كلمة الوزير السنيورة في الدورة الثانية والخمسين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي لجامعة الدول العربية

-A A +A
Print Friendly and PDF

معالي الوزراء،

أيها السادة،

 يسرني ويشرفني أن أترأس الدورة الثانية والخمسين للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي الذي ينعقد في رحاب جامعة الدول العربية، وفي دولة مصر العربية، البلد الشقيق الذي يتحسس مسؤولياته تجاه الأمة العربية ويعيش مشكلاتها ويعمل على تقوية أواصر اللحمة والتواصل بين أعضائها.

 ويسعدني في هذا اللقاء، أن أرحب بوفود الدول العربية الممثلة في هذا المؤتمر وفي مقدمتهم أصحاب المعالي الوزراء، ورؤساء الوفود والسفراء والمندوبين، وأتقدم بالشكر والتقدير إلى الذين قاموا وساهموا بالتحضير والإعداد لهذا الاجتماع الذي يحظى بأهمية خاصة في هذه المرحلة التاريخية والمصيرية التي تمر بها امتنا العربية.

 إننا أيها السادة، كما ترون بأم العين، أمام منعطف تاريخي ومصيري يتناول مستقبل بعض الشعوب والكيانات السياسية في العالم. إننا أمام تحولات ومتغيرات في المفاهيم التقليدية للعلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول تضعنا في مواجهة تحديات ليس من السهل التغلب عليها إن لم نحسن التعامل معها بعقلانية وحكمة وبأسلوب علمي وموضوعي رصين.

 اختلفت النظرة إلى العلاقات الدولية عما كانت عليها قبل الربع الأخير من هذا القرن، وخاصة في وجهها الاقتصادي، فلم تعد هذه العلاقات مرتبطة بالحدود الجغرافية أو السياسية. إن نهايات هذا القرن، والإطلالة على عتبة القرن الواحد والعشرين تنبئ عن احتمال قيام نظام التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، وذلك بدافع من ضغط الحاجات المتزايدة، وتطور التكنولوجيا الحديثة، والتزاحم على الموارد المادية والبشرية الأولية بين الدول في ظل ندرة هذه الموارد والمواد. هذا مما جعل إمكانية التصدي لهذه الضغوط والصعوبات من جانب كل دولة على حدة أمرا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، مهما بلغت هذه الدولة من الغنى ومهما توفر لديها من قدرات وإمكانيات.

 ولهذا فلا نستغرب تباشير تكون هذه التكتلات الاقتصادية الكبرى في العالم، ككتلة أميركا الشمالية الوسطى، والتي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وكتلة أوروبا، وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإنكلترا، والكتلة الآسيوية بزعامة اليابان، وقد بدأت ملامح خريطة هذه التكتلات ترتسم بوضوح ولاسيما، بعد التطور الكبير الذي حققته الوحدة الاقتصادية الأوروبية التي مهد لها منذ ما يزيد عن ربع قرن قيام السوق الأوروبية المشتركة.

 هذا الواقع يطرح علينا سؤالاً كبيراً حول الموقع الذي يمكن أن يكون لنا في هذا العالم الجديد؟ كيف يمكن أن نواجه هذه التحديات القادمة والتي ستطرق أبوابنا بعنف؟

 لا أخال أحدا منا يشك أننا لا نستطيع المواجهة منفردين، ولا يمكن أن يكون لأي منا منفردا موقع في هذا العالم الجديد، ونحن على وعي تام بأنه لم يعد هناك في هذا العالم الذي تحكمه المصالح، ولا شيء غير المصالح، مكان للضعفاء، فعجلة التطور المتسارعة تطحننا وتضعنا خارج الزمن إن لن نحسن إعداد أنفسنا لمواكبتها والانخراط فيها، وهذا الوعي يجب أن يوجهنا للتحضير والإعداد للمرحلة الجديدة، وأعتقد أننا قادرون على المواكبة، لأن لدينا المقومات الأساسية لبناء اقتصادي قوي، وعلى الأخص، الموارد المادية والبشرية، ولكن ما ينقصنا هو الإرادة على استعمال هذه الموارد وحسن استغلالها والتصميم على التعاون والتنسيق فيما بيننا لتوجيه هذه الموارد في بناء علاقات اقتصادية وسياسات اقتصادية توفر لنا موقعنا متقدما، يحسب له حساب في عالم اليوم والغد.

 ولا بد لنا إذن من إرساء أسس هذا التعاون والتنسيق بين دولنا يقوم على قواعد علمية وموضوعية مدروسة. ولعل هذا هو الدور الأساسي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهذا يقتضي منا تشجيع التجارة والتبادل التجاري بين الدول العربية وإزالة العوائق التجارية والحد من القيود ومن الصعوبات أمام التعاون بين القطاعات الخاصة الإنتاجية، وباختصار كلي إيجاد نوع من التكامل الاقتصادي بين الدول العربية، بما يحقق مصالح كل دولة عربية على حدة وينمي اقتصادها من خلال زيادة فعالية استثمار مواردها، وبما يؤدي بنفس الوقت إلى تحقيق مصالح الدول العربية مجتمعة.

 ولكن ذلك كله يتطلب أولا اقتصاد وطني سليم، وذلك من خلال إصلاح اقتصادي يقوم على تشجيع القطاع الخاص وإتباع سياسة الانفتاح الاقتصادي، الذي يحسن نوعية الإنتاج المحلي من خلال الاستفادة من أساليب العمل واستعمال التقنيات الحديثة في الإنتاج الأمر الذي يزيد القدرة على التنافس مع الخارج، واعتماد سياسات مالية تدعم وتؤمن الاستقرار وتستقطب رؤوس الأموال المحلية والعربية والأجنبية. هذا الأمر يفترض تشجيع الطاقات والإمكانات العربية الموجودة في الخارج والتي يمكنها بما تملك من قدرات مالية وخبرات عالية في مجالات الاستثمار التي اكتسبتها خلال سنوات طويلة عملت فيها في الخارج، من أن تعود لتساهم في مشاريع التنمية والإنتاج في مواطنها الأم، وذلك بخلق المناخات الاقتصادية والمالية والتشريعية التي تضمن استقطاب هذه الطاقات والقيام بعمليات الاستثمار والتي تؤدي إلى تأمين أرباح معقولة لأصحاب رؤوس الأموال.

 أنتم تعلمون أن الاستثمار يشكل قضية محورية بالغة الأهمية لاقتصاد أي بلد من بلدات العالم لكونه الوسيلة الأساسية لتحقيق زيادة في الناتج القوني وخلق فرص عمل جديدة وتحديث وسائل الإنتاج مما يشجع على تخفيض كلفة الإنتاج وبالتالي على زيادة القدرة التنافسية في السوقين الداخلي والخارجي.

  هذا وان اجتذاب الرساميل في ظل التنافس الدولي المتعاظم مهمة صعبة للغاية، لاسيما، بسبب زيادة الطلب على الموارد من دول الاتحاد السوفياتي سابقا وأوروبا الشرقية ومن الدول النامية التي تتبع سياسة الإصلاح والانفتاح الاقتصادي، من جهة، وقلة الموارد المتوافرة من جهة أخرى. لذلك فإنه ينبغي علينا نحن في الوطن العربي، كي ننمي قدرتنا على التنافس ومن أجل هذه الموارد، تحديث بنيانا التحتية وتحسين الخدمات العامة وزيادة فعاليتها وتشجيع حرية وحركة عوامل الإنتاج، من خلال سياسات تجارية ومالية منفتحة ورصينة، وتوفير مناخ اقتصادي ملائم يضمن استقرار الاقتصاد الكلي. كما وان إنعاش وتفعيل قدرات القطاع الخاص والتعاون بين القطاعين العام والخاص ضمن كل دولة، والتعاون بين الدول العربية وفتح الأسواق وتبادل الرساميل وتشجيع المستثمرين في عالمنا العربي من شأنه أن يشكل الركائز الأساسية لبناء اقتصاد عربي قوي. ولا يجوز أن نغفل عما يمكن أن يكون لدينا من دور اقتصادي هام مع الدول النامية والدول التي بدأت تشهد تحولات في أوضاعها الاقتصادية، والتي تحتاج إلى الخبرات والموارد الأولية المتوفرة لدينا مما يساهم في إنعاش اقتصادنا وفي مساعدة هذه الدول في تحقيق مشاريعها الإنمائية.

 معالي الوزراء،

أيها السادة،

 أنتم تعلمون أن الحروب التي دارت على الأراضي اللبنانية والتي دامت أكثر من سبعة عشر عاماً قد قوضت جانباً كبيراً من الاقتصاد اللبناني، وهدمت جزءا هاماً من بنيته التحتية وعطلت مرافق الدولة العامة وشلت مؤسساتها، وأضعفت العملة الوطنية وقضت على جانب من ميزات لبنان التفاضلية وكادت أن تفقد ثقة العالم به بعد أن كان منارة علم وحضارة في محيطه العربي والدولي. ولكن هذه الحروب لم تسلب لبنان كل شيء بفضل صمود شعبه وصبره وصلابته وطموح أبنائه، والثوابت الأساسية التي تمسك بها وشكلت قوة له وقاعدة وركيزة انطلاق، ولاسيما العيش المشترك وقيم الحرية والديمقراطية واحترام الملكية الفردية والنظام الاقتصادي الحرب وحرية التحويل وقانون السرية المصرفية وقدرة اللبناني الفردية على التكيف مقرونة بتراث فكري وثقافي عريق والانفتاح على العالم والتفاعل مع حضاراته.

 إن الحكومة اللبنانية مصممة على إعادة بناء لبنان وإعماره بعد ما أصابه من دمار، لاسيما على صعيد البنية التحتية، وهجرة الرساميل والطاقات البشرية والإنتاجية، وهي بدأت بالعمل على تحديث الاقتصاد اللبناني على الأسس التالية:

                                     أولاً:     تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي والنقدي.

ثانياً:    إعادة بناء البنية التحتية.

ثالثاً:    إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزالة كل العوائق أمام المستثمرين بشكل يكفل وضع لبنان في نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من أجل اجتذاب رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية.

  وانتم تعلمون ما يتطلب البناء من جهد وتخطيط ووقت ونحن لم ولن نقصر، لا في الجهد ولا في الوقت فقد أعددنا العدة ووضعنا ركائز البنيان والعمران. وقد حققت الحكومة اللبنانية إنجازات كبيرة لم تقتصر على إعادة الأمن والسلام إلى لبنان بل اشتملت أيضاً على إحياء مؤسسات الدولة وبدأت عملية تحريك عجلة النشاط الاقتصادي، والتحول التدريجي نحو المجتمع المنتج كما بدأت ا لعمل على استعادة ثقة العالم بلبنان ودوره الفاعل والمؤثر على المستويات الاقتصادية والمالية والثقافية، وقد أعدت الحكومة خطة عشرية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي تبلغ كلفتها المقدرة نحو عشرة مليارات دولار وتمثل هذه الخطة رؤية وتطلعات الحكومة اللبنانية للمستقبل والتي تستهدف إعادة بناء لبنان وإعماره ووضعه على عتبة القرن الواحد والعشرين.

 والحكومة تقوم فضلاً عن ذلك بتهيئة الأجواء لتأمين المناخات المطلوبة للاستثمار، باعتماد تدابير اقتصادية ومالية هدفها لجم التضخم من خلال سياسة مالية تحقق زيادة في الواردات وخفضا للنفقات غير المجدية لتخفيض العجز في الموازنة، وصولاً إلى الاستقرار النقدي والاقتصادي المنشود.

 إننا نعتقد أن هذه السياسة الاقتصادية تشكل الحد الأدنى المطلوب لقيام اقتصاد سليم يمكن الانطلاق منه لإرساء علاقات اقتصادية متينة ومنتجة بين الدول العربية، تفادياً لأية ثغرات سواء قانونية أو غيرها، من شأنها أن تشكل عوائق أمام تعاون اقتصادي عربي يمكن أن يكون نواة قوة اقتصادية تحصن الدول العربية وتعطيها دوراً وموقعاً في ظل التحولات والمتغيرات الجديدة التي تطال العالم أجمع.

إن التضامن العربي، في ظل هذه المتغيرات، على كل المستويات، ولاسيما على الصعيد الاقتصادي، يجب أن يكون عنوان المرحلة القادمة لأنه كفيل بجعل الموقف العربي تجاه الأحداث الجارية أكثر فعالية ومناعة، ويؤدي إلى تعزيز القدرات العربية في مواجهة احتمالات المستقبل وتحدياته.

 معالي الوزراء،

أيها السادة،

 إنني أشكر حضوركم ومتابعتكم وأنتهز هذه الفرصة لأتقدم باسم الحكومة اللبنانية، من سائر الدول العربية وشعوبها وملوكها ورؤسائها وحكوماتها، بالامتنان والتقدير، لوقوفهم جميعاً، إلى جانب لبنان في المحن التي مر ولا يزال يمر بها وخاصة في محنته الأخيرة، من جراء ما أصاب الجنوب اللبنانية والبقاع الغربي من تدمير للمنازل والمنشآت وتهجير للأهالي وقتل وتشريد للآمنين بسبب العدوان الإسرائيلي، كما نقدر لدولكم مساهماتها في إعادة بناء لبنان وإعماره. ولبنان الذي حمل قضايا العرب جميعاً في قلبه وضميره، لن ينسى لكم ما قدمتموه وما ستقدمونه من عون ومساعدة في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان. والشعب اللبناني على ثقة بأن أشقاءنا العرب لن يقصروا في دعم مسيرة البناء والإعمار في لبنان لتمكينه من الخروج من المآزق التي أفرزتها الحروب في لبنان، وهم يدركون الثمن الغالي الذي دفعه لبنان في هذه الحروب، ولاسيما في الدفاع عن القضايا العربية الكبرى.

 معالي الوزراء،

أيها السادة،

 إن أمامنا جدول أعمال غني بالمواضيع الهامة، آمل أن تؤدي مناقشاتنا فيها إلى تحقيق نتائج إيجابية وبناءة على صعيد تمتين وتطوير أسس التعاون الاقتصادي والاجتماعي بين دولنا بما يكفل لنا مكاناً مرموقاً تحت شمس هذا العم الجديد.

 أشكركم جميعاً والسلام.

 

 جامعة الدولة العربية- 09/09/1993

التاريخ: 
09/09/1993