الرئيس السنيورة : فليسفط الطغاة ولينتصر الشعب السوري

أقال رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة : ما هذا الهول الذي يحدث في سورية اليوم، وكيف يمكن تصوُّرُهُ فضلاً عن قَبوله. فليسقُطْ هؤلاء الطُغاةُ، ولتنتصر إرادةُ الشعب السوري وشهادتُهُ ونضالاتهُ. ونضاله من اجل النظام الديمقراطي التعددي الذي يعترف بالجميع ويفسح الطريق للجميع مسلمين ومسيحيين.
كلام الرئيس السنيورة جاء خلال مؤتمر اقامته يوم الاحد في 13 /5/2012 في قصر الاونيسكو الجماعة الاسلامية في الذكرى السنوية الاولى لرحيل الامين العام السابق للجماعة الشيخ فيصل مولوي، حضره رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ممثل رئيس مجلس النواب النائب محمد قباني، ممثل الرئيس سعد الحريري النائب عمار حوري، رئيس "كتلة المستقبل" الرئيس فؤاد السنيورة، ممثل رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط النائب أكرم شهيب، ممثل رئيس مجلس الوزراء الفلسطيني في غزة اسماعيل هنية الامين العام لمجلس الوزراء محمد عصفور، ممثل المرشد العام ل"الاخوان المسلمون" محمد بديع نائبه جمعة أمين، ممثل شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ نعيم حسن، امين عام لجنة الحوار الاسلامي- المسيحي الاب الدكتور انطوان ضو، مفتي صيدا والجنوب الشيخ سليم سوسان، مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو، ممثل قائد الجيش العماد جان قهوجي العقيد الركن سيمون خوري، ممثل المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي العميد عبد الرحمن غلاييني، بالاضافة الى أعضاء المكتب السياسي ل"الجماعة الاسلامية" ومسؤول العلاقات الدولية في حركة "حماس" اسامة حمدان وممثلي احزاب فلسطينية.
بدأ المؤتمر بتلاوة آي من الذكر الحكيم، ثم النشيد الوطني، ثم بث فيلم عن حياة الراحل وإنجازاته.
كملة الرئيس السنيورة
وفي ما يلي نص كلمة الرئيس السنيورة :
دولة الرئيس نجيب ميقاتي،
أصحاب السماحة والفضيلة،
الإخوة في الجماعة الإسلامية،
أيها الحفل الكريم،
ينعقد هذا المؤتمر الكريم تحت عنوان: "فقيد الدعوة وحكيم الدعاة" في هذا المكان الذي استقبل مؤتمرات مشابهة لتكريم اعلام ومجلين وقامات وشخصيات تركت أثراً كبيراً في لبنان والعالم العربي.
والحقيقة أن المبادرة إلى تكريم العلامة الشيخ فيصل المولوي مبادرة طيبة وفي مكانها الصحيح والمناسب لما عرف به راحلنا من خصال وفضائل أبرزها الحكمة والتواضع والعمق في التأثير والتأسيس.
عرفنا الشيخالمولوي أولَ ما عرفناه في القضاء الشرعي في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ومنذ تلك الفترة، اشتهر رحمه الله علماً ونزاهةً وأخلاقاً ساميةً داخلَ قاعة المحاكم وخارجها. ونقل لي من كان حاضراً أنّ الشهيدَين المفتي الشيخ حسن خالد والدكتور صبحي الصالح ذكرا في مجلسٍ تحدث فيه الشيخ فيصل مولوي ثم غادر- ذكرا عنه أنّه صالحٌ وطيّبٌ وحكيمٌ ومن أصولٍ طيّبةٍ، فأسرته معروفةٌ في طرابلس منذ أجيالٍ بالدعوة وعمل الخير والصَلاح والوَرَع. وهو خير ممثل لتاريخ اسرته ومجتمعه وبيئته الاسلامية والايمانية المتأصلة والاصيلة. وروى المفتي الشهيد حسن خالد إنه عندما عَرَضَ عليه القضاءَ أواخرَ الستينات من القرن الماضي، تردَّد وتورَّع ولم يقبل الا بعد الحاح وتمن شديد. وقد كان بالفعل كسْباً للقضاء الشرعي، ولتسديد العمل وترقيته في حفظ مقاصد الشريعة، ومصالح الناس.
لقد ذكرتُ في السطور السابقة ثلاثةً من أعلام الدين والفكر والعمل الإسلامي فيما بين السبعينات والتسعينات من القرن الماضي وهم: المفتي الشيخ حسن خالد، والشيخ الدكتور صبحي الصالح، والشيخ فيصل المولوي. وهؤلاء العلماءُ الأعلام، كانوا في الثمانينات إلى جانب آخرين، في طليعتهم العلاّمة الراحل محمد مهدي شمس الدين، بين الذين صانوا خلال سنوات الحرب والفتنة بالقول والعمل وحدةَ المسلمين، والسلامَ الداخليَّ أَوساطهم، وناضلوا من أجل علاقاتٍ أُخرى غير متشنِّجة بين المسيحيين والمسلمين.
نعم، لقد أَسهم الشيخ فيصل المولوي من موقعه في طليعة علماء المسلمين، في إعانة الجمهور على الصمود في وجه الفتنة والاضطراب، وفي الإصرار على أخلاق السِلْم والأمن والرحمة. ولا شكَّ أنه كان كذلك في التزامه من خلال "الجماعة الإسلامية".
فنحن نعرفُ بالمتابعة والنقاش والتحاوُر أنّ الإخوةَ من حول الشيخ فيصل مولوي، وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً، أصرُّوا على عدم حمل السِلاح أو الدخول في الاقتتال الداخلي مهما بلغت الضغوط، ضغوطٌ هدفت إلى تحويلهم إلى ميليشيا، كما حصل مع حركاتٍ وتنظيماتٍ أُخرى. وقد كانت هناك ظروفٌ أُخرى تُغري بالشعبية إذا جرى اتخاذ مواقف متطرفة، لكنّ الشيخ فيصل المولوي وصَحبَهُ استعصَوا عليها أيضاً، بينما وقع فيها آخرون. لقد قال رحمه الله في نقاشٍ مع أصحاب مشتركين بشأن بعض المواقف وذلك بين العامين 2006 و2008: "نحن ما حملْنا السلاحَ إلاّ في وجه الإسرائيليين، ولا شرعيةَ لمقاومةٍ إلاّ في مواجهتهم!".
ما هو مفتاح شخصية الراحل الكبير؟ مفتاح شخصيته في السلوك والعمل مع الناس هي سِمةُ الوداعة. لقد كان كذلك في الأُسرة الكريمة التي ورث تقاليدها، والأُسرة الصغيرة التي ربّاها، وفي علاقاتِهِ بأصدقائه وزملائه وبعامة الناس. بل إنه كان وديعاً في السِلْك القضائي، وفي إيثاره المصالحة والتوافُق، وكثيراً ما ردَّد قوله تعالى: "والصلح خير" وقوله: "إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما". أمّا في المجال العلمي والعامّ، فقد كان شُجاعاً على معرفةٍ وتبصُّر. يتحدث كثيرون اليومَ، وبعد بروز الإسلام السياسي في الثورات العربية، عن الموقف من الديمقراطية، ومقولة الشعب باعتباره مصدر السلطات، وعن الحكم المدني والدولة المدنية. وقد قرأْنا له في كلّ هذه الأُمور في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي، كما كنا نقرأ للشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية. وصحيح أنه ما كان هناك إجماعٌ على تلك الآراء ضمن الجماعة آنذاك، لكننا رأيناهم جميعاً في التسعينات يشاركون في الانتخابات، ويصِلون إلى البرلمان، ويُصدرون الوثائق والإعلانات المنفتحة، رافعين رايات الإسلام النزيه والمعتدل، والعامل من أجل المصالح العامة للناس، وليس في العمل السياسي فقط، بل في المؤسسات الخيرية والتربوية والإغاثية الكثيرة التي ترعاها الجماعةُ في لبنان.
أيها السادة،
أيها الإخوة،
بين الوداعة والشجاعة- وما أحْوجَ الوداعة إلى شجاعة في زمن الراديكاليات هذا- بين الوداعة والشجاعة إذن تقع شخصيةُ الراحل الشيخ فيصل مولوي. وقد دخل العالم العربيُّ في زمنٍ جديدٍ نحن أحوجُ ما نكونُ فيه إلى الأمرين: الوداعة والرحمة والتضامُن والسلمية من جهة، من أجل إحداث التغيير دونما تشقُقاتٍ وطنيةٍ أو عربية أو دينية- والشجاعة والجرأة والنزاهة في تحمُّل المسؤولية، لكي لا ينجحَ الطُغاةُ في التخويف بالبطش والقتْل الذريع من جديد، ولكي لا نخضع للراديكاليات الانتصارية أز الثأرية. لقد وقع التغيير، ودخلْنا في زمنٍ جديدٍ فيه مشكلاتٌ وإشكالياتٌ كثيرة، لكنه زمنٌ جديدٌ، ولا تُفيدُ في مواجهة إشكالياته العودةُ للماضي المُقْبض، ولا الخوفُ من المستقبل الغامض. فالذين قاموا بالثورات أو بدأوها هم في الأغلب من الفئات الشابة، وقد رفعوا شعارات الحرية والكرامة والتداول على السلطة والديمقراطية. وهذان الأمران: الفئات المشاركة، والشعارات المرفوعة، كلاهما يفتحان آفاقاً مستقبليةً لا بد من العمل عليها بكلّ ما نستطيع، وبأكثر مما نستطيع إذا صحَّ التعبير.
إنّ المسألة المطروحة علينا اليومَ بإلحاح إعادة تكوين المجتمع السياسي القادر على إدارة الشأن العام، وإقامة الحكم الصالح، ليس بموافقة الناس أو الجمهور وحسب، بل وبمشاركتهم وصنعهم أيضاً. والأمر كما قال رسولُ الله صلوات الله وسلامُهُ عليه: كلُّ الناسِ يغدو، فبائعٌ نفسَهُ فمعتقُها أو موبقُها. نحن جميعاً اليومَ باعتبارنا قوى سياسية تحت سَمْع الجمهور وبصره. والانطباعاتُ الأوليةُ تبقى لآمادٍ وآماد. فلنتّقِ اللهَ في أنفُسِنا وفي أوطاننا وجمهورِنا وأمتِنا. إنّ هذه المعاني والقيم والأخلاق في النفس والوطن والجمهور والأمة، هي الأمور التي أخلَّتْ بها الأنظمة العسكرية والأمنية العربية، مفوَّتةً المصالح الوطنية والقومية، وصولاً لاستبدادٍ وطغيانٍ مطلق وغير إنساني. ما هذا الهول الذي يحدث في سورية اليوم، وكيف يمكن تصوُّرُهُ فضلاً عن قَبوله. فليسقُطْ هؤلاء الطُغاةُ، ولتنتصر إرادةُ الشعب السوري وشهادتُهُ ونضالاتهُ. ونضاله من اجل النظام الديمقراطي التعددي الذي يعترف بالجميع ويفسح الطريق للجميع مسلمين ومسيحيين.
أيها السادة،
أيها الإخوة،
بهذا المعنى للظروف العربية الجديدة فإنّ أمامنا فرصةً وتحديات. فلا ينبغي أن نعتبر الفُرَص غنائم، كما لا ينبغي أن نحوّل التحديات إلى عداواتٍ وخصومات، وإلاّ كنا شبيهين بالذين تقضي عليهم شعوبُنا الآن في التنكُّر لحق الأمة وحق الإنسان فيها.
رحم الله العلاّمة الشيخ فيصل مولوي، رجل الدعوة والعمل الوطني والإسلامي. وعزائي لأُسرته وأصدقائه ولطرابلسَ به، وللجماعة الإسلامية التي شارك في تأسيسها وقيادتها على مدى عقود، ولسائر أعلام الفكر والعمل الإسلامي الحاضرين في الاحتفاء بذكراه رحمه الله: ﴿ألم تَرَ كيف ضرب الله مَثَلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصْلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء. تؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربِّها، ويضرب الله الأمثالَ للناس لعلَّهم يتذكَّرون﴾.
هكذا كان الراحل في وعينا، وهكذا ستبقى ذكراه، وذكرى شهدائنا من علماء المسلمين في لبنان. إنهم الأشجارُ الطيبةُ المثمرة، الذين يظلُّون النموذجَ الصالحَ لأجيالنا في الحرص على الوحدة والسِلْم والأمن، ونُصرة المظلوم، ومكافحة الظالم، والعمل من أجل الجديد النافع والواعد: "أمّا الزبد فيذهبُ جُفاءً، وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
