الوضع الاقتصادي : ما له وما عليه

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها الأخوات والإخوة،

 يسعدني أن التقي بكم في رحاب المركز الإسلامي الذي تقوم فيه نخبة من رجالاتنا الأفاضل تنشط في سبيل خدمة المجتمع والإنسان وفي حمل رسالة الإيمان المقرون بالعمل، هذه الرسالة التي تنمو في كنف المسجد والجامع فتؤالف بين قيم الدين وقيم الحياة، وتجسد ذلك التوازن الدقيق والشفاف الذي تستقيم به الحياة البشرية وتتوازن في تناغم كلي لا تطغى فيه قيمة على أخرى ولا جانب على آخر، فيرتقي الإنسان بنفسه ويسمو ما طاب له الارتقاء والسمو، دون شعور بالذنب يكبله ويحد من انطلاقه وإشعاعه، ودون عقد تقعده عن بلوغ الكمال الإنساني. هذا التوازن والتناغم الذي أرست الشريعة الإسلامية ركائزه في الكائن البشري بين المادة والروح، والنفس والجسد والقلب والعقل والدين والدنيا والإيمان والعمل بحيث ينبثق عنه هذا الإنسان السوي الذي يشكل اللبنة الخيرة في البنيان الاجتماعي. ومن هنا يأتي تقديرنا للمركز الإسلامي الذي فهم حقيقة الرسالة المزدوجة، فأعطى للإيمان حقه ومكانته، وأعطى للعمل قيمته ودوره من خلال إنشاء مؤسسات إنتاجية توفر للشباب والشابات علماً ينتفع به ومهنة ينفعون بها أنفسهم ومجتمعهم ويقيهم شر العوز وذل السؤال، وهو يساهم بفضل هذه الكوكبة من الرجال في عملية البناء والإعمار التي اتخذتها الحكومة شعاراً لها.

 

أيها الأخوات والإخوة،

 سبعة عشرة عاماً من الحرب أخذت من الاقتصاد اللبناني معظم ما كان له، وكان له الكثير. قوضت الحرب جانباً كبيراً من أسس الاقتصاد، هدمت جزءًا هاماً من البنية التحتية، عطلت مرافق الدولة العامة وشلت مؤسساتها، أزالت معالم لبنان الثقافية والحضارية، أضعفت العملة الوطنية، قضت على ميزاته التفاضلية، وأفقدت ثقة العالم به، بعد أن كان منارة علم وحضارة في محيطه العربي والدولي.

 ولكن على الرغم من كل ذلك، لم تسلب الحرب لبنان كل شيء، بفضل صمود شعبه وصبره وصلابته، بقي له ولاقتصاده الشيء الكثير، بقي له أهم شيء، إنسانه، إيمانه، عزيمته وطموحه، بقيت له الثوابت الأساسية التي تشكل قوة له وقاعدة وركيزة انطلاق في كل حين، هذه الثوابت الأساسية التي تشكل قوة له وقاعدة وركيزة انطلاق في كل حين، هذه الثوابت هي العيش المشترك وقيم الحرية والديمقراطية واحترام الملكية الفردية والنظام الاقتصادي الحر وحرية التحويل وقانون السرية المصرفية وكفاءة الإنسان اللبناني وحيويته وقدرته الفريدة على التكيف مقرونة بتراث فكري وثقافي عريق والانفتاح على العالم، ولهذه الأسباب نفهم لماذا لم تستطع الحرب أن تقضي على لبنان، كما فعلت في غير مكان، نفهم لماذا لم تستطع أي من دول المنطقة أن تأخذ دور لبنان الاقتصادي والثقافي، نفهم لماذا يعود العالم من جديد ليوجه أنظاره واهتمامه إلى لبنان بعد أن فقد، في وقت من الأوقات ثقته بهذا البلد.

 ونحن انطلاقاً من هذه الثوابت والركائز، وعلى ما تبقى للبنان ولاقتصاده من مقومات وإمكانات، نعتمد لنعيد له كل ما كان له من ميزات وقدرات وصدارة في محيطه العربي، كما في العالم أجمع، بل نطمح إلى أكثر من ذلك لنمكنه من مواكبة حركة التقدم والتطور في عالمنا المعاصر بعد أن تخلف عن ركب الحضارة عقدين من الزمن. وهذا ما عكفت الحكومة على الاضطلاع به منذ قيامها، وهو ما تعمل من اجله الآن بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة وإمكانات، متبعة في ذلك، سياسة اقتصادية واضحة وهادفة، ومعتمدة برنامجاً علمياً وواقعياً للبناء والاعمار والإنماء.

 

أيها الأخوات والإخوة،

 إن الحكومة ستعمل متخطية كل الظروف والصعوبات الناشئة عن فترة الحرب الطويلة وما تركت من رواسب لكي تعطي الدولة المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والالتزام بالمعايير الخلفية في التعامل وتطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شك العمل التدريجي على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية ألحقه المستندة إلى الكفاءة وليس إلى الانتماء إلى الطائفة أو المذهب أو المجموعة السياسية والحزبية. والعمل على توجيه الإدارة انطلاقاً من واجباتها في خدمة المواطنين. والعمل المستمر والمصمم على زيادة فعاليتها الإنتاجية وتجهيزها بوسائل العمل الحديثة وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين. كذلك فإن هذا البناء يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بأسلوب علمي واقتصادي مدروس يخفف من أعباء المعيشة ويحسن من القوة الشرائية لدخلهم ويقيهم الدخول في حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة على مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات. ولقد بدأنا في وزارة المالية العمل على إعادة تأهيل وتجهيز جزء من المباني التي تشغلها دوائر الوزارة المختلفة، وخاصة دوائر الشؤون العقارية بشكل يسمح بتسهيل عمل الموظفين والحفاظ على الملفات ضماناً لحقوق المواطنين وأملاكهم، وإدخال المكننة على العمل، وإعداد الموظفين وتدريبهم من خلال إجراء دورات تدريبية لتحديث معلوماتهم وتحسين أداء عملهم، وإجراء تشكيلات إدارية داخلية لتنشيط العمل وتنويع معارف الموظفين ومعلوماتهم المالية والإدارية، وإعادة النظر بالقوانين، وقد أثمر ذلك تحسناً كبيراً في العمل والأداء، أدى إلى الارتياح العام لدى جميع المواطنين كما نتج عنه زيادة عائدات الدولة وتحصيلاتها. وستظهر الآثار الإيجابية للإصلاح المالي والإداري الذي تقوم به وزارة المالية تباعاً. إن هذه الإجراءات تشكل خطوة ضرورية وأولية في المسار الطويل للإصلاح والتغيير الجذري المطلوب لبناء إدارة سليمة وحديثة.

  

أيها الأخوات والإخوة،

 إن الحكومة تسعى جاهدة إلى وضع نظام جديد للضرائب في لبنان يأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يعاني منها ذوي الدخل المحدود ويكون أيضاً حافزاً للاستثمار ومشجعاً للمؤسسات وموفراً لأقصى درجات المردودية للمشاريع المقامة في لبنان وذلك من خلال تخفيض الضرائب والرسوم.

 إن مشروع ضريبة الدخل الذي أقره مجلس الوزراء منذ أيام قليلة يلحظ خفضاً هاماً على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح شركات الأفراد الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية من حوالي 40 في المائة كحد أقصى إلى حوالي 10 بالمائة كحد أقصى وبدون أية إضافات. كما يلحظ المشروع اقتراح خفض الضريبة على شركات الأموال من 26 في المائة إلى 10 في المائة مقطوعة وبدون أية إضافات، وخمسة بالمائة عند التوزيع بدلاً من اثني عشرة بالمائة. كما أحدث المشروع تبسيطاً كبيراً في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى.

 ويلحظ المشروع أيضاً أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة والعقارات التي تكون موضوع متاجرة والأسهم وسندات الدين وحصص الشركات في المؤسسة وطريقة التكليف عن الفروق الناتجة عن إعادة التقييم بحيث تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5 في المائة على هذه الفروقات.

 إن الفكرة من وراء هذا المشروع هي توخي عدالة ضريبية أفضل وتشجيع للاستثمار أفعل وتحقيق مداخيل للخزينة أكبر من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة طاقتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبناني. كما يهدف المشروع إلى الحؤول دون التهرب من الضريبة لكونه يصبح أمراً غير مجد ومكلف في آن معاً لأن وزارة المالية ستلاحق بكل جدية وفعالية المخالفين والمتهربين من الضريبة بكافة الوسائل التي يتيحها القانون، خاصة أن المشروع قد فرض عقوبات وغرامات رادعة للحد من محاولات التهرب من دفع الضريبة.

 إن الحكومة تعتقد بأن هذا المشروع سيوفر فرصاً مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى.

 وفي الإطار نفسه، سيدرس مجلس الوزراء خلال فترة قصيرة مشروعي قانونين يتناولان ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال "الإرث والهبة والوصية" واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية وفقاً لنفس الأسس المعتمدة في مشروع قانون ضريبة الدخل.

  

أيها الأخوات والإخوة،

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المالية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي والتحول التدريجي نحو المجتمع المنتج الذي تكون فيه الكفاءة ومستوى الإنتاج والإنتاجية من القيم الأساسية للمواطنين لهي السبيل الوحيد للخروج من المآزق التي نتخبط بها كما أنها الوسيلة لتحقيق زيادة حقيقية في الدخل القومي وبالتالي خلق فرص عمل جديدة لعشرات الآلاف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولاً إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الأشهر المماثلة من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز الإجمالي المتحقق خلال هذه الفترة من 437 ملياراً إلى 300 مليار أي بتحسن نسبته حوالي 31% في حين انخفض العجز الأولي أي بعد تنزيل أعباء خدمة الدين العام من 363 ملياراً إلى 140 مليار أي بنسبة تحسن وقدرها 62% عما كان عليه في العام الماضي لنفس الفترة. هذه المؤشرات هي خير دليل على سعي الدولة إلى تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. إن التحدي الكبير أمامنا لا زال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون وترشيد الإنفاق العام من جهة وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجياً تمهيداً لإلغائه، وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 يشكلان ما يقارب 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر صرف الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة.

 إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزاً بلغ قرابة 700 مليون دولاراً أميركياً خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث أن عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولاراً أميركياً. بالإضافة إلى ذلك فإن المؤشرات الأولية للأشهر الخمسة الأولى من هذا العام تشير إلى فائض في ميزان المدفوعات بلغ 140 مليون دولاراً.

إن الحكومة قد أعدت خطة عشرية للنهوض الاقتصادي وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات العشر المقبلة. هذا البرنامج يأتي كترجمة عملية للشق الاقتصادي الاجتماعي من اتفاق الطائف الذي دعا إلى اعتماد سياسة لإنماء متوازن. إنه برنامج تنموي يهدف إلى تامين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك ومرافئ ومطار كما يهدف أيضاً إلى المساعدة في تامين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. إن الكلفة المقدرة لهذا البرنامج بمعزل عن حجم الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص خلال هذه الفترة هي بحدود العشرة مليارات دولار خلال العشر سنوات المقبلة إضافة إلى مليار دولار للتسليفات لقطاع الإسكان وللقطاعات الإنتاجية، كما يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل والمسار الذي تريد أن تسلكه، وكما قال دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري فإن هذا البرنامج هو ملك الشعب وعلى الشعب بجميع فئاته أن يساهم في وضع الأولويات فيأخذ منه ما يشاء ويعدل فيه ما يشاء.

 أما بالنسبة إلى كيفية تمويل هذا البرنامج التنموي وقدرة الدولة على سداد القروض الناجمة عن هذا التمويل، فإن الدراسات التي أجريت تشير إلى أن جزءًا من مجموع التمويل سيكون داخلياً من وفر الموازنة ومن الاقتراض الداخلي والجزء الآخر الذي سيكون خارجياً على شكل هبات وقروض ميسرة وقروض تجارية.

 نحن ندرك أن احتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد سياسة الاستقراض من الخارج والتي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، أمر في غاية الأهمية ولذلك تقوم سياسة الحكومة على عدم اللجوء إلى القروض المتوسطة والطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص.

 لذلك فإن الدولة لن تلجأ إلى التوسع في سياسة الاقتراض ولاسيما تلك القروض التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقاتها.

 وستسعى الحكومة، بما لديها من صدقية إلى الحصول على المساعدات والهبات، وكذلك على القروض الميسرة والقروض التجارية المطلوبة وهو أمر ليس باليسير لكننا متفائلون بأننا قادرون على تحقيق ما نصبو إليه ويشهد على ذلك عودة اهتمام الدول الصديقة والمؤسسات المالية، ولاسيما العربية منها، والمنظمات الدولية بلبنان من خلال المساعدات والقروض التي بدأت ملامحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار أميركي.

 إن أهمية هذا القرض تكمن في دلالته السياسية والاقتصادية، أنه ينطوي على عودة انفتاح العالم على لبنان، وثقة المؤسسات الدولية به وبأوضاعه الاقتصادية وبالسياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على الصعيد المالي والاقتصادي وقدرتها على إعادة البناء والإعمار. بقي علينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة. وهذه الثقة سيكون لها الأثر الأكبر على اللبنانيين المنتشرين في سائر أقطار العالم والذين يتوقون إلى المساهمة في إنقاذ وطنهم وإلى الاستثمار في مشاريع البناء والإعمار التي ستنهض بأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية انطلاقاً من شعورهم الراسخ بحقهم وواجبهم، قبل غيرهم، في المساهمة في هذه العملية ونحن نولي هذه الفئة القادرة من اللبنانيين كل رعاية واهتمام والتي ستشكل الركيزة الأساسية لإعادة بناء لبنان وإعماره.

 إن هذه المشاكل التي درسناها وبدأنا بوضع معالجات لها واتخاذ التدابير بشأنها قد بدأنا نتلمس إيجابياتها على كل صعيد. ذلك مما يبشر ببداية مرحلة الانفراج المالي والاقتصادي الذي بدأت تباشيره تظهر وتعكس جواً تفاؤلياً مع تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً كبيراً خلال الأشهر الماضية.

 إن هذه التباشير تؤكد سلامة الوضع الاقتصادي اللبناني وثقة اللبنانيين والعالم الخارجي بمستقبل الاقتصاد اللبناني ودوره الرائد.

 

أيها الأخوات والإخوة،

 إن عملية الإصلاح والنهوض الاقتصادي، بعد الحرب، تتطلب، كما ترون، جهوداً جبارة وإمكانات هائلة، ليست كلها بمتناول اليد، وهي تتطلب أيضاً وقتاً وصبراً وتضحيات كبيرة، فهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن، فما دمر خلال سبعة عشر عاماً لا يبنى في سبعة أشهر أو يزيد، إن سبعة أشهر من الحكم تعادل طرفة عين في عمر الزمن. ولكن ذلك لن يدخل اليأس إلى قلوبنا لأن إيماننا بالله وبشعبنا أقوى من اليأس، ولن نترك للإحباط طريقاً إلى نفوسنا لأن ثقتنا بأنفسنا وباللبنانيين فوق كل مشاعر الإحباط والقنوط. لقد عقدنا العزم على إنقاذ الوطن ولن نتراجع. عقدنا العزم على محو آثار الحرب وذكرياتها المريرة من ذاكرة اللبنانيين، ولن نتردد. عقدنا العزم على البناء والإعمار، ولن نتوانى. عقدنا العزم على أن نوفر للمواطن حياة حرة كريمة، ولن نتخلى. عقدنا العزم على أن نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري، ونحن بإذن الله فاعلون، وعلى العهد باقون. إنها أيها الأخوات والإخوة لمسؤولية، إنها بالدرجة الأولى مسؤولية الحكومة، ولكنها بنفس الوقت مسؤولية المجتمع.

 إن إنقاذ الوطن لا يمكن أن يكون مسؤولية فرد أو جماعة، إنها مسؤولية المجتمع بكل أفراده وفئاته وعناصره، وشرط نجاحها تضامن الشعب مع قيادته والوقوف إلى جانبها ودعمها، وتفرض مشاركة الجميع في ورشة الإنقاذ وورشة إعادة البناء والإعمار، ونحن على استعداد للتعاون مع كل الإرادات الطيبة الراغبة في خدمة هذا الشعب وإنقاذ الوطن وإعلاء شأنه. وعملية الإنقاذ تلقي علينا مسؤولية الابتعاد عن التلهي بخلافات جانبية تجعلها تنحرف عن المسار فنضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ لبنان.

 

أيها الأخوات والإخوة،

 ليس لنا طموحات شخصية، طموحاتنا هي لبنان، تحرير لبنان، إنسان لبنان، شعب لبنان، مستقبل لبنان، فهل أنتم معنا؟

 عشتم وعاش لبنان

 

المركز الإسلامي 

24 حزيران 1993

                                         

التاريخ: 
24/06/1993