الرئيس السنيورة : النظام في سوريا اتقن فن افتعال المشكلات وتاليب الفئات على بعضها

قال رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد السنيورة : لقد اتقن النظام في سوريا فن افتعال المشكلات عبر تأليب مختلف المكونات ضد بعضها البعض ومن ثم التقدم لحل المشكلة. وهكذا استطاع النظام التدخل في شؤون لبنان وفلسطين والعراق وفي شؤون عربية أخرى لفترة طويلة من الزمن.
وقال :ان الربيع العربي قد اطلق عملية التغيير من خلال تنظيم انتخابات حرة. لكن الأهم اليوم من نتائج الانتخابات (التي قد نؤيدها أولا) هو الحفاظ على هذه العملية والعمل على احترامها. أن أعظم فضائل الديمقراطية مقارنةً مع أشكال الحكم الأخرى تكمن في قدرتها على تصحيح اخطائها.
اضاف: من المهمأن نعي أنه لا يمكن لأي دكتاتور أو حزب أو طائفة ضمان حقوق الأقليات، لا بل إن ذلك يتأمن من خلال احترام الدستور الذي يمنح صراحةً حقوقاً متساوية لكافة المواطنين، بما في ذلك حماية حقوق مختلف مكونات مجتمعاتنا العربية لممارسة معتقداتهم الدينية من دون أي تميز.
كلام الرئيس فؤاد السنيورة جاء في محاضرة له في لندن في كلية ادارة الأعمال وفي ما يلي نص المحاضرة :
يسرني حقاً أن أكون بينكم اليوم في كلية ادارة الأعمال في لندن واسمحوا لي أن أغتنم الفرصة لأتوجه بالشكر للعميد السير Andrew Likiermanولرئيس مؤتمر الشرق الأوسط الذي تنظمه الكلية السيد محمد الرافعي على هذه الفرصة.
سأركز في مداخلتي هذه على ثلاثة اسئلة: أولاً، هل بدأ الربيع العربي يعاني من انتكاسة؟ وهل صحيح أنه بدأ بالتحول سريعاً الى شتاء طويل ومظلم؟ ثانياً، ما هي المخاطر الكامنة وراء التحولات التي يشهدها العالم العربي بأكمله؟ ثالثاً، ماذا يمكن للعرب وللمجتمع الدولي أن يقوموا به من أجل تحسين فرص نجاح العملية الانتقالية نحو الديمقراطية والتطور، ولما الجميع معنيون؟
في ما يتعلق بالسؤال الاول، حول ما اذا كان الربيع العربي بدأ بالتحول لشتاء عربي، علينا أن نفهم أول الأمر طبيعة التحولات التي يشهدها العالم العربي.
لقد أطلقت الحركات الثورية عملية غير قابلة للتوقف: لقد شهدنا تنظيم انتخابات ومناظرات متلفزة وهتافات ومظاهرات في شوارع دول كانت فيها منذ بضع سنوات فقط كل هذه المظاهر من المستحيلات. لذا لنبدأ بالاقرار أولاً أن الأمور تغيرت: فالمارد خرج من القمقم. أما السؤال المطروح فكيف ستتطور هذه العملية وهل هي عرضة للاستيلاء عليها من قبل الأحزاب الاسلامية من خلال العملية الانتخابية؟
بالطبع، قد لا نؤيد كل نتائج الانتخابات، لكن هذا هو النظام الديمقراطي، فمن الضروري الاعتياد على انتخابات لا تسفر عن تأييد أحد الاتجاهات بنسبة 99.7٪. كما أننا في مرحلة من مراحل النمو والنضوج. فقد أدت سنوات لا بل عقود من القمع والتهميش في العالم العربي الى نشوء شعور جدي بالاحباط شكل دافعاً لصوت الأغلبية، الأمر الذي أدى الى تحقيق الأحزاب التي تسعى للاحتماء وراء الدين والعرق نتائج أفضل من الأحزاب الليبرالية والحديثة والمنفتحة في أول انتخابات حرة يتم تنظيمها. لكن الذي جرى أمر متوقع: فتماماً كما في أي منطقة اخرى من العالم، نرى، أنه في ظل الأزمات والتوترات، تلجأ الشعوب للأحزاب الراديكالية سعياً وراء الطمأنينة والأمان، اذ تميل هذه الأحزاب دوماً لتقديم اجابات بسيطة جاهزة تروق للشعب وتوفر نوعاً من اليقين الذي يصبح حاجة ماسة في ظل الارباك وانعدام اليقين.
دعونا لا ننسى كذلك الأمر أن كل هذه الحركات الاسلامية العربية اضطرت ولفترة طويلة للعمل في الخفاء وكان أنصارها عرضة لعقود من القمع والاضطهاد، فتعلموا من جراء ذلك أن ينظموا صفوفهم وأن يحسنوا سبل تواصلهم مع الناس.وها هم اليوم يظهرون الى العلن وعلينا أن نتوقع فترة معينة من البحث عن الذات، أعتقد أنه سيكون عليهم أن يتعلموا خلالها التكيف مع الظروف المحلية الجديدة ووقائع العالم الجديدة كذلك الأمر الجديد وسيدركون الفرق بين العمل من وراء الكواليس والعمل القيادي الفعلي.
علينا الاقرار ببعض المؤشرات المشجعة: بدءاً من تونس حيث اختار حزب إسلامي عقلاني (الذي يستنير صراحةً من التجربة التركية) السير على طريق تقاسم السلطة خلال هذه المرحلة الانتقالية المهمة، وصولاً الى سوريا حيث أطلقت جماعة الأخوان المسلمين بياناً مهماً أعلنت بموجبه أن قيام دولة مدنية يشكل أمراً محورياً ضمن أجندتها السياسية بالرغم من الفظائع والجرائم البشعة التي يقترفها النظام في سوريا.
كما ان المؤشرات التي تلقيناها من مصر كانت هي الاخرى مشجعة أيضاً حيث أظهر الأزهر (وهو أعلى مؤسسة دينية اسلامية) أنه فعلاً على مستوى الظروف التاريخية وأصدر سلسلة من البيانات التقدمية تناولت أولاً مستقبل مصر ثم الربيع العربي وصولاً أخيراً الى الحريات، وسوف يصدر قريباً بيان يتطرق لدور المرأة.
بكلام آخر ولتبسيط الأمور: كلما تجذرت الديمقراطية في ثقافتنا أكثر، أصبح على الأحزاب الاسلامية التي تصل الى السلطة في العالم العربي أن تتحول وتتبنى الحداثة والانفتاح أو سيتم تغييرها في نهاية المطاف. وستتعلم الأحزاب الليبرالية في غضون ذلك تنظيم صفوفها بشكل افضل والتركيز على الرسالة التي تود ايصالها وتوضيحها فتصبح بالتالي قادرة على الانتقال الى واجهة الحياة السياسيةوتولي مناصب حكومية.
أعتقد أن العرب سيثبتون مع مرور الوقت أن الاسلام يتوافق مع الديمقراطية، تماما كما فعل الأتراك والاندونيسيون: فليس هناك في الاسلام ما يتعارض بطبيعته مع الديمقراطية.
ان معظم العرب مسلمون معتدلون أتقياء وليسوا بمتطرفين. فلو أتيحت للدول فرصة ممارسة الديمقراطية وطالما يتماحترام هذه العملية، لا أرى بالفعل أي خطر لانزلاق الأمة نحو الأصولية. الا أن مخاطر أخرى موجودة بالتأكيد، وأنتقل الآن إلى السؤال الثاني، ويمكنني أن أحدد اثنين من المخاطر الرئيسية التي يواجهها التغير التاريخي في العالم العربي: الأول يتمثل بالتدهور السريع للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلدان التي شهدت ثورات، أما الخطر الاضافي الثاني فيتمثل في احتمال نشوب حروب أهلية في البلدان التي لا تزال تسيطر عليها الأنظمة القديمة، مثل سوريا بشكل خاص.
في ما يتعلق بالخطر الأول المتمثل بالتدهور السريع للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وفق ما أظهره انهيار معدلات النمو وتفاقم العجز في المالية العامة وفي ميزان المدفوعات وارتفاع معدلا البطالة وتراجع احتياطي العملات الأجنبية، من المهم أن نعي أن هذه الحالة تفاقمت جراء الربيع العربي ولم تنشأ عنه، بل هي نتيجة التفاعل بين مشكلات اقتصادية متجذرة لم تتم معالجتها بالشكل الصحيح لفترة طويلة اضافة الى الارباكات التي نشأت بالفعل جراء عملية التغيير.
اسمحوا لي أنأشدد على أن العوامل الاجتماعية والاقتصادية كانت كذلك الأمر في صلب الثورات وان لم تحتل بالضرورة الأولوية في مطالب الناس. ان هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية الموجودة منذ مدة طويلة تفاعلت مع العوامل السياسية. فقد عزز في الواقع التهميش السياسي التهميش الاقتصادي والعكس صحيح، فانعدام الديمقراطية السياسية وعدم احترام حقوق الانسان وغياب المساءلة والعدالة أضيفت (وسهلت قيامها) رأسمالية المحسوبيات وسوء الحوكمة. مما أدى جزئياً الى استفادة قلة مختارة من فوائد الاصلاحات الاقتصادية غير المكتملة كعمليات الخصخصة وبيع أصول الدولة بشكل يفتقد للشفافية.
هكذا، وفي الوقت الذي غالباً ما كانت فيه مؤشرات نمو الاقتصاد الكلي والعجز المالي ومعدلات الصرف مقبولةً في الدول التي تعيش الربيع العربي، سجلت معظم المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية كمعدل البطالة ومستويات الفقر والأمن الغذائي تدهوراً مستمراً. وقد بلغت هذه المؤشرات مستويات مقلقة في مصر والأردن ولبنان والمغرب وسوريا وتونس. وقد أظهرت دراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي أن أكثر من نصف القوة العاملة الشابة عاطلة عن العمل.
وقد أدت أسبابالاضطراب المتراكمة لظهور مطالب مكبوتة وتوقعات عالية لدى شعوب الدول التي تمر بمرحلة انتقالية وفي الدول الأخرى التي تواجه ظروفاً مشابهة كذلك الأمر. الأمر الذي يطرحتحدياً مهماً لناحية كيفية إدارة العملية الانتقالية في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع تدفق الاستثمارات وارتفاع معدلات البطالة ولكن أيضاً في ظل تزايد المطالب وتنامي التوقعات. والحقيقة أن الوعي المتزايد يؤدي الى مزيد من التوقعات، وادارة هذا التوازن الدقيق تمثل أحد التحديات الرئيسية التي تواجه صانعي السياسة بشكل عام، وخلال الفترات الانتقالية في هذه الدول بشكل خاص.
تقع مسؤولية مواجهة هذه التحدياتبشكل أساسي على عاتق الحكومات المنتخبة حديثاً من خلال وضع خريطة طريق تنطلق من الاستقرار نحو النمو والتنمية. وعلى الخطة أن تشمل تطبيق الاصلاحات الأساسية تضمن تعزيز هذا التحول لشبكات أمان اقتصادي لشرائح المجتمع الأكثر ضعفاً أمام التغيير. كما على الخطة أن تحسن نوعية التعليم والاعداد المهني بشكل يسمح لنا بالاعداد اليوم لمواجهة تحدايات الغد. والأهم انه على الخطة أن تسرع في تطبيق الاصلاحات الضرورية للمؤسسات السياسية والادارية والقضائية ولتأمين مناخ للأعمال يساهم في زيادة الاستثمارات وايجاد فرص عمل جديدة لمواجهة التحدي الأكبر أمام العالم العربي الذي يحتاج الى ما لا يقل عن 50 مليون فرصة عمل خلال العقد المقبل من أجل استيعاب الشباب والشابات الوافدين حديثاً الى سوق العمل.
أما الخطر الثاني فيتمثل بالانزلاق نحو فتنة مدنية، الا أنه علينا أولاً أن نطرح سؤالاً على أنفسنا حول مدى الانقسام ضمن مجتمعاتنا؟ لا شك أن هناك بعض الاختلافات بين مكونات مجتمعاتنا العربية، سواء كانت دينية أو عرقية أو عقائدية. الا أنها ليست بأعمق من تلك التي تعرفها أمم أخرى. لكن العامل الاضافي في العالم العربي تمثل بالابتزاز الذي مارسته الأنظمة الزائلة لفترة طويلة بهدف تضخيم هذه الاختلافات وتأليب مختلف مكونات مجتمعاتنا بعضها ضد بعضها الآخر ومن ثم بناء شرعيتها على قدرتها الوهمية لتوفير الاستقرار.
من المهمأن نعي أنه لا يمكن لأي دكتاتور أو حزب أو طائفة ضمان حقوق الأقليات، لا بل إن ذلك يتأمن من خلال احترام الدستور الذي يمنح صراحةً حقوقاً متساوية لكافة المواطنين، بما في ذلك حماية حقوق مختلف مكونات مجتمعاتنا العربية لممارسة معتقداتهم الدينية من دون أي تميز. من المؤسف جداً أن يكون البعض بما في ذلك العديدن في الغرب قد صدقوا لفترة طويلة جداً مقولة "الطغاة هم حماة للأقليات" وبعضهم لا يزال يصدق ذلك. وقد شهدنا ذلك في مصر في موضوع الاقباط ونشهده بشكل أوضح في سوريا.
فقد اتقن النظام في سوريا فن افتعال المشكلات عبر تأليب مختلف المكونات ضد بعضها البعض ومن ثم التقدم لحل المشكلة. وهكذا استطاع النظام التدخل في شؤون لبنان وفلسطين والعراق وفي شؤون عربية أخرى لفترة طويلة من الزمن.
اسمحوا لي أن أتوقف عندمثال محدد.أثارت مؤخرا في لبنان أحداث معينة غير عفوية غضب الشارعوأدت الى إثارة النعرات، الأمر الذي أعطى صورة عن لبنان وعن الشمال بشكل خاص وكأنهامتداد للجبهة الاسلامية الأصولية التي يقول النظام في سوريا انه يحاربها. فالنظام في سوريا يقوم في آن ومن خلال هذه الأحداث باضعاف المسلمين المعتدلين واثارة مخاوف مكونات المجتمع الاخرى ويضعف تالياً المعتدلين في هذه المكونات. فالتطرف يغذي التطرف ولطالما تذرع النظام السوري بمحاربة التطرف لتبرير وجوده.
أما التحدي الحقيقيأمام المعتدلين في كافة مكونات المجتمع في لبنان وفي مناطق ساخنة أخرى هو بابقاء الوضع تحت السيطرة وعدم التنازل عن الاعتدال والانفتاح، ويتم في هذا الاطار بذل جهود حقيقية لكن الامر يتطلب كذلك الأمر دعم الغرب والمجتمع الدولي.الا أنه وللأسف وكما يظهر جلياً من بعض تصريحات كبار المسؤولين أو على صفحات الرأي في صحف عالمية رائدة، لا يزالالغرب يقع في فخ "الخوف من الأصولية".
هذايقودني إلى السؤال الثالث الذي أحاول الإجابة عليه. ماذ يمكن للمجتمع الدولي والعرب القيام به لتحسين فرص نجاح العملية الانتقالية نحو الديمقراطية والنمو ولما الجميع معنيون؟
للغرب والعالم مصلحة في رؤية تحول المنطقة نحو الانفتاح والازدهار لأسباب أمنية واقتصادية. هناك اهتمام استراتيجي حقيقي خاص بسياسة الجوار وكذلك الأمر بالأمن العالمي الذي يبدأ في منطقة الشرق الاوسط ولا ينتهي في أوروبا.
تكمن الأولوية القصوى بالنسبة للغرب في البقاء وفياً لمبادئه: مبادىء الديمقراطية والتكامل وحقوق الانسان. ليس من المهم الاكتفاء بتعداد هذه المبادىء فالأهم ممارستها فعلياً في العلاقات مع منطقة الشرق الأوسط حيث غالباً ما كان الغرب يعقد صفقات جانبية.
لقد أطلق الربيع العربي عملية التغيير من خلال تنظيم انتخابات حرة. أما الأهم اليوم من نتائج الانتخابات (التي قد نؤيدها أولا) هو الحفاظ على هذه العملية والعمل على احترامها. أن أعظم فضائل الديمقراطية مقارنةً مع أشكال الحكم الأخرى تكمن في قدرتها على تصحيح اخطائها.
تقع على الغرب مسؤولية سياسية ومعنوية لجهة الدفع نحو حل شامل وعادل ونهائي للقضية الفلسطينية، حل سيعزز في نهاية المطاف أصوات الاعتدال في المنطقة وسحب هذه الذريعة من الأحزاب أو الدول التي كانت تستخدم هذه القضية النبيلة كجرح مفتوح لاستثارة مجموعات أخرى أو دول أخرى والترويج لأجنداتهم الخاصة تحت ذريعة محاربة اسرائيل.
ستدعم الجهود الدولية المتضافرة للضغط على اسرائيل للقبول بحل سلمي عادل وشامل ودائم لهذا النزاع العالق قوى الاعتدال والاستقرار في المنطقة وستمهد الطريق أمام استمرار نجاح الحركات الديمقراطية. يعتبر هذا الأمر موجباً أخلاقياً بالنسبة للغرب.
لقد كان لي مؤخراً اجتماعات مع كبار مسؤولي دول الربيع العربي، رئيس الوزراء التونسي ونائب رئيس الوزراء الليبي ووزير الخارجية المصري، أكدوا لي خلاله أنه، وبالرغم من كافة التحديات الملحة التي تواجه دولهم، تبقى قضية فلسطين والقدس القضية الأساسية الأكثر الحاحاً في العالم العربي خلافاً لما يعتقده العديد من المراقبين في الغرب.
ان القضية الفلسطينيةمتجذرة عميقاً في ضمير العرب، أعمق بكثير مما يظنه العديد من المراقبين الدوليين. ان الربيع العربي حركة مناهضة للتهميش وحركة لاستعادة الكرامة، فتاريخ الصراع العربي الاسرائيلي والدور الذي لعبه قادة الغرب وقادة العرب على حد سواء أدت الى شعور معظم العرب بالتهميش اضافة للمس جدياً بكرامتهم. فما لم يشف هذا الجرح شفاء تاماً، لن يكون أي ربيع كافياً لتحقيق الديمقراطية والتنمية المستدامة.
بموازاة الجهود الضرورية لاحلال السلام في المنطقة، هناك حاجة لجهود أخرى لتحقيق تكامل اقتصادي أكبر في العالم العربي فضلاً عن تعزيز العلاقات بين العالم العربي وأوروبا لتوفير اطار لأفق المشتركة وتحسين مستوى معيشة شعوبنا عبر وضع أسس للنمو الاقتصادي.
لقد عرضت خلال القمة الاقتصادية العربية التي عقدت في الكويت في العام 2009 مبادرة تطالب بمزيد من التكامل الاقتصادي العربي في كافة القطاعات خاصة تلك المتعلقة بالطاقة والنقل والأمن الغذائي، الأمر الذي من شأنه تقريب دول العالم العربي من بعضها وردم الهوة بين شعوبها. من الضروري التنبه الى أن هذه المبادرة لا تستند بتاتاً الى مفهوم العمل الخيري ممن يملك تجاه من لا يملك، بل على العكس تستند الى مفهوم منطقة تستثمر في رفاهيتها وأمنها في مفهومه الأوسع وفي نموها وتقدمها.
ان الحاجة ملحةللاستثمار في مشاريع عملاقة عابرة للحدود في القطاعات الأساسية كالنقل والطاقة والمياه التي تعتبر حيوية بالنسبة للمجتمع كما أنها من العوامل الأساسية للإنتاج في القطاعات الأخرى. وعلى هذه المشاريع العملاقة محاولة التقريب بين دولنا العربية وتخفيض الأكلاف وزيادة الفعالية في قطاعات مهمة لرفاهية المجتمع. كما أنها أساسية لقطاعات انتاجية أخرى كالصناعة والزراعة. في هذا السياق، يمكن لهذه المشكلات ان تشكل دوافع أساسية لنمو اقتصادي واسع من خلال استقطاب نسب أعلى من استثمار القطاع الخاص وانشاء وتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
نحن نعي تماماً حجم التحديات التي تطرحها الأزمةالمالية الني تجتاح أوروبا والولايات المتحدة، الأمر الذي يحد من فرصة حصول العالم العربي على خطة نهوض مماثلة لخطة مارشال. الا أنه للغرب مصلحة استراتيجية في شرق أوسط مستقر ومزدهر، اذ يمكنه الكثير لتعزيز التكامل بشكل خاص من خلال الشراكة والمساعدة التقنية ونقل الخبرات والمعرفة. يمكن الاستفادة في هذه الاطار من تجربة البنك الأوروبي لاعادة الاعمار والتنمية الذي ساهم في دخول الدول الأوروبية السوفيتية سابقاً الى أوروبا.
السيدات والسادة،
نعيش اليوم زمن استثنائيتجتمع فيه العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والثقافية لرسم عالم عربي جديد. فأعمالنا اليوم ستحدد مستقبل الأجيال القادمة. فمنذ جيل مضى، فاز الغرب بالحرب الباردة في أفغانستان الذي شكل أحد أهم دافع لتحقيق هذا الانتصار بعد انهيار جدار برلين.بالرغم من ذلك، وفي الوقت الذي حقق فيه الغرب انتصاراً في معركة التنمية في أوروبا الشرقية، خسر هذه المعركة في أفغانستان مع تداعيات ذلك في نيويورك ولندن وأماكن متعددة أخرى. لذلك فاني آمل أن ان نستخلص العبر من نجاحات وإخفاقات الماضي.
أمامنا خياران: اما أن نقوم باغلاق الحدود والعيش في شرنقتنا الخاصة، واما ان نقوم فعلياً بفتح الحدود ونستثمر في رفاهية بعضنا البعض من خلال فهم الآخر وقبوله بشكل أفضل.
لقد أثبتت الحدود الشبه مغلقة والحدود الشبه مفتوحة تماماً شأنها شان انصاف الحلول فشلها في تحقيق نتائج في مختلف القارات كما فشلت في تلبية توقعات الشعوب، ومن الواضح أن الكثيرين حول العالم يفتشون باستمرار عما هو جديد.
ان عالم الغد كما أراه هو عالم يتم فيه احترام الحدود السياسية لكنه عالم خسرت فيه هذه الحدود من أهميتها جراء العلاقات الاقتصادية والثقافية، عالم يمكنه تأمين التنمية والتقدم اضافةً الى تعزيز الأمن وقبول الاختلاف بصفته مصدر ثراء وليس مصدر صراع. دعونا نعمل جميعنا معاً لنجعل هذا العالم ممكناً.
أشكركم على اصغائكم وأتمنى لكم مؤتمراً ناجحاً.
