مطالعة في موضوع تصحيح وزيادة الأجور

-A A +A
Print Friendly and PDF

بقلم الدكتور مازن سويد*

أعاد قرار مجلس شورى الدولة ملف الأجور إلى المربع الأول، كاشفاً المقاربة المستعجلة وغير المدروسة للحكومة. وهي المقاربة التي لم ترض من جهة أولى أرباب العمل بسبب انعكاسها الكبير على كلفة الإنتاج ومن ثمّ على الأسعار وعلى مستوى الإنتاجية وكذلك لتعارضها مع مبدأ حرية التعاقد بين العمال وأصحاب العمل. وهي لم ترض العمال من جهة ثانية بسبب إخلالها بمفهوم التراتبية الوظيفية والمساواة بين الأجراء. كذلك لم ترض كل مكونات الحكومة بسبب التباينات داخلها والانحياز الكلي لبعض أعضائها إما إلى صف العمال وإما إلى صف الهيئات الاقتصادية. ولقد جرى كل ذلك في ضوء غياب المقاربة والتحليل العلمي الموضوعي لجملة الجوانب والملابسات التي تكتنف هذه المسألة الهامة.

 ولقد أدى غياب الرؤية وكذلك غياب المبادرة لدى الفريق الاقتصادي في هذه الحكومة الذي يفترض أن يكون ممثلاً بوزير المال ووزير الاقتصاد إلى أن يتصدر النقاش مجدداً اقتراح وزير العمل شربل نحاس، الذي قدّم طرحاً يدعي هو أنه يقارب موضوع الأجور بشمولية، بينما لم تبد كلاً من الهيئات الاقتصادية ولا الفئات العمالية أي حماسة له بسبب ما يشتمل عليه من ثغرات وإشكالات تدخل البلاد واقتصادها وماليتها العامة في مآزق جديدة وكبيرة.

 من دون أدنى شك، فإن الشمولية في المقاربة هو ما تحتاجه عملية معالجة ملف العمل والعمال في لبنان، حيث يشكل هذا المحور المتداخل مع مختلف المحاور الأخرى (كون العامل هو عنصر الإنتاج الأساسي في الاقتصاد الوطني)، مدخلاً لمقاربة شاملة للموضوع الاقتصادي- الاجتماعي، بهدف معالجة بعض التشوهات الأساسية في الاقتصاد الوطني ومن ثم الانطلاق نحو معالجة تحديات الحاضر والمستقبل بثقة وثبات من أجل تحقيق فرص أفضل لتحقيق التقدم والازدهار وزيادة مستويات وفرص العمالة لدى اللبنانيين وفي الاقتصاد اللبناني.

 على ذلك، فإنّ هذه الورقة تحتوي على ثلاث أقسام: القسم الأول يتناول اقتراحات الوزير شربل نحاس بالتحليل حيث يتبين أنها وفي الحقيقة لا تعتبر حلاً شاملاً لما يعانيه الاقتصاد الوطني وتعاني منه المالية العامة من مشاكل، وهي إن صحّ القول وفي أفضل الأحوال تشكل وصفةً لمداواة بعض الشوائب وذلك على حساب خلق تشوهات إضافية في الاقتصاد الوطني.

 أما القسم الثاني، فإنه يطرح تصوراً أكثر شمولية لمقاربة ملف الأجور والعمال والعمل بما يؤسس لمرحلة جديدة من التكامل والتكافل والعلاقات الاقتصادية السليمة بين فرقاء الإنتاج وبما يحفز على الاستثمار وزيادة معدلات النمو وخلق فرص العمل الجديدة.

 أما القسم الثالث فيتمثل بالخلاصة وبمجموعة من التوصيات.

 أولاً- تحليل اقتراحات الوزير شربل نحاس وما تحمله من نتائج وتداعيات

1- الخلط بين التصحيح والزيادة:

يعرض الوزير نحاس الموضوع من منطلق "زيادة الأجور". وبهذه المقاربة يخلط الوزير نحاس بين أمرين مختلفين وهما تصحيح الأجور وزيادتها. فتصحيح الأجور، وهو الأمر المطروح اليوم، ويمثل الزيادة التي تؤمّن للعمال المحافظة على القدرة الشرائية للدخل، وذلك من خلال تصحيح الأجر وبما يتلاءم مع معدل التضخم. وكما في معظم البلدان، ولاسيما تلك التي تتمتع بنظام اقتصادي حرّ كلبنان، فإنّ التصحيح يتم على أساس سنوي بعد أن تعلن الحكومة من خلال الدراسات العلمية والموضوعية والمحايدة معدل التضخم السنوي المحقق وبالتالي الذي يجب اعتماده. أما في لبنان، فقد جرت العادة وبسبب الظروف الاستثنائية التي عانت منها البلاد على مراكمة هذا التصحيح على مدى سنوات عديدة وطرح معالجة ما تراكم في عدة سنوات في سنة واحدة وهو أمر كان يضر بالعامل الذي تتدهور قدرته الشرائية فيضطر أحياناً للاستدانة من دون أن يتم بالضرورة التعويض لاحقاً عن هذه الكلفة. وهذا الأمر كان يضر أيضاً بالمؤسسات الاقتصادية التي كان يفاجئها التصحيح المتراكم ويرهق ميزانياتها وتدفقاتها المالية المرتقبة ويضعها في مواجهة مع العمال الذي يدفعهم تراكم التدهور في قدرتهم الشرائية إلى المبالغة في التقدير وبالتالي المبالغة في الطلبات خوفاً من عدم تعويض مجمل هذا التدهور الذي كان يتراكم ويشكل عبئاً على قدرتهم الشرائية. أضف إلى كل ذلك ما كان يستتبعه ذلك من توتر دائم في العلاقة بين عناصر الإنتاج (الدولة، أرباب العمل، العمال) وتداخل مع العوامل والتدخلات والأغراض السياسية والذي كان يؤثر في المحصلة على تناغم العلاقة فيما بينهم وعلى تعاضدهم وتكاملهم، وهي كلفة غير مباشرة ولكن مؤثرة جداً على العمل الاقتصادي بما يؤثر سلباً على الجهود المؤدية إلى والمحفّزة على النمو ومستويات الإنتاجية والاستعمال الأمثل للموارد المتاحة.

 من جهة أخرى، فإنّ الحقيقة العلمية الواضحة التي يجب الإقرار بها أنه وبغض النظر عن الزمان أو المكان، فإنّ أي زيادة في الأجور تفوق التصحيح اللازم الذي يستدعيه التضخم، يجب أن تكون انعكاساً كاملاً للزيادة المحققة في الإنتاجية، وإلا فهي ستنعكس- أي الزيادة الإضافية- ارتفاعاً في معدلات التضخم وبالتالي تدنياً في مستوى التنافسية. هذا الأمر إنْ حصل فإنه يدخل الاقتصاد في حلقة مفرغة من زيادة في معدلات التضخم وبالتالي زيادة الأجور ومن ثم إلى زيادة في معدلات التضخم وهكذا دواليك مما يعرض الاقتصاد وتنافسيته لمخاطر كبيرة على أكثر من صعيد ومن ضمنها المسّ بالاستقرار النقدي والتأثير السلبي على الاستثمار وعلى النمو وعلى مجالات إيجاد فرص العمل الجديدة.

 إنّ هذا الخلط بين التصحيح والزيادة ناهيك عن تصريحات ومواقف الوزير نحاس المتضاربة والصدامية، أسهم كله في تأجيج حجم المطالبات لدى الفئات العمالية وبالتالي إلى تمنع الهيئات الاقتصادية عن التجاوب وأدخل البلاد واقتصادها في أتون مواجهات لن تمكن بعد من التوصل إلى حلول مقنعة للأطراف المختلفة.

 

2- التغطية الصحية الشاملة والقطاعات الريعية

على صعيد آخر، فإنّ الاقتراح الآخر للوزير نحاس الذي ادخل المواطنين في أتون توقعات لا يتحملها الاقتصاد ولا تتحملها المالية العامة. ويتركز هذا الاقتراح على تأمين التغطية الصحية الشاملة للبنانيين المقيمين على أن تكون تلك التغطية ممولة من المال العام أي من الخزينة، وذلك من خلال ضرائب تفرض على المداخيل الريعية التي يرزح تحتها، بحسب الوزير، الأجراء وأيضاً أصحاب المؤسسات الإنتاجية. ويعتقد الوزير نحاس أن خطوة كهذه سوف تسمح بتصحيح ما يسميه الانحراف في توزع الناتج المحلي الحاصل خلال العقدين الماضيين لمصلحة المداخيل الريعية على حساب القطاعات المولدة لفرص العمل والكفيلة برفع الإنتاجية العامة للاقتصاد.

 وكعادته يخلط الوزير نحاس، من خلال هذا الاقتراح الحابل بالنابل، حيث يربط أموراً بعضها بالبعض الآخر وهي لا تمت إحداها للأخرى بصلة. فما علاقة المداخيل الريعية وهي التي غالباً ما يقصد بها الوزير نحاس القطاعين العقاري والمصرفي (مع اختلافنا الجذري مع هذا التوصيف) بالشأن الصحي. وكيف يمكن لأي دولة مسؤولة أن تعمد إلى ربط تأمين التغطية الصحية الشاملة (وهو أمر أساسي يتعلق بالصحة وبالحياة والموت لدى المواطنين) بأداء قطاعات تكون معرضة حكماً للتأثر بالحركة الاقتصادية وتقلبات الأسعار ومعدلات الفوائد المحلية.

 فإذا سلمنا جدلاً بمقولة الوزير نحاس بضرورة الاعتماد على مداخيل قطاعات ريعية لتأمين كلفة الضمان الصحي، فالقطاعات الريعية هي حكماً القطاعات التي تتعرض لحجم كبير من المضاربات وهي بالتالي أكثر عرضة من غيرها من القطاعات إلى خطر الارتفاع أو الانخفاض السريع في الأسعار. فهل يجوز ربط مصير الناس وحياتهم ومستوى ونوعية الخدمات الصحية المقدمة لهم بالمضاربات وتعريضها لأخطار تقلبات الأسعار في هذين القطاعين.

 هذا من جهة، أما من جهة أخرى وإذا ما اعتبرنا أن هذه القطاعات لا تحكمها الريعية بالمستوى الذي يظنه الوزير نحاس، وهو الأمر المرجح نظراً لغياب عامل الرافعة المالية (Leverage) كما سنبين لاحقاً، فإنها، أي هذه القطاعات، ستكون مرنة (Elastic) كسائر القطاعات الاقتصادية في ما خص تأثير الوقع الضريبي عليها. بمعنى آخر فإن أي ضريبة إضافية تفرض عليها ستؤثر على الحركة المتوقعة فيها وبالتالي على الإيرادات المحتملة للخزينة منها. والوزير نحاس أدرى بهذه المعادلة بحكم عمله السابق كمستشارٍ أساسي في وزارة المال في العامين 1999 و2000 عندما رفعت حكومة الرئيس سليم الحص ووزير المالية آنذاك جورج قرم معدلات بعض الضرائب في بعض المطارح، الأمر الذي أدى إلى انخفاض كبير في واردات الخزينة في تلك المطارح وأسهمت معه تلك الإجراءات بتدهور الحركة الاقتصادية بشكل عام وحيث انخفض معدل النمو إلى صفر بالمائة أو ما دون ومعها بالتالي تدنت إيرادات الخزينة مما أدى إلى زيادة في حجم العجز وفي حجم الدين العام.

 والواقع أن لدى الوزير نحاس هاجس دائم في ما خصّ ريعية الاقتصاد كما يسميها وهو يستعمل هذا المفهوم بطريقة خاطئة وقديمة. فمن حيث المبدأ، فإنّ كل ما يولد قيمة مضافة لا يعتبر ريعياً. فكيف لا يجد الوزير نحاس أي قيمة مضافة في القطاع العقاري أو القطاع المصرفي وهو أمر مستغرب.

 أما لجهة المضاربات العقارية، فإن نسبتها محدودة في لبنان فالمضاربات التي تولد فقاعات اقتصادية (financial bubble) تكون ممولة من خلال الاستدانة المفرطة أو ما يسمى "الرافعة" (leverage) وهو أمر لا تدل عليه بقوة المؤشرات المالية والمصرفية. فحصة التسليفات المصرفية إلى القطاع العقاري من مجمل التسليفات تشكل 17% وذلك كما يشير الرسم البياني أدناه وهي نسبة متجانسة مع حصة قطاع البناء إلى الناتج المحلي الإجمالي وهي حوالي 14%.

 حصة القطاعات الاقتصادية من تسليفات المصارف في لبنان:

 

 

 أما نوعية وطبيعة التسليفات التي زادت بسرعة فهي تسليفات مخصصة لمنح قروض المنازل للأفراد وهي تسارعت بعد العام 2006 بسبب ارتفاع الطلب على الشقق السكنية بعد حرب تموز ومن ثم في العام 2008 أي بعد اندلاع الأزمة المالية العالمية ولاسيما في ضوء التحفيزات التي منحها مصرف لبنان للمصارف في هذا المجال للتشجيع على منح القروض الإسكانية للأفراد وهو ما يشير إليه الرسم البياني أدناه:

 

مجموع القروض السكنية الممنوحة للأفراد في لبنان:

 وعلى كل حال، فإنّ القطاعين اللذين يأمل الوزير شربل نحاس حصد المبالغ الطائلة لصالح الخزينة من خلال فرض ضرائب إضافية عليهما وهما القطاع العقاري والمصرفي- أظهرا وبوضوح ميلاً إلى التراجع في العام 2011 وهو الأمر المتوقع استمراره للعام 2012 وذلك في ضوء استمرار الأزمات السياسية المحلية والإقليمية وكذلك الاقتصادية والمالية. وتأكيداً على ذلك، فقد انخفض عدد العقارات المباعة في لبنان من حوالي 46 ألف عقار في النصف الأول من العام 2010 إلى حوالي 37 ألف في النصف الأول من العام 2011، وهو الأمر الذي أدى إلى تدني الإيرادات المرتقبة من عمليات التسجيل العقاري بنسبة 15% في الفترة ذاتها. وهذا واضح أيضاً في مشروع الموازنة المقترحة من زميله وزير المالية في ذات الحكومة حيث تبين الإيرادات المرتقبة في هذا المضمار للعام 2012، انخفاضاً بنسبة 15% في مجموع إيرادات الضرائب على الأملاك وبالأخص في الرسوم العقارية (المتوقعة في العام 2012) وذلك بالإضافة إلى الانخفاض المحقق لتاريخه خلال العام 2011.

 3- تطور مكونات الناتج المحلي الإجمالي:

أما عن الانحراف الذي يتحدث عنه الوزير نحاس في توزيع الناتج المحلي خلال العقدين الماضيين لمصلحة المداخيل الريعية على حساب القطاعات المولدة لفرص العمل فإنه إذا ما نظرنا إلى التحول الجاري في مكونات الناتج المحلي منذ العام 1997، وهو أول عام صدرت عنه الحسابات الوطنية بعد الحرب التي دمرت مقومات العمل الإحصائي والذي عمل على إعادة بنائه الرئيسان رفيق الحريري وفؤاد السنيورة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وإدارة الإحصاء الفرنسي، فإننا نستطيع تكوين الجدول المبين أدناه:

 مكونات الناتج المحلي الإجمالي ونسبتها إلى المجموع:

 

 

1997

1998

1999

2000

2001

2002

2003

2004

2005

2006

2007

2008

2009

زراعة

6.5

6.0

6.2

6.4

6.0

5.8

5.5

5.2

5.1

6.1

6.2

5.6

5.0

طاقة ومياه

0.9

1.5

1.5

0.9

1.2

1.0

0.6

0.3

-0.6

-1.2

-1.3

-3.9

-2.7

صناعة

13.5

13.4

12.7

12.0

12.3

11.7

11.8

11.7

11.5

9.9

9.6

8.8

6.9

بناء

9.4

10.4

8.7

8.0

8.2

7.7

7.4

7.4

8.1

8.6

10.7

13.0

13.6

اتصالات ومواصلات

5.2

5.2

6.0

6.5

6.7

6.5

7.0

7.4

7.2

8.5

8.3

7.2

7.8

خدمات

31.7

31.7

32.4

33.8

33.3

32.9

33.4

32.8

33.2

35.8

34.6

33.5

32.0

تجارة

21.3

20.8

20.4

19.9

19.7

21.8

22.4

24.0

22.9

22.3

22.6

26.6

28.1

قطاع عام

11.5

10.9

12.1

12.5

12.8

12.6

11.9

11.2

11.3

10.0

9.4

9.3

9.3

 

 

 

نلاحظ من خلال هذا الجدول أن القطاعين الاقتصاديين الوحيدين اللذين تراجعت حصتهما إلى مجموع الناتج على مدى العقد الفائت هما الزراعة والصناعة.

 على هذا الأساس، يتبين لنا انه وحسب مقاربة الوزير نحاس، فإنّ كل ما هو غير زراعة وصناعة تقليدية هو عمل ريعي. والواقع أن الصناعة التقليدية قد انحسر دورها في لبنان لاسيما في السنتين الأخيرتين وذلك بسبب ارتفاع الكلفة واحتدام المنافسة الخارجية. وعلى الرغم من الجهود التحفيزية التي قامت بها الحكومات المتعاقبة خلال العقد المنصرم لهذين القطاعين بما في ذلك القروض الميسرة بفتراتها فوائدها لهذين القطاعين. في جميع الأحوال وفيما خصّ القطاعات التقليدية من زراعة وصناعة فإنه مما لا شكّ فيه أن من الواجب تحفيزها ودعمها في هذا السياق، وقد تمّ ذلك من قبل الرئيس رفيق الحريري من خلال إقرار القانون 360، لتشجيع الاستثمار لاسيما في المناطق المهمشة. على انه ما زالت حركة الاستثمار البطيئة فيه تعود إلى تراجع قدرة الدولة على فرض سلطتها وإعلاء حكم القانون على كامل أراضيها مما يعكس تلكؤاً وإحجاماً من قبل المستثمرين في هذا القطاع. والمفارقة أنّ اقتراحات الوزير نحاس سوف تشكل عوامل تؤدي إلى تدهور إضافي في الصناعة الوطنية وقدرتها التنافسية بسبب الضغوط التي سوف تتراكم عليها بسبب ارتفاع الكلفة وانخفاض تنافسيتها في السوقين الخارجية والداخلية.

 أما قطاع البناء فقد بدأ بالتزايد في العام 2006 نظراً إلى كمية التدمير التي شهدها لبنان جراء الحرب الإسرائيلية في العام 2006. فالقفزة الكبيرة في هذا القطاع حصلت بعد العام 2006 حيث ارتفعت حصة قطاع البناء من 8.1% من الناتج المحلي في العام 2005 إلى 13.6% من الناتج المحلي في العام 2009، وهو ما يدل على حجم التدمير الذي أحدثته إسرائيل في هذا القطاع. والواقع انه حتى وبعد هذا التزايد، لا يزال حجم القطاع العقاري نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان يساوي النسبة ذاتها في بلد كالبرازيل على سبيل المثال، وهو أي البرازيل لم يتعرض إلى أي اعتداءات أو اجتياحات أو تدمير كحالنا في لبنان.

 من جهة أخرى، فإننا نلاحظ انه وبالرغم من كل المعوقات، فقد زادت حصة الاقتصاد الحديث (الاتصالات) وهو القطاع الذي من الواجب تحفيزه ومساعدته على خلق فرص العمل الجديدة. وهذا الأمر يجب أن يبدأ من خلال العمل على تحرير هذا القطاع والتحفيز على زيادة إسهامه في الناتج المحلي. في المقابل فإنّ هذا القطاع هو الذي أخذه الوزير نحاس ومن خلفه في وزارة الاتصالات وأعضاء تكتلهما السياسي رهينة منذ العام 2008 من خلال حجب تطوره فضلاً عن حجب إيراداته عن الخزينة. في هذا الصدد، يبين الجدول المبين أعلاه التطور الهام في هذا القطاع منذ العام 1997 وحتى العام 2007 ومن ثم تدهوره منذ العام 2008 عندما وضع التيار الوطني الحر يده على هذا القطاع منذ أن تولى الوزير جبران باسيل وبعده شربل نحاس والآن نقولا صحناوي وزارة الاتصالات.

 

4- الطريق إلى سيناريو يوناني:

إن اقتراح الوزير نحاس العمل على تأمين التغطية الصحية لجميع اللبنانيين من خلال ضرائب إضافية تفرض على القطاع العقاري أو المصرفي هو اقتراح غير واقعي وغير عملي بأفضل تقدير وهو اقتراح خطير في أسوأ تقدير، حيث يصح عليه القول: "إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم!". فلنتخيل على سبيل المثال لو أن الحكومة الأميركية أو أي حكومة أوروبية ربطت مصير التأمين الصحي لديها بقطاعي العقار والمصارف في بلادها ماذا كان سيكون عليه الحال اليوم في ظل الأزمة المالية العالمية التي بدأت في القطاع العقاري وامتدت إلى القطاع المصرفي العالمي وها هي اليوم تداعياتها تعود لتطاول مجدداً هذين القطاعين. ما يتعدى ذلك، فإنه من جهة أخرى يجدر طرح السؤال في ضوء الحقيقة الساطعة وهي أن ما من دولة في العالم، وعلى حدّ علمنا، تؤمن ضماناً لجميع مواطنيها من خزينتها من دون أي مساهمة من ربّ العمل ومن العمال بما يحقق إسهاماً جدياً في تحمل كلفة التمويل وحوكمة أحسن واستعمالاً أفضل للموارد المتاحة.

 إن الوزير شربل نحاس وعبر طرحه هذا الاقتراح يضرب مبدأ التكافل والتعاضد الاجتماعي بين أرباب العمل والعمال والدولة. لقد أثبتت التجارب أن مساهمة أرباب العمل من جهة والمستفيدين من التغطية الصحية من جهة أخرى، وبغض النظر عن قيمة تلك المساهمة، تؤدي إلى ترشيد استعمال هذه التغطية، خاصة إذا وضعت الضوابط اللازمة التي تربط قيمة المساهمة بسقف التغطية ونوعيتها.

والواقع أن الوزير نحاس لا يعفي رب العمل تماماً من كلفة تأمين التغطية الصحية من خلال إلغاء اشتراكات الضمان الاجتماعي لصندوق المرض والأمومة. فهو يقترح أكثر من ذلك أن تستبدل هذه الاشتراكات بزيادة إضافية على الأجور، وذلك مجدداً من دون أي اقتراح عملي ومسؤول حول زيادة الإنتاجية لدى القطاعين العام والخاص والإدارة اللبنانية، الأمر الذي يؤدي حكماً وفي محصلة الأمر إلى ارتفاع في الأسعار وتدهور مطرد في القدرة التنافسية للصناعة الوطنية والاقتصاد الوطني وبالتالي القدرة الشرائية للمواطن. والواقع أن الوزير نحاس يسعى إلى إقرار هذا الاقتراح بمرسوم وهو مخالف للقانون الصادر أصلاً في هذا الخصوص.

 والواقع أن هذا الاقتراح، سيؤدي حكماً وعملياً إلى عجز إضافي لدى خزينة الدولة، ما سيؤدي إلى ارتفاع مديونيتها وهي أصلاً متدهورة وبالأخص بعد أن ضحى وزير المال بإنجاز هام ترسخ على مدى عقد من الزمان لجهة تحقيق فائض في الميزان الأولي الذي تحول إلى عجز في مشروع موازنة العام 2012 بقيمة حوالي 290 مليون د.أ. على هذا الواقع السيئ يزيد اقتراح الوزير نحاس هذا العجز إلى ما يفوق المليار د.أ.، ما يؤدي فوراً إلى ارتفاع في معدلات الفوائد وبالتالي إلى ارتفاع في كلفة الاستثمار. وهي جميعها ستفاقم من كلفة الإنتاج التي سيزيدها حكماً الاقتراح الأول للوزير نحاس الذي يعطي زيادة للعمال تفوق التصحيح، فتؤدي إلى تدهور إضافي في القدرة التنافسية للإنتاج الوطني وتهدد في المحصلة الاستقرار النقدي في البلاد.

 إن مقاربة الوزير نحاس وعلى كل المستويات تؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة محتمة في العجز المالي وزيادة محتمة في العجز التجاري وهي وصفة للوصول إلى سيناريو شبيه بوضع اليونان. وعلينا أن لا ننسى أن الزيادة غير المدروسة للأجور في اليونان على مدى عشر سنوات بلغت 45% بالمقارنة مع 2% للزيادة التي تمت في ألمانيا ما أدى باليونان إلى فقدان تنافسيتها ووقوعها في توأم العجز المالي والعجز التجاري وهو ما نشهد تداعياته اليوم من خلال الأخطار التي تتعرض لها اليونان ولاسيما خطر الإفلاس أو خطر مغادرة منطقة اليورو، الأمر الذي أدى بالحكومة اليونانية الجديدة كوسيلة لتحقيق بعض المعالجات إلى اقتراح تخفيضات في الأجور والرواتب وصلت إلى 50%، أي محو زيادات أعطيت للعاملين في اليونان على مدى عقد كامل في سنة واحدة!

 

5- وضع الضمان الاجتماعي:

أما على صعيد إدارة المشروع المقترح من الوزير نحاس فهو يقترح: "أن يحل هذا النظام محلّ فرع ضمان المرض والأمومة وأن يعهد بإدارته إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بالتزامن مع إصلاحه وتمكينه".

 الحقيقة الثابتة، أنّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بحاجة إلى إصلاح شامل، وهذا باعتراف الوزير شربل نحاس وجميع من سبقه في وزارة العمل. والجميع يعلم ما يعترض الضمان من شوائب في الإدارة التي تتعرض وباستمرار إلى ضغوط سياسية جمّة. وهي أيضاً تعاني بالإضافة إلى ذلك، من مشاكل بنيوية وإدارية تؤدي إلى البطء في إنجاز المعاملات وتردٍ في إنتاجيته، وخلل في الحسابات وعجز متزايد في فرع المرض والأمومة وكلفة متصاعدة وغير مبررة في كلفة إدارة هذا الصندوق. وفي المحصلة كيف يمكن إعطاء إدارة لم تحقق نجاحاً في أمر تتولى إدارته أعباء إدارية وهي لم تظهر عن قدرة حالية أو مرتقبة في ما تتولاه.

 فهل يعقل إذاً أن يعهد للصندوق إدارة نظام التغطية الصحية الشاملة قبل إجراء الإصلاح الشامل للصندوق على كافة الصعد الإدارية والتنظيمية والإجرائية والمالية. لقد حاول الوزير شربل نحاس أن يموه على هذا الموضوع عبر الإشارة إلى أن إطلاق مشروع نظام التغطية الصحية الشاملة سوف يتزامن مع إصلاح وتمكين صندوق الضمان الاجتماعي لإدارة هذا المشروع.

 لقد كان حرياً بالوزير شربل نحاس، ولإعطاء مصداقية لنيته بإصلاح صندوق الضمان، أن يضع، وبالتزامن مع طرح فكرة مشروع التغطية الصحية الشاملة، خطته العملية لإصلاح الصندوق. لكم نتمنى أن يطالعنا الوزير نحاس ببرنامجه الإصلاحي في هذا الصدد.

 6- تدني حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي:

يكرر الوزير شربل نحاس في مطالعاته أن حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي هي الثلث في لبنان بينما هي الثلثين في فرنسا على سبيل المقارنة. والوزير نحاس يتجاهل في هذه المقارنة عاملين أساسيين هما أولاً تدني نسبة القوى العاملة في لبنان لعدد السكان، وثانياً، تدني حصة الأجراء نسبة للقوى العاملة.

 فبالنسبة إلى تدني نسبة القوى العاملة في لبنان إذ هي تشكل حوالي 32% من عدد السكان وهي نسبة منخفضة مرتبطة بضعف مشاركة النساء في العمالة الاقتصادية وعوامل أخرى مرتبطة بالهرم الديمغرافي وعدد الأطفال المرتفع نسبياً في لبنان وأيضاً وبشكل هام بالهجرة اللبنانية التي من ناحية تخفض في مستوى القوى العاملة في لبنان ومن ناحية أخرى، تزيد من الناتج المحلي (من خلال التحويلات الضخمة التي تمول مستويات مرتفعة من الاستهلاك المحلي). هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى تدني نسبة الأجور إلى الناتج وهي حقيقة يجب فهمها ومعرفة كيفية التعامل معها واحتساب تأثيراتها وتداعياتها.

 أما العامل الثاني، فيتمثل بتدني حصة العاملين بأجر في الاقتصاد الرسمي (القطاعين العام والخاص) والتي لا تتجاوز 29% من القوى العاملة بحسب أرقام البنك الدولي كما يدل الرسم البياني أدناه:

 

 

والوزير نحاس في هذا يركز دائماً على تدني حصة الأجور إلى الناتج الملحي وهي مسألة تعود بالأساس إلى ارتفاع حصة الاقتصاد غير الرسمي في مجمل الاقتصاد اللبناني. ويعود ذلك إلى أكثر من سبب ومنها الجانب المتعلق بصعوبة بيئة ممارسة الأعمال وهي الأمور المرتبطة بضرورة العودة إلى مواجهة حقيقة ينبغي التعامل معها والعمل على حلّها وتكمن في تأمين وضمان سهولة بدء العمل وإقفاله (Ease of Entry Ease of Exit) والتوظيف والبيروقراطية وعدم فعالية الإدارة الحكومية ومستوى مهنية واستقلالية وفعالية القضاء. وهي جميعها أمور تشجع في لبنان على نمو الاقتصاد غير الرسمي على حساب الاقتصاد الرسمي وبالتالي تدفع باتجاه تدني حصة الأجور نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي. وهي تغيب تماماً عن اقتراحات الوزير نحاس ومقارباته وهو الذي يفترض أن يتحمل مسؤولية أساسية كوزير للعمل في تحسين توزع القوى العاملة في لبنان والعمل على معالجة هذه الإشكاليات في وزارته بدل الانشغال في تخطي حدود وزارته بنحو إبداء طروحات لدى وزارات زملائه وان كانت تلك الاقتراحات لم تحقق أي نجاح على الإطلاق.

 7- الخلاصة في ما يتعلق بمقاربة الوزير نحاس:

إن المقاربة التي تم طرحها من قبل وزير العمل هي مقاربة غير شاملة على عكس ما يدعيه معالي الوزير بل هي عملياً تقتصر على معالجات موضعية تتناقض مع الأهداف التي يحددها وزير العمل ذاته. والواقع أن مقاربته الشعبوية وغير المدروسة تؤدي إلى تعميق التشوهات التي يتحدث عنها الوزير نحاس ذاته ومنها تدني حصة الأجور إلى الناتج المحلي، وغلاء المعيشة، وتدهور التنافسية! فالوزير الذي ينطلق من تدني نسبة حصة الأجور إلى الناتج المحلي الإجمالي، يتجاهل أن الزيادات غير المدروسة وغير المستندة إلى زيادة حقيقية في مستويات الإنتاجية التي يقترحها، ستؤدي إلى زيادة معدل التضخم، وهو الذي يطال الجميع أي أصحاب الأجور اللذين يعملون في الاقتصاد الرسمي، ولكن أيضاً العاملين في القطاع غير الرسمي ونسبتهم كبيرة كما يعترف الوزير عندما يتحدث عن تدني نسبة الأجور إلى الناتج، ناهيك عن التناقضات والتشوهات الأخرى التي سوف تؤدي إليها اقتراحات الوزير نحاس.

 

ثانياً- أفكار على مسار المقاربة الشاملة الموضوعية والصحيحة

إن المعالجة الشاملة الحقيقية لملف العمال والأجور في لبنان تحتم مقاربته على مسارات ثلاث محاور:

  • تصحيح الأجور
  • زيادة الإنتاجية
  • توفير الأمن الاجتماعي

 إن ما نتوخاه من خلال هذه المقاربة تحقيق هدفين أساسيين: الأول فصل موضوع تصحيح الأجور المرتبط بغلاء المعيشة عن موضوع زيادة الأجور المرتبط بتحسين الإنتاجية. أما الهدف الثاني، فيتمثل بالدفع قدماً على مسار الإصلاحات الملحة على صعيد الحماية الاجتماعية التي تشكل حقاً إضافة للأجير وللمواطن والتي تكوّن مردوداً يضاف إلى الأجر المادي الذي يتقاضاه من جهة، كما أنها تساهم ويتأتي عنها تحقيق زيادة إضافية في إنتاجيته من جهة ثانية بما يؤدي إلى مكاسب إضافية على صعيد الأداء الاقتصادي ومعدلات النمو والناتج المحلي بشكل عام.

 

المحور الأول: تصحيح الأجور:

في ما خص محور تصحيح الأجور، فإننا نقترح ونتمنى أن تكون هذه المرة الأخيرة التي تتراكم فيها معدلات غلاء المعيشة، بحيث يتم من الآن فصاعداً الإقرار السنوي لتصحيح للأجور وعلى أساس أن يتم تحديده بناء على توصيات لجنة المؤشر التي ينحصر دورها بتحديد مؤشر غلاء المعيشة في ضوء ما تبينه إدارة الإحصاء المركزي بحيث لا تتحول هذه المسألة إلى ساحة لإلقاء الخطب والمبارزات السياسية والمطالعات الشعبوية الرنانة في مضمار الخطط الاقتصادية والاجتماعية وذلك لكل من طاب له أن يدلي بدلوه في هذا المضمار. كما نقترح أن تكون هذه المرة الأخيرة التي تتدخل فيها الحكومة بموضوع الشطور. فدور الحكومة يجب أن يظل محصوراً في أي دولة تتبنى النظام الاقتصادي الحر في تحديد الحد الأدنى للأجور وتحديد نسبة غلاء المعيشة.

 في هذا الإطار، قد يكون من المفيد الإطلاع على الحد الأدنى للأجور في بعض البلدان ومقارنة نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي للفرد. وهو ما يحتويه الجدول البياني أدناه:

 

 

الناتج المحلي للفرد في العام 2011 (د.أ)

الحد الأدنى للأجور
 سنوياً (د.أ)

الحد الأدنى للأجور نسبة للناتج المحلي للفرد

الولايات المتحدة

48,147

13,920

28.9%

فرنسا

44,401

22,512

50.7%

اليونان

27,875

14,232

51.1%

هنغاريا

14,808

4,200

28.4%

روسيا

13,236

1,800

13.6%

البرازيل

12,917

4,082

31.6%

المكسيك

10,803

1,068

9.9%

الأرجنتين

10,640

7,033

66.1%

تركيا

10,576

5,664

53.6%

لبنان

10,474

3,984

38.0%

فنزويلا

10,409

4,320

41.5%

رومانيا

8,666

2,652

30.6%

الصين

5,184

2,412

46.5%

الأردن

4,542

2,520

55.5%

المغرب

3,162

2,748

86.9%

مصر

2,922

804

27.5%

الهند

1,527

1,320

86.4%

 

 

 

وفي هذا الإطار نجد أن لبنان يقع في متوسط البلدان لناحية هذه النسب، بالمقارنة مع بلدان عديدة كالولايات المتحدة وروسيا والمكسيك ورومانيا أقل عطاءً منه لناحية الحد الأدنى- وبلدان أخرى كفرنسا واليونان وتركيا والأردن أكثر عطاءً منه، ومن هذا المنطلق يجب لفت الانتباه إلى أنّ إعطاء زيادة 200 ألف على الحد الأدنى للأجور في لبنان ستحسن هذه النسبة إلى 53% من الناتج المحلي للفرد ما سيضعه في مكان البلدان الأوروبية لناحية الحد الأدنى نسبة إلى الناتج المحلي للفرد، وهي نسبة مرتفعة جداً بالنسبة لبلد كلبنان أكان لجهة مستواه الاقتصاد أو لمستوى الأسعار فيه.

 

المحور الثاني: زيادة الإنتاجية:

أما في محور زيادة الإنتاجية، فهي الوسيلة الوحيدة لتحقيق زيادة حقيقية في مستويات الأجور. فالتصحيح المبني على غلاء المعيشة لا يؤدي إلى زيادة حقيقية ولكن إلى زيادة اسمية تحافظ على القيمة الحقيقية أو الشرائية للأجر. أما الزيادة الحقيقية للأجر فهي تحتاج إلى تحقيق زيادة حقيقية في مستويات الإنتاجية ما يتطلب اعتماد خطة متكاملة على أربع صعد لإحداث قفزة نوعية في مستويات الإنتاجية تقتضي إحداث إنجازات هامة على صعيد أكثر من مجال وأكثر من قطاع اقتصادي. إلاّ أننا وفي هذا المجال سنقصر حديثنا على القطاعات والمجالات التالية: قطاع الطاقة، قطاع الاتصالات، قطاع النقل، بيئة ممارسة الأعمال وأهمية عودة واستقرار الدولة والأمن والثقة بالمستقبل والتزام الإصلاح في الإدارة والمؤسسات.

 ولن ندخل هنا في تفاصيل هذه القطاعات ولكن سنبين طرقاً إذا ما تمّ اعتمادها تحقق تقدماً على مسار الإصلاح المنشود في كل منها وذلك لتحقيق مستوى أعلى من الإنتاجية على الصعيد الوطني:

  • في قطاع الطاقة، على الحكومة العمل على المبادرة فوراً إلى الحصول على تمويل ميسر من الصناديق العربية والدولية، ليس بهدف التوفير المالي فقط من خلال الدعم الذي تمنحه هذه القروض، وعدم تحميل المالية العامة أعباء أو خضات أو تقلبات في تدبير التمويل اللازم وهما مسألتان هامتان، ولكن أيضاً بهدف التأكيد على شفافية العمل وسلامته وجدواه الاقتصادية والمالية.

من جهة أخرى، فإنّ الخطة الحالية لوزير الطاقة لا تتعرض لأمور أساسية وهامة يجب توضيحها والإفصاح عنها بدلاً من إبقائها في حالة ضبابية ومنها ما يتعلق بمواقع محطات الإنتاج الجديدة والبرنامج فيما خص إعادة تأهيل معملي الزوق والجية والسياسة التي ستعتمد بشأن نقل الطاقة والسياسة بشأن شبكات التوزيع ومحطات التحويل ومصادر الطاقة (اللقم) ولاسيما طرق استجرار الغاز الطبيعي أو تحويل الغاز السائل إلى غاز طبيعي. إن توفير الطاقة بشكل متواصل وبكلفة معقولة (من خلال استعمال الغاز الطبيعي) تبقى أحد الوسائل الأفضل لخفض كلفة الإنتاج في لبنان وتحسين الإنتاجية. لذلك فإنه ينبغي على وزير الطاقة العودة إلى وضع تصور مختصر وواضح بعيداً عن الرمادية ودون الخوض في كثير من التفاصيل التقنية التي لا تسمح للمواطن العادي التعرف إلى جوهر المشكلة وحقيقة الحلول المطروحة. وهذه الأمور هي بالتحديد ما يجب أن يطرحه وزير الطاقة لجهة المعامل الجديدة فيما يتعلق بأمكنتها وطاقاتها وللقيم المقترح لها ودور القطاع الخاص في الإدارة والتمويل والسياسة التي يقترحها فيما خص إعادة التأهيل وسياسته في نقل الطاقة وسياسة التوزيع والتعرفة وكيفية معالجة العجز في مؤسسة كهرباء لبنان.

  • في ما خص قطاع الاتصالات وهو القطاع الحيوي والذي يدخل كعامل إنتاج في القطاعات المرتبطة باقتصاد المعرفة (Knowledge Based Economy) وهي القطاعات التي يستطيع أن يكون للبنان فيها ميزة تفاضلية تزيد من قيمة الاستثمار وتخلق فرص العمل الجديدة. وهذا القطاع الحيوي لا يزال حتى اليوم رهينة الكيدية السياسية والاقتصادية وهو رهينة ممارسات وتوجهات خاطئة جعلت لبنان يتراجع ليحتل أدنى المراتب في منطقته العربية على صعيد هذا القطاع بعد أن كان القطاع الرائد في المنطقة العربية إذ كان البلد العربي الأول الذي أدخل تقنية GSM. هذا الأمر يحتاج إلى وضع معالم سياسية واضحة تنطلق أساساُ في تطبيق القانون الذي أقره مجلس النواب بما يسهم في عودة هذا القطاع وبعيداً عن الكيد والشعبوية للعب الدور المؤهل كرافعة للاقتصاد الوطني ككل.
  • أما في قطاع النقل، فالمطلوب إعادة إطلاق برامج الاستثمار في البنى التحتية وإعطاء الأولية لأوتوستراد بيروت الدائري الذي يسهل عملية الدخول والخروج من العاصمة حيث المنافذ الضيقة التي تسبب بازدحامات شديدة تهدر وقت العمال والمواطنين، وتمنع تشجيع الاستثمارات السكنية الضخمة خارج المدينة. والمطلوب في هذا الإطار إزالة التعديات واستكمال الاستملاكات والدفع قدماً بمشروعي أليسار ولينور. كما المطلوب العودة إلى إعادة بناء خط سكة الحديد الساحلي الذي يربط طرابلس بالداخل السوري في المرحلة الأولى ومن ثم طرابلس بسائر الخط الساحلي للبنان في المرحلة الثانية. كما المطلوب تفعيل مطاري رياق ورينيه معوض ومرفأ طرابلس وغيرها من المشاريع المفتاحية الواردة في الرؤية (لإنماء المناطق) التي طرحها الرئيس السنيورة، والتي أقرتها حكومة الوحدة الوطنية بالإجماع في العام 2009.

من جهة أخرى، فقد أصبح لزاماً إنهاء فترة التردد والمسارعة إلى إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع النقل وبالتالي العمل على تشجيع القطاع الخاص على ولوج باب قطاع النقل العام بما يفسح في المجال في تحقيق عدة أهداف في وقت واحد لجهة تأمين النقل العام الذي يمكن الركون إلى كفاءته ودقته وخفض كلفة النقل على المواطن حتى وان احتاج ذلك إلى بعض الدعم من الخزينة العامة للدولة ومن أجل خفض الازدحام في السير وكلفة الانتقال على المواطن وعلى الاقتصاد وكذلك خفض كلفة المحروقات على الاقتصاد الوطني وعلى البيئة، ناهيك عن تخفيض كلفة التمويل والدعم الذي تتحمله الخزينة حالياً في هذا المجال في دعم عملية الانتقال.

وعلى هذه الاستثمارات العامة في البنى التحتية ومن أجل المبادرة إلى حلّ مشكلة النقل العام بشكل جذري فإنه يجب أن يترافق هذا التوجه مع إعطاء الحوافز للقطاع الخاص لتولي شؤون النقل العام حيث يجب حصر دور الدولة بإنشاء الهيئة الناظمة للإشراف والرقابة وذلك بعكس ما يقترحه الوزير نحاس الذي يريد أن تتولى الدولة مباشرة هذا القطاع الحيوي وتتولى الدولة تمويل وسائل النقل العام وإدارتها.

  • أما في موضوع بيئة ممارسة الأعمال حيث يحتل لبنان المركز 104 عالمياً متأخراً عن السنوات السابقة فهذا الموضوع الأساسي الذي يتجاهله الوزير نحاس في مقاربته. فوزير العمل يتغاضى عن هذه الحقائق ويلوم السياسة الاقتصادية الخاطئة على انخفاض حصة الأجر إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهو بذلك لا يتطرق إلى أحد أهم السبل إلى زيادة هذه الحصة والتي تتمثل، بالإضافة إلى زيادة الإنتاجية التي تزيد من القيمة الحقيقية للدخل، بالعمل على إدخال أكبر قدر ممكن من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي. هذا الأمر يستوجب بالأساس تسهيل وتحسين بيئة ممارسة الأعمال وهو ما يغيب عن مقاربات الوزير نحاس من اجل طرح معالجات حقيقية لهذه المشكلة.

 

المحور الثالث: توفير الأمن الاجتماعي:

أما في ما خصّ المحور الثالث وهو الأمن الاجتماعي فالمطلوب وبإلحاح التقدم الفوري على مسارين:

 الأول: إصلاح نظام تعويض نهاية الخدمة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وإنشاء نظام التقاعد والحماية الاجتماعية على هدي المشروع المحال إلى مجلس النواب بموجب المرسوم رقم 13760 في العام 2004 والمعدل من قبل اللجان النيابية المشتركة والتعديلات الأخرى المقترحة عليه. إن الوضع الحالي لا يوفر للمضمونين الحد الأدنى من المقدرات الضرورية للعيش عند انقطاع دخلهم بسبب التقاعد أو العجز. إن نظام تعويض نهاية الخدمة المعمول به حالياً هو في كل حال ضيق التغطية ومجحف بحق الأجراء، مقارنة بنظام التقاعد المعمول به في إدارات الدولة فيما يتعلق بالموظفين المدنيين والأمنيين والعسكريين الذي هو بالمناسبة من أكرم النظم التقاعدية في العالم.

 أما المسار الثاني، فيتعلق بنظام التغطية الصحية الشاملة أو مشروع البطاقة الصحية كما يعرف، والذي تم العمل الجدي عليه منذ العام 2008 وتسارع في العام 2009 والذي يهدف إلى توفير التغطية الاستشفائية لكل لبناني لا يحظى بها من خلال نظام حماية آخر. وهو لا يتناقض مع أنظمة الحماية الأخرى ولا يشكل منافسة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

 

ثالثاً- الخلاصة والتوصيات

  • لم يعد من الممكن مقاربة ملف العمل والأجور في لبنان بطريقة جزئية غير علمية وغير موضوعية. فالمدخل الصحيح لمعالجة هذا الملف يتم من خلال فصل موضوع التصحيح المرتبط بغلاء المعيشة عن موضوع الزيادة المرتبطة بتطور مستوى الإنتاجية في الاقتصاد.
  • إن مقاربة الوزير نحاس هي عبارة عن طرح غير واقعي وغير عملي في كثير من جوانبه وخطير ومؤذ في جوانب أخرى. وحبذا لو يلتفت وزير العمل إلى إدارة شؤون وزارته، فهو أي الوزير نحاس، حاول أن يتصرف كوزير للمالية عندما كان وزيراً للاتصالات، وهو اليوم يحاول أن يتصرف كوزير للصحة فضلاً عن مبادراته العديدة التي يتصرف فيها كوزير للمالية، بينما المطلوب منه أن يباشر ويسعى فوراً إلى إجراء ورشة إصلاحية في مؤسسة الضمان الاجتماعي، وهي المؤسسة الهامة التي أرهقها التدخل السياسي وتراجعت إنتاجيتها وقدرتها على تأمين الخدمات المطلوبة منها بالكفاءة وبالسرعة والكلفة المقبولة. وفي هذا الإطار نستغرب أن لا يتطرق الوزير نحاس وهو وزير الوصاية على هذه المؤسسة، إلى أي خطة عملية لإصلاحها ولاسيما انه وبموجب اقتراحاته يرغب أن تدير مؤسسة الضمان الاجتماعي بوضعها الحالي خدمات لصحية لـ4 مليون مواطن في حين أنها أثبتت ومن خلال الممارسة أنها غير قادرة على إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي بشكل كفؤ لأقل من مليون مشترك!
  • لقد طرحنا في هذه المطالعة مقاربة عملية بالمعنى الحقيقي لمعالجة موضوع الأجور على ثلاث محاور من خلال اقتراحات محددة: التصحيح السنوي المتلائم مع معدلات غلاء المعيشة، إصلاح القطاعات الحيوية وتسهيل بيئة ممارسة الأعمال لتحسين الإنتاجية وتحقيق زيادة حقيقية في مستوى الأجور وأيضاً في نسبتها إلى الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادة حجم الاقتصاد الرسمي. وأخيراً وليس آخراً العمل على الإصلاحات التي تحقق مستوى مرتفعاً من الأمن الاجتماعي من خلال إقرار قانون ضمان الشيخوخة وقانون البطاقة الصحية.
  • لقد دلّت هذه الحكومة، سواء من خلال مشروع الموازنة، أم من خلال تعاطيها مع ملف الأجور أن ممارساتها الاقتصادية تتراوح بين الغياب والخطورة وهي ستؤدي إذا لم يتم تداركها إلى وضع اقتصادي واجتماعي خطير.
التاريخ: 
أربعاء, 2011-11-30