الرئيس السنيورة في تكريم كمال الصليبي : تميز باثارة الجدل والنزاهة الفكرية والمهنية والموقف القومي والوطني والحضاري

اقامت الجامعة الامريكية عند الخامسة من بعد ظهر امس في قاعة الاسامبلي هول احتفالا تأبينيا للمؤرخ الراحل الدكتور كمال الصليبي والقى الرئيس فؤاد السنيورة كلمة في المناسبة تحدث فيها عن ميزات العالم والمؤرخ الصليبي في حضور الرئيس حسين الحسيني وحشد من الباحثين والمهتمين وطلاب الجامعة والاساتذة وقد تخلل الحفل كلمات لكل من الامير حسن بن طلال ورئيس الجامعة الامريكية بيتر دورمنت والقسيس حبيب بدر والدكتور طريف الخالدي والدكتور عبد الرحيم حسين . وقد اعتبر الرئيس السنيورة ان المؤرخ الراحل تميز بثلاث خصال وميزات اولها انه كان اكثر المؤرخين العرب واللبنانيين الذين اثاروا جدالا واسئلة عبر الابحاث التي نشرها وثانيها انه كان مثقفا نزيها كتب التاريخ من أجل التاريخ وثالثها ان موقفه الوطني والقومي كان متميزا لا يقبل وصاية من احد بل يتمسك بالنقاط الحضارية اللبنانية والعربية،
وفي ما يلي نص كلمة الرئيس السنيورة في الاحتفال :
حضرة رئيس الجامعة الأميركية الدكتور بيتر دورمان،
حضرات الأساتذة والطلاب الكرام،
أيُّها الحفل الكريم،جئتُ إلى هذا الحَفْلِ المُوَقَّرِ مُلبّياً كريمَ الدعوة، شاكراً إدارة الجامعة والقيِّمِينَ على المؤتمرِ لدعوتي للمشاركةِ في هذه المناسبة، إذ ليس أحبَّ على قلبي من المساهمةِ في تكريمِ مُجَلِّين ومُبْدِعينَ نالوا الفرادةَ والألمعيةَ والتألق، إذ أتيح لنا شَرَفُ التعرُّفِ إليهم والعيشِ في مدينةٍ واحدةٍ مَعَهُمْ، بل في حيٍّ واحد، نَحْنُ وَهُم، والتعلُّمِ إلى جانِبِهِم أو على أَيدِيهِم في الجامعةِ ذاتِها وهي جامعتُنا الأميركيةُ في بيروت التي نفتخرُ ونعتزُّ بها وبِتَارِيخِها وبِطُلاّبِها وأساتِذَتِها وبالمشرِفِينَ عَلَيْهَا.
لقد جئتُ اليومَ تواقاً للحديثِ عن مفكّرٍ ومبدعٍ من لبنان؛ عن مؤرّخٍ تميّزَ بدقّةٍ وأمانة، مُجَرّدتينِ من أيّةِ أغراضٍ أو أهواءٍ أو تقصُّدٍ لتحريفٍ أو افتئات.
في مثلِ هذا اليوم، عامَ ألفٍ وتِسعِمائةٍ وتسعةٍ وعشرين، كان لبنان على موعدٍ مع ولادةِ عالِمٍ، ما لَبِثَ أن شَرَعَ، وهو في سنّ الشبابِ، في خَرْقِ المحظوراتِ بحثاً عن الحقيقةِ التاريخيَّة.
كمال الصليبي، المُكاشِفُ والمُجاهِر، الذي اختطّ لنفسِهِ مبدأَ الشَكِّ منهجاً يُفرِزُ به، وينقّبُ ويدقّقُ من خلاله في المُسلَّماتِ والانطباعاتِ الرَّاسخَة. وقد جَعَلَهُ ذلكَ جَديراً بأن تُطْلَقَ عليه تسميةُ الباحثِ التاريخيّ العرَبيِّ المتفرد لجهتَي الاستحسانِ والانتقادِ معاً.
امتَلَكَ كمال الصليبي تركيزاً رُؤْيَوِياًّ بعيدَ المَدَى، وثقافةً شُمُوليَّةً غزيرةً متدفّقة، مُستمَدَّةً من سَعَةِ عِلْمِهِ واطِّلاعِه على المناهجِ النقديةِ الحديثةِ لعلم التاريخ، مما جَعَلَهُ قادراً على طرحِ الموضوعاتِ التاريخيَّةِ السِّجَالِيَّة ومُعَالَجَتِهَا. وقد اتَّخذَ هذا المنهجَ العِلْمِيَّ الشَّكِّيَّ طريقةً له في إعادةِ قراءةِ تاريخِ لبنان والمِنْطَقَةِ العربية، القديمِ والحَدِيث، والنَّظَرِ في الأحداثِ والمُجْرَيات نظرةً أخرى.
السادة الحضور،ثلاثُ خِصَالٍ مَيَّزَتْ كمال الصليبي الذي نحتفلُ بذكراه اليومَ ونَسْعَى إلى تَكْريمِه. الميزةُ الأولى: هي أنّهُ المُؤَرِّخُ العَرَبِيُّ اللبنانيُّ الذي تجرأ على مسلّماتٍ سَكَنَت ذاكرتَنَا فصارت كُتُبهُ الأكثرَ إثارةً للجدل والأسئلة والنّقاش، بين صفحات التَّاريخِ التي عاصرناها أو قرأناها.
فعلى المستوى اللُّبنَانِيّ، كان كتابُهُ "تاريخُ لبنانَ الحديث" خُطْوةً مُتَقَدِّمَةً في تأصيلِ الرُّؤيةِ الكَيَانيَّةِ اللبنانية، ليعودَ ويُقوِّضَ في كتابيه "مُنْطَلَقُ تاريخِ لبنان" و"بيتٌ بمنازلَ كثيرة" أساطيرَ كثيرةً، ولِيُرسيَ تاريخَ لبنانَ الواقِعيّ غيرَ المُفْتَعَلِ أو المُبَالَغِ فيه من جهة، ولِيُبْرِزَ حقيقةَ التَّزَاوُجِ بين اللُّبنانيَّةِ والعروبة، باعتبارِهِما عُنْصرَيْنِ متكاملَيْنِ يُؤسِّسَانِ الدَّارَ الواحدةَ، ويُفْسِحَانِ المجالَ للمنازل الكثيرة.
على المستوى العربي، أثار كتابُهُ "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، وما يزال، الكثيرَ من النِّقَاشَاتِ والأسئلةِ التي لن تَضَعَ أوزارَها بسهولة، ولا أحدَ يعرفُ نهايتَها، خاصةً وأنه قَدَّمَ روايةً مُنَاقِضَةً للرِّوايةِ التَّوْراتيَّةِ الشَّائعةِ عن تاريخِ العِبْرانِيِّينَ واليهود.
ثمّ انتقلَ بعد ذلكَ إلى الجِدَاليَّةِ الأكبر عبرَ كتابِهِ "البحثُ عن يسوع"، والذي طرحَ فيه نظريةً جديدةً أيضاً حول شُخُوصِ المسيح، وحول مَصَائِرَ الأصولِ وَتَطوُّرَاتِها التأويليَّةِ والتاريخيَّة
لقد تَنَسّك كمال الصليبي في محراب البحثِ والتنقيب، فأصابَ وأخطأ، لكنه ظلَّ صادماً وظلَّ نزيهاً في عرضِ ما أوصلَهُ إليه اجتهادُهُ وتأويلُه. جعل مِن مَنْهَجِهِ في إعادةِ قراءةِ تاريخِ لبنان، إستراتيجيةَ اكتشافِ الثّغَراتِ والفراغاتِ والمسكوتِ عنه. أما مَنْهَجُهُ في قراءةِ تاريخِ المِنْطَقة، وتاريخِ العربِ القديم، فيعتمدُ إستراتيجيةً فيلولوجيةً إذا صحَّ التعبير، مفكِّكاً أسماءَ الأعلامِ والأماكنِ عما يعتقدُه مسلَّماتٍ لاحقة، ومُعيداً ربْطَها بِجُغْرافِيّتِها الأَصْلِيّة حَسْبَمَا توصَّلَ إليه. وما وَافَقَهُ كثيرون على ذلك، ولهذا قُلنا إنه كان صادماً. لكنه كان مستعداً لمراجعةِ اجتهادِهِ وتأويلهِ، ولذلك قلنا إنه كان نزيهاً.
نعم، لقد اجتهدَ كمال الصليبي، وهو ربما بَالَغَ في الاجتهادِ في رأي الكثيرين. حيث اختارَ العُزْلةَ الطوعيةَ مُكَرّساً كلَّ سِنِينَ حياتِهِ في سبيل الاجتهاد. وهو، لذلك، يستحقُّ الأجر، كما جاء في حديث رسولِ الله:إذا حَكَمَ الحاكمُ فاجتهدَ وأصاب، فَلَهُ أجْرَان، وإذا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فأَخْطَأ، فَلَهُ أَجْرٌ واحِد".
السادة الحضور،
الميزةُ الثانيةالتي طَبَعَتْ كمال الصليبي هي أنه جعل ثقافته مسلكاً للنزاهَةِ الفكريةِ والشخصيَّةِ والمِهنِيَّة.
قيلَ الكثير عن عَلاَقةِ أهلِ القلمِ بأهل السَّيْف، أي علاقةُ المُثَقَّفِ بالسلطة، لكن كمال الصليبي كان من بين قلائلَ لم يَضَعُوا القلمَ في خِدْمَةِ السَّيْفِ أو أنه ما سعى أبداً لاستخدامِ القلمِ من أجلِ الاقترابِ من السُّلطةِ أو حِيَازةِ رِضَاها. لم يَرْتَزقْ على بابِ أحدٍ ولم يتصرفْ بِشَعبويةٍ ولم يطلب الشهرة. لقد انصَرَف كمال الصليبي إلى البحث العلمي، ولمْ يُبدِّلْ مسعاه أو هدفه.
كان يقول لمن حولَه: التاريخُ للتاريخ، أي أنه يعملُ في التاريخ من أجل التاريخ نفسه، فأنتجَ وأبدعَ وكان منسجماً مَعَ ذاته ومَعَ تاريخهِ وثقافتهِ وعِلمه، فلم يُطالبْ بمنصبٍ أو يركضْ خلفَ جاهٍ أو مَوْقع، وبقي عالماً متنسِّكاً منصرفاً إلى المهنة أو المهمة التي نَدَرَ نفسه لها، أي إلى إنتاج الثقافة والمعرفة والحقائق، يكتب ما يعتقدُهُ صحيحاً حتى لو لم يَعْجُبْ الآخرين.
لقد كتب كمال الصليبي في أكثر من مرة أنه "ما من قوةٍ في العالم تستطيعُ أن تفرضَ شيئاً على شعبٍ كاملِ العقل ومُدَرّبٍ على استعمالِ عقله. الفِخَاخُ يَنْصبُها الأذكياءُ ليقعَ فيها الأغبياء. لكنْ ليس للنّبيهِ أن يقعَ في كلِّ فَخٍّ يُنْصَبُ له".
أما الميزةُ الثالثة التي اختص بها كمال الصليبي فهو موقفه الحضاري والوطني والقومي، ففي حواراتِهِ التي أجراها في سِنيّ حياته الأخيرة، وهي متعددة، يقولُ كمال الصليبي بصوت واضح: إني عربيٌّ لبنانيّ... وأعتقد أنه من المُخْزِي لي أن أعتمدَ على أيِّ قِوىً غيرِ عربيةٍ أو غيرِ لبنانيةٍ في العالم لِتُنفِّذَ لي ما استطيع أنا وأمثالي أن نحقِّقَه لأنفسنا.هكذا عَرَفْنَا كمال الصليبي، الباحثَ الجريءَ الشديدَ الاعتزازِ بعروبته وبانتمائِهِ الثقّافي المَشْرِقِي العربيّ، وهو طالما أكد أن العروبةَ بالنسبةِ إليه "انتماءٌ إلى ثقافةٍ، وإلى تاريخٍ ولغةٍ وشعبٍ وجغرافيا".أيها السادة،كنتُ لا أزالُ على مقاعدَ التحصيلِ العِلْمِي في الجامعة الأميركية في بيروت عندما كان الدكتور كمال الصليبي يشغلُ مَنْصِبَ المستشارِ الأكاديمي لنادي "الرابطة اللبنانية" فيها... كان يهجُسُ، وإلى حدّ بعيد، بنزوعٍ شديدٍ إلى الهويةِ الخاصّةِ لوَطَنِه، وبالصّيغةِ الفَريدَة، والوطنيَّةِ الفريدَةِ المنفصلة عن محيطها، وبتمايُزِ تاريخِ هذا البلد عن تاريخ سائر البلدان المجاورة.
وفي نظرةٍ مقارِنةٍ بين الذاتِ والآخر الغربي، يقول في آخر مقابلةٍ مُطوّلةٍ له: إنّ مركزيةَ الغرب ليست بالضرورة نَمَطاً للتطورِ ولطريقةِ الحُكْم. لنفترض أنه يجبُ أن تكونَ لدينا نهضةٌ على الطريقةِ الأوروبية، وكذلك إصلاحٌ ديني... لكن ليس بالضرورة أن يكونَ الغربُ معياراً للتقدم والتحضر... وهو الذي لم يفارقْ بيروت ورأسَ بيروت في خضمِّ الحرب وأيام الحصارِ الإسرائيلي لها في العام ألفٍ وتسعمائةٍ واثنينِ وثمانين. وهو قد غادرَها بعد ذلك إلى عَمّان ليؤسس "المعهد الملكي للدراسات الدينية". ويمضي ليقول: "أنا أعتقدُ أنّ أهلَ رأسِ بيروت أحسنُ من سكانِ الغرب. هؤلاء عشتُ مَعَهُم في أثناء الحرب الأهلية، أي عندما كانوا يستطيعون القولَ لي: أنت غريب. ولم يحدثْ بيننا إلاّ كلّ ما هو طيّب. هل نيويورك مقياسُ الحضارة؟ إذا انقطعت الكهرباء لساعات تُنهبُ المدينةُ كلُّها بشكلٍ هَمَجِيّ".لقد أخذ كمال الصليبي على نفسه مهمّةَ إعادةِ قراءةِ التاريخ اللبناني من جديد، وتوصّل إلى استنتاجٍ قد يكونُ أقربَ إلى الواقعية، وهو أن لبنان "بيتٌ بمنازلَ كثيرة"، وأن الحرب الدموية الطاحنة التي أنهكته قرابة خمسة عشر عاماً ما نفعت في الاستئثار بالتاريخ أو بالحاضر.إنها الحربُ التي دفعت بكمال الصليبي إلى أن يُعيدَ النظر مجدداً في رؤيته لمفاهيم "القومية" و"الفرادة" و"الكيانية" اللبنانية، بعدما كشفَ حجمَ التضارُبِ الصارِخ بينها وبين مفاهيم العروبة و"القومية العربية" و"الوحدة العربية"، وأَدْرَكَ مدى خطورة هذا التضارب المصطَنَع على بناء الدولة اللبنانية القوية ذات الحصن المنيع في خِضَمّ التَّقلُّباتِ الإقليمية والدولية. إنها بالفعل رؤيةٌ إرادويةٌ غيرَ تاريخيَّة، ولذلك فإنّ الخروجَ منها هو عودةٌ إلى تلك الانسيابيةِ التاريخيةِ بين الخاصّ والعامّ في تاريخِ المنطقة وتاريخ العرب.لقد تغيّر كمال الصليبي، وتغيّر كثيراً. جاهرَ في مُعارضةِ نفسه، فكان أفضلَ من عبّرَ، بصورةٍ واقعيةٍ شفّافة، عن تطورِ المراحل السياسية والتاريخية في لبنان والعالم العربي. صار أكثرَ انفتاحاً على مَنْ كانوا في خصومةٍ معه، خاصَمَهُم أو خاصَمُوه لأنّ العروبةَ كانت تُواجِهُ الفِكرةَ اللبنانيةَ، ولأن الفكرةَ اللبنانيةَ كانت تخشَى العروبةَ، بل وفارقَ كمال الصليبي بعضَ من أَبْعَدَتْهُ عنهُمُ انقساماتُ الطّلابِ والأساتذةِ في الجامعةِ الأميركيةِ في بيروت، وجاءت مُصالحَتُهُ معَ فئةٍ منهُم بمثابةِ مُصالحَةٍ بين لبنانيَّتِهِ ووطنيَّتِهِ وعروبتِه. وهذا ما فسر بعد ذلك في مقولته الشهيرة بأن لبنان يستمد خصوصيته من انتمائه العربي ولا يستمدها ضد ذاك الانتماء.إن الدراسات التي وضعها حول تاريخ لبنان واللبنانيين خلال الحرب وبعدها، تُوضحُ أسبابَ التحوّل الفِكري لديه في هذا الشأن، وهو يقول في معرِضِ وصفه لقوى الصراع على لبنان: "منذ البدايات الأولى، كانت هناك في لبنان قوةٌ اجتماعيةٌ اسمُها العروبةُ تعملُ من خارج البلد ومن داخله، تقف وجهاً لوجه أمام قوةٍ اجتماعيةٍ أخرى تتمثلُ بالخصوصيةِ اللبنانية. وكانت القوتان تتصادمانِ حول كلِّ موضوعٍ أساسيٍّ بشأن البلد، مما مَنَعَ التطورَ الطبيعيَّ للدولةِ وأبقى شرعيتَها السياسيّة وإمكانيةَ ديمومَتِها موضعَ جَدَلٍ مستمِرٍّ لم يصل إلى نهايةٍ بعد".لقد كان كمال الصليبي على قناعةٍ تامة بأن مسيِحيي هذا الوطن يحملون وعياً رسالياًّ لا يمكن فصلُه عن مسارِ الوعي الرِّساليّ الذي يحملُه المسيحيون في سائرِ المشرق العربي. وهي قناعةٌ تستند في أبعادها على رؤيةٍ شاملة مفادُها أن المسيحيين العرب عموماً كانوا في طليعةِ صُناّع النهضةِ الوطنيةِ والعربيّةِ في هذا المشرق. من هنا، انطلق في تحذيره للمسيحيينَ وللمسلمينَ معاً، حينما قال: "لقد أَجْلَت الصهيونيةُ اليهودَ العَرَب من المِنطقة، فحذار أن تَنْجَحَ الأُصوليّاتِ الدّينيّة في إخراجِ المسيحيين منها".وهي الرؤيةُ ذاتها التي قدّمها في محاضرته الأخيرة في مؤتمر "إحياء الدور المسيحي في المشرق العربي" في الخامس والعشرين من أيلول عام أَلفَيْنِ وَعَشَرَة (25 أيلول 2010)، حيث قال: "إن المطلوبَ من المسيحيين العرب فقط استمرارُ وجودِهِم حيثُ هم، حتى تستمرّ الظاهرةُ التاريخيةُ التي اسمها العربُ النصارى، والتي بدونِها لن يكون هناك شيءٌ اسمُهُ عرب، فواجبٌ علينا تجاهَ أنفسِنا فَهْمُ أوضاعِنا على حقيقتِها على أننا جزءٌ من كلّ، والكَفّ عن العيشِ في الأوهام وإعادة الثقة إلى أنفسنا، بهويتِنا العربية التي نستمدُّ منها كلَّ ما نتميزُ به".وهنا أسمحُ لنفسي أن أقولَ أن كمال الصليبي كان يقصدُ بالفعل أنه، ودون المسيحيينَ ودون دورِهِم الطَّليعي في محيطِهِم العربيّ، لن يكونوا عربَ الانفتاحِ والحضارة.
كمال الصليبي، خالقُ السّجال بحثاً عن ضوء الحقيقة وَسْطَ الظّلام، المؤرخُ التنويريّ، اللبنانيُّ المشرقيُّ العربيّ، المؤمنُ بأن اختلافِ الرّأي لا يفسدُ للوِدّ قضية إلا حينما يتحوّلُ إلى مسرحٍ للتخويف وإلقاء التهم جُزافاً.هذا هو كمال الصليبي، يحفُرُ في جوف التاريخ بالمعدّات العلمية، ويُعَدّلُ بآرائه وفقاً لكشوفِ هذا الحفر، وفي حال عدم توافر الدليل لسببٍ أو لآخر، يضعُنا أمام معادلةِ الشَّك المشتعلةِ بالأسئلةِ والمحاججة، مُشرِّعاً الأبوابَ على مصراعيها لإعادةِ الحَفْر والتنقيب مجدداً، في محاولاتٍ متنامية للإخراج من يقينياتٍ تحتاجُ إلى مراجعةٍ ونقدٍ وتغيير.
لقد رَسَمَ كمال الصليبي في بحوثِه، على مدى أربعين عاماً وأكثر، مساراً مُمتَدّاً لأكثر من عشرين قرناً لهذه العروبةِ التي صَنَعَت تاريخاً عريقاً، وشعوباً ودولاً ووطنيات، وصارعت الاستعمارَ والصهيونيةَ في أجواءَ منفتحةٍ على التنوعِ والإبداعِ والتطلُّبِ الإنساني الجديد والمتقدم. وعندما رَكِبَ قطارَ الخلود، كانت هذه الإنسانيةُ الشبابيةُ والمدنيةُ العربيةُ العظيمةُ التي وضعَ فيها أكبرَ الآمال، تقومُ بإحدى كُبريات نهضاتِها ضدّ الاستبدادِ والانفصالِ والانسداد، من أجل مستقبلٍ عابقٍ بقيمِ الحرِّيَّةِ والكرامة، ومع العالَمِ وليس خارجَهُ أو في مواجهتِه.
لقد آمن مؤرِّخُنا الكبيرُ بلبنان بلداً منفتحاً على كل الثقافات وكل الأفكار من أجل نهوضِ دائمِ وتطورِ دائم.وبمثل كمال الصليبي يمكنُ للبنانَ أن يتألَّقَ ويبقى ويستمرّ.تَحْضُرُني باستمرارٍ المقارنةُ بين إسبارطة وأثينا، حيث مازلنا حتى الآن نتعلمُ من مدارسِ أثينا ونقلِّدُ أفكارَ فلاسِفَتها ومفكِّرِيها وبالكاد نتذكرُ مِيزَات إسبارطة وأسماءَ قادتِها ومُقاتلِيها.كمال الصليبي كان من بيروت الأثينية، وبيروت الرومانية، بيروت مدرسةِ الحقوق، وبيروت العربية، بيروت الأَوزاعي فقيهِ العيش المشترك، فصار أكثر انحيازاً إلى عروبته ومسيحيته. ولذلك نحن ننحازُ إليه مفكِّراً يصلُ تأثيرُه إلى حدود سؤال المسلَّمات، وإعادة كتابة التاريخ، وللتواصل والاستمرار والثقة وليس التنابُذ والقطيعة.عاش لبنان متألِّقاً نَضِراً بفكر وروح كمال الصليبي ومَن هُم على مِثَالِه، عاش العلمُ، عاش البحثُ عن الحقيقة في الجامعة الأميركية وخارجها.رحِمَ الله كمال الصليبي وَلْتَبْقَ كُشُوفُهُ التّاريخيَّةُ مدرسةً للموضوعيةِ والجرأةِ والنزاهة، بحسب ما أراد وأمَّلْ.وشكراً.
