نظرة مستقبلية للوضع المالي

-A A +A
Print Friendly and PDF

في مستهل حديثي أود أن أتوجه بالشكر للقيمين على "جمعية مكارم الأخرق الإسلامية" على دعوتهم لي في هذا الشهر الفضيل للالتقاء بمواطنين من طرابلس العزيزة على قلوبنا جميعاً وانه ليستعدني أن أكون معكم اليوم يجمعنا قاسم مشترك ألا وهو الإيمان بالعمل والعطاء للوطن والرغبة في المشاركة في عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة مهما كلف ذلك من جهد ووقت وتضحيات. ولا بد لي من أن أؤكد في بداية هذا اللقاء على حقيقة ثابتة وأساسية وهي أن كل البلدان التي استطاعت أن تخرج من مرحلة الحرب لم تتمكن من الوصول إلى مرحلة السلم الثابت إلا من خلال تضافر جميع طاقات المجتمع، وهذه الحقيقة أكثر ما تنطبق أيضاً على حالة لبنان في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه.

 إن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم وما يمكن أن تأتي من جديد أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تجعلنا نمعن النظر ملياً في أمر أوضاعنا الداخلية، السياسية منها، كما وبصورة خاصة الاقتصادية والاجتماعية. فنحن على الجبهة الداخلية بأمس الحاجة من جهة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني على قضايانا الأساسية والمصيرية وفي مقدمها قضية تحرير الجنوب اللبناني والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي عبر تطبيق القرار 425. كما وان ننكب من جهة ثانية على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي من خلال إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتحفيز إنشاء المشاريع الإنتاجية لدى القطاعين العام والخاص في إطار سياسة اقتصادية ومالية ترتكز على التخفيض التدريجي لعجز الموازنة وتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل الجديدة وتوفير سبل الاستثمار للطاقات البشرية والإنتاجية كل ذلك من خلال خطة إنمائية واقتصادية علمية ومنهجية شاملة ومتكاملة تتناول كل قطاعات الإنتاج من جهة وتتناول كل المناطق اللبنانية دون استثناء وفق ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني في بندها المتعلق بالإنماء المتوازن الذي أصبح في صلب مقدمة الدستور والذي جاء فيه: "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام".

 نحن ندرك تماماً، ونرجو أن تدركوا معنا أن المناخ الدولي تجاه لبنان، كما هو المناخ العربي، أكثر ملائمة للبنان عما كان في الماضي وذلك فيما خص المساعدة من أجل العمل على إعادة بناء الدولة وبالتالي وضع وتنفيذ خطة واقعية وطموحة في آن واحد للنهوض الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وذلك لتحقيق مهمة الإنقاذ الشاملة. ومما يشهد على ذلك عودة اهتمام المؤسسات والمنظمات الدولية بنا، سواء من خلال البعثات المتلاحقة للخبراء الدوليين والرغبات الجدية التي يبدونها في تقديم إمكانياتهم العلمية والتقنية من أجل مساعدتنا على تنظيم وإصلاح أوضاعنا الإدارية والاقتصادية والمالية أو من خلال بعض المساعدات والقروض التي بدأت ملامح منحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار أميركي.

 نحن في هذه الحكومة أيها الأصدقاء، قد عقدنا العزم على أن نبدأ هذه الرحلة وقد بدأناها، مهما كلفتنا من جهود وتضحيات، ومصممون على عملية الإنقاذ والنهوض والبناء، لكي نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري، وذلك لأننا نؤمن بهذا الشعب الذي لم تفت الأحداث من عضده، ولم تنل من عزيمته وإرادته، ولم تفقده إيمانه بوطنه وبأرضه، هذا الشعب الذي صارع الموت وتغلب عليه هو شعب أهل للحياة، هو شعب قادر على الإنقاذ، هو شعب ينهض من بين الركام، ومثله لا يموت.

 نحن لا نطلق هذا القول جزافاً، فمنذ اللحظة الأولى بدأنا في هذه الحكومة دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهي غير خافية عليكم وتتمثل باهتراء في الوضع الإداري، فقدان الثقة لدى المواطنين باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية، التضخم المالي والنقدي الناتج عن تسارع وتيرة العجز في موازنة القطاع العام، والضعف المتزايد في القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. إننا ندرك إدراكاً واعياً كل الصعوبات والمشاكل التي ستقف في طريقنا، والتحديات التي ستواجهنا، والوقت الطويل المطلوب للمعالجة. إن هذه الحكومة تؤمن إيماناً راسخاً بأن شرطاً أساسياً من شروط البدء بتحقيق هذه المسيرة الشاقة والعادلة والمسؤولة. إن هذا يعني إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وبالتالي العمل على تحقيق مصالحة حقيقية ودائمة بين المواطن اللبناني والدولة.

 إن هذا الأمر يفترض من الدولة إعطاء المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والمعايير المستندة للأخلاق وعلى تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شك العمل على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية الحقة المنطلقة أساساً من الرغبة في خدمة المواطنين كما والعمل المستمر والمصمم على زيادة فعالية الإدارة الإنتاجية وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين وهذا يتطلب فيما يتطلب تجهيز الإدارة بوسائل العمل الحديثة. كذلك فإنه يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بغير الأسلوب الذي درج عليه في الماضي وذلك عن طريق الزيادات الإسمية في الأجور والرواتب غير المستندة إلى زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن حقيقي في الإنتاجية أو زيادة في الدخل القومي. لقد انعكست تلك الزيادة الإسمية في الأجور والرواتب على مستوى الأسعار التي ابتلعت كل الزيادة المتحققة لا بل وجزأ من الدخل الحقيقي السابق. ذلك مما أدى إلى تدن حقيقي في دخل المواطن وأدخل الوطن في الحلقة الجهنمية داخل حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح الإدارة قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة في مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 في هذا الصدد لا بد وأن يكون إصلاح النظام الضريبي في قمة اهتمامات الحكومة. هذا الإصلاح ينبغي أن يكون في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية واقعية. ليس الهدف هنا فرض ضرائب جديدة وإنما الهدف هو تطوير هذا النظام وتحديثه وجعله أكثر عدالة في بعده الاجتماعي لاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود وأكثر توافقاً مع مستلزمات النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار ودفع عجلة التنمية وتحفيز الاستثمارات الجديدة. هذا يعني خفضاً لمعدلات الضرائب وتشددا في تحصيلها مما يجعل أمر التهرب من دفعها أمراً غير مجدٍ ومكلفٍ معا. لا بد من التأكيد هنا أنه ينبغي أن يترافق مع هذا الجهد عمل دؤوب لتحسين مستوى جباية مستحقات الدولة من ضرائب ورسوم وبدلات الخدمات العامة كما والعمل على تعزيز أجهزة الرقابة بما يحفظ حقوق الخزينة. هذا بالإضافة إلى توجيه كافة الجهود والطاقات نحو دفع عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية في كافة القطاعات مع الأخذ بعين الاعتبار ما تبقى من المميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني والرغبة الدائمة في تطوير هذه المميزات وتعزيزها.

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي التدريجي إلى المجتمع المنتج الذي يكون فيه الإنتاج والإنتاجية هو القيمة الأساسية لهو السبيل الوحيد لخلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولاً إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الشهرين الأولين من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الشهرين المماثلين من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز المتحقق من 263 مليارا إلى 112 مليار لهو خير دليل على سعي الدولة نحو تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. ان التحدي الكبير أمامنا لا يزال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية وترشيد الانفاق العام من جهة، وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 سيشكلان أكثر من 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة.

 إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزاً بلغ قرابة 700 مليون دولار أميركي خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث أن عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولار أميركي ولقد حقق في الشهرين الأولين من عام 1993 فائضاً بحوالي 80 مليون دولار أميركي.

 إن هذا الحديث يوصلنا إلى موضوع هام ينبغي علينا أن نلامسه ألا وهو سياسة الاقتراض لدى الحكومة. إن سياسة الحكومة الحالية تأخذ بعين الاعتبار موضوع اللجوء إلى سياسة الاقتراض وتمويل عملية إعادة البناء والاعمار وتمويل المشاريع الإنتاجية. إذ من غير الممكن تمويل خطة الدولة للنهوض الاقتصادي من خلال الموازنة العادية، علماً أن الموازنة، كما ذكرنا، هي في حالة عجز نسعى لتداركه. وهذا ما يجعلنا مضطرين لتمويل عملية النهوض الاقتصادي بوسائل متعددة:

  • إما عن طريق الهبات، وهو ما سنستمر في السعي للحصول عليه من خلال اتصالاتنا المتواصلة مع أشقائنا العرب والمؤسسات العربية والدولية المتخصصة والحكومات الصديقة.
  • وإما عن طريق القروض الميسرة لجهة الفائدة وفترة السماح ومدة القروض.
  • وإما عن طريق القروض العادية شرط أن تتلاءم شروطها مع طبيعة المشاريع المنوي تنفيذها.

 نحن ندرك أنه لاحتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد هذه السياسية التي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، فإنه ينبغي علينا- وهذا أمر من صلب سياسة الحكومة في هذا الشأن- أن لا نلجأ إلا إلى القروض الطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلال بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص.

 لا بد من الإشارة هنا إلى أن نتائج الجهود التي تبذلها الحكومة لتحريك عجلة الاقتصاد سوف تبدأ بالظهور خلال فترة قصيرة، وان الثقة التي يوليها اللبنانيون والعرب وكذلك المجتمع الدولي ولاسيما المؤسسات الدولية بدينامية ودور الاقتصاد اللبناني والتي تمثلت بشكل واضح كما سبق لي ذكره بالقرض الذي منحه البنك الدولي إلى لبنان بقيمة 175 مليون دولار لتمويل جزء من خطة النهوض الاقتصادي دون قيد أو شرط لهي مؤشر مهم. ان هذا القرض سوف يشكل حافزاً لدول شقيقة وصديقة ولمؤسسات عربية لدعم وتمويل خطة النهوض الاقتصادي التي اعتمدتها الدولة.

 

أيها الأصدقاء،

 إنها لأمانة، وإنها لمسؤولية، مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب ملؤه الإيمان، والثقة، وبعقل منفتح، وبإرادة وعزيمة صلبة وكلها تصميم. فما تطمحون إليه هو بالتحديد ما نسعى إليه، وآمالكم هي آمالنا وأمانيكم هي أمانينا، ولكنها سوف لن تتحقق إلا بتضامننا وتعاوننا. ونحن ندعوكم إلى المشاركة في مسؤولية إنقاذ الوطن وفي الانخراط معنا في ورشة العمل، ورشة الإنقاذ، ورشة إعادة بناء لبنان لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأكثر عزيمة، وأشد تماسكاً وأبهى صورة، وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في العالم أجمع. ان الحكومة مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، مصممة على إنجاح مسيرة التحرير والأمن والسلام والوفاق وإعادة الإعمار في لبنان. إن الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

 ختاماً، وفي هذا الشهر الفضيل أدعو الله سبحانه وتعالى أن يساعدنا الجميع ويعطينا الصبر والقوة للاستمرار في العمل من أجل المساهمة في عملية إعادة العافية إلى وطننا الحبيب لبنان.

 

التاريخ: 
02/03/1993