الرئيس السنيورة : العالم العربي انتقل من مرحلة شعوب تخشى قادتها لقادة أصبحوا مسؤولين أمام شعوبهم

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
حاضر في هارفرد : عالم عربي في مرحلة انتقالية - التحولات والتحديات والفرص

حاضر رئيس كتلة المستقبل الرئيس فؤاد  السنيورة  في جامعة هارفرد عن الاوضاع في المنطقة العربية تحت عنوان :  " عالم عربي في مرحلة انتقالية - التحولات والتحديات والفرص " وذلك بحضرو حشد من الحضور فاق الـ 500 شخص وفي ما يلي نص المحاضرة :

 السيدات والسادة،

إنه لمن دواعي سروريأن أكون معكم هنا اليومفي هذه الأوقاتالتاريخيةبالفعلفي العالم العربي. اسمحوا لي أن أتوجه بالشكرلنادي هارفارد العربيلإتاحة هذه الفرصة لي.

وصف تقرير التنمية العربية الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2002 المنطقة  العربية بانها تعاني من أكبر نسبة من العجز في مجالات حقوق الإنسان والحرية والمعرفة.بعد مرور سنوات قليلة، أضرم محمد بو عزيزي النار في نفسه فأعاد رسم الخريطة السياسية للعالم العربي وأطلق عجلة "الربيع العربي". لا يزال الشعب العربي منذ سنتين يسعى جاهداً وبشجاعة لمعالجة هذا العجز، مع مستويات مختلفة من النجاح في بلدان مختلفة، في وقت حاولت قوى "الخريف العربي" التمسك بالسلطة، كما هي الحال في سوريا، الأمر الذي جعل العملية الانتقالية مكلفةً للغاية في الأرواح والخسائر المادية بعد أن ألحقت الضرر الاجتماعي والاقتصادي بشعوبها لعقود خلت. لقد فوتت قوى "الخريف العربي" على نفسها في الماضي معظم الفرص المتحة أمامها لتحقيق الإصلاحات السياسية والاجتماعية ولم تستفد أبداً من الصدمات المتكررة والتحديات الاقليمية، بدءاً من النكبة عام 1948 وتداعياتها بما في ذلك هزيمة 1967، لمعالجة المشاكل الوجودية التي تعاني منها بلداننا وأمتنا والتكيف مع التغير العالمي. بدل ذلك فقدت هذه الدول مزيداً من الأراضي وسعت الى تكريس الانقسامات التي قامت هي بنفسها بتغذيتها.

لكن التغيير واقع. لا مجال للشك في هذا المجال.

ان العالم العربي يشهد حالياً في الواقع  تغيرين أساسيين لا رجوع عنهما حسبما اعتقد.

يتمثل التغيير الأولبدينامية داخل المجتمع العربي الذي بدأت فيه جدران الخوف والصمت بالانهيار. وقد أطلقتالحركات الثورية عملية تحول نحو مزيد من الحرية  وتشكيل حكومات أكثر تمثيلاً تخضع للمساءلة: فقد شهدنا انتخابات ومناظرات تلفزيونية وتعبير عن الرأي صراحةً وتظاهرات في شوارع هذه الدول التي كانت فيها هذه الأمور من المستحيلات منذ بضع سنوات خلت. فقد رفع الغطاء والمارد خرج من القمقم الى الحرية. يشهد العالم العربي تغييراً كبيراً وهو انتقل من مرحلة  شعوب تخشى قادتها لقادة أصبحوا مسؤولين أمام شعوبهم.

أما التغييرالثاني فقد طرأ على السياسة الاسلامية أو ما يشار اليه بالاسلام السياسي. فقد وصلت اليوم الأحزاب الاسلامية الى موقع القيادة في كل من تونس ومصر، أولى دول الربيع العربي. فهذه الأحزاب خرجت من التقوقع الفكري جراء التهميش القسري والقمع لمواجهة مطالب وتحديات قضايا وخيارات سياسة العالم الواقعي. فتولي زمام الحكم يكشف لهذه الاحزاب أن تولي القيادة في المقعد الأمامي مختلفة جداً عن الجلوس في المقاعد الخلفية.

كما أنها تدرك وبسرعة أنه عليها تبني الحداثة والانفتاح، أي أنها تحتاج الى التغيير فان لم تفعل تم الاستغناء عنها وتغييرها.

على العالم أن يحكم على أداء هذه الأحزاب وليس على الأفكار المسبقة أو على الكلام، فالمعيار الأساسي سيتمثل بالتزام هذه الأحزاب الفعلي بالدولة المدنية التي يتساوى فيها المواطنون من حيث الحقوق والواجبات بصرف النظر عن انتمائهم العرقي والديني والسياسي.

وقد صدرت عن أزهر مصر، وهو أعلى مرجعية دينية اسلامية، دلائل مشجعة  على مستوى التغيير التاريخي الحاصل وأصدر الازهر سلسلة من البيانات التقدمية: بيان عن الحوكمة في مصر، وآخر عن الربيع العربي بشكل عام، وثالث عن الحريات الشخصية والفنية. كما سيصدر عنه قريباً بيان رابع يتناول دور المرأة. على القوى العلمانية والليبرالية في العالم العربي وخارجه الترحيب بمبادرات الانفتاح هذه الصادرة عن مراجع وأحزاب دينية وتشجيعها. فدعم التسامح والاعتدال ليس فقط شأناً عربياً أو اسلامياً، لا بل هو شأن عالمي.

ان التغيرات الكامنة وراء التحول نحو حكم أكثر ديمقراطية واسلام سياسي أكثر انفتاحاً وحداثةً ثورة قائمة أخرى. أقصد بكلامي هذا، تكنولوجيا الاتصالات والوصول الى المعلومات والمعرفة التي شهدت تطوراً غير مسبوق في العالم العربي  خلال السنوات العشر الماضية، الأمر الذي ساهم في كسر حواجز المكان والزمان.

فعدوى ظاهرة بو عزيزي انتشرت أول الأمر على مواقع التواصل الاجتماعي، الفيسبوك وتويتر. لم يكن الرصاص السلاح الأكثر فعالية في مصر، بل لعبت  الدور الفعال الهواتف الخلوية. وأبناء سوريا ألهموا العالم بأسره باستخدامهم أجهزة الكمبيوتر ليس الا وهم يتنقلون بين ملجأ وآخر.

لقد أوردت دراسة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة في العام 2010 أن الهواتف الخلوية تشكل أحد أهم التطورات التاريخية لجهة انتشال الناس من الفقر. وقد أثبت العالم العربي أن الهوتف الخلوية فعالة كذلك الأمر في انتشال الناس من الخوف والتهميش. فشبكة الانترنت والهواتف الخلوية أدت الى تمكين الناس. كما أن تكنولوجيا الهواتف الخلوية أدت الى تعزيز المساواة  لجهة الوصول الى المعلومات ليس فقط داخل المجتمعات العربية بل بين العرب وباقي دول العالم من خلال توفير سريع للمعلومات عند حصول أي نقص فيها.

الأصدقاء الأعزاء،

لا رجوع عن ثورة المعلومات. كذلك الأمر بالنسبة للتحول الذي شهدته الحوكمة والإسلام السياسي. لكن هناك الكثير من العقبات والعثرات على الطريق والتي يمكنها أن تجعل الطريق أطول وأكثر إيلاماً. تتمثل احدى هذه العقبات بالقول المضلل، ولكن القائم بحد ذاته لحد ما، بأن العرب والمسلمين مختلفون بشكل ما عن الأمم الأخرى، وفي ما يتعلق بهم لا يمكن تطبيق الديمقراطية.

السيدات والسادة، إن الاستثناء العربي اصبح وهماً. كذلك الأمر بالنسبة للاستثناء الإسلامي. فقد وصل الآن التغيير والتطور اللذان حولا مجتمعات أخرى في جنوب أوروبا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا في العقود الماضية الى شواطئنا وصحارينا، ومدننا وحتى أحيائنا الفقيرة.

لكن لا تزال بعض المفاهيم قائمة وتتغذى على النكسات: كمسألة فيلم  "براءة الاسلام" وقد أتى أفضل وصف له على لسان الرئيس أوباما الذي قال فيه أنه "وقح ومثير للاشمئزاز". من المسلم به أن أعمال العنف التي شهدناها كرد فعل على الفيلم في بعض دول العالم بغيضة وغير أخلاقية بكل المقاييس، بما في ذلك معايير وقيم الإسلام نفسه.

لقد تصدرت ردود الفعل العنيفة عناوين الأخبار وتمت تغطيتها تغطيةً واسعةً في جميع أنحاء العالم. وهذا أمر مفهوم. لكن الحقيقة، وعلى الرغم من كل ذلك، أن أولئك الذين كان رد فعلهم عنيف على الفيلم هم أقلية صغيرة جداً من العرب والمسلمين، وينبغي ألا تحجب حقيقة الواقع العربي الأوسع.

في الماضي لجأ الحكام الديكتاتوريون الى المبالغة في تصوير حجم التهديد الذي يمثله الإسلام المتطرف في العالم العربي، خاصة أمام الغرب، لتبرير حكمهم الذي لا يرحم. لكن هذه الأيام ولت في تونس ومصر وليبيا، ولحسن الحظ يتم الآن تنظيم انتخابات حرة تظهر حقيقة المجتمعات العربية المسلمة. وقد أثبتت هذه الانتخابات أن الأغلبية الساحقة من العرب ليسوا متطرفين عنيفين. فهؤلاء موجودون في كل المجتمعات لكنهم أقلية صغيرة في العالم العربي تماماً كما هو الأمر في أي مكان آخر.

على أصدقائنا في الغرب الاقرار بهذه الحقيقة ، فقد ساد اعتقاد عند الكثيرين ولفترة طويلة انه لا يمكن الا لأنظمة استبدادية فرض السلام والأمن في العالمين العربي والاسلامي. للأسف، يتم اعادة التداول بهذه المفاهيم عندما نشهد حوادث كتلك الناتجة عن الفيلم المعادي للإسلام. أنها مفاهيم غير صحيحة، وعلينا جميعاً التصدي لها.

السيدات والسادة،

وحده عالم عربي حر وديمقراطي ومزدهر يكون نقيضاً للتطرف. ووحده الالتزام الكامل بعملية التحول نحو الديمقراطية تضمن الاستقرار الدائم وحقوق الأقليات فالتجارب علمتنا أن للديمقراطية، على عكس غيرها من الأنطمة، القدرة على الاصلاح الذاتي.

لكن علينا أن نتذكر كذلك الأمر بأن عملية التغيير غالباً ما تكون طويلة ومؤلمة ووفوضوية أحياناً. وعلى عكس التحولات التي شهدتها العقود السابقة في أجزاء أخرى من العالم، فان الربيع العربي يحدث تحت أعين العالم اذ تتم تغطية أحداثه عبر البث التلفزيوني الحي والأجهزة الخلوية. ربما يكون التطور التكنولوجي الراهن قد ساهم في الرفع من مستوى التوقعات لكنه أدى كذلك الى زيادة نسبة الإحباط عند حصول أي انتكاسات. ليس المشهد جميلاً أو سلمياً دوماً. هذه هي الحال عادةً في الثورات والحروب.

ان المطبات على الطريق متوقعة، وعلى الرغم من ذلك ينبغي سلوك هذه الطريق. يجب أن يكون رد الفعل على  العقبات مزيداً من الحرية لا نسبة أقل منها، ومزيدا من الديمقراطية لا نسبة أقل من حرية التعبير. يجب أن يكون رد الفعل مزيداً من الربيع العربي لا الخريف العربي القديم نفسه. على الغرب مسؤولية ومصلحة في تمكين قوى الاعتدال في المنطقة فضلا عن تعزيز ودعم الإصلاحات على جميع المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

أصل هنا إلى تحد آخر: توقع الشعب ظهور منافع اقتصادية سريعة جراء العملية الانتقالية السياسية في وقت يتدهور فيه الاقتصادي العالمي وتتراجع التدفقات الاستثمارية وترتفع معدلات البطالة. حتى في ظل ظروف طبيعية و بعد حصول اضطرابات كبرى، تسوء الأمورعادةً قبل أن تتحسن.

تقع بطبيعة الحال المسؤولية الأساسية في مواجهة التحديات الاقتصادية على عاتق الحكومات المنتخبة حديثاً فضلاً عن وضع سياسات تحقق الاستقرار والانتعاش على المدى القصير والنمو والتمية على المدى البعيد، على أن تشمل هذه السياسات إصلاح شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر ضعفاً خلال المرحلة الانتقالية. ويمكن لهذه الحكومات الجديدة التي لحقت بالتغيير مؤخراً الاستفادة من تجارب بلدان أخرى.

والأهم أنه على خطط السياسة المضي قدماً وبسرعة بالإصلاحات الضرورية في المؤسسات السياسية والقضائية والإدارية وفي مجال الأعمال من أجل زيادة حجم الاستثمارات وتمكين القطاع الخاص بهدف خلق خمسين مليون وظيفة جديدة يحتاجها العالم العربي خلال العقد المقبل. وفي هذا الاطار الآن هو الوقت المناسب لتكامل اقتصادي عربي أقوى يقوم على المصالح والأهداف المشتركة.

اسمحوا لي أن أؤكدهنا كذلك الأمرا على أهمية ترجمة ما تم الاتفاق عليه من قبل دول مجموعة الثمانية خلال اجتماعها في دوفيل لجهة تخصيص مبلغ 40 مليار دولار لدعم اقتصاديات دول الربيع العربي على غرار ما قامت به أوروبا خلال المرحلة الانتقالية في أوروبا الشرقية.

السيدات والسادة،

أنا متفائل جدا بشأن قدرة عالمنا العربي على مواجهة المطبات على الطريق وتحقيق التوقعات الكبيرة. لكنني أشعر بالقلق الفعلي ازاء تحد آخر هو وضع حد للظلم القديم في فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي.

وقد واصل عدد من الأنظمة العربية، تحت ذريعة القضية الفلسطينية والصراع مع اسرائيل، تجاهل الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الضرورية وانتهاك حقوق الانسان. فأصبحت قوانين الطوارئ التي فرضت لعقود وساعدت في تعزيز القبضة الحديدة للأنظمة بدل تطبيق القوانين والمبادئ الانسانية العالمية النهج المعتمد.

ولاتزال قضية فلسطين التي لم تحل بعد تغذي التطرف. علاوة على ذلك، سعت إيران لاختطاف قضايا المنطقة، بدءاً من الدفاع عن شرف الإسلام ونبيه وصولاً إلى القدس وفلسطين لكن خدمةً لأهداف وطنية إيرانية. كما أن دعم إيران للنظام السوري في عملية قمع مطالبة الشعب السوري المشروعة بالديمقراطية والحرية يتم بشكل مباشر ومن خلال عناصر عسكرية من حزب الله، كل هذا تحت ذريعة مواجهة إسرائيل. وقد استخدم النظام السوري الذريعة نفسها مدة 40 عاماً لقمع وتكبيل حرية الشعب السوري.

وقد أصدر الحرس الثوري الايراني مؤخراً بيانات هدد بموجبها وبوضوح برد من قبل حزب الله ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان في حال تعرضت ايران لأي هجوم، وقد قام حزب الله منذ بضعة أسابيع ومن دون موافقة الشعب اللبناني والحكومة اللبنانية بارسال طائرة بدون طيار الى الأجواء الإسرائيلية.

والمفارقة أنه وفي ظل الربيع العربي، يتم أخذ لبنان الرائد إقليمياً في مجال الديمقراطية والحرية لوقت طويل رهينةً من قبل نظام ديني ديكتاتوري، كل ذلك باسم النضال من أجل العدالة في فلسطين.

السيدات والسادة،

تتيح إعادة انتخاب الرئيس أوباما لولاية ثانية الفرصة أمام معالجة القضايا العالقة التي تواجه منطقتنا. لقد أعرب الكثيرون عن مخاوفهم من تورط أكبر لعناصر متطرفة في سوريا، لكن دعونا لا ننسى أن الانتفاضة في سوريا كانت لوقت طويل سلمية وأن الشارع هتف للسلام والوحدة الوطنية. ان الفظائع التي ارتكبها النظام أدت الى تحول النزاع الى صراع عسكري. والدليل القاطع على طبيعة هذا النظام الوحشي يكمن في أنه استخدام القوة المفرطة في وجه انتفاضة بدأت كدعوة للإصلاح لا لتغيير النظام. هناك حاجة اليوم لإجراء حاسم في سوريا للمساهمة في توحيد المعارضة والإشراف على عملية انتقالية سريعة تحد من خطر الانزلاق نحو مزيد من العنف الذي ندينه أياً كان مصدره.

كما نأمل أن توفر الولاية الثانية للرئيس أوباما الزخم اللازم لمعالجة القضية الفلسطينية. وآمل أن يلعب الأكادميون وصناع الرأي من أمثالكم في هذه الديمقراطية الحية دوراً في نشر فكرة أنه لا قيام لشرق أوسط ديمقراطي ومستقر من دون دولة فلسطينية قابلة للحياة، الأمر الذي سيساهم بشكل أساسي في تعزيز قوى الاعتدال ونبذ التطرف كما في تعزيز الاستثمارات الإقليمية والنمو والتطور وخلق فرص العمل وتسهيل عملية التحول نحو نظام ديمقراطي.

ليست فلسطين اليوم على جدول أعمال الولايات المتحدة. الا أنه ينبغي أن تكون عليه.

 السيدات والسادة،

أصبح العالم صغيراً جداً ونحن جميعاً فيه. أمامنا اليوم خيارين: فاما السقوط في فخ أولئك الذين يبنون جدول أعمالهم على الاجحاف والصراعات الدائمة، واما تعبيد الطريق بفعالية من أجل عالم أفضل، عالم يسوده الاحترام المتبادل والتكامل، عالم من القيم والأهداف المشتركة، عالم من الأمن والرخاء للجميع.

تاريخ الخبر: 
09/11/2012