الوضع المالي: صعوبات ومعالجات

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 لكم يسعدني أن ألتقي بكم في مدرسة الحكمة، في هذا الصرح التربوي، الذي دأب على نشر رسالة العلم والأخلاق، والذي ترك بصمات واضحة في تاريخ لبنان الثقافي والحضاري والسياسي، وخرج أجيالا من الشابات والشباب المسلحة بالعلم والمعرفة، والمفعمة بالإيمان والوطنية، شكلت مع غيرها نواة بناء لبنان الحديث، ومدماكا من مداميكه، فساهمت في نهضة الوطن واستقلاله، وشاركت في مسيرته التاريخية والوطنية التي طبعت بالعزة والكرامة والعنفوان.

وأتوجه بالتقدير للقيمين على هذا الصرح العلمي والتربوي الذين زرعوا في نفوس أجيال لبنان الطالعة، وما زالوا يزرعون، قيم العلم والخير والفضيلة والذين غرسوا في قلوب الناشئة حب الوطن والتضحية ومعاني الأخوة والتسامح. كما أتوجه بالشكر إلى رئيس مدرسة الحكمة الأب كميل مبارك وإلى رئيس جمعية قدامى الحكمة الأستاذ الزميل جان أبو جوده لدعوتهم لي وإتاحتهم فرصة اللقاء بكم والتباحث معكم في موضوع هام وشائك والمتعلق بالوضع المالي: صعوبات ومعالجات.

 

أيها السيدات والسادة،

 بعيداً عن المال والاقتصاد، وبعيداً عن السياسة، وبكل محبة وإخلاص، وبقلب وفكر منفتح، أقول، أن الأوطان لا تقوم إلا بسواعد أبنائهم ولا تنهض إلا بتضامنهم وتكاتفهم، ولبناننا تخطى الحرب العبثية وانتصر عليها، ولكنه ما زال يرزح تحت وطأة نتائجها وتبعاتها، واعترف أن القلق يساور بعض النفوس حول مستقبل لبنان ومصيره، وهناك تساؤلات تطرح حول أمور عديدة تمس ربما مقومات الحياة اللبنانية، ولاسيما تلك التي تتعلق بالحريات والحقوق الفردية ونمط العيش، ونفهم ونتفهم كل التفهم هذا القلق وتلك التساؤلات، ألسنا أبناء وطن واحد؟ ألا نتقاسم جميعاً، كلبنانيين، هموماً مشتركة؟ ألا تحدونا آمال واحدة في لبنان حر عزيز، كريم؟

 عصفت بلبنان وبتاريخه محن كثيرة، وخضع لتجارب مريرة، وتعرض لأزمات مستعصية، وفي كل مرة كان يخرج منها أكثر قوة، واشد تماسكاً، وأقوى عزيمة، وأعمق وحدة وتمسكا بأرضه ووطنه... ما استسلم اللبناني يوماً لقدره، ولا رضخ لواقعه، كان يخلق من الضعف قوة، ومن اليأس أملاً، ومن القنوط رجاء، وما زادته المحن إلا صلابة، ولا الأزمات إلا عناداً، ولا عاتيات الدهر إلا صبرا، ولا الحروب إلا تضامناً، جعلتنا الحرب أكثر وعيا وإدراكاً لحاضرنا ومستقبلنا، قوت الحرب إرادة الصمود فينا، جعلتنا أكثر تشبثاً بأرضنا وبوحدتنا وبعيشنا المشترك. كان عيشنا المشترك، فيما مضى، قدراً، وأصبح اليوم خياراً، نريده نعمل له، نضن به، نعض عليه بالنواجذ، لأنه رمز تضامننا، وحصن وحدتنا، وضمان حريتنا واستقلالنا. عيشنا المشترك يعني أن نشبك أيدينا بأيدي بعض، أن نكون يداً واحدة وقلباً واحدا، أن نتوحد من أجل إعزاز الوطن والنهوض به. إن أمامنا اليوم هدف أساسي يحجب ما عداه، ويعلو على ما عداه، هدف إنقاذ الوطن، لا مصلحة مهما كان نوعها، فوق مصلحة الوطن وإنقاذه، وإنقاذ الوطن مسؤولية الجميع، لا يجوز لأحد أن يستقيل من الوطن، أو أن يستسلم لمشاعر اليأس والإحباط، أو أن يضع نفسه خارج إطار همومه ومشاكله.

 إن مسؤولية إنقاذ الوطن، أيها السادة، ليست مسؤولية جماعة أو فئة من المواطنين دون أخرى، ولا مسؤولية تنفرد أو تتفرد بها الدولة، بل هي مسؤولية المجتمع بكل أفراده وعناصره. وهذه المسؤولية تفرض علينا أن نتآزر فيما بيننا وننخرط جميعاً كفريق عمل واحد في ورشة الإنقاذ وورشة إعادة البناء والإعمار، عوض أن نتلهى بخلافات جانبية تجعلنا ننحرف عن المسار ونضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ وطننا.

 ثقوا أننا لن نفرط بالثواب والمسلمات التي يقوم عليها جوهر وجود لبنان: الحرية بكل أشكالها ومضامينها، الديمقراطية، الملكية الخاصة، النظام الاقتصادي الحر، العيش المشترك، والانفتاح على العالم، بل سنعزز هذه الثوابت وسنحيطها بالضمانات القانونية والقضائية. ولهذا فإننا نرحب بكل انتقاد، بل نطلبه من أجل تصويب مسيرتنا فيما يخدم لبنان وشعبه، وهذا من صلب نظامنا الديمقراطي، وهو أمر لا يقلقنا على الإطلاق، إنما ما يقلقنا هو أن يتحول هذا الانتقاد عن طريقه السوي، فيؤدي إلى الإضرار بمسيرة لبنان الإنمائية والإعمارية عبر التشكيك بها، بما يؤذي صورة لبنان ومصداقيته في الخارج، فنظلم أنفسنا ونظلم وطننا، وهذا ما لا يخدم قضية لبنان التي نحملها في عقولنا وقلوبنا وضمائرنا.

 ولا بد من لفت النظر هنا، إلى أن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم، وما يمكن أن تأتي من جديد أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تجعلنا نمعن النظر ملياً في أمر أوضاعنا الداخلية، السياسية منها، كما وبصورة خاصة الاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل الاحتمالات، فنحن على الجبهة الداخلية بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني، وتحصين الوحدة الداخلية وترسيخ عوامل الاستقرار في البلاد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، نحن بأمس الحاجة إلى أن ننكب على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي، وتأمين العيش الحر الكريم للمواطن اللبناني، ونحن بحاجة إلى مشاركة كل اللبنانيين في هذه العملية، وسوف نسعى بصبر وأناة إلى التعاون مع كل الإرادات الطيبة الراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه. ليس لنا طموحات شخصية، طموحاتنا هي لبنان، لبنان هبة الله للبنانيين، يستحق منا  أن نضحي من أجله وأن نعمل لإعادة بنائه.

 لقد استعدنا ثقة العالم بنا، وعلينا أن نثبت نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة، وعلينا أن نعزز ثقة العالم بنا، لنجتاز هذا الامتحان الصعب ونستفيد من هذا المناخ الملائم لنا، عربياً ودولياً، ونبدأ معاً رحلة الإنقاذ والبناء والإعمار الطويلة والشاقة، ولكن غير المستحيلة، والتي تتطلب منا جميعاً العزيمة والإيمان والتصميم لبلوغ الأهداف التي يتوخاها شعبنا وذلك بعد فترة طويلة من المعاناة والحرمان. ولن يغمض لنا جفن قبل أن نمضي قدماً في هذا السبيل.

 ونحن في هذه الحكومة، أيها الأصدقاء قد عقدنا العزم على أن نبدأ هذه الرحلة، وقد بدأناها، مهما كلفتنا من جهود وتضحيات ومصممون على الإنقاذ والنهوض والبناء لكي نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري وذلك لأننا نؤمن بهذا الوطن ونؤمن بهذا الشعب الذي لم تفت الأحداث من عضده، ولم تنل من عزيمته وإراداته، ولم تفقده إيمانه بوطنه وبأرضه، هذا الشعب الذي صارع الموت وتغلب عليه، هو شعب أهل للحياة، هو شعب قادر على الإنقاذ، هو شعب ينهض من بين الركام ومثله لا يموت.

 

أيها السادة،

 نحن كنا نعي مقدار الصعوبات التي ستواجهنا، ومنذ اللحظة الأولى بدأنا في هذه الحكومة دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهي غير خافية عليكم، ولقد وضعنا برامج لمواجهة هذه الصعوبات والمشاكل.

 هذه الصعوبات تتمثل باهتراء كبير في الوضع الإداري والإحباط الشديد لدى المواطنين وفقدانهم الثقة باستقرار الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية والتضخم المالي والنقدي الناتج عن تسارع وتيرة العجز في موازنة القطاع العام والوهن المتزايد في القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني.

 إن هذه الحكومة تؤمن إيماناً راسخاً بأن شرطاً أساسياً من شروط البدء بمعالجة هذه المشاكل هو استعادة المواطنين الثقة بالدولة، الدولة القادرة والعادلة والمسؤولة. إن هذا يعني إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وبالتالي العمل على تحقيق مصالحة حقيقية ودائمة بين المواطن اللبناني والدولة.

 إن الحكومة ستعمل متخطية كل الظروف والصعوبات لكي تعطي الدولة المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والالتزام بالمعايير الخلقية في التعامل وتطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتّى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شكّ العمل التدريجي على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية الحقة المستندة إلى الكفاءة وليس إلى الانتماء إلى الطائفة أو المذهب أو المجموعة السياسية والحزبية. كما وأن يصار إلى توجيه منطلقات الإدارة أساساً من الرغبة في خدمة المواطنين، والعمل المستمر والمصمم على زيادة فعاليتها الإنتاجية وتجهيزها بوسائل العمل الحديثة وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين. كذلك فإن هذا البناء يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بغير الأسلوب الذي دُرج عليه في الماضي، عن طريق الزيادات الإسمية للأجور والرواتب غير المستندة إلى زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن حقيقي في الإنتاجية أو زيادة في الدخل القومي. لقد انعكست تلك الزيادات الإسمية في الأجور والرواتب التي منحت في الماضي ولم تكن نتيجة لزيادة في الإنتاج على مستوى الأسعار التي ابتلعت كل الزيادة الإسمية الجديدة لا بل وجزء من الدخل الحقيقي السابق. ذلك مما أدى إلى تدن حقيقي في دخل المواطن وهو ما أدخل الوطن في الحلقة الجهنمية في حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة على مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 ولقد بدأنا في وزارة المالية العمل على إعادة تأهيل وتجهيز جزء من المباني التي تشغلها دوائر الوزارة المختلفة، وخاصة دوائر الشؤون العقارية بشكل يسمح بتسهيل عمل الموظفين والحفاظ على الملفات ضمانا لحقوق المواطنين وأملاكهم، وإدخال المكننة على العمل، وإعداد الموظفين وتدريبهم من خلال إجراء دورات تدريبية لتحديث معلوماتهم وتحسين أداء عملهم، وإجراء تشكيلات إدارية داخلية لتنشيط العمل وتنويع معارف الموظفين ومعلوماتهم المالية والإدارية، وإعادة النظر بالقوانين، وقد أثمر ذلك تحسناً كبيراً في العمل والأداء، أدى إلى الارتياح العام لدى جميع المواطنين كما نتج عنه زيادة عائدات الدولة وتحصيلاتها. وستظهر الآثار الإيجابية للإصلاح المالي والإداري الذي تقوم به وزارة المالية تباعاً. إن هذه الإجراءات تشكل خطوة ضرورية وأولية في المسار الطويل للإصلاح والتغيير الجذري المطلوب لبناء إدارة سليمة وحديثة.

 إن الحكومة تسعى جاهدة إلى وضع نظام جديد للضرائب في لبنان يأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يعاني منها ذوي الدخل المحدود ويكون أيضاً حافزاً للاستثمار ومشجعاً للمؤسسات وموفرا لأقصى درجات المردودية للمشاريع المقامة في لبنان وذلك من خلال تخفيض الضرائب والرسوم.

 إن مشروع ضريبة الدخل الذي أقره مجلس الوزراء منذ أيام قليلة يلحظ خفضا هاماً على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح الشركات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية من حوالي 40 في المائة كحد أقصى إلى حوالي 10 بالمائة كحد أقصى وبدون أية إضافات. في حين جرى اقتراح خفض الضريبة على شركات الأموال من 26 في المائة إلى 10 في المائة مقطوعة وبدون أية إضافات، وخمسة بالمائة عند التوزيع بدلاً من اثني عشرة بالمائة. كما أحدث تبسيطاً كبيراً في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى.

 كما يلحظ المشروع أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة والعقارات التي تكون موضوع متاجرة والأسهم وسندات الدين وحصص الشركات في المؤسسة وطريقة التكليف عن الفروق الناتجة عن إعادة التقييم بحيث تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5 في المائة على هذه الفروقات.

 إن الفكرة من وراء هذا المشروع هي توخي عدالة ضريبية أفضل وتشجيع للاستثمار أفعل وتحقيق مداخيل للخزينة أكبر من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة طاقتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبناني.

 إن الحكومة تعتقد بأن هذا المشروع سيوفر فرصاً مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى.

 في هذا المضمار أيضاً سيدرس مجلس الوزراء خلال فترة قصيرة مشروعي قانونين يتناولان ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال "الإرث والهبة والوصية" واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية وفقاً لنفس الأسس المعتمدة في مشروع قانون ضريبة الدخل.

 وتعكف الحكومة أيضاً على تعزيز وتطوير إدارة الجمارك من أجل تحسين واردات الدولة من خلال إعادة النظر بالتعريفة الجمركية وذلك لجهة تبسيطها وضبط عملية استيفاء الرسوم ومراعاة وضع المستهلك اللبناني ودعم وتشجيع الصناعات اللبنانية لتحسين أداء القطاع الصناعي ولاسيما الصناعات القابلة للتطوير ضمن ضوابط تؤمن الحماية المطلوبة للصناعة الوطنية بحيث تمنحها القدرة التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية.

 ولا بد لي من أن أنوه في هذا الصدد بأن المجلس النيابي كان قد وافق بتاريخ 4 كانون الثاني 1993 على مشروع قانون تقدمت به الحكومة ويقضي بإلغاء جميع الرسوم غير الرسوم الجمركية والتي كانت تفوق الأربعين رسماً وتوحيدها جميعا بالرسوم الجمركي. ومن أجل وضع هذا القانون موضع التنفيذ باشرت لجان مختصة في المجلس الأعلى للجمارك وع تعريفة جمركية جديدة في هيكليتها ومعدلاتها تقوم على النقاط التالية:

 

  • إلغاء كافة الرسوم غير الرسوم الجمركية وضمها إلى الرسم الجمركي.
  • اختصار عدد معدلات الرسم الجمركي من 31 إلى 8 معدلات تبسيطا للعمل والقيود المحاسبية.
  • إلغاء الدولار الجمركي من التعريفة الجديدة.
  • تخفيض معدلات الرسوم الجمركية بذات النسبة تقريباً من تلك التي زيد على أساسها سعر الدولار الجمركي إلى حدود أسعاره الحقيقية في السوق.
  • اعتماد معدل أدنى للرسم الجمركي الموحد مقداره 2%.
  • المحافظة على احترام الاتفاقيات الدولية بشأن التعريفة الجمركية.

 

إن الإسراع في تنفيذ هذا المشروع يفتح الباب على مصراعيه لتنفيذ التزام الدولة بدعم الصناعات اللبنانية وحمايتها من الإغراق الاقتصادي والمنافسة غير المشروعة ولاسيما تلك التي تستند إلى قيمة مضافة في لبنان تبرر للحكومة اللبنانية اعتماد إجراءات الحماية لها.

 

أيها السادة،

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن  الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي والتحول التدريجي نحو المجتمع المنتج الذي تكون فيه الكفاءة ومستوى الإنتاج والإنتاجية من القيم الأساسية للمواطنين لهي السبيل الوحيد للخروج من المآزق التي نتخبط بها كما أنها الوسيلة لتحقيق زيادة حقيقية في الدخل القومي وبالتالي خلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولاً إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الأشهر المماثلة من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز الإجمالي المتحقق خلال هذه الفترة من 437 مليارا إلى 300 مليار أي بتحسن نسبته حوالي 31% وان حجم العجز الأولي أي بعد تنزيل أعباء خدمة الدين العام انخفضت من 363 مليار إلى 140 مليار أي بنسبة تحسن وقدرها 62% عما كانت عليه في العام الماضي لنفس الفترة. هذه المؤشرات لهي خير دليل على سعي الدولة نحو تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. إن التحدي الكبير أمامنا لا زال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون وترشيد الإنفاق العام من جهة وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجياً تمهيداً لإلغائه وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادي من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 يشكلان ما يقارب 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر صرف الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة.

 إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزا بلغ قرابة 700 مليون دولار أميركي خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث أن عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولار أميركي. بالإضافة إلى ذلك فإن المؤشرات الأولية للأشهر الخمسة الأولى من هذا العام تشير إلى فائض في ميزان المدفوعات بلغ 137 مليون دولارا.

 إن الحكومة قد أعدت خطة عشرية للنهوض الاقتصادي وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات العشر المقبلة هذا البرنامج يأتي كترجمة عملية للشق الاقتصادي الاجتماعي من اتفاق الطائف الذي دعا إلى اعتماد سياسة لإنماء متوازن. انه برنامج تنموي يهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك ومرافئ ومطار كما يهدف أيضاً إلى المساعدة في تأمين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. إن الكلفة المقدرة لهذا البرنامج هي بحدود العشرة مليارات دولار خلال العشر سنوات المقبلة إضافة إلى مليار دولار للتسليفات لقطاع الإسكان وللقطاعات الإنتاجية، كما يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل كما أنها تمثل المسار الذي تريد أن تسلكه، وكما قال دولة ريس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري فإن هذا البرنامج هو ملك الشعب وعلى الشعب بجميع فئاته أن يساهم في وضع الأولويات فيأخذ منه ما يشاء ويعدل فيه ما يشاء.

 أما بالنسبة إلى كيفية تمويل هذا البرنامج التنموي وقدرة الدولة على سداد القروض الناجمة عن هذا التمويل، فإن الدراسات التي أجريت تشير إلى أن جزءا من مجموع التمويل سيكون داخلياً من وفر الموازنة ومن الاقتراض الداخلي والجزء الآخر الذي سيكون خارجياً على شكل هبات وقروض ميسرة وقروض تجارية.

 نحن ندرك أنه لاحتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد سياسة الاستقراض من الخارج والتي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، أمر في غاية الأهمية ولذلك ينبغي علينا- وهذا أمر من صلب سياسة الحكومة في هذا الشأن- أن لا نلجأ إلاّ إلى القروض الطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص.

 لذلك فإن الدولة لن تلجأ إلى التوسع في الاقتراض ولاسيما تلك التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقاتها.

 ولكن هل بإمكان الحكومة أن تحصل على القروض المطلوبة؟ الجواب، نعم، والذي يشهد على ذلك عودة اهتمام الدول الصديقة والمؤسسات المالية ولاسيما العربية منها والمنظمات الدولية بلبنان من خلال المساعدات والقروض التي بدأت ملامحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار أميركي.

 إن أهمية هذا القرض تكمن في دلالته السياسية والاقتصادية، انه ينطوي على عودة انفتاح العالم على لبنان، وثقة المؤسسات الدولية، به وبأوضاعه الاقتصادية وبالسياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على الصعيد المالي والاقتصادي وقدرتها على إعادة البناء والإعمار. بقي علينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة.

 إن هذه المشاكل التي درسناها وبدأنا بوضع معالجات واتخاذ التدابير بشأنها قد بدأنا نتلمس إيجابياتها على كل صعيد. ذلك مما يبشر ببداية مرحلة الانفراج المالي والاقتصادي الذي بدأت تباشيره تظهر وتعكس جوا تفاؤلياً مع تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً كبيراً خلال الأشهر الماضية.

 إن هذه التباشير تؤكد سلامة الوضع الاقتصادي اللبناني وثقة اللبنانيين والعالم الخارجي بمستقبل الاقتصاد اللبناني ودوره الرائد.

 

أيها السادة،

 إنها لأمانة، وإنها لمسؤولية، مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب ملؤه الإيمان، والثقة بهذا الوطن وبهذا الشعب، وبعقل منفتح، وبإرادة وعزيمة صلبة كلها تصميم. فما تطمحون إليه هو بالتحديد ما نسعى إليه، وآمالكم هي آمالنا وأمانيكم هي أمانينا، ولكنها سوف لن تتحقق إلا بتضامننا وتعاوننا وتضحياتنا المشتركة. نحن ندعوكم إلى المشاركة في مسؤولية إنقاذ الوطن وفي الانخراط معنا في ورشة العمل، ورشة الإنقاذ، ورشة إعادة بناء لبنان لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأقوى عزيمة، وشد تماسكاً وأبهى صورة، وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في العالم أجمع. إن الحكومة مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، مصممة على إنجاح مسيرة التحرير والأمن والسلام والوفاق وإعادة الإعمار في لبنان. إن الحكومة جادة بكل ما أوتيت من قوة وعزيمة على توفير الحياة الكريمة للإنسان اللبنانية وللمجتمع بأسره ولن تألوا جهداً من أجل تحقيق هذا الهدف الذي يحكم تصرفاتها ويستغرق كامل وقتها وفكرها. نحن في هذه الحكومة نريد لهذا الشعب أن يحيا حياة عزيزة وكريمة ونريد للمواطن الازدهار والاستقرار والحرية ان الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

 عشتم وعاش لبنان سيدا، حرا ومستقلا.

 

الحكمة- بيروت

18 حزيران 1993

التاريخ: 
18/06/1993