كلمة الوزير السنيورة في مقاصد صيدا

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 في قلب الزمن، في قلب التاريخ، كانت صيدا. عهدناها ماضيا قلعة صمود للحرية والكرامة، وعهدناها حاضرا أرضا للبطولات ومقبرة للغزاة والطامحين، ماضيها متصل بحاضرها، لا انقطاع بين ماضيها وحاضرها، حتى لكأن الزمن لم يمر، كأن جذور التاريخ الضاربة في أعماق أرضها الطيبة هي نفسها لم تتغير ولم تتبدل، حافظت على نضارتها وشموخها، كيف لا وقد ارتوت بعرق شيبها ودماء شبانها، وهي لم تزل تعطي ثمرات طيبة تتمثل في هذا الجيل الناهض من شباب صيدا وشاباتها، الذي أعاد للتاريخ مجده وأصالته، والذي كتب صفحات بيضاء في النضال والكفاح، وخط على جبين الدهر والأمة كلمات من نور، في الفداء والشهادة، دفاعا عن الكرامة، دفاعا عن العزة. وقف مع كل أبناء الجنوب وقفة الواثق القادر ليقول لا مدوية مجلجلة للمحتل الإسرائيلي الذي أرعبته صرخة الإيمان وأربكه صوت الحق الهادر... يأتيها الغير بالحديد والنار ويحمل إليها أدوات الحرب والدمار، وتحمل صيدا للآخرين الحضارة والأمان، وتنقل إليهم العلم والسلام.

 صيدا في عمق التاريخ كانت، صيدا في قلب الأمة عاشت، صيدا في رحم الوطن نمت وترعرعت، انتصرت لقضايا الوطن والمجتمع، فكانت مثالا في العيش المشترك، وانتفضت للقضايا القومية وقضايا المصير، وتفاعلت مع محيطها العربي والإسلامي الواسع. الوطنية تنبض في عروق أبنائها، الوطنية فطرة فيهم، طبيعة ثانية، وحب العلم والمعرفة جزء من طبائعهم، والطموح والتطلع إلى الآفاق البعيدة قطرة من قطرات تراثهم وتاريخهم، والتحلي بمكارم الأخلاق والتمسك بالفضائل، قبس من عقيدة وإيمان.

 لهذا نفهم لماذا احتضنت صيدا المقاصد، وغيرها من المؤسسات التربوية والتعليمية والفكرية والإسلامية، لهذا نفهم لماذا احتضنت صيدا المقاصد الخيرية الإسلامية بالذات، لماذا أضحت المقاصد جزءا من تاريخ صيدا، بل جزءا من كيان صيدا الروحي والثقافي والوطني، وقطعة من وجودها العربي والإسلامي، نفهم لماذا امتزجت المقاصد والتحمت في جسد صيدا، كأنها أصبحت وصيدا توأمين لا يفترقان، يعرف أحدهما بالآخر، ويشار إليهما بالبنان.

 المقاصد في صيدا دخلت كل بيت، يكاد لا يخلو بيت في صيدا من مقاصدي أو مقاصدية. دخلت المقاصد في كل قلب، كانت دائما ولم تزل، مصنعا للرجال، وموئلا للعلم والمعرفة، ومنارة للفكر والثقافة. لم تبق على هامش المجتمع ولم تقتصر رسالتها على توفير المعلومات أو التعليم، بل زرعت في نفوس الأبناء روحا وثابة، وبثت في الأرواح أنفاس العزة والأنفة، ونفثت في الصدور والقلوب الروح الوطنية، وغرست في حنايا الأطفال حب العلم والمعرفة والفضيلة، فكانت وكانوا في قلب المجتمع وقضاياه، وكانت وكانوا ذخيرة للوطن والأمة، رأيناهم في كل مكان، وفي كل موقع، قادة ومفكرين ورجال دولة، للحق يتنادون، وفي سبيل الخير يعملون.

 منذ مائة وخمسة عشر عاما أو يزيد، بدأت المقاصد حلما في رؤوس بعض رجالات صيدا، وأضحت اليوم صرحا حضاريا على امتداد الوطن كله، وفي أساس تكوين الوطن اللبناني، مؤسسة ورجالا، أعطت للبنان رجالا كانوا الرواد الأوائل في النضال من أجل استقلال لبنان وسيادته، وهي لا تزال حتى الساعة تتابع رسالتها التربوية والعلمية والأخلاقية والوطنية التي بدأتها، وهي تساهم في بناء لبنان المستقبل وتتطلع إليكم الآن، أيها المقاصديون لتكونوا اللبنة الأساسية في إقامة هذا البنيان.

 أيها المقاصديون،

 منذ ثلاثين عاما أو يزيد، كانت لي مثل وقفتكم، وكان لي مثل هذا البريق الذي يلتمع في نظراتكم، مثل هذا الدفق من دموع الفرح الذي يتجمد في مآقيكم، لكم أود في هذه اللحظة أن أقف وقفتكم، أن يكون لي مكان بينكم، لأن وقفتكم وقفة الشباب الواعد، الممتلئ طموحا، المعتز بنفسه، المتوثب والمتحفز والمتطلع إلى حياة أفضل ومستقبل أفضل. كنت أحلم، وأصدقاء لي، كما انتم الآن تحلمون، وأحمل في قلبي آمالا كبارا، كما انتم الساعة تحملون، وأتطلع إلى غد واعد كما انتم اللحظة تتطلعون.

 واليوم بتخرجكم، تبدأون منعطفا جديدا في رحلة العمر الطويلة الحلوة والمضنية في آن. إن مرحلة جديدة من العلم والتحصيل تنتظركم. إن آفاقا واسعة تنفتح أمامكم. إنها مرحلة تهيئة الذات، بناء الشخصية، إنها مرحلة وضع حجر الأساس في بنيان مستقبل كل منكم، وهي مرحلة تتطلب الكثير من الجهد والسهر والتضحيات والانصراف عن اللهو وإضاعة الوقت في ما لا يجدي، وان مثلكم اليوم كمثل الفلاح النشيط الذي يغرس في أرضه بذرة ليحصد بعد أشهر أو سنوات، وبقدر ما يكون هذا الغرس طيبا، بقدر ما يكون الحصاد غنيا ومثمرا، وليكن لكم في من سبقكم قدوة ومثال وأسوة حسنة.

 أيها المقاصديون،

 إننا على أبواب عصر جديد مليء بالتحديات والمتغيرات والتحولات، لا تفتح فيه الأبواب إلا للمتفوقين والقادرين والطامحين، انه عالم ليس فيه مكان للضعفاء، ليس فيه مكان للمتواكلين والمتخاذلين، عالم يطرحك خارج الزمن، خارج العصر، إن لم تقتحم أسواره بالعلم والمعرفة والبحث والفكر التجريبي، انه عالم التفوق والتكنولوجيا الحديثة الذي يضعك في حالة تحد يومي ودائم، وفي سباق مع التطور والحداثة، وعلينا أن نهيئ أنفسنا وأجيالنا ومجتمعنا ليكون لنا موطئ قدم في هذا العالم المتجدد. ولا يجوز أن تستبد بنا عقد النقص، أو تتحكم بنا مقولات تشكك بقدراتنا بحيث نتحول إلى جماعة من المحبطين أو اليائسين، فنحن شعب واثق غني بتاريخه، غني بتراثه، غني بإنجازاته، وتصنيف الشعوب بين متخلفة ومتقدمة من منظار عرقي أو عنصري أو مستمد من الرقي الطبيعي أو التكويني، هو أمر لا يستند إلى أساس علمي، إذ المقياس هو الجهد البشري والعطاء العقلي والعمل والإنتاج. بالعلم نستطيع أن نتفوق، وبإعمال العقل يمكننا أن ننافس ونتقدم، وبنور الإيمان نحافظ على قيمنا وأصالتنا.

 أيها السيدات والسادة،

 إن وعينا وإدراكنا لما يدور من حولنا، وما سيواجهنا من تحديات قد تفوق قدراتنا وإمكاناتنا على الإنجاز والمواكبة، لن يؤثر ولا يجوز أن يؤثر في عزيمتنا، بل يجب أن يشكل حافزا قويا لنا يدفعنا إلى أن نعمل الفكر والعقل، وان نحسن استعمال قدراتنا وإمكاناتنا، ولدينا منها الكثير، لكي ننهض من جديد بالوطن ونعيد بناء لبنان وإعماره. إن قيمة الإنسان في أن يخلق من الضعف قوة، ومن العجز قدرة، قيمته في أن يخلق لنفسه قضية، يناضل ويعمل من أجلها، ونحن لدينا قضية، قضيتنا هي لبنان، قضيتنا هي تحرير لبنان، قضيتنا هي بناء لبنان وإعماره، قضيتنا هي إنسان لبنان، قضيتنا هي أنتم أيها الشباب، قضيتنا هي مستقبل لبنان، وأنتم مستقبل لبنان، انتم بناته، انتم خميرته، نريده على قدر طموحاتكم، نريده قويا كنبضات قلوبكم، قضيتنا هي أن نعيد للبنان صورته الحضارية، قضيتنا أن نضعه على عتبة القرن الواحد والعشرين.

 ... ولسنا بحالمين، أننا أصحاب أحلام، ولسنا بحالمين. ليست أحلامنا أحلام يقظة، بل هي أحلام من يعرف حقيقة ذاته، ويدرك بثاقب نظره ماذا يريد، ويخطط ويعمل لما يريد. إن الحضارة بناها أصحاب أحلام. كانت المقاصد حلما في ما مضى، خاطرا في رأس صاحب حلم، وأصبحت حقيقة، كان اختراق الفضاء والحجب حلما في مخيلة وعقل جول فيرنJule Verne، منذ قرنين من الزمن وأضحى اليوم حقيقة، وكان قد سبقه إلى هذا الحلم بزمن بعيد العالم العربي عباس ابن فرناس. بين الحلم والحقيقة مسافة من الزمن تختصر بمقدار ما يكون لديك من العزيمة والفكر والمخيلة، وبمقدار ما تعمل وتجهد من أجل اختصاره.

 إن آمالنا معقودة عليكم أيها الشباب، وعلينا نحن في الحكومة واجبات تجاهكم، علينا أن نوفر لكم أفضل الفرص وأنقى الأجواء، ونهيئ لكم كل الوسائل والإمكانات لكي تنهلوا من العلم ما طاب لكم ذلك، وتنصرفوا إلى الإنكباب على العمل والتحصيل لتحققوا لأنفسكم ما تصبون إليه ولتنهضوا بمجتمعكم، وتشاركوا في بناء وطن تباهون به الأمم، وتفخرون في الانتماء إليه. إنه من صلب أهدافنا، إنه من أولوياتنا أن نبدأ ببناء الإنسان، جنبا إلى جنب مع بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة. فلتتشابك الأيدي، ولننخرط جميعا في ورشة البناء لنقيم بنيانا حضاريا متماسكا لا تقوى عليه الرياح ولا الأعاصير، ووطنا يصمد في وجه التحديات، ويواكب حركة التقدم والتطور والإبداع في العالم.

 وليس من قبيل المصادفة أن أولى دولة رئيس مجلس الوزراء السيد رفيق الحريري، الذي درس في مقاصد صيدا، اهتمامه الكلي بالشباب وبتوفير العلم لهم، بل إدراكا منه أن العلم هو طريق البناء والمدنية والحضارة، وهو الباب الواسع الذي يفتح أمام الإنسان آفاقا لا حدود لها ليغرف من مناهل المعرفة وينابيعها أينما وجدها. وليس عبثا أن أقام دولة الرئيس مؤسسات التربية والتعليم لرعاية النشأ اللبناني وتوجيهه نحو التحصيل الأمثل والمفيد له ولمجتمعه، وتأمين سبل ووسائل هذا التحصيل، لإيمانه الراسخ بان الشباب هم مستقبل الوطن وهم خميرته وبناته، ولان العلم هو أمضى سلاح يمكن أن يتسلح به المرء فيحصن به نفسه ويبني مجتمعه، ومن خلاله يكتشف أسرار الكون والحياة، ذلك أن المعرفة هي قيمة في ذاتها وهي المعبر الآمن إلى الحرية والرقي والتفوق.

 أيها السيدات والسادة،

 لو قدر لي أن أعود بالزمن إلى الوراء، لو قدر لي أن أعود إلى عمر الدراسة الأولى، لو قدر لي أن أختار لما اخترت غير مقاصد صيدا مدرسة ولا غير أساتذتها أساتذة، ولا غير ملعبها ملعبا.

 دعوتموني أيها الأصدقاء لأشهد حفل تخريج أبناء لنا، فكرمتموني وأدخلتم الفرح إلى قلبي. كرمتموني لأنني واحد من أبناء صيدا تخرج من هذه المدرسة طالبا وعاد إليها وزيرا ليشهد ويرعى حفل تخريج باقات شابة نضرة من ورود صيدا ورياحينها. وأدخلتم الفرح إلى قلبي لأنني عدت بالذكريات إلى أيام الطفولة والصبا حيث البراءة، حيث الطهارة، حيث العبثية، حيث الحب، حيث القلوب يرنو بعضها إلى البعض الآخر فأشعر الآن وكأن هذا القلب الصغير الذي أحمله بين أضلعي يتسع لاحتواء العالم كله، بين ثناياه، بين شرايينه وشعيراته الدقيقة. إنها لحظات نادرة يسرها أصدقاء وأحباء لي، جعلت السعادة تغمرني كما تغمر مياه البحر حبات الرمال العطشى فتحييها وتعيد إليها ألوان الحياة. إن في الحب أيها الأصدقاء لسحرا، انه يطفئ الظمأ، يلغي الحواجز، يقربنا يغنينا يوحدنا، ينقي الروح، يجعل الحلم حقيقة. إن في الحب لسرا لا يدركه إلا من يعلم السر وأخفى.

 إن لبنان بحاجة إلى حبنا، إلى تضامننا، إلى تكاتفنا، لبنان لا يبنى ولا يعمر بدون الحب، فهلا تركنا لسحر الحب أن يجمعنا على عمرانه.

 

صيدا- 13 تموز 1993

التاريخ: 
13/07/1993