الرئيس السنيورة : عائدات الموارد الطبيعية التي تم اكتشافها ليست ملكاً للجيل الحالي والتركيز على الاستثمارات امر اساسي لنمو الاقتصاد

-A A +A
Print Friendly and PDF
العنوان الثانوي: 
شارك في اطلاق جائزة عبدالله العطية الدولية للطاقة في الدوحة

عادرئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة صباح اليوم الى بيروت قادما من الدوحة بعد ان شارك ليل امس في  اطلاق جائزة عبد الله بن حمد العطية الدولية للطاقة الاولى في فندق (دبليو اوتيل ) والقى في المناسبة كلمة في يلي نصها :

أصحاب المعالي والسعادة،
السيدات والسادة،
أيها الأصدقاء الأعزاء،

يسرني جداً أن أكون بينكم هذا المساء لاطلاق جائزة عبد الله بن حمد العطية الدولية السنوية الأولى للطاقة. فانا لم أتردد بقبول دعوة مؤسسة Gulf Intelligenceلالقاء كلمة خلال هذا الحدث في الدوحة، على الرغم من الظروف الصعبة التي يشهدها لبنان، وقد قبلت الدعوة لثلاثة أسباب:

السبب الأول،يتمثل في مشاعر الصداقة التي أحملها، شأني شأن العديد من اللبنانيين، لأخينا عبدالله الذي يعرف لبنان حق المعرفة، مدينةً مدينة وقريةً قرية وعشيرةً عشيرة وأسرةً أسرة، والذي لطالما أبدى اهتماماً كبيراً واستعداداً دائماً لتقديم الدعم في كافة مراحل مسيرة لبنان الطويلة والمتعبة في كثير من الأحيان نحو السلام والاستقرار. حتى أنني تسألت اذا ما كان أحد الفينيقيين قد قصد منطقة الخليج العربي قبل آلاف السنين واذا ما كان عبدالله في الواقع سليل هذا الفينيقي العظيم، فحبه للبنان الموحد والمتعدد والديمقراطي والمعتدل وايمانه بقوة لبنان للنهوض من رماده أمر استثنائي بالفعل.

 

 

أما السبب الثاني فمعرفة الأخ عبدالله العميقة والشاملة لقطاع الطاقة، الأمر الذي حول قطر نموذجاً على الصعيدين العربي والعالمي في هذا المجال. أضف الى أن الأخ عبدالله الذي لطالما كان من أشد المؤمنين بضرورة التنسيق والتكامل العربي، لم يتوان يوماً في وضع  خبرته الغنية والواسعة بتصرف أي دولة عربية طلبت مشورة أو مساعدة قطر في مسائل لها صلة بقطاع الطاقة. لا زلت أذكر ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي عمل دوماً لما فيه مصلحة بلاده، كان على الدوام يلتمس مشورة  الاخ عبدالله في مسألة استخدام الغاز الطبيعي لتخفيض كلفة إنتاج الكهرباء في لبنان. كما انني طلبت، عندما كنت رئيساً لوزراء لبنان، مشورته الحكيمة في عدد من المناسبات حول بناء مصفاة جديدة في لبنان لكن القيود والعقبات المختلفة في البلد التي يعرفها الاخ عبد الله  حق المعرفة غالباً ما تفوقت على إرادتنا وعزيمتنا.

 

 

والسبب الثالث يعوج الى ان اعتزازي في المشاركة في اطلاق هذه الجائزة يعود لما يمثله عبدالله بن حمد العطية كرجل دولة ساهم بشكل فاعل في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الأمير حمد بن خليفة آل ثاني، في بناء الدولة القطرية الحديثة، بما في ذلك عمله الحالي على تطوير المؤسسات وتعزيز قيم الحوكمة والشفافية والمساءلة. كلنا ندرك اليوم أن العناصر والمكونات الأساسية للبنية الفوقية لأي بلد تعتبر، شأنها شأن بنيته التحتية، عنصراً حاسماً ومساعداً في جذب الاستثمارات وتحقيق نمو يساهم في انتاجه القطاع الخاص.  

 

 

أيها الأصدقاء،

اسمحوا لي، في هذا السياق،  أن أؤكد على أهمية المبادرات التي تتخذها قطر لتنويع اقتصادها، سواء من خلال تشجيع القطاع الخاص المحلي أو من خلال استراتيجية فاعلة وأكيدة لجذب الاستثمارات الخارجية. ندرك جميعاً بالطبع أنه من المرجح أن تصبح الولايات المتحدة مكتفية ذاتياً في مجال الطاقة بحلول 2020 بسبب اكتشاف مصادر للغاز الصخري وأن يتأثر جراء ذلك مستوى الطلب على نفط وغاز الشرق الأوسط، على الرغم من ارتفاع الطلب من قبل بلدان تشهد نمواً متسارعاً كالصين والهند بالاضافة لأسواق أخرى تعاني من حاجة كبيرة للطاقة كأوروبا.

 

الا أن ذلك لا يعتبرالسبب الوحيد الذي يجعل من سياسة تنويع قطر اقتصادها سياسة حكيمة ومتبصرة.  فالسبب الآخر يتمثل في حقيقة بسيطة لكن يتم تجاهلها في غالب الأحيان، وهي أن عائدات الموارد الطبيعية التي تم اكتشافها اليوم ليست ملكاً للجيل الحالي وحده لا بل هي أيضا ملك الأجيال القادمة التي قد تعيش في عالم مختلف جداً وأقل سخاء عن العالم الذي نعيش فيه. لقد شكلت هذه الفكرة احدى أهم المسائل التي ركزت عليها حين كنت في سدة المسؤولية  من خلال وضع وتطوير سياسة لبنان النفطية وأنا أدرك أنه من المرجح أن تحوي شواطئنا موارد واسعة من الغاز والنفط.

 لطالما اعتبرت قطر احدى الدول التي تعاملت على أحسن وجه مع ما يسميه الخبراء الاقتصاديون عملية الاستهلاك على مراحل زمنية، أي تخصيص الموارد بين الاستهلاك الحالي والمستقبلي. إن اصراري على وضع القانون الأفضل وإنشاء مؤسسة ذات مستوى عالمي بالفعل وتشكيل الهيئة الناظمة للقطاع استوحيناه جزئياً من التجربتين القطرية والنروجية. اليوم أطلق لبنان عملية التنقيب وآمل أن نلتزم، خلال كافة مراحل التنقيب بدءاً من المناقصات ومنح حقوق التنقيب وصولاً إلى إدارة عائدات هذه الثروة، بأعلى معايير الحوكمة والشفافية والمساءلة. 

 

 

السيدات والسادة،

أيها الأصدقاء الأعزاء،

قد تجعل الموارد الطبيعية منا أغنياء الا أن الأمر لن يعني بالضرورة تعزيز موقعنا على الساحة العالمية. أنظر في أنحاء قطر وأرى الاستثمارات الضخمة في البنى التحتية والمطارات والموانئ والطرق السريعة. وأفكر في شركة الخطوط الجوية، التي أصبحت اليوم، احدى أفضل شركات الطيران عالمياً، تنافس  شركات رائدة مضى على تأسيسها عقود، وأنظر الى وسائل الإعلام وتجربة قناة الجزيرة التي لا تعتبر رائدة في مجال وسائل الإعلام العربية فحسب بل بادرت كذلك الامر الى انشاء قناة ناطقة باللغة الأجنبية في الخارج تعمل على ايصال الصوت العربي للمرة الاولى على الساحة العالمية، وأنظر إلى مختلف اجراءات التعاون والبرامج مع جامعات عالمية رائدة، وأنظر إلى عالم الرياضة في وقت تتحضر فيه قطر لاستضافة نهائيات كأس العالم عام 2022 لتصبح الدولة العربية الاولى التي تنال هذا الشرف، وأنظر إلى الساحة الفنية في الدوحة حيث تم إنشاء أول متاحف للفنون الإسلامية والعربية الحديثة.

 

 

كل ما تقدم، ايها السيدات والسادة، ليس سوى أمثلة وأسباب تجعلني فخوراً بتواجدي بينكم اليوم. قطر ليست دولة كبرى بسبب احتياطيات الغاز الهائلة التي تملكها فحسب. انها بلد عظيم لأنها عملت جاهدةً لاستخدام مواردها كنقطة انطلاق لتصبح دولة رائدة عالمياً في مجال النقل والإعلام والتعليم والرياضة والفنون.

 قطر دولة كبرى لأنها أدركت أن القيمة المضافة هي أكثر أهمية وبالتأكيد أكثر دواماً من استنفاذ الموارد الطبيعية، وأن التزاماتنا الأخلاقية تجاه الأجيال القادمة تقتضي تخصيصاً حكيماً للموارد المتوفرة اليوم. وآمل، في هذا السياق، أن تصبح قطر رائدة كذلك الأمر في استثمار القيمة العربية المضافة من خلال تعزيز التعاون والتكامل العربي ومشاريع استثمارية عابرة للحدود في قطاعات رئيسية كالنقل والمياه والطاقة بطريقة من شأنها أن تعزز الثقة والاستقرار السياسي والأمن على شتى الأصعدة: المادية والاقتصادية والاجتماعية، وهي عوامل حاسمة تحتاج كلها إلى تعزيز وتطوير في عالمنا العربي.

 

في هذا السياق، ليس صديقي عبدالله العطية رجلاً عظيماً لأنه صدف أن تولى مسؤولية قطاع الطاقة الرائد في بلد كقطر. انه رجل عظيم لأنه اعتمد عناصر الحداثة والحكم الرشيد في ادارته هذا القطاع ولأنه لم يكف يوماً عن التفكير في إخوانه العرب الأقل حظاً. اسمحوا لنا باسم عبدالله العطية، الرائد في قطاع الطاقة ورجل الدولة لكن قبل كل شيء الانسان العربي المؤمن في القضايا العربية النبيلة وفي الحاجة لتطوير آفاق مستقبلية للأجيال العربية الجديدة، أن نطلق هذا الحدثبمنحه جائزة الإنجازات لمساهمته في ادارة قطاع الطاقة الدولية.

تاريخ الخبر: 
06/03/2013