ في العام 2010 ودائماً في الفترة ذاتها.

 أما في ما خص قطاع البناء وهو القطاع الذي يشكل 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي (أرقام الحسابات الوطنية في العام 2009) فقد حقق معدل نمو خلال سنوات 2007- 2009 في حدود 28% فإن جميع المؤشرات تشير إلى تباطؤ ملحوظ في العام 2011 ومنها:

  • تدني إيرادات التسجيل العقاري بنسبة 9.8% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2011 مقارنة مع ذات الفترة من العام 2010، وهي التي حققت نمواً بنسبة 80% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2010 مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2009.
  • انخفاض المساحة المرخصة للبناء بنسبة حوالي 4% في الأشهر السبعة الأولى من العام 2011 مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2010، وهي كانت قد ارتفعت بنسبة 48.5% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2010.
  • انخفض عدد العقارات المباعة من 45,939 في النصف الأول من العام 2010 إلى 37,386 في النصف الأول من العام 2011 أي بنسبة انخفاض 18%.

 

طبعاً يبقى الأخطر برأينا، هو زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10% إلى 12% كما يقترح مشروع الموازنة.

 لا بدّ لنا في البداية وفي هذا الخصوص من القول بأننا لا نختلف في المبدأ على زيادة هذه الضريبة التي تعتبر من الأدنى في العالم ولكن السؤال الحقيقي هو هل هو التوقيت المؤاتي الآن لرفعها في هذا الوقت تحديداً الذي يتجه فيه الاقتصاد العالمي والإقليمي والمحلي إلى مزيد من التباطؤ. أو لم يكن من الأجدى رفعها في العام 2010 عندما كانت نسبة النمو الاقتصادي تفوق 8% وقد تعرض حينها الرئيس الحريري إلى حملة دفعته إلى التخلي عن هذه الزيادة في ظل ظروف كانت أكثر مؤاتية مما هي عليه اليوم. والملفت أن من كان وراء تلك الحملة هم ذاتهم الأشخاص الذين يقترحونها الآن في ظروف اقتصادية أقل مؤاتية. على كل حال، تتجه معظم الحكومات في العالم في هذه الآونة إلى العودة إلى سياسات تخفيض الضرائب وإعطاء حوافز للاستهلاك وهذا الأمر علينا التنبه إليه في لبنان حيث يشكل الاستهلاك 83% من الناتج المحلي الإجمالي (أرقام الحسابات الوطنية 2009 مجمل الاستهلاك= 28.9 مليار د.أ، الناتج المحلي الإجمالي= 34.9 مليار د.أ).

 وبالتالي فإن زيادة هذه الضريبة في ظل هذه الأوضاع المحلية والعالمية يشكل خطراً على معدل النمو الذي تراجع والذي هو مرشح إلى المزيد من التراجع كما فصلنا سابقاً. وبهذا تكون الحكومة تتبع سياسة مالية pro-cyclicalأي سياسة مالية تزيد من حدة التقلبات بدلاً من إتباع سياسة مالية counter-cyclicalأي سياسة مالية تحد من تداعيات وحدة التقلبات الاقتصادية.

 

رابعاً: سياسة الحكومة المتعلقة بالانفاق

تحتوي الموازنة على ارتفاع ملحوظ في الإنفاق الجاري الذي زاد بنسبة تقارب 13% (من دون لحظ الزيادة المرتقبة على الرواتب والأجور). وهذه الزيادة موزعة بطريقة أفقية مما يدل على أن الحكومة تسعى إلى استرضاء اكبر عدد من المستفيدين وأولهم الوزراء وكتلهم النيابية بينما المطلوب في ظل الظروف المالية المحلية والعالمية إلى ترشيد الإنفاق الجاري لا زيادته من خلال السير قدماً لسياسة الإصلاح الحقيقي لمختلف القطاعات – تربية وصحة وشؤون اجتماعية. أما إذا كان لا بد من زيادة الإنفاق فالأحرى أن تكون أي زيادة في الإنفاق الجاري موجهة (targeted) ومرتبطة بخطوات إصلاحية غائبة عن مشروع الموازنة. أما في ما خص الإنفاق الاستثماري فهو قد انخفض بنسبة تقارب 6% عن مشروع موازنة 2011. ولكن أيضاً لا يرتبط هذا الإنفاق بإصلاحات محددة ولاسيما في القطاعات الحيوية كالطاقة والاتصالات والنقل ولاسيما لجهة إطلاق دور حيوي وفاعل ومنظم للقطاع الخاص في هذه القطاعات.

 ففي قطاع الطاقة تم فتح اعتماد دفع مبلغ 460 مليار ليرة كما نصّ قانون الكهرباء وذلك بناء على خطة الكهرباء التي مازالت حتى اليوم تفتقر إلى التفاصيل وإلى وضع التصور الواضح في ما خصّ أمور أساسية في مسألة توليد الطاقة وأماكنها ونوعية المحروقات التي سيتم على أساسها توليد الطاقة، موضوع إعادة تأهيل المعامل الحالية، سياسة الحكومة في ما خصّ النقل والتوزيع ودور القطاع الخاص في ذلك بعيداً عن المحسوبيات والانتماء السياسي وصولاً إلى حلّ مسألة تعديل التعرفة وتحسين الجباية ومعالجة الهدر التقني وغير التقني ومصادر التمويل التي سيصار إلى اعتمادها. وسوف تكون القدرة على الحصول على تمويل من الصناديق المعيار الذي على أساسه سنقيّم شفافية وجدوى وحُسن تطبيق هذا الإنفاق.

 أما في قطاع الاتصالات فما زالت الحكومة تصر على عدم تطبيق قانون الاتصالات الصادر في العام 2002 (رقم 431) لجهة تحرير هذا القطاع وإشراك القطاع الخاص وتأسيس شركة Liban Telecom. وها هي المشاكل التي يواجهها المواطنون لناحية خدمات الانترنت الدليل الأكبر على عجز الدولة عن تحقيق القفزة النوعية التي يحتاجها هذا القطاع، وبالتالي فإن تخصيص مبلغ 563 مليار ليرة كما لحظ مشروع الموازنة هو بمثابة استمرار في النهج الخاطئ بينما المطلوب التنفيذ الفوري للقانون.

 أما في مجال النقل فلفتنا لحظ قانون برنامج جديد لشراء باصات بمبلغ 50 مليار ليرة موزع عن 3 سنوات وهو توجه خاطئ في القطاع الذي يحتاج إيلاء أمره إلى مبادرة من القطاع العام وعبر الهيئة المستقلة لإدارة النقل البري الداخلي وإلى إيلاء دور فعال ومبادر. فلقد ثبت ومن التجربة أن الدولة غير قادرة وحدها على إدارة هذا القطاع وذلك في ضوء غياب خطة شاملة تقارب موضوع النقل بمختلف جوانبه: طرقات، جسور، سكك حديد، نقل مشترك، وهيئة ناظمة ومرة ثانية فإن التجارب السابقة للنقل المشترك كفيلة بإيضاح الأمر.

 لقد زادت الحكومة الإنفاق بطريقة تسعى إلى استرضاء مختلف القوى المشاركة فيها، وهي بذلك توزع الغنائم بدلاً من تطبيق القوانين والسير قدماً بعملية الإصلاح الضروري ولاسيما في ظل تفشي أزمة الديون السيادية الأوروبية.

 وهي أي الموازنة، وفي فذلكتها، تحمّل الحكومات السابقة مسؤولية الخروج "عن أصول الإنفاق وعدم حسن إدارة المال العام والشفافية"، فتعيد ذكر مبلغ 11 مليار د.أ. وهو المبلغ الذي أضحى اليوم أكثر من ذلك بكثير وهذا المبلغ شاركت في إنفاقه 3 حكومات، شاركت فيها القوى المشكلة لهذه الحكومة وبثلث معطل في حكومتين سابقتين (حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية 2008 وحكومة الرئيس سعد الحريري 2009) كما أن هذه الحكومة الحالية قد صرفت منذ أن نالت الثقة وعلى مدى أكثر من 4 أشهر، أكثر مما أقرته موازنة 2005، فإذا أخذنا فقط الشهرين اللذين تتوافر عنهما الأرقام المالية المنشورة أي حزيران وتموز 2011 يكون مجموع الإنفاق 1.7 مليار د.أ بينما تجيز موازنة 2005 صرف 550 مليون د.أ على أساس القاعدة الاثني عشر، وبذلك تكون هذه الحكومة قد تجاوزت وفي شهرين فقط هذه القاعدة بمبلغ 600 مليون د.أ، أي بمعدل 300 مليون د.أ في الشهر، بينما تجاوزت حكومتي الرئيس السنيورة هذا الإنفاق بمعدل 229 مليون د.أ شهرياً! وقد انتقد أركان هذه الحكومة الإنفاق على أساس سلفات الخزينة لتسيير شؤون الدولة وتأمين حاجات المواطنين عندما كانوا في الأقلية، بينما استمر الصرف على هذا الأساس بمبلغ 533 مليار ليرة حتى الآن وهي جميعها أمور تذكرنا بذلك القول أن القيادة من المقعد الخلفي تختلف عن القيادة من المقعد الأمامي.

 

خامساً: الخلاصة والتوصيات

  • تدل تجربة الاقتصاد اللبناني على مدى السنوات العشرين الماضية، والتي تم تحليلها بتفصيل في كتاب "مشروع لبنان الاقتصادي" إن الاقتصاد اللبناني يتأثر سلباً بالسياسة الضريبية المتشددة ولا يتأثر إيجاباً بزيادة الإنفاق الجاري.

أي بمعنى آخر، تدل تجربة لبنان الاقتصادية على أن الأثر الاقتصادي الأكثر إيجاباً للسياسة المالية يكون من خلال ترشيد الإنفاق والحد من وقع الضرائب على الطبقات الوسطى والتي تشكل العامود الفقري في الاقتصاد الوطني.

لذلك نرى أن ما تقوم به هذه الحكومة من خلال مشروع موازنة العام 2012 هو خطير جداً وله تداعيات قد تكون كارثية على الاقتصاد الوطني إذ إن الحكومة تطبق سياسة مالية معاكسة للسياسة الأمثل الواجب اعتمادها ضمن الظروف الراهنة وذلك على كل من الصعيدين: الضريبي والانفاقي. فهي ترفع الضرائب، فتساهم بانكماش معدل النمو، وتزيد الإنفاق الجاري فلا تساهم بتعزيزه بالقدر اللازم.

  • إن زيادة الإنفاق الاستثماري ضروري في لبنان وذلك بسبب الحاجة الكبيرة للاقتصاد اللبناني واللبنانيين على صعيد البنى التحتية والقطاعات الحيوية ولكن الطريقة الأمثل تكون من خلال إشراك القطاع الخاص وذلك من خلال تطبيق القوانين الصادرة عن مجلس النواب وبالأخص القانون 431 (قانون الاتصالات) والقانون 462 (قانون تنظيم قانون الكهرباء) لا الالتفاف عليهما كما يتم اليوم. كما أن ذلك يتم من خلال وضع خطة شاملة لقطاع النقل وإشراك القطاع الخاص بتمويله وتنفيذه وإدارته، وبدعم من الدولة إذا احتاج الأمر، لا استرضاء هذا الفريق أو ذاك من خلال إقرار قوانين برامج جديدة في هذا المجال.
  • إن تعزيز القطاعات الإنتاجية يكون أولاً من خلال إعلاء شأن القانون على كامل الأراضي اللبنانية، وتعزيز سلطة الدولة وإشعار المستثمرين والمواطنين بالأمان وبسلطة وسيادة القانون حتى تتم المباشرة بالاستثمارات الطويلة الأمد التي تحتاجها القطاعات الإنتاجية- وهو أمر لا يمكن أن يتم ما زال لبنان عضواً في سياسة المحاور التي تجعله عرضة للاهتزاز أو التهديد الدائم. وتدل تجربة مؤسسة إيدال وقانون الاستثمار 360 بأن كل الحوافز التي أعطيت للاستثمار في المناطق المهمشة لم تؤد إلى زيادة مهمة في حجم الاستثمار وذلك يعود بالأساس إلى عدم الشعور بالثقة والاستقرار لدى المستثمرين في ظلّ ازدواجية السلاح وتفرد البعض بقرارات الحرب والسلم بعيداً عن سلطة الدولة واعتماد سياسة "الجرح المفتوح" التي تجعل من لبنان دوماً ساحة لتمرير الرسائل وتصفية الحسابات.
  • إن ما يجري حولنا في العالم العربي يستدعي وقفة للتأمل ولاستخلاص العبر لناحية اعتماد الإجراءات المؤسساتية لمحاربة الفساد وتعزيز دور المؤسسات وتطبيق مفاهيم الحوكمة- فالاستقرار الماكرواقتصادي لا يكفي إذا لم يستكمل بالإصلاح الحقيقي على صعيد الإدارة والقضاء والمحاسبة على أساس الأداء والتعيين في المواقع الأساسية على أساس الكفاءة وديمقراطية الجدارة.
  • إن ما يجري أيضاً حولنا في العالم من أزمة ديون سيادية في أوروبا وتهديد للمصارف الكبرى العالمية وما يتخوف منه الكثيرون من ركود طويل الأمد على صعيد الاقتصاد العالمي، يستوجب رؤية واضحة ومدركة لحجم ومدى التحديات وتكون قادرة على استيلاد الفرص من رحم المأزق والمشاكل، وهو ما تفتقره هذه الحكومة كما دل بيانها وكما يدل بطريقة فاضحة مشروع موازنتها الأولى.
التاريخ: 
ثلاثاء, 2011-10-11