مازن سويد يكتب عن القرار بشأن الاجور : اوقفوا الكارثة

-A A +A
Print Friendly and PDF

نشرة جريدة النهار في 28 /12/2011  مقالا للدكتور مازن سويد حذر فيه من مغبة استمرار الحكومة في قرارها بشأن الاجور الذي قدم باقتراح من وزير العمل شربل نحاس :

 يشكل القرار الصادر عن الحكومة في ما خصّ الأجور انقلابا على المبادئ والأسس الاقتصادية التي قام عليها لبنان ونصّ عليها دستوره وكانت في أساس نموه وارتفاع مستوى معيشة أبنائه بالمقارنة مع محيطه العربي خارج مجموعة الدول النفطية ومع أقرانه من دول العالم. إلا أنّ هذه الحكومة قررت تخطي قواعد التفاهم المعمول بها وكذلك تخطي الاتفاق الذي توصل إليه طرفي الإنتاج أي أرباب العمل والعمال وذلك خلافاً للقواعد التي درجت الحكومات على اعتمادها في هذا الشأن وهي قد فرضت قراراً آخر يرفضه بوضوح أحد الطرفين (أي أرباب العمل). وهذه سابقة خطيرة لها تداعياتها السلبية الكبيرة على الصعد القانونية والدستورية في الشكل والأسلوب. هذا فضلاً عن كونها تشكل رسالة سلبية بالنسبة لأرباب العمل الحاليين وللمستثمرين المحتملين في المستقبل والذين سيترددون في دخول مضمار العمل الاقتصادي اللبناني عندما يشعرون أن هذا الاقتصاد بدأ يتحول لكي يصبح اقتصاداً موجهاً وليس اقتصاداً حراً يعتمد مبدأ حرية التعاقد، مع ما يعنيه هذا التحول من تداعيات وتأثيرات على المبادرات الفردية وعلى حيوية الاقتصاد ومعدلات النمو التي يمكن للاقتصاد تحقيقها وبالتالي على فرص العمل المتاحة والمحتمل إتاحتها للبنانيين في المستقبل وذلك في مرحلة خطيرة ودقيقة تمر بها منطقتنا العربية والعالم على حد سواء، حيث تندر فيها فرص العمل على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

 

والحقيقة أن من ظهر أنه يريد خدمة الناس في هذا القرار لم يقدم لهم بالفعل سوى هدية مسمومة. فالشعب اللبناني بمعظم شرائحه سيخسر من هذا القرار نظراً لتأثيراته السلبية على النمو وعلى مستويات الأسعار والبطالة وفرص العمل الجديدة لا بل والقائمة حالياً.

 

فالفقر في لبنان، وهو ما دلّت أحدث الدراسات على انه حالة اقتصادية أولاً، أي حالة مرتبطة بالبطالة وعدم توافر فرص العمل. ولذلك فإن مستويات الفقر سوف تزيد حتماًَ بفعل هذا القرار.

 

أما بالنسبة للشباب والشابات من الفئات الاجتماعية المعرضة للتهميش، فإنه ستتلاشى من أمامهم فرص العمل بفعل هذا القرار. وبينما سيستفيد نظرياً بعض المشتركين في مؤسسة الضمان الاجتماعي إلاّ أنّ غالبية العاملين في لبنان ومعظمهم غير مشترك في مؤسسة الضمان يتأثرون من ارتفاع الأسعار الذي ستسببه هذه الزيادة، تماماً كما ستتأثر بارتفاع الأسعار أكثر من غيرها الفئات المعرضة للفقر المدقع فضلاً عن تأثر باقي اللبنانيين سلباً جراء ارتفاع الأسعار.

 

على هذا فإن معارضتنا هذا القرار تنبع من حرصنا أولاً على الفئات المهمشة وثانياً على الشريحة الأكبر من الشعب اللبناني الذي يدعي هذا القرار الشعبوي خدمتها بينما الواقع أنه يوقع الضرر بها.

 

أما في ما يتعلق بالجوانب المالية والاقتصادية لهذا القرار المتعجل وغير المدروس، فإنّ التداعيات المالية التي ستترتب على القطاع الخاص كبيرة بحجمها وتأثيراتها. ولكي نفصل هذه التداعيات، علينا أولاً أن نحسب الكلفة الإضافية التي سيتحملها أرباب العمل بنتيجة هذا القرار وهي كلفة مرتفعة جداً، كما يتبين لاحقاً، حيث أنها لن تؤثر فقط على وضعهم المالي في السنة المقبلة والسنوات اللاحقة (Income Statement Effect) ولكن على مجمل ميزانياتهم (Balance Sheet Effect) وذلك بحكم المؤونات الضخمة التي سيتوجب عليهم لحظها وتداعيات كل ذلك على جدوى الاستمرار في مستويات أعمالهم وكذلك على المجالات المتاحة من أمام الكثير منهم في خلق فرص العمل الجديدة.

 

لنبدأ أولاً بالكلفة المباشرة التي ستترتب عن هذه الزيادة في العام 2012. فالزيادة التي أقرها مجلس الوزراء تقسم إلى قسمين: الأول هي الزيادة بحكم إدخال بدل النقل (236000) إلى أصل الراتب ومنح 18% علاوة عليه ما يعني زيادة الراتب شهرياً بحوالي 185 دولاراً أميركياً (1500/1.18×236000). والواقع أنّ بدل النقل كان يعطى من قبل المؤسسات ولكن مبلغه لم يكن ليصل إلى هذا الحد الملحوظ في القرار فبدل النقل هو 8000 ليرة يومياً وبالتالي فإنّ إعطاء بدل نقل بمبلغ 236 ألف ليرة كما نص قرار الحكومة يعني أن وزير العمل اعتبر أنّ معدل أيام العمل في الشهر هي 25 وقد أعطى 18% على أصل هذا البدل الذي اعتمده قبل أن يزيده على الأجر ويفرض زيادة بنسبة 18% على المجموع ما يعني أنه أعطى 18% على بدل النقل مرتين.

 

الواقع أن معاليه ارتكب أكثر من خطأ فادح في هذا الصدد، فمعدل أيام العمل الفعلي في الشهر هي 20 يوماً (إذا ما احتسبنا أيام الأحد لجميع المؤسسات والسبت لمعظم المؤسسات وأيام الإجازات الرسمية والخاصة والإجازات المرضية). وعليه فإن معدل كلفة بدل النقل التي تدفعه المؤسسات هي في حدود 105 دولار أميركي في الشهر (1500/20×8000). هذا يعني أن قرار الحكومة حمّل أرباب العمل كلفة إضافية قدرها 80 دولار أميركي في الشهر في ما خصّ بدل النقل وحده أي انه حمل القطاع الخاص كلفة سنوية لـ 357 ألف موظف (عدد المشتركين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي) تقدر بـ343 مليون دولار أميركي (12×80×357000) سنوياً. أضف إلى ذلك الزيادة التي ترتبت عن زيادة الأجور بنسبة 18% والتي إذا طبقت على معدل الأجر الذي يساوي 800 دولار أميركي فإنها تبلغ 144 دولار أميركي في الشهر، أي بكلفة سنوية سوف يتحملها القطاع الخاص قدرها 617 مليون دولار أميركي لـ357 ألف موظف في القطاع الخاص (12×144×357000).

 

وإذا ما أضفنا إلى ذلك كله اشتراكات الضمان التي سيدفعها رب العمل عن العمال لفرعي المرض والأمومة والتعويضات العائلية أي 13% ولكن على سقف 1.5 مليون ليرة، واعتبرنا أن معدل هذه الاشتراكات هو 10% تدفع على الزيادة الكاملة التي أقرت (لأن بدل النقل يدخل الآن بمجمله في أصل الأجر)، أي على 329 دولار أميركي في الشهر (144 + 185)، فإن ذلك يساوي كلفة إضافية بحوالي 140 مليون دولار أميركي (100/10×329×357000) كلفة سنوية لاشتراكات الضمان. على هذا تكون مجمل الكلفة الإضافية التي سوف تترتب على أرباب العمل في العام 2012 هي بحدود 1.1 مليار دولار أميركي (140+617+343).

 

طبعاً فإن على المؤسسات الاقتصادية أن تأخذ بعين الاعتبار أيضاً المؤونات الإضافية التي يتوجب عليها لحظها في ما خصّ تعويضات نهاية الخدمة وهي التي ستدفع على الأجر الذي سيحقق زيادة معدلها 144 + 185 = 329 د.أ. في الشهر فإذا ما اعتبرنا أن معدل سنوات الخدمة المستحقة هي 12 عاماً (وهو معدل متحفظ) نجد أن قيمة المؤونات التي يوجب على القطاع الخاص لحظها في ميزانياته ابتداء من العام 2012 هي في حدود 1.4 مليار دولار أميركي (329×12×357000).

 

والواقع أن القطاع الخاص لن يستطيع أن يحقق مداخيل إضافية لتمكينه من لحظ هذه الأكلاف السنوية الإضافية وكذلك المؤونات الإضافية دون أن يقوم برفع أسعار سلعه وخدماته بشكل كبير مما يدخل الاقتصاد في حال كارثية حيث يتزامن التضخم الكبير والانحسار الهائل في النمو وهي مرحلة (Stagflation).

 

إنّ هذه الأرقام مخيفة بحجمها وتأثيراتها وهي لا تشمل طبعاً الفئة من العمال في القطاع الخاص غير المشمولة في اشتراكات الضمان (القطاع الخاص غير الرسمي) والتي ستشكل كلفتها الإضافية ضغطاً مطرداً وكبيراً على الأسعار وكذلك ارتفاعاً إضافياً في معدلات البطالة وانحسار كبير في مجالات فرص العمل الجديدة.

 

أما بالنسبة للكلفة الإضافية والتي سيقع عبئها على القطاع العام، فقد قدرها وزير الاقتصاد 800 مليون د.أ. سنوياً فإننا نرى في الواقع أنه تقدير متحفظ جداً في رأينا إذ نعتقد أن الكلفة بحسب تقديراتنا سوف تتجاوز 1.4 مليار دولار أميركي. وهذه الكلفة الإضافية سوف تأتي في ظل عجز كبير في الميزان الأولي (بحسب مشروع موازنة 2012) قد يفوق 1.7 مليار د.أ. إذا ما أقرت هذه الزيادات، من دون إيجاد موارد إضافية وهو ما نشكّ بإمكانية تأمينه في ظلّ التدهور الكبير الحاصل في الوضع الاقتصادي المحلي. أضف إلى ذلك، فإنه من المتوقع أن يتكرر العجز في ميزان المدفوعات الذي تحقق في العام 2011 في العام 2012. وعليه فإننا سنكون في مواجهة ما يسمى بتوأم العجز (Twin Deficits)، أي عجز الميزان الأولي وعجز ميزان المدفوعات وهو المؤشر الخطير جداً على صعيد الاقتصاد ككل.

 

في ظل هذا الوضع الإقليمي المتأزم والتدني الحاصل في نسبة الزيادة في ودائع القطاع الخاص لدى المصارف وارتفاع نسبة الدولرة في القطاع المصرفي التي أدت وما تزال إلى شحّ السيولة بالليرة اللبنانية لدى المصارف، وبالتالي إلى تدني نسبة الاكتتاب في سندات الخزينة واضطرار مصرف لبنان إلى التدخل شارياً لهذه السندات لتأمين حاجات الخزينة للتمويل فإنه لا بدّ في المحصلة لهذه الزيادة من أن تؤدي إلى زيادة في معدلات الفوائد. وذلك سيحصل بعد عشرة سنين من العمل المضني الذي بذلته الحكومات الماضية من أجل خفض معدلات هذه الفوائد وهو الأمر الذي سيدخل البلاد واقتصادها بحلقة خطيرة من ارتفاع الفوائد وارتفاع الأسعار ستكون لها نتائج كارثية على المالية العامة وعلى الاقتصاد. هذا ناهيك عن الآثار السلبية الكبيرة التي سوف تترتب على الاقتصاد وعلى معدلات التضخم وعلى فرص العمل والتي سيكون أصحاب المداخيل المحدودة والفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع أكبر ضحايا هذه الهدية المسمومة التي قدمتها لهم هذه الحكومة.

 

إنّ قرار الحكومة المستعجل وغير المدروس والشعبوي (واللا شعبي) سوف يجر لبنان إلى وضع اقتصادي كارثي ولهذا السبب يجب تدارك هذا الخطأ الفادح وبالتالي يجب إسقاطه حفاظاً على ما تبقى من فرص ولو ضئيلة لاستعادة العافية في الاقتصاد الوطني وحفاظاً على الأسس التي قام عليها لبنان كما نصّ عليه دستوره.

التاريخ: 
أربعاء, 2011-12-28