كلمة الوزير السنيورة في مهرجان الشطرنج

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السادة،

 ليكن المهرجان، المهرجان العربي الثاني للشطرنج، نعم ليكن، رغم الجراح والآلام، رغم المآسي والأحزان، رغم الدمار والخراب الذي خلفه العدوان، فوالله لن يذل شعب كشعب لبنان، لن يستسلم، لن يخضع ولن يقبل الهوان، بل تصهره الآلام، توحده وتجعله حرباً على الطغاة والطغيان. نعم ليكن المهرجان، وليكن عربيا، في بلد العرب لبنان، وشاهدا على وحدة هذه الأمة وأصالتها وعروبتها، وان محاولات استنزافها أو ضربها أو تفتيتها لن يجدي، فروح النجدة والشهامة تأبى إلا أن تهب وتنهض لتنتصر للحق ولتأخذ بيد الشقيق كلما دعا الداعي. هبت دمشق والشام نصرة لبنان، واستجاب العرب لأول نداء ولبوا، فاسقطوا مقولة الانقسام، والتشرذم والتخلي، وكانوا قولا وعملا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

 ليكن المهرجان هكذا أراد دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري، برعايته له، فلن يلغى ولن يؤجل، فلبنان لا يموت، وشعبه لا يموت، إرادة الصمود فيه لا تضعف، لا تلين ولا تموت، يقوم بين الأنقاض، ينهض من بين الركام أقوى عزيمة وأشد وحدة وتماسكا، كلما سقط منا رجل قام رجل، كلما دمر بيت بنينا بيوتا، قد يفلحون في تدمير البيوت والمنازل بالحديد والنار، ولكن، أبداً، لن يفلح أحد في تدمير إرادة الصمود والبناء والإعمار، أبداً، لن يفلح أحد في تدمير إرادة الحياة أو انتزاع سلطان الحق الذي نحمله في صدورنا، وتصدح به جوارحنا وأرواحنا. مسيرة العودة إلى الأرض، أرض الجنوب والبقاع الغربي، جسدت هذه الإرادة، تضامن اللبنانيين وتماسكهم وتراحمهم وتوحدهم في هذه المحنة، كان مثالا رائعا أثبت وأكد من جديد أنه لن يستطيع أحد النيل من وحدة لبنان ووحدة بنيه وعيشه المشترك.

 أيها السادة،

 مسيرة السلام والوفاق الوطني التي أرسى قواعدها اتفاق الطائف، باقية وماضية في طريقها، ومسيرة البناء والإعمار سائرة ولن تتوقف، مهما كانت الصعاب، ومهما كانت العقبات، هذه رسالة آلينا على أنفسنا أن نؤديها، لن نمل ولن نتردد ولن نتخلى ولن نضعف أمام التحديات، بل تستثيرنا التحديات، تزيدنا عنادا وإصراراً على الإنقاذ والبناء والعمران، فالتحدي يصنع الحضارة، ولن نقبل، كما يشهد تاريخنا، إلا أن نكون صناع حضارة.

 أيها السادة،

 مهرجانكم هو مهرجان الفكر، الرياضة الفكرية التي يجتمع فيها العقل والخيال، العقل المفكر والمدبر والمتروي، والخيال الخلاق والجامع والمتجلي. إن مهرجانكم هو بحد ذاته فعل حضارة، يعلي شأن العقل وينمي ملكات الذكاء، ويثير الحوار العقلي والاحتكاك وتفاعل الفكر.

 إن لعبة الشطرنج علم رياضي عقلي يقوم على وضع الخطط وسياسة الكر والفر، وسلاحها الصبر وأعمال العقل والمراس والذكاء، لا آلات الدمار والخراب، وقد يكون من واجبنا أن نشجع أبنائنا على ممارسة هذه الرياضة العقلية، لأننا نريد أجيالاً تتمتع بسلامة الجسد وسلامة العقل لنبني مجتمعا مؤهلاً بالعلم والعمل على أن يكون له موقع تحت شمس هذا العالم الجديد.

 إننا فعلاً أبها السادة على أبواب عصر جديد مليء بالتحديات والمتغيرات والتحولات، لا تفتح فيه الأبواب إلا للمتفوقين والقادرين والطامحين، انه عالم ليس فيه مكان للضعفاء، ليس فيه مكان للمتواكلين والمتخاذلين، عالم يطرحك خارج الزمن، خارج العصر، إن لم تقتحم أسواره بالعلم وبالمعرفة والبحث والفكر التجريبي، انه عالم التفوق والتكنولوجيا الحديثة الذي يضعك في حالة تحد يومي ودائم، وفي سباق مع التطور والحداثة، وعلينا أن نهيئ أنفسنا وأجيالنا ومجتمعنا ليكون لنا موطئ قدم في هذا العالم المتجدد. ولا يجوز أن تستبد بنا عقد النقص، أو تتحكم بنا مقولات تشكك بقدراتنا بحيث نتحول إلى جماعة من المحبطين أو البائسين، فنحن شعب واثق غني بتاريخه، غني بتراثه، غني بإنجازاته، وتصنيف الشعوب بين متخلفة ومتقدمة من منظار عرقي أو عنصري أو مستمد من الرقي الطبيعي أو التكويني، هو أمر لا يستند إلى أساس علمي، إذ المقياس هو الجهد البشري والعطاء العقلي والعمل والإنتاج. بالعلم نستطيع أن نتفوق، وبإعمال العقل يمكننا أن ننافس ونتقدم، وبنور الإيمان نحافظ على قيمنا وأصالتنا.

 إن وعينا وإدراكنا لما يدور من حولنا، وما سيواجهنا من تحديات قد تفوق قدراتنا وإمكاناتنا على الإنجاز والمواكبة، لن يؤثر ولا يجوز أن يؤثر في عزيمتنا، بل يجب أن يشكل حافزاً قوياً لنا يدعنا إلى أن نعمل الفكر والعقل، وان نحسن استعمال قدراتنا وإمكاناتنا، ولدينا منها الكثير، لكي ننهض من جديد بالوطن ونعيد بناء لبنان وإعماره. إن قيمة الإنسان في أن يخلق من الضعف قوة، ومن العجز قدرة، قيمته في أن يخلق لنفسه قضية، يناضل ويعمل من أجلها، ونحن لدينا قضية، قضيتنا هي لبنان، قضيتنا هي تحرير لبنان، قضيتنا هي بناء لبنان وإعمارة، قضيتنا هي إنسان لبنان، قضيتنا هي مستقبل لبنان، نريده على قدر طموحات هذا الشعب، نريده قوياً كنبضات القلوب الشابة، قضيتنا هي أن نعيد للبنان صورته الحضارية، قضيتنا أن نضعه على عتبة القرن الواحد والعشرين، قضيتنا هي قضايا الأمة العربية بكاملها.

 أيها السادة،

 على بعد كيلومترات قليلة من هذه الأرض الطيبة، من هنا، من البقاع الغربي الذي تعرض للعدوان الغاشم مع الجنوب المحتل يجثم العدو الإسرائيلي على صدر لبنان، ومن خلاله على صدر الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها، طامعاً ومهدداً ومتحدياً. ولكن هذا الصرح الحضاري، التربوي والثقافي والإنساني والرياضي الجامع الذي يستضيفكم، والذي شيده رجال من أبناء هذه الأرض، رجال أصحاب أحلام وعزائم وإرادات طيبة، في هذا المكان بالذات، وفي أشد الظروف صعوبة وخطورة، في أثناء الحرب والاعتداءات المتواصلة والمحنة القاسية التي مر بها لبنان، وفي ظل مناخات اليأس المسيطرة، هو الرد القاطع والبيان الساطع. في أجواء الدمار هذه كان هناك رجال يبنون ويعمرون ويحلمون بالمستقبل، وفي طليعتهم النائب الصديق الأستاذ عبد الرحيم مراد الذي أسس مع إخوان كرام جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية التي ترعى هذه المراكز الحضارية، وجمعية النهضة الإسلامية الخيرية التي بنيت بجهود أهل هذه المنطقة المقيمين والمغتربين، والتي تعتبر شهادة حق على قدرة هذا الشعب وعمق إيمانه وصلابته وعشقه للحرية التي ستتكفل بأنفاسها المعبأة بها صدور أبنائه بإزاحة هذا الكابوس المظلم. وشكرنا وتقديرنا لهذا العمل الجليل وللأخ عبد الرحيم مراد وإخوانه الكرام الذي وضع هذا الصرح في خدمة الوطن والمجتمع لن يفيهم حقهم ولكن التاريخ سينصفهم، وكفى بالتاريخ شاهدا. وأود هنا أن أشكر الاتحاد اللبناني للشطرنج الذي يرعى هذا النشاط الفكري والذي كان له فضل إتاحة هذه الفرصة لإخواننا العرب بأن يمضوا أياماً في ربوع لبنان وبضيافته في هذه الفترة بالذات وأن يكون لنا فرصة اللقاء بهم لأنقل لهم تحيات دولة الرئيس الحريري وتمنياته لهم بالإقامة الطيبة.

 أيها السادة،

 لبنان لن يكون إلاّ أرضاً للحرية، لبنان لن يكون إلا أرضاً للكرامة، لبنان لن يكون إلاّ أرضاً للانفتاح والسلام والتفاعل الحضاري، لبنان العربي لن يكون إلا شامة حسن على خد هذا العالم.

 

البقاع في 7 آب 1993

التاريخ: 
07/08/1993