ترجمة كلمة الوزير فؤاد السنيورة في الاجتماع السنوي لصندوق النقد الدولي- 1993

-A A +A
Print Friendly and PDF

حضرة الرئيس،

رئيس البنك الدولي،

المدير المنتخب لمؤسسة النقد الدولي،

أعضاء الوفود الكرام،

 انه ليشرفني ويسعدني أن أخاطبكم اليوم باسم لبنان، وهو بلد عانى على أرضه من حروب مدمرة وغير إنسانية، ولكنه نجح بتماسك شعبه ومثابرته، في النهوض من جديد والانضمام مرة ثانية إلى الدول المحبة للسلام في هذا العالم. واليوم، فإن شعبنا متمسك أكثر من أي وقت مضى باستقلاله وبسيادته وبمؤسساته الديمقراطية، وهو حريص على العيش المشترك بين أبنائه ومؤمن بالسلام الشامل والعادل والدائم في الشرق الأوسط.

 ولطالما قام لبنان، منذ استقلاله سنة 1973، بدور بارز في العالم العربي فقد كان المركز التجاري والمالي والسياحي والثقافي في المنطقة. وان نظام التعليم المتقدم فيه وانفتاحه الثقافي على روافد الحضارة في العالم قد منحته موقعا متقدما كوسيط لا غنى عنه بين البلدان العربية وباقي العالم.

 بيد أنه لسوء حظ لبنان فإن المشكلات السياسية الإقليمية التي حدثت في أوائل السبعينات من هذا القرن انعكست على النسيج الداخلي للبلد. وبالتالي فإن لبنان عانى بين سنة 1975 و1990، فيما تقدم العالم، من عدم الاستقرار والنزاع العنيف، وتقدر الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والموجودات المادية بخمسة وعشرين مليار دولار أميركي ولم يخرج أي من القطاعات الرئيسية من الحرب دون ضرر. ونتيجة لهذه الحرب، كان من الصعب التحكم في موازنة الدولة، وتأمين عملية توازن الموازنة سيما من أواسط الثمانيات فصاعدا، الأمر الذي استتبع قفزات صاعدة في ضغوط الطلب الداخلي والتضخم مع انخفاض مستمر في قيمة الليرة اللبنانية. والأهم من ذلك، ومما أثار الرعب لدى جميع اللبنانيين وكثير من أصدقائنا في المجتمع الدولي، أن صورة مشوهة للبنان قدمت إلى العالم وان كلمة "لبْنَنة" بمعناها السلبي دخلت قاموس المفردات الغربية.

 ومن حسن الحظ ان الأساس لتسوية سلمية للنزاع أمّنه اتفاق الطائف للوفاق الوطني سنة 1989. ومنذ ذلك الحين، وحتى اليوم كان من بين منجزات الحكومة المهمة استعادة الاستقرار السياسي الداخلي والأمني في البلد وتعزيزه، بحيث أصبحت قوات الأمن اللبنانية موحّدة من جديد وجرى بنجاح حل الميليشيات وتجريدها من السلاح. وأخيراً، أعيد للقانون احترامه واستتب الأم والنظام في البلد.

 إن استعادة السلم والأمن وتشكيل حكومة جديدة وموثوق بها في شهر تشرين الأول 1992 في أعقاب الانتخابات النيابية التي تمت بعد عشرين عاماً على آخر انتخابات جرت في عام 1972، قد عزّزا الثقة بلبنان خصوصاً بعد أن توحدت الدولة وأخذت تعمل كوحدة متجانسة. ومع ذلك، وكما تدركون جميعاً، فإن تركة سبعة عشر عاماً من الحرب قد أوصلت إلى اقتصاد غير متوازن، من شأنه أن يشكل تحدياً كبيراً يتطلب لمواجهته صفار ذهن ووضوح هدف، والتزاما قوياً ومثابرة عنيدة. وبهذا الخصوص، فإن الحكومة اللبنانية ملتزمة بقوة بإعادة البناء والإعمار وبإعادة تأهيل الاقتصاد اللبناني مع تشديد خاص على تنمية البنية التحتية.

 نجحت الحكومة الحالية لدى تسلمها مهامها في استعادة شعور الثقة بالإدارة الاقتصادية للبلد وبالليرة اللبنانية عندما أوقفت دورة انخفاض سعر صرف الليرة اللبنانية والتضخم. وقد انعكس هذا في الخفض الكبير للعجز في الموازنة تدفق رؤوس الأموال الكبيرة وعلى الأخص في ارتفاع قيمة الليرة اللبنانية.

 وفيما نحن نرحب بهذه التطورات الاقتصادية الإيجابية، فإننا نعترف كليا بأن هذه المكاسب بحاجة إلى تعزيز وتدعيم للتأكد من قابليتها للبقاء والاستمرار. وتأكيدا على ذلك اتخذت الحكومة الحالية عدة إجراءات استهدفت منها احتواء وتخفيض استنزاف الموارد العامة عن طريق ضبط النفقات العامة وتعزيز جباية الإيرادات. وحتى اليوم، جاءت نتائج هذه الجهود مشجعة جداً.

 بيد أن الحكومة، في وضعها السياسة المالية، تسعى لتحقيق توازن دقيق بين تخفيض العجز والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف من جهة، وبين إعادة تحريك النشاط الاقتصادي من جهة أخرى. وهكذا فغنها تعد برنامجا لإعادة البناء والإعمار والاستثمار العام الذي من شأنه خلال مدة عشرة أعوام أن يتطلب نحو عشرة مليارات دولار. وهذا البرنامج يمثل تصورنا للمستقبل ويهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية المدمرة والقدرة الإنتاجية وزيادتها وذلك من أجل تمكين لبنان من استعادة دوره السابق في المنطقة وتعزيزه. ونحن نركز حاليا على برنامج استثمار مبدئي مدته ثلاثة أعوام يبدأ بوضع الأسس لاقتصاد يعمل بسلاسة.

 حقاً، إننا ندرك تماماً أن الغاية من استعادة الازدهار الاقتصادي وتحقيق نمو اقتصادي سريع ومستمر تتوقف بصورة حاسمة على قدرتنا على تحريك موارد القطاع الخاص، اللبنانية والدولية، تجاه الاستثمار الخاص الداخلي. وفي هذا السياق، فإن من الضروري أن نتذكر انه على الرغم من السنين العديدة للحروب المتوالية على الأرض اللبنانية، فإن لبنان لم يتقاعس أبداً عن أداء تعهداته والوفاء بالتزاماته الخارجية والأبرز من ذلك أن لبنان قد احتفظ بحرمة نظامه الاقتصادي الليبرالي والحر الذي يتميز بنظام مفتوح في التجارة والبورصة، وحرية تحويل الأموال، وهيكل إنتاج خال من القيود، واحترام وحماية للملكية الخاصة.

 وخلاصة القول أننا نحن في لبنان قد عقدنا آمالنا على قدرات شعبنا في الداخل والخارج وعلى قدرات مؤسساتنا في القطاع الخاص في تحمل العبء الرئيسي في إعادة بناء بلدنا. ولكن الاحتياجات التي نشأت خلال فترة طويلة من الدمار والفوضى هي أكبر بكثير مما يمكن للتمويل الداخلي وحده أن يغطيها، وبالتالي فإننا نتطلع إلى أصدقائنا في المجتمع الدولي لدعمنا ومساعدتنا في التغلب على التحديات الكبيرة التي تواجهنا. لقد علمنا التاريخ أنه لا يمكن لبلد مزّقته الحرب أن يأمل بإعادة بناء نفسه إلا من خلال الحشد الجماعي للموارد والمؤازرة الداخلية والخارجية. وهنا أشير بكل تقدير إلى البيان الذي أعد باسم محافظي البنوك العربية في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والذي يدعون فيه المجتمع المالي الدولي لدعم جهود لبنان في إعادة الإعمار وإعادة التأهيل.

 واليوم، عندما نصحو من كابوسنا الطويل، نلاحظ بأس أن عملية التجزئة، والتفكيك والتدمير قد انتشرت في أجزاء عديدة من العالم. دعوني أؤكد لجميع الشعوب التي تعاني من هذه الحالة التي لا تستحقها أن الشعب اللبناني يتفهم تماماً ما تمرون فيه ويتعاطف كثيراً مع سوء حظكم الراهن. ولكننا نحن في لبنان نعرف أن إرادة الحياة تنتصر في النهاية على الحروب وان الدول التي تجزئها الحروب تخرج أقوى مما كانت عليه وأكثر تماسكاً ووحدة، وأقدر على إعادة البناء.

 ومن خلال جهودنا في لبنان، وكذلك من خلال مساعدة المجتمع المالي الدولي، دعونا نأمل جميعاً بأن تستعمل كلمة "لبْنَنة" من الآن فصاعداً للتعبير عن التوحد والعيش المشترك وإرادة البناء والإعمار.

 

واشنطن في 28/09/1993

التاريخ: 
28/09/1993