كلمة الوزير فؤاد السنيورة أمام جمعية المصرفيين العرب في أميركا الشمالية الولايات المتحدة الأميركية

-A A +A
Print Friendly and PDF

سيداتي سادتي،

 انه ليسرني أن أخاطبكم بوصفكم فريقاً معتبراً من المحترفين الذين تجمعوا هنا اليوم، في العاصمة المالية للعالم، تحت رعاية جمعية المصرفيين العرب، للبحث في دور المؤسسات المالية في إعادة إعمار لبنان. والواقع أنني أرى أن هذا اللقاء والمكان وموضوع هذا المؤتمر إنما هو انعكاس للاهتمام الشديد والواسع النطاق باستعادة لبنان عافيته وكذلك في توفير فرص وإمكانيات الاستثمار الكبيرة والذي يمكن لإعادة الإعمار الجارية أن تؤمنها. لذلك، فإني أعتبر هذا المؤتمر مصدراً آخر للتفاؤل بمستقبل لبنان، تفاؤل شعرت به دون شك في مباحثاتي أيضاً مع عدد كبير من ممثلي البلدان الصديقة والمؤسسات الدولية في واشنطن قبل بضعة أيام.

 بيد أنه من الواضح أن هذا التفاؤل ليس مقياسا لما ينبغي عمله بعد، لأن ذلك ضخم دون شك. بل انه انعكاس للخطوات الكبيرة التي حققتها الحكومة خلال فترة قصيرة من الزمن نسبياً وفي ظل ظروف غاية من الصعوبة. إنكم تدركون، طبعاً، الحالة التي كان فيها البلد بعد عقد ونصف من عدم الاستقرار والحروب العنيفة التي أدت إلى عدة موجات من الدمار، والخسارة الهائلة للموارد البشرية، وانخفاض القدرة الإنتاجية، وتدهور أسهم رؤوس الأموال، وتجزئة السلطة المركزية وتضعضعها. وقد قدرت أضرار الحرب التي لحقت بالبنية التحتية والموجودات المادية بخمسة وعشرين (25) مليار دولار أميركي، ولم تخرج أي من القطاعات الرئيسية من تلك الحرب دون ضرر. وان غياب سلطة الدولة وفقدان الرقابة المالية، خصوصاً من أواسط الثمانينات فصاعدا، أديا إلى تضخم سريع وانخفاض متعاظم في قيمة صرف الليرة اللبنانية وزيادة حادة في الدين العام الداخلي. والصعوبات التي نجمت عن هذه التطورات ضاعفت من سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية الصعبة لدى شريحة كبيرة من السكان.

 عندما تولت الحكومة الحالية مقاليد الحكم قبل أقل من عام، كان عليها أن تواجه تحدي إعادة الإعمار وان تخطط للمستقبل، فيما كانت تعالج في الوقت نفسه تركة الماضي المثقلة بالأعباء والمشاكل.

 إن مباشرة الحكومة العمل على استعادة لبنان عافيته الاقتصادية وإعادة إعماره كان موجهاً منذ البداية بعدد من المبادئ الأساسية التالية:

 أولاً،أنه لن يكون هناك انحراف عن نظامنا الاقتصادي الحر والمنفتح. وهذا النظام قد خدم البلد جيداً في الماضي، ودعمه أثناء سنين الحرب، وسيكون فعالا في إعادة بناء مستقبله.

 ثانياً،إن القطاع العام لا مقر له من أن يلعب دوراً مهماً في عملية إعادة الإعمار، خصوصاً في تلك القطاعات حيث لا يمكن أن يكون دور القطاع الخاص في إعادة التأهيل وتوسيع البنية التحتية إلا دوراً محدوداً فيها.

 ثالثاً،إنها مسؤولية الحكومة أن تؤمن مناخاً ملائماً من شأنه أن يزيد الاستثمار الخاص إلى حده الأعلى في إعادة الإعمار وفي القطاعات الإنتاجية بوجه عام. ومن الواضح أن الاستقرار الاقتصادي الشامل عنصر مهم في توفير مثل هذا المناخ. ومع إبقاء هذا الأمر في الأذهان، فإن الحكومة الحالية قد بدأت ونجحت في استعادة الثقة بالإدارة الاقتصادية للبلد وفي النقد الوطني بعد وضع حد لدورة انخفاض قيمة صرف العملة والتضخم. وبالإضافة إلى ذلك فإن الحكومة مدركة تماماً ضرورة تعزيز هذه المكاسب عن طريق اتخاذ إجراءات إضافية حازمة على الصعيد المالي. وحتى اليوم، كانت نتائج جهودنا مشجعة إذ أن الإيرادات خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 1993 ازدادت بنسبة بلغت أكثر من 75 بالمئة بالمقارنة مع الإيرادات خلال الفترة المماثلة لها من سنة 1992. ونتيجة لذلك، فإن الإيرادات الآن تغطي نحو 85 بالمئة من الإنفاق المرتقب في الموازنة دون الفوائد بالمقارنة مع 57 بالمئة فقط عن الفترة المماثلة من العام الماضي.

 إضافة إلى استعادة الاستقرار المالي، فقد أعدت الحكومة برنامجا لإعادة البناء والإعمار والاستثمار العام بلغ عشرة مليارات دولار أميركي خلال فترة عشرة أعوام ويتضمن القطاعات التالية: الكهرباء، المياه المبتذلة، النقابات، الاتصالات السلكية واللاسلكية، النقل، توريد المياه، التعليم، الصحة، الشؤون الاجتماعية، الإسكان، الزراعة والري، الصناعة والنفط والغاز. وعلاوة على ذلك يشمل المخطط تعزيز القدرات الإدارية والتنفيذية لدى القطاع العام وتقديم القروض للقطاع الخاص. وسيجري تمويل هذا البرنامج على طريق الموارد الداخلية، والهبات الأجنبية، والقروض غير المشروطة، والاعتمادات التجارية.

 دعوني أذكر هنا أن مشروع إعادة إعمار وسط بيروت، الذي هو مثال واضح على الدور التنموي والتطويري الذي يستطيع القطاع الخاص أن يلعبه، قد بدأ. وكما يعلم كثيرون منكم، فإن هذا المشروع يمثل أكبر مشروع إنشائي في الشرق الأوسط في المستقبل المنظر وسيحول المئة وخمسة وثلاثين (135) هكتارا من الدمار المهجور إلى مركز مالي وتجاري حديث.

 مما لا شك فيه أن إعادة بناء البنية التحتية يشكل عبئا على القطاع العام الذي يحتاج إلى تدفق امتيازي للأموال من البلدان العربية والصديقة وكذلك م المؤسسات الدولية والمؤسسات المالية. إلاّ أنه من الواضح أيضاً أن مستقبل لبنان الاقتصادي وقدرته على توظيف كامل طاقاته وتحقيق آماله، سيتوقفان على تعديلات تشريعية وعلى توفر الأدوات والآليات التي تحرك الموارد المالية وتوجهها إلى أفضل المجالات إنتاجية. والواقع أننا في مباحثاتنا مع المجتمع المالي الدولي، كثيرا ما نذكر بأن حجم الموارد الإقليمية التي من الممكن استثمارها في لبنان، هو من الضخامة بحيث أنه يقزم حجم الموارد التي يمكن الحصول عليها من المصادر الرسمية وكذلك المصادر التجارية الأجنبية.

 والسؤال بوضوح هو كيف نخلق الظروف والقنوات التي من خلالها تشارك هذه الموارد طوعاً في إعادة الإعمار والاستثمار المنتج. وهذا، طبعاً، هو الموضوع الرئيسي لهذا المؤتمر. وأننا نأمل بأن الحكومة الجماعية للمشاركين الكرام ستساعدنا في جهودنا لتعزيز الوساطة المالية وتمكين المؤسسات المالية من لعب دورها بصورة أكثر فعالية. وفي هذه الأثناء، دعوني أعرض عليكم بضعة أفكار عامة حول ما أرى أنه ينبغي أن يكون العناصر الرئيسية لدور أكثر فعالية للقطاع المالي في لبنان.

 أولاً، يجب أن يسهل سبيل وصول المستثمرين في القطاعات المنتجة إلى القروض المصرفية المتوسطة والطويلة الأجل. أن يتركز النشاط المصرفي حتى الآن على المعاملات التجارية أمر مفهوم، إلا أن هناك حاجة واضحة لخلق نوع من الادخار للمدى المتوسط والطويل الأجل الذي من شأنه أن يمكن البنوك من تمويل نوع من الاستثمار الذي يحتاج إليه الاقتصاد. وفي رأيي أن هناك فرصا كبيرة يمكن فتحها في هذا المجال.

 ثانياً، أن إيجاد سوق فعال لرؤوس الأموال سيكون مؤثراً في حشد التمويل اللازم، لكل من القطاعين العام والخاص. والواقع أنه، إذا ما أمنت مراقبة ملائمة وشديدة من جانب الحكومة، لا يوجد سبب يحتم بالضرورة على الحكومة أن تتولى تمويل إعادة تأهيل المرافق العامة التي يمكنها أن تكفي نفسها بنفسها، سيما إذا وجد السوق لإصدار أدوات الدين من جانب مثل هذه الكيانات. وعلى نحو مماثل، فإنه بوجود سوق لرؤوس الأموال يعمل بسلاسة، سيتعزز كثيراً حشد التمويل للاستثمار في القطاع الخاص.

 ثالثاً، إن سوقاً فعالاً للأسهم سيكون أيضاً حاسماً في الفترة التي أمامنا. وان المشاركة المباشرة للقطاع الخاص، المحلي والاغترابي وكذلك العربي والأجنبي ستكون ميسرة بإنشاء وحسن تسيير سوق للرساميل. دعوني أقول في هذا الصدد بأن الحكومة تعمل مع عدد من المؤسسات الدولية، الرسمية منها والخاصة، من أجل أن تضع الشروط القانونية والمؤسساتية والتقنية لمثل هذه الأسواق لكي تقوم بأسرع ما يمكن، والتي تؤكد أن الضمانات الضرورية الوقائية قد تأمنت أيضاً.

 رابعاً، حتى مع إقامة أسواق مالية فعالة ومع التنويع المتزايد لنشاطات البنوك التجارية، فإني أعتقد بأنه سيكون هناك دور لمؤسسات إقراض متخصصة في لبنان، مثلاً في مجالات الإسكان والصناعة والسياحة والزراعة. إن ما هو حاسم هنا هو وجود الاحتياطات الوقائية والمقاييس التي تضمن أن مثل هذه المؤسسات تعمل على الأساس نفسه الذي تعمل عليه المؤسسات التجارية الأخرى ولا تشكل استنزافاً للموارد العامة.

 لقد عرضت هذه الأفكار العامة لأشير فقط إلى بعض المجالات حيث هناك حاجة واضحة لمزيد من التقدم من أجل مزيد من الوساطة المالية الفعالة ومزيد من الحشد الفعال للموارد. دعوني أضيف فأقول بأن القطاع المالي في لبنان ليس مهما كأداة لإعادة الإعمار والاستثمار فحسب، بل في حقه أيضاً كجزء مهم من قطاع الخدمات الذي سيستمر ميزة لبنان النسبية متوقفة عليه.

 

سيداتي، سادتي،

 دعوني أؤكد لكم بأن الشعب اللبناني والحكومة اللبنانية ملتزمان بشدة بسلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط. بيد انه بصرف النظر عن موعد تحقيق هذا السلام، فإننا أكثر التزاماً بإعادة الإعمار، وإعادة البناء، وتطوير الاقتصاد اللبناني. وفي رأينا أن لبنان لديه دور حاسم وفريد يلعبه ضمن العالم العربي وان لديه المرتكزات الأساسية لضمان قيامه بهذا الدور. واليوم، استطيع أن أقول بكل ثقة أن لبنان قد سار على طريق لا رجوع عنه لا يؤدي إلا إلى استعادة وتعزيز دوره السابق في المنطقة. وإننا واثقون من أن جهودنا ضمن العالم العربي ستأتي أكلها. وبالتالي، فإنني أدعو اللبنانيين المهاجرين وأشقاءنا العرب للانضمام إلينا في جهودنا لتخليص لبنان من صور سنين الحرب الماضية من أجل أن يساهم مجدداً بصورة إيجابية وبناءة في تنمية العالم العربي وفي خير الجنس البشري.

 دعوني أختم كلمتي بشكركم سيداتي سادتي، كلبنانيين وأشقاء عرب، وأصدقاء للبنان على حضوركم هنا وعلى اهتمامكم، بطريقة أو بأخرى، بمولد بلدنا من جديد. إننا نحن المصرفيين غير معروفين بالمبالغة بأحاسيسنا الوجدانية. إلا أن وجود المرء في لبنان هذه الأيام، أو حتى المشاهدة عن بعد لبلد تجري إعادة بعثه من تحت الرماد ومن الفوضى والدمار، لا بد أن ترفع معنوياته وتقوي إيماننا في مستقبلنا كمجتمع، وكبلد. كأمة.

 شكراً لكم والله يحفظكم.

 

ألقيت هذه الكلمة في فندق هيلنيسلي

(فندق ميدل تاون) في أول تشرين الأول 1993

                                          وزير الدولة للشؤون المالية

                                          فــؤاد الســنيورة

التاريخ: 
01/10/1993