كلمة الوزير السنيورة ممثلاً دولة الرئيس في مؤتمر المحاسبين

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

       شرّفني دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري بتمثيله في هذا المؤتمر الذي يبحث في مهنة المحاسبة، وهي المهنة العزيز على قلبه والتي كانت بداية طريقه الطويل، وباكورة عمله المنتج، بها بدأ دولة الرئيس حياته العملية الزاخرة بالعمل والنشاط، فأصاب نجاحا باهرا قل نظيره في عالم المال والأعمال، وهذه المهنة نفسها بها بدأت أشق طريق العمل والكفاح فقدر الله لي أن أكون ما أنا عليه.

 في هذه المهنة سر لا يكتشفه إلا من سبر أغوارها وعاش دقائقها وتفاصيلها واطلع على أسرارها. هي علم قائم بذاته وعام خاص، عالم الأرقام، للأرقام فيه نكهة أخرى ومعنى آخر، للأرقام سحرها، تكشف لك عن أمور لا تدركها ولا تتوقعها، وتتحول بين يديك من أداة إلى سلطة، تمكنك من اتخاذ القرار وأنت مالك أمره وزمامه.

 من هنا تتبين لنا أهمية هذه المهنة ومدى خطورتها في عالم انمحت معالم الحدود بين كياناته، عالم متداخل، متشابك، متطور، يحكمه العلم والتكنولوجيا الحديثة، عالم تصبح فيه الأرقام لغة تحكي وتتكلم، وبقدر ما تتوغل فيها وتحسن استخراجها بقدر ما يتمكن المسؤول، إدارياً كان أم مصرفياً أن رجل أعمال أم سياسياً، من التأمل والتفكير الواعي والتخطيط واتخاذ القرار الملائم والتنبؤ بنتائجه.

 في عالمنا المعاصر لا يمكن لإدارة أو شركة أو مؤسسة أن تدرك وضعها المالي أو الاقتصادي وحتى الاجتماعي، وأن تخطط للمستقبل دون محاسبة سليمة مبنية على قواعد علمية وتقنية صحيحة، فالمحاسبة هي وراء كل قرار صائب ومدروس، ونحن في لبنان اليوم ندرك أكثر من أي وقت مضى، وخاصة في الظروف التي نمر بها أهمية المحاسبة في عملية الإصلاح المالي والاقتصادي والإداري وفي عملية البناء والإعمار، سواء على مستوى القطاع الخاص أو العام.

 من هنا يظهر اهتمامنا البالغ بهذا المؤتمر الذي أولاه دولة رئيس مجلس الوزراء رعايته وعنايته واهتمامه.

 أيها السادة،

 لقد أعرنا الموضوعات المحاسبية في لبنان اهتمامنا الجدي منذ العام 1977 حيث بدأنا من خلال لجنة الرقابة على المصارف وبالتعاون مع نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان بعمل مشترك وباشرنا بوضع الأسس والمبادئ للمهنة في لبنان، فكان دليل الرقابة على المصارف أولها وتبعه حلقات للتدريب على استعماله، ثم تم إعداد العديد من الأنظمة المحاسبية التي تضبط وتعزز مهنة المحاسبة في لبنان.

 إن سياسة الحكومة تقوم على بناء الدولة العصرية التي ترتكز على القانون أولاً وعلى إحياء المؤسسات وتطوير القطاعات الإنتاجية كافة وإيجاد الدعائم المتينة التي من شأنها أن تحقق اقتصاداً وطنياً قوياً يحصل الدولة ومؤسساتها ويؤمن الحياة الرغدة للمجتمع ولأفراده. ونحن اليوم أمام مسيرة إعمار لبنان دولة ومؤسسات وقطاعات، وأنتم أيها المحاسبون، قطاعكم لا يقل أهمية ولا مسؤولية عن القطاعات الأخرى، وتحتاجون فيه إلى المهارة والمعارف الأساسية لممارسة مهامكم في الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي. ويهمنا، كحكومة، أن ندفع بهذه المهنة إلى الأمام، ونسعى معكم إلى تطويرها، ونحن قد بدأنا في وزارة المالية بتفعيل المجلس الأعلى للمحاسبين التابع للوزارة الذي سيوضع له برنامج عمل جديد وجاد من شأنه تحديث الأنظمة المحاسبية ومعاييرها لتبقى على مستوى التعامل العالمي الذي نشهده اليوم في هذا المؤتمر بمشاركة الاتحاد الدولي للمحاسبين ولجنة المعايير الدولية للمحاسبة والاتحاد العام للمحاسبين والمراجعين العرب والأخوة المشاركين من الدول العربية.

 ولا بد لمهنة المحاسبة والتدقيق في لبنان أن تؤدي دورها الاقتصادي والاجتماعي المطلوب بصورة إيجابية لتتفاعل وتؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على التطور والتقدم الاقتصادي في البلاد بخطى ثابتة وذلك لما لهذه المهنة من تأثير على المؤسسات بصورة إفرادية وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي العام ولما لها من دول كبير يمكن أن تلعبه عملية تشجيع وتعزيز الاستثمار في البلاد الذي ترتكز عليه المشاريع الكبرى والتي تحتاج إلى رساميل ضخمة من مصادر عديدة.

 إن البيانات الحسابية والمالية هي عنصر أساسي من عناصر المعلومات وهي ليست غاية بحد ذاتها ولا هي مجرد عرض أرقام بصورة اعتباطية إنما غايتها تزويد الفرقاء المعنيين بالمعلومات والمعطيات التي تساعدهم في عملية اتخاذ القرارات الاقتصادية والمالية المناسبة وهذه البيانات يجب أن تكون معدة وفقاً لمبادئ وقواعد علمية راقية متطورة ومتعارف عليها وان تكون واضحة وقابلة للفهم والاستيعاب وان تظهر بصورة صادقة الوضع المالي للمؤسسات، وان تدقيقها من قبل مفوضي المراقبة هو أمر ضرورة لتدعيم وتطوير الثقة في صحة هذه البيانات والمعلومات الواردة فيها. فلا بد إذن لمهنة المحاسبة والتدقيق في لبنان من مقومات أساسية ليستقيم أمرها وتؤدي دورها المطلوب بصورة فعالة ومنها:

  • إعداد مؤهلات وخبرات رفيعة المستوى لتأدية خدمات عامة ترتبط بمصلحة المجتمع.
  • التزام المحاسبين والمدققين بمسؤوليات وأخلاقيات مهنية عالية.
  • اعتماد معايير وأخلاقيات مميزة على صعيد الأمانة والتجرد والاستقلال تحكم سلوكها العام.
  • اعتماد قواعد للمحاسبة وأخرى للتدقيق منسجمة مع القواعد المهنية الصادرة عن اتحاد المحاسبين الدولي ولجنة قواعد المحاسبة الدولية.

 لا بد هنا من مصارحتكم بأن مستوى ممارسة المهنة في لبنان قد تعثر بشكل مقلق وقد تكون الأحداث الأليمة التي مرت على لبنان إحدى العوامل الأساسية التي تسببت بهذا التعثر وما هذا المؤتمر الذي يعقد اليوم تحت عنوان المعايير الدولية للمحاسبة والتدقيق إلا الخطوة الأولى في درب الإصلاح الطويل الذي نبتغيه والذي يقوم على التضحيات ونكران الذات والابتعاد عن المتاجرة باسم المهنة والعودة إلى التقيد بالأصول والقواعد المهنية المتعارف عليها دولياً والعمل الدؤوب على التنظيم والتطوير الذات وتدريب وإعادة تأهيل الكفاءات لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة مما ينبغي معه القيام بخطوات سريعة لإعادة تأهيل مؤسساتنا المهنية لإمداد السوق المالي في لبنان بالكفاءات العالية.

 وإنني أؤمن شخصياً بضرورة تنظيم هذه المهنة وهذا ما يدعونا إلى متابعة مشروع تنظيم مهنة المحاسبة على أسس مقبولة يمكن الإشراف على التقيد بها لكي تعيد الثقة إلى هذه المهنة في لبنان، وإنني لأعتبر هذا المشروع مشروعي الخاص وسأعمل جاهداً على أن يرى النور في القريب العاجل لاسيما وأن من أهدافه الأساسية توفير الجسم المهني المتفرع كليا ليستقطب أصحاب الكفاءات وحملة الشهادات الجامعية العليا لخلق جسم مهني مميز يعمل على تطوير وتحديث القواعد المهنية لتنسجم مع المتغيرات الاقتصادية والمالية للخروج من الجمود الحالي وكذلك لتبني القواعد المهنية الجديدة التي تصدر عن اتحاد المحاسبين الدولي ولجنة قواعد المحاسبة الدولية والأهم من ذلك العمل على إيجاد جهاز قيادي على مستوى عال يحافظ على شرف المهنة وعراقتها ومناقبيتها.

 تنه ليحدوني الأمل بأن تنتقل أبحاث هذا المؤتمر من مرحلة العرض إلى مرحلة التطبيق والمتابعة والتحصيل الجدي الدؤوب وهذه مسؤولية نتحملها جميعاً، وإنني اشكر منظمي هذا المؤتمر وفي طليعتهم نقيب خبراء المحاسبة المجازين في لبنان الأستاذ وائل أبو شقرا، لهذه المبادرة الجريئة التي تساهم في رفع مستوى مزاولة مهنة المحاسبة في لبنان والعالم العربي، وأتمنى له النجاح وأرحب بضيوفنا وإخواننا الكرام ونتمنى لهم الإقامة الطيبة في ربوعنا.

 أيها السادة،

 لنا موعد مع الأمل، مع المستقبل، مع لبنان الجديد، نرجوه قريباً، وهون على كل حال، ليس ببعيد، وليس ذلك على الله بعزيز.

 

اوتيل البريستول

بيروت في 11 حزيران 1993

التاريخ: 
11/06/1993