كلمة الوزير السنيورة في لقاء مع أبناء النبطية في نادي الشقيف

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

 

أيها السيدات والسادة،

 انه ليسرني أن ألتقي بأبناء النبطية الكرام وأن أخاطب أهلنا من على منبر نادي الشقيف. ويشرفني أن أكون على هذه الأرض الطيبة، وأنا واحد من أبنائها، أرض الكرامة والإباء، أرض الجنوب التي ارتوت بدماء أبنائها الشهداء دفاعا عن لبنان كله، ومن أجل نصرة الحق ودفع الظلم ودحر العدوان. فالجنوب حي لا يموت طالما بقي فينا رمق من حياة. كذلك الشهيد لا يموت، الشهيد يحيا بموته. وهؤلاء الشهداء الذين افتدوا الوطن بأرواحهم، قد وهبوا الحياة لوطنهم والحرية لشعبهم والعزة لأمتهم "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"، باستشهادهم يكتبون لنا الحياة، وبأمثالهم تحيا وتبنى الأوطان.

 بهذه الأمثولة، أمثولة الفداء والتضحية نحن نفتدي. ولن يذهب هدرا دم أريق من أجل الأرض والكرامة، لن يذهب هدراً دم أريق في ساحة الشرف. إننا على درب التضحية سائرون وإننا من أجل التحرير عاملون، ومن أجل الإنسان على البناء والإعمار عازمون. تحرير الأرض وتحرير الإنسان هاجسنا وفي سلم أولوياتنا، ولم يستقيم الوضع إلا بتحقيق هذين الهدفين معاً، فتحرير الإنسان يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع تحرير الأرض، وكل مكمل للآخر. ان الحكومة تعمل بكل ما بوسعها وبما تملك من إمكانيات وبما لها من علاقات على تحرير الأرض من خلال تطبيق القرار 425 دون قيد أو شرط، وتبذل كل طاقاتها وجهودها في نفس الوقت من أجل تحرير الإنسان اللبناني من خلال توفير الحياة الحرة والكريمة له، وخطتنا تقوم على تحقيق الإنماء المتوازن بين المناطق على كافة الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لما في ذلك من تأمين للعدالة والمساواة ومن تحصين للوحدة الداخلية وترسيخ لعوامل الاستقرار في البلاد. ولم يغمض لنا جفن قبل أن نمضي قدماً في هذا السبيل.

 

أيها الإخوة،

 لقد انتهت الحرب اللبنانية، انتهت الحرب العبثية بعد ان نالت الكثير من إمكاناتنا ومقدراتنا وان لم تنل من عزيمتنا وتصميمنا على إعادة البناء ولبنان اليوم حكومة وشعبا يسعى جاهداً إلى الانتقال من مرحلة الحرب إلى حالة السلام. في هذا الصدد أود أن أؤكد على حقيقة ثابتة وأساسية وهي ان كل البلدان التي استطاعت أن تخرج من مرحلة العرب لم تتمكن من الوصول إلى بداية مرحلة السلم الثابت إلا من خلال تحقيق شرطين اثنين وهما أولا أن تصبح الكفاءة ويصبح العمل والإنتاج ورفع مستوى الإنتاجية قيما مجتمعية كأي من قيم المجتمع الأساسية ويصار إلى اعتمادها كمعيار للتقييم وبالتالي يتحول الوطن إلى المجتمع المنتج وثانيا تضافر جميع طاقات وجهود المجتمع مع جهود الدولة في الاتفاق والتضامن على الأولويات التي من دونها لا يمكن الخروج من المآزق والاحباطات التي تخلفها حالات الحرب والانقسام. هاتين الحقيقتين أكثر ما تنطبق على حالة لبنان في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه.

 إن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم وما يمكن أن تأتي من جديد أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تجعلنا نمعن النظر مليا في أمر أوضاعنا الداخلية، السياسية منها، كما وبصورة خاصة الاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لكي نجني ثمرتها الإيجابية ونحصن بلدنا من مخاطرها المحتملة. فنحن على الجبهة الداخلية بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني على قضايانا الأساسية والمصيرية وفي مقدمها قضية تحرير الجنوب اللبناني والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي.

 كما أننا بأمس الحاجة إلى أن ننكب من جهة ثانية على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي من خلال إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتحفيز إنشاء المشاريع الإنتاجية لدى القطاعين العام والخاص في إطار سياسة اقتصادية ومالية ترتكز على التخفيض التدريجي لعجز الموازنة وتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل الجديدة لعشرات الألوف من شبابنا وشاباتنا وتوفير سبل الاستثمار للطاقات البشرية والإنتاجية كل ذلك من خلال خطة إنمائية واقتصادية علمية ومنهجية شاملة ومتكاملة تتناول كل قطاعات الإنتاج من جهة وتتناول كل المناطق اللبنانية دون استثناء وفق ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني من جهة ثانية.

 

 أيها الأصدقاء،

 نحن في هذه الحكومة نعلم أن مسؤولية إنقاذ الوطن وإعادة بناء مؤسسات الدولة ليست مسؤولية جماعة أو فئة من المواطنين دون أخرى ولا مسؤولية تنفرد أو تتفرد بها الدولة بل هي مسؤولية المجتمع ككل وهو أمر يفرض علينا أن نتآزر فيما بيننا لننخرط جميعاً كفريق عمل واحد في ورشة إعادة البناء. لا أن نتلهى بخلافات جانبية تجعلنا ننحرف عن المسار ونضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ وطننا.

 إنني إذ أشدد على هذا الأمر فإنني أود أن أؤكد وبنفس المقدار الرغبة الشديدة التي لدى هذه الحكومة في التفاعل مع جميع المواطنين لتحظى بتوجيهاتهم ونصائحهم لا بل وانتقاداتها وهو الأمر الذي يساهم وإلى حد بعيد في تصويب مسيرة الحكومة. إننا في هذه الحكومة نؤمن إيماناً راسخاً بالنظام الديمقراطي المنطلق أساساً من إعلاء مبادئ الحرية والعمل المنتج مع علمنا الكامل بأننا مهما حاولنا التماس رضى جميع الناس فإننا نلتمس ما لا  يدرك. لكننا ومع ذلك سوف نواصل السعي الدؤوب نحو تعزيز أواصر التعاون مع كل الإرادات الطيبة الراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 نحن ندرك تماماً، ونرجو أن تدركوا معنا أن المناخ الدولي تجاه لبنان، كما هو المناخ العربي، أكثر ملاءمة للبنان عما كان في الماضي وذلك فيما خص المساعدة من أجل العمل على إعادة بناء الدولة، وهذا الأمر يوجب علينا كمسؤولين ومواطنين العمل على اغتنام كل الفرص التي قد تتاح لنا واستعمالها في عملية الخروج من حالة الحرب التي استنزفت جزءاً كبيراً من قدراتنا وليس من تصميمنا على إنقاذ الوطن وإعادة بنائه في ظل دولة قادرة وعادلة.

 إن هذا يتطلب وضع وتنفيذ خطة واقعية وطموحة في آن واحد للنهوض الاقتصادي والمالي والاجتماعي. ومما يشهد على ذلك عودة اهتمام المؤسسات والمنظمات الدولية بنا، أو من خلال بعض المساعدات والقروض التي بدأت ملامحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار.

 إن أهمية هذا القرض تكمن في دلالته السياسية والاقتصادية، إذ أن هذا القرض منح للبنان دون أن يتخلى لبنان عن أي مبدأ من مبادئ استقلالية قراره الاقتصادي والسياسي.

 كذلك فإن منح هذا القرض للبنان ينطوي أيضاً على عودة انفتاح العالم على لبنان، وثقة المؤسسات الدولية، به وبأوضاعه الاقتصادية وبالسياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على الصعيد المالي والاقتصادي وقدرتها على إعادة البناء والإعمار. بقي علينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة وعلينا أن نعزز ثقة العالم بنا، لنجتاز هذا الامتحان الصعب، ولنستفيد من هذا المناخ الملائم لنا عربياً ودولياً ونبدأ رحلة الإنقاذ والبناء والإعمار الطويلة والمضنية ولكن غير المستحيلة والتي تتطلب منا العزيمة والإيمان والتصميم نحو بلوغ الأهداف التي يتوخاها شعبنا وذلك بعد فترة طويلة من المعاناة والحرمان.

 نحن في هذه الحكومة أيها الأصدقاء، قد عقدنا العزم على أن نبدأ هذه الرحلة وقد بدأناها، مهما كلفتنا من جهود وتضحيات، ومصممون على عملية الإنقاذ والنهوض والبناء، لكي نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري، وذلك لأننا نؤمن بهذا الوطني ونؤمن بهذا الشعب الذي لم تفت الأحداث من عضده، ولم تنل من عزيمته وإرادته، ولم تفقده إيمانه بوطنه وبأرضه، هذا الشعب الذي صارع الموت وتغلب عليه هو شهب أهل للحياة، هو شعب قادر على الإنقاذ، هو شعب ينهض من بين الركام، ومثله لا يموت.

 نحن لا نطلق هذا القول جزافاً، فمنذ اللحظة الأولى بدأنا في هذه الحكومة دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهي غير خافية عليكم، وتتمثل باهتراء في الوضع الإداري والإحباط الشديد لدى المواطنين وفقدانهم الثقة باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية والتضخم المالي والنقدي الناتج عن تسارع وتيرة العجز في موازنة القطاع العام والوهن المتزايد في القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني، نحن ندرك إدراكاً واعياً كل الصعوبات والمشاكل التي ستقف في طريقنا، والتحديات التي ستواجهنا، والوقت الطويل المطلوب للمعالجة.

 إن هذه الحكومة تؤمن إيماناً راسخاً بأن شرطاً أساسياً من شروط البدء بتحقيق هذه المسيرة الشاقة هو استعادة المواطنين الثقة بالدولة، الدولة القادرة والعادلة والمسؤولة. إن هذا يعني إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وبالتالي العمل على تحقيق مصالحة حقيقية ودائمة بين المواطن اللبناني والدولة.

 إن هذا الأمر يفترض من الدولة إعطاء المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والالتزام بالمعايير الخلقية في التعامل وتطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شك العمل على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية الحقة المستندة إلى الكفاءة وليس إلى الانتماء الى الطائفة أو المذهب أو المجموعة السياسية والحزبية. كما وأن يصار إلى توجيه منطلقات الإدارة أساسا من الرغبة في خدمة المواطنين كما والعمل المستمر والمصمم على زيادة فعاليتها الإنتاجية وتجهيزها بوسائل العمل الحديثة وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين. كذلك فإن هذا البناء يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بغير الأسلوب الذي دُرج عليه في الماضي وذلك عن طريق الزيادات الإسمية للأجور والرواتب غير المستندة إلى زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن حقيقي في الإنتاجية أو زيادة في الدخل القومي. لقد انعكست تلك الزيادات الإسمية في الأجور والرواتب التي منحت في الماضي ولم تكن نتيجة لزيادة في الإنتاج على مستوى الأسعار التي ابتلعت كل الزيادة الاسمية الجديدة لا بل وجزأ من الدخل الحقيقي السابق. ذلك مما أدى إلى تدن حقيقي في دخل المواطن وهو ما أدخل الوطن في الحلقة الجهنمية في حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح الإدارة قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة في مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 وفي هذا الصدد لا بد وأن يكون إصلاح النظام الضريبي في قمة اهتمامات الحكومة. هذا الإصلاح الضريبي ينبغي أن يكون في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية واقعية.

 ليس الهدف هنا فرض ضرائب جديدة وإنما الهدف هو تطوير هذا النظام وتحديثه وجعله أكثر عدالة في بعده الاجتماعي ولاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود. إننا ندرك في هذه الحكومة الوضع المعيشي السيئ الذي يتخبط فيه المواطن سواء كان تاجراً أو مهنياً أو من ذوي الدخل المحدود. هذا ما يوجب علينا وضع التشريعات القانونية اللازمة التي تؤدي عند إقرارها من مجلس النواب إلى تخفيف عبء الضريبة عن كاهل المواطنين من ذوي الدخل المحدود تمكيناً لهم من النهوض بأعبائهم وموجباتهم العائلية والمعيشية. إننا نؤمن بان رفع مستوى الحد الأدنى الضروري للمعيشة المعفى من ضريبة الدخل من شأنه أن يحقق العدالة الاجتماعية ويراعي الأوضاع المعيشية لكل مواطن ومكلف وكذلك أيضاً في جعل هذا النظام أكثر توافقاً مع مستلزمات النهوض الاقتصادي ودفع عجلة التنمية إلى الأمام. فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية الناتجة عن الحرب تستوجب إعادة البناء والإعمار وتشجيع أصحاب الرساميل على توظيف أموالهم واستثمارها في لبنان مما يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد اللبناني وخلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب والحد من انتشار البطالة والبطالة المقنعة. إن تحقيق هذه الأهداف يتطلب خفضاً حقيقياً في معدلات الضرائب بحيث تشكل الضريبة المنخفضة عاملاً مشجعاً لأصحاب الرساميل على توظيف أموالهم في لبنان هذا فضلاً عن أن خفض هذه المعدلات من شأنه أن يحد من محاولات التهرب من الضريبة واللجوء إلى الوسائل غير المشروعة للتملص منها. وهذا من شأنه أن يزيد في محصلة الأمر من واردات الخزينة. هنا لا بد من الإشارة إلى وجوب أن يترافق مع هذه التعديلات تشديد العقوبات على مخالفة القوانين الضريبية لردع المخالفين عنها. ليس هذا فقط بل ينبغي أن يترافق هذا الجهد مع عمل دؤوب لتحسين مستوى جباية مستحقات الدولة من ضرائب ورسوم وبدلات الخدمات العامة كما والعمل على تعزيز أجهزة الرقابة بما يحفظ حقوق الخزينة.

 إن هذا العمل لا بد أن يترافق مع جهد لتوجيه كافة الإمكانات والطاقات نحو تحريك عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية في كافة القطاعات مع الأخذ بعين الاعتبار ما تبقى من المميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني والرغبة الدائمة والمصممة على تطوير هذه المميزات وتعزيزها.

 في هذا الصدد فإن الحكومة عاكفة أيضاً على تعزيز وتطوير إدارة الجمارك من أجل تحسين واردات الدولة من خلال إعادة النظر بالتعريفة الجمركية وذلك لجهة تبسيطها وضبط عملية استيفاء الرسوم ومراعاة وضع المستهلك اللبناني ودعم وتشجيع الصناعات اللبنانية والاستثمار في القطاع الصناعي عن طريق معدلات جمركية تهدف إلى حماية الصناعات اللبنانية المبنية على دراسة عملية وعلمية للقيمة المضافة في لبنان مما يبرر حمايتها. لا بد لي من أن أنوّه في هذا الصدد بأن المجلس النيابي كان قد وافق بتاريخ 4 كانون الثاني 1993 على مشروع قانون تقدمت به الحكومة ويقضي بإلغاء جميع الرسوم غير الرسوم الجمركية التي كانت تفوق الأربعين رسما وتوحيدها جميعاً بالرسم الجمركي. ومن أجل وضع هذا القانون موضع التنفيذ باشرت لجان مختصة في المجلس الأعلى للجمارك وضع تعريفة جمركية جديدة في هيكليتها ومعدلاتها تقوم على النقاط التالية:

 

  • إلغاء كافة الرسوم غير الرسوم الجمركية وضمها إلى الرسم الجمركي.
  • اختصار عدد معدلات الرسم الجمركي من 31 إلى 8 معدلات تبسيطا للعمل والقيود المحاسبية.
  • إلغاء الدولار الجمركي من التعريفة الجديدة.
  • تخفيض معدلات الرسوم الجمركية بذات النسبة تقريباً من تلك التي زيد على أساسها سعر الدولار الجمركي إلى حدود أسعاره الحقيقية في السوق.
  • اعتماد معدل أدنى للرسم الجمركي الموحد مقداره 3%.
  • المحافظة على احترام الاتفاقيات الدولية بشأن التعريفة الجمركية.

 

إن الإسراع في تنفيذ هذا المشروع يفتح الباب على مصراعيه لتنفيذ التزام الدولة بدعم الصناعات اللبنانية وحمايتها من الإغراق الاقتصادي والمنافسة غير المشروعة ولاسيما تلك التي تستند إلى قيمة مضافة في لبنان تبرر للحكومة اللبنانية اعتماد إجراءات الحماية لها.

 

أيها السادة،

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي والتحول التدريجي نحو المجتمع المنتج الذي تكون فيه الكفاءة ومستوى الإنتاج والإنتاجية من القيم الأساسية للمواطنين لهي السبيل الوحيد للخروج من المآزق التي نتخبط بها كما أنها الوسيلة لتحقيق زيادة حقيقية في الدخل القومي وبالتالي خلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولاً إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الأشهر المماثلة من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز المتحقق خلال الفصل الأول من 335 مليارا إلى 182 ملياراً وهو أقل من النصف لهو خير دليل على سعي الدولة نحو تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. ان التحدي الكبير أمامنا لازال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون وترشيد الإنفاق العام من جهة وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجياً تمهيداً لإلغائه وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 يشكلان ما يقارب 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر صرف الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة.

 إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزاً بلغ قرابة 700 مليون دولار أميركي خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث أن عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولار أميركي. بالإضافة إلى ذلك فإن المؤشرات الأولية للأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام تشير إلى بعض الفائض في ميزان المدفوعات.

 إن هذا الحديث يوصلنا إلى موضوع هام ينبغي علينا أن نلامسه ألا وهو سياسة الاستقراض لدى الحكومة. إن سياسة الحكومة الحالية تأخذ بعين الاعتبار موضوع اللجوء إلى سياسة الاستقراض وتمويل عملية إعادة البناء والاعمار وتمويل المشاريع الإنتاجية. إذ من غير الممكن تمويل خطة الدولة للنهوض الاقتصادي من خلال الموازنة العادية، علماً أن الموازنة، كما ذكرنا، هي في حالة عجز نسعى لتداركه. وهذا ما يجعلنا مضطرين لتمويل عملية النهوض الاقتصادي بوسائل متعددة:

  • إما عن طريق الهبات، وهو ما سنستمر في السعي للحصول عليه من خلال اتصالاتنا المتواصلة مع أشقائنا العرب والمؤسسات العربية والدولية المتخصصة والحكومات الصديقة.
  • وإما عن طريق القروض الميسرة لجهة الفائدة وفترة السماح ومدة القروض.
  • وإما عن طريق القروض العادية شرط أن تتلاءم شروطها مع طبيعة المشاريع المنوي تنفيذها.

 

نحن ندرك أنه لاحتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد هذه السياسية التي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، فإنه ينبغي علينا- وهذا أمر من صلب سياسة الحكومة في هذا الشأن- أن لا نلجأ إلا إلى القروض الطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلال بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد للقطاعين العام والخاص.

 لذلك، فإن الدولة لن تلجأ إلى سياسة التوسع في الاقتراض ولاسيما تلك التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقاتها.

 

أيها الأصدقاء،

 إن هذه المشاكل التي درسناها وبدأنا بوضع معالجات لها واتخاذ التدابير بشأنها قد بدأنا نتلمس إيجابياتها على كل صعيد. ذلك مما يبشر ببداية مرحلة الانفراج المالي والاقتصادي الذي بدأت تباشيره تظهر وتعكس جواً تفاؤلياً مع تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً كبيراً خلال الأشهر الماضية.

 إن هذه التباشير تؤكد سلامة الوضع الاقتصادي اللبناني وثقة اللبنانيين والعالم الخارجي بمستقبل الاقتصاد اللبناني ودوره الرائد.

 إن الحكومة قد أعدت خطة عشرية للنهوض الاقتصادي وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات العشر المقبلة هذا البرنامج يأتي كترجمة عملية للشق الاقتصادي الاجتماعي من اتفاق الطائف الذي دعا إلى اعتماد سياسة لإنماء متوازن. انه برنامج تنموي يهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك ومرافئ ومطار كما يهدف أيضاً إلى المساعدة في تأمين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. ان الكلفة المقدرة لهذا البرنامج هي بحدود العشرة مليارات دولار خلال العشر سنوات المقبلة إضافة إلى مليار دولار للتسليفات لقطاع الإسكان وللقطاعات الإنتاجية.

 إن هذا البرنامج يهدف إلى تحقيق توزيع جغرافي للإنفاق التنموي أكثر توازناً عما هو الوضع القائم حالياً. فبالإضافة إلى إعادة تأهيل المنشآت الموجودة وتحديثها وتطويرها يتوجب توسيع البنية التحتية المادية والاجتماعية في جميع المناطق اللبنانية وتنشيط القطاعات الإنتاجية لتحقيق الإنماء المتوازن.

 أما بالنسبة إلى كيفية تمويل هذا البرنامج التنموي وقدرة الدولة على سداد القروض الناجمة عن هذا التمويل، فإن الدراسات التي أجريت تشير إلى أن جزءا من مجموع التمويل سيكون داخلياً من وفر الموازنة ومن الاقتراض الداخلي والجزء الآخر الذي سيكون خارجياً على شكل هبات وقروض ميسرة وقروض تجارية.

 وأما بالنسبة إلى قدرة الدولة على سداد واحتمال إغراقها في بحر من الديون الخارجية، فالدراسات تشير وبوضح تام بان الدولة اللبنانية قادرة على السداد طالما أن هذه الأموال ستستخدم في تمويل القطاعات الإنتاجية وليس لدعم الاستهلاك.

 إن هذا البرنامج التنموي يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل كما أنها تمثل المسار الذي تريد أن تسلكه، وكما قال دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري فإن هذا البرنامج هو ملك الشعب وعلى الشعب بجميع فئاته أن يساهم في وضع الأولويات فيأخذ منه ما يشاء ويعدل فيه ما يشاء.

 

أيها الأصدقاء،

 إنها لأمانة، وإنها لمسؤولية، مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب ملؤه الإيمان، والثقة بهذا الوطن وبهذا الشعب، وبعقل منفتح، وبإرادة وعزيمة صلبة كلها تصميم. فما تطمحون إليه هو بالتحديد ما نسعى إليه، وآمالكم هي آمالنا وأمانيكم هي أمانينا، ولكنها سوف لن تتحقق إلا بتضامننا وتعاوننا وتضحياتنا المشتركة. نحن ندعوكم إلى المشاركة في مسؤولية إنقاذ الوطن وفي الانخراط معنا في ورشة العمل، ورشة الإنقاذ، ورشة إعادة بناء لبنان لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأكثر عزيمة، وأشد تماسكاً وأبهى صورة، وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في العالم أجمع. ان الحكومة مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، مصممة على إنجاح مسيرة التحرير والأمن والسلام والوفاق وإعادة الإعمار في لبنان. إن الحكومة جادة بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة على توفير الحياة الكريمة للإنسان اللبناني وللمجتمع بأسره ولن تألو جهداً من أجل تحقيق هذا الهدف الذي يحكم تصرفاتها ويستغرق كامل وقتها وفكرها. نحن في هذه الحكومة نريد لهذا الشعب أن يحيا حياة عزيزة وكريمة ونريد للمواطن الازدهار والاستقرار والحرية. ان الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

 عشتم وعاش لبنان سيدا، حرا ومستقلا.

ملعب الشقيف - النبطية

16 نيسان 1993

التاريخ: 
16/04/1993