الخبير رفيق سلامة يكتب : مناقشة موضوعية لمشروع وزير العمل شربل نحاس المتعلق بالتغطية الصحية الشاملة

-A A +A
Print Friendly and PDF

تهدف التغطية الصحية الشاملة إلى إتاحة الفرصة لكل مواطن لكي يحصل، فعلاً، على عنايات صحية ذات نوعية جيدة وكافية وبكلفة محتملة.

 

لا شكّ أن الحماية الاجتماعية التي تشتمل على العنايات الصحية أصبحت في أولوية اهتمامات مختلف الدول بعد أن تكرّست تلك الحماية كحق من الحقوق الأساسية للإنسان، وبعدما تبين أن النفقات الصحية التي يتكبدها الأفراد تشكل استنزافاً لمقدراتهم وبالتالي سبباً من أسباب فقرهم. [ترى منظمة الصحة العالمية أن حوالي 100 مليون شخص في العالم ينزلقون سنوياً إلى دون خط الفقر بسبب اضطرارهم إلى تحمل كلفة العنايات الصحية التي يحتاجونها والتي تتعدى إمكاناتهم على تحملها]. لذلك فإنّ التغطية الصحية الشاملة تشكل إحدى قوائم شبكات الأمان التي تلعب دوراً هاماً في تخفيف الأعباء عن ذوي الدخل المحدود.

 

غير أن الحصول على التغطية الصحية الشاملة، ليس بالأمر السهل، إذ يقتضي لتطبيقها وضع خطة شاملة ومتكاملة تتناول تحديد مستوى التغطية الصحية القائمة حالياً، وتقييم الكلفة المالية المطلوبة لزيادتها وطريقة التمويل وحاكمية النظام وإدارته، فضلاً عن تقييم المعوقات التي تواجه التنفيذ. وهذه كلها أمور أساسية تناول بعضها مشروع الوزير نحاس باقتضاب كلي ودون دراسة تحليلية وعملية. وإننا في هذه الدراسة سنعرض إلى المسار المنهجي لتحقيق التغطية الصحية الشاملة، وبالتالي إلى مناقشة مشروع الوزير نحاس في ضوء ذلك.

 

أولاً: واقع التغطية الصحية في لبنان:

تتأمن الحماية الصحية للمواطنين في لبنان من خمس جهات:

 

  • الدولة

وهي تموّل وتدير برامج الحماية لموظفيها الدائمين والمؤقتين العاملين في جميع الأسلاك المدنية والأمنية والعسكرية مع أسرهم ويشمل كذلك المتقاعدين منهم.

 

  • الضمان الاجتماعي

ويشمل:

  • الأجراء العاملين في القطاع الخاص
  • الأجراء والمتعاقدون الذين يعملون لحساب الدولة
  • الأشخاص والأجراء الذين يعملون في المؤسسات العامة الإدارية أو الاستثمارية
  • أفراد الهيئة التعليمية في المدارس الخاصة الداخلين في الملاك وغير الداخلين في الملاك
  • بعض فئات الأشخاص العاملين في الاقتصاد غير المنظم (سائقو السيارات العمومية، باعة الصحف والمجلات، المخاتير...)
  • فئة الطلاب

 

  • شركات التأمين الخاصة

 

  • التعاونيات وصناديق التعاضد

 

  • وزارة الصحة العامة

تتولى وزارة الصحة العامة، في مجال العناية الصحية:

  • تقديم أدوية بعض الأمراض المستعصية مجاناً للأشخاص غير المشمولين بحماية صحية نظامية.
  • تأمين الاستشفاء، في المستشفيات العامة والخاصة، للأشخاص المذكورين أعلاه، ضمن الاعتمادات المخصصة في الموازنة العامة.

وبما أن وزارة الصحة العامة ليس لديها نظام حماية وأعضاء مسجلون لديها إنما تسجل لديها الحالات الاستشفائية بعد الموافقات الفعلية على الاستشفاء أو على منح بطاقة دواء فيكون الأشخاص المستفيدون من تقديمات صحية على نفقة الوزارة هم أصحاب حق احتمالي وتكون التقديمات التي يحصلون عليها لها طابع المساعدة الاجتماعية وليس لها طابع التأمين الاجتماعي. لذلك لن ندخل أعداد هؤلاء الأشخاص ضمن الأشخاص المشمولين بحماية صحية دائمة قبل أن يجري تنفيذ مشروع البطاقة الاستشفائية في وزارة الصحة العامة، علماً أن عدد الأشخاص غير المشمولين بحماية دائمة يبلغ ما يزيد عن 1.850 مليون شخص أي ما يعادل نسبة 45% من السكان.

 

ويقتضي، لسدّ هذه الثغرة التحرّك نحو تطبيق التغطية الصحية الشاملة التي أشارت إليها المادة 12 من قانون الضمان الاجتماعي.

 

إلاّ أنه، وبعد مرور أكثر من 40 سنة على وضع نظام ضمان المرض والأمومة موضع التنفيذ في العام 1970 فإن مؤسسة الضمان الاجتماعي لا تزال مترددة وعاجزة فضلاً عن كونها غير قادرة على توسيع نطاق الحماية الصحية وعاجزة أيضاً عن تدبير الموارد المالية اللازمة للقيام بذلك.

 

من هنا نرى أن مشروع وزير العمل قد تخطى الاهتمام بسد ثغرة التغطية للفئات غير المشمولة بالحماية الصحية إلى الاهتمام بسائر المستفيدين الحاليين وتجميعهم في نظام واحد وتمويل واحد مما يعظم حجم المشروع ويضخم من أكلافه ويزيد من صعوبة تطبيقه.

 

ثانياً: تقييم الكلفة المالية:

جاء في ورقة المشروع:

"قدرت الكلفة الإجمالية لهذا النظام، وفق أحدث المعطيات المتوافرة والمبنية على القواعد الإحصائية لصندوق ضمان المرض والأمومة بنحو ألفي مليار ليرة /2000/ مليار ليرة! أما الكلفة الصافية [بعد حسم 990 مليار ليرة وهو ما تنفقه الدولة حالياً (2009) على القطاع الصحي عبر وزارة الصحة ومساهماتها في أنظمة التأمينات العامة وشبه العامة] فتقدر بنحو /1100/ مليار ليرة" أي أن ما ستتحمله الدولة كعبء إضافي هو هذا المبلغ الأخير فقط حسب تقديرات الوزير شربل نحاس.

 

اعتمدت التقديرات التي استند إليها الوزير شربل نحاس، إذن، على المعطيات الإحصائية لصندوق الضمان الاجتماعي. وكان هذا الاعتماد سبباً من الأسباب التي أدت إلى الوقوع في أخطاء جسيمة في تقدير الكلفة، وهذا ما يتبين من خلال التوضيحات التالية:

  • إن الأرقام التي ترد في قطع حسابات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والمتعلقة بنفقات فرع ضمان المرض والأمومة تمثل المبالغ المدفوعة فعلاً كحركة صندوق، ولا تمثل الكلفة المتوجبة على هذا الفرع. والفرق بين المتوجب والمدفوع أدى إلى تراكم الفواتير غير المسددة للمضمونين والمستشفيات حتى بلغ رصيد هذه الديون في 31/12/2009 حوالي 650 مليار ليرة.
  • إن ما يسدده صندوق الضمان الاجتماعي للمضمون أو للمستشفى لا يشمل إلاّ جزءاً من قيمة الفاتورة الصحية. والحقيقة أن هناك نسبة من النفقة يتحملها المضمون مباشرة وتسمى "البطاقة المعدِّلة" أو Ticket Modérateurفهذه "البطاقة" تبلغ كلفتها في العنايات داخل المستشفى 10% من مبلغ الفاتورة وتبلغ كلفتها في العنايات خارج المستشفى 20% من مبلغ الفاتورة.
  • يضاف إلى ذلك، أن المضمون يضطر غالباً أن يدفع من خارج الفاتورة مبالغ من جيبه الخاص إلى المستشفيات التي لا تتقيد بتعرفة الصندوق الطبية، المجمدة منذ سنة 1996 ولا تقل هذه المالغ، على نحو وسطي، عن 20% من الكلفة.
  • كما يدفع المضمون أتعاب الطبيب المعالج التي تصل أحياناً إلى أضعاف تعرفة الصندوق المحددة بـ33 ألف ليرة.

إن هذه المبالغ التي يتحملها المضمون من ضمن الفاتورة ومن خارجها تدخل كلها في مجمل الفاتورة الصحية ولكنها لا تدخل ضمن إحصاءات الضمان الاجتماعي التي اعتمدتها الدراسة.

  • يضاف إلى ذلك:

إن فاتورة الضمان الصحي ليست مثقلة بنفقات العناية الصحية للمسنين باعتبار أن هذا الضمان لا يقدم العناية للمتقاعدين في القطاع الخاص، باستثناء والدي المضمون.

  • أن الفئات الفقيرة التي كانت تهمل متابعة وضعها الصحي، بسبب ضيق ذات اليد، وخاصة فيما يتعلق بالأمراض المزمنة، ستزيد من درجة هذه المتابعة مما سيزيد من الكلفة.
  • أن معظم المستشفيات هي مؤسسات خاصة تبغي الربح، وستحفزها زيادة الطلب المدعوم مالياً من جهة مليئة إلى زيادة إنتاج الخدمات الصحية تحقيقاً للربح وهو ما يؤدي إلى تعاظم الكلفة المحتملة لهذه المقترحات.

 

إن اعتماد الدراسات المحلية والدولية المتعلقة بتقدير مؤشر الإنفاق الصحي بالنسبة للناتج المحلي القائم، من شأنه أن يوفر الطريقة الأسهل والأسلم لتقدير القيمة الإجمالية للفاتورة الصحية. وكان معالي الوزير نفسه قد حدد القيمة الإجمالية للفاتورة بالنسبة للناتج المحلي القائم بـ8% لسنة (2009) وكان أيضاً قد حدد هذا المؤشر في كتابه "حظوظ اجتناب الأزمة وشروط تخطيها" بـ10% من الناتج المحلي القائم (1999). كما أن منظمة الصحة العالمية كانت قد حددت المؤشر المذكور في تقريرها المتعلق "بالصحة في العالم" (2008) بـ8.8%.

 

فلو أخذنا النسبة الأقل وهي 8% وطبقناها على الناتج المحلي البالغ حالياً 40 مليار دولار لحصلنا على القيمة الإجمالية لما ينفقه لبنان على الصحة وهي: 3.200.000.000$ دولار أي ما يساوي 4.800.000.000.000 ليرة (أربعة آلاف وثمانمئة مليار ليرة. أي أكثر من ضعفي الرقم الوارد في الدراسة.

خلاصة هذا الأمر أن تقدير الكلفة الإجمالية لمشروع التغطية الصحية الشاملة كما أورده الوزير نحاس هو أقل بكثير من الكلفة الحقيقية المحتملة. ونخشى، إذا طبق هذا المشروع كما هو، أن يدخل الدولة ذات المديونية العالية، في أزمة مالية خطيرة ويسير بها نحو ما يشبه الحالة اليونانية.

 

ثالثاً: طريقة تطبيق التغطية الصحية الشاملة وتمويلها:

تتحقق التغطية الصحية الشاملة عادة بأحد الخيارات التالية:

  • إما بإنشاء نظام وطني للحماية الصحية يشمل جميع المواطنين، حتى المقيمين بصورة شرعية حيث تتولى الدولة إدارته وتمويله بالكامل من الضرائب [كما هو الحال في المملكة المتحدة وكندا].
  • وإما بتوسيع نطاق التأمين الاجتماعي الصحي بصورة إلزامية ويتولى نظام الضمان الاجتماعي إدارته. ويموّل بالاشتراكات التي يتحملها أصحاب العمل والعمال والدولة [كما في فرنسا].
  • وإما بإنشاء نظام عام يتولى تأمين العناية الصحية لفئات المواطنين غير المشمولين بحماية نظامية أخرى يمول بالضرائب وتديره الدولة وتبقى الأنظمة الأخرى مستمرة في نشاطها ضمن النظام المرسوم لها [كما في تايلاند].

إن معظم الدول التي طبقت التغطية الصحية الشاملة اختارت التعددية في التمويل بدلاً من المموِّل الواحد لأن التعددية تراعي خصائص كل فئة سواء في وضعها القانوني أو في علاقات العمل أو في الحقوق المكتسبة، وتخفف من الضغط على المالية العامة.

 

رابعاً: إدارة النظام:

لقد جاء في ورقة المشروع "أن النظام يحل محل فرع ضمان المرض والأمومة ويعهد بإدارته إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي".

إن إيكال إدارة النظام إلى صندوق الضمان الاجتماعي تتناقض مع طبيعة النظام المقترح وهو نظام وطني يموّل كلياً من موازنة الدولة بينما تقوم فكرة الضمان الاجتماعي على التضامن والتكامل الاجتماعي ويجري تمويله بالاشتراكات المبنية، عادة، على الأجور.

هذا فضلاً عن أن حاكمية الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تتكون من فرقاء الإنتاج أصحاب العمل والعمال والدولة وهذا التكوين لا يتمثل فيه سائر المعنيين بالنظام الجديد، كالعاملين في الاقتصاد غير المنظم.

إن الشرط الأساسي لنجاح أي إصلاح يرتبط بقدرة وكفاءة الإدارة التي ستتولى تنفيذه، وكذلك بمقدار الثقة التي نجحت في تحقيقها من خلال ممارساتها وبما يمكن أن توحيه للناس من مصداقية. أما قول معالي الوزير أن تكليف الصندوق بالإدارة المذكورة "سيكون بالتزامن مع إصلاحه وتمكينه"، فإنه غير واقعي وينم عن تفاؤل مفرط وثقة بمؤسسة استعصت على كل محاولات الإصلاح على مدى عدة عقود.

 

خامساً: العقبات:

يواجه تنفيذ المشروع عقبات عديدة، أبرزها:

  • صعوبات التمويل وفق ما هو مبين أعلاه
  • صعوبات استيعاب 45% من السكان دفعة واحد ومن خلال إدارة غير مؤهلة لهذه المهمة الهامة والمهمة، حيث لا يزال المضمون فيها يحمل إلى مكاتب الضمان الاجتماعي عبوات الأدوية المستهلكة في أكياس حتى يسترد جزءاً مما أنفقه بعد أشهر عديدة.

 

خلاصـــة:

إن الخيار المنطقي والمقبول لتطبيق التغطية الصحية الشاملة والذي يراعي الوضع اللبناني، يمكن أن يكون في تعدد التمويل وتعدد الأنظمة، فتبقى الأنظمة القائمة حالياً تعمل ضمن ميدان اختصاصها، وينشأ نظام عام جديد يمول بالضرائب وباشتراكات معتدلة يمكن أن يعفى منها ذوو الدخل المنخفض ويديره نظام تابع مباشرة للدولة ويقتصر نطاق تغطيته على السكان غير المشمولين بحماية الأنظمة الأخرى. على أن يعاد النظر في تقدير كلفة الفاتورة الصحية في ضوء الملاحظات المبينة في هذا التقرير.

 

رفيــق سلامــة

كتب الخبير رفيق سلامة مقالة مطولة نشرت في جريدتي اللواء والمستقبل في منتصف شهر كانون الاول من العام 2001 تحت عنوان : مناقشة موضوعية لمشروع وزير العمل شربل نحاس المتعلق بالتغطية الصحية الشاملة

في ما يلي نصها :

التاريخ: 
ثلاثاء, 2011-12-27