كلمة الوزير فؤاد السنيورة في اللقاء مع الجمعية اللبنانية لإدارة الأعمال: "مفاهيم إدارة الأعمال"

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 في مستهل حديثي أود أن أتوجه بالشكر للقيمين على الجمعية اللبنانية لإدارة الأعمال على دعوتهم لي للالتقاء بمجموعة من المواطنين الملتفين حول مبادئ هذه الجمعية التي آلت على نفسها تعزيز مستويات الكفاءة الإدارية والإنتاجية في كافة المؤسسات في لبنان وذلك من خلال العمل على إعادة التأهيل والتدريب لعديد من المسؤولين في مؤسسات القطاعين العام والخاص وتنمية وتطوير مفاهيم إدارة الأعمال والكفاءات القيادية وفقاً لأحدث الأساليب العلمية مما يؤمن للمؤسسات العامة والخاصة في لبنان عناصر بشرية وقيادية مؤهلة تساهم في رفع مستوى الإدارة وتحسين أدائها، وبالتالي منح فرصة أفضل لنجاح خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وانه ليسعدني أن أكون معكم الليلة يجمعنا قاسم مشترك ألا وهو الإيمان بالعمل والعطاء للوطن والرغبة في المشاركة في عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة مهما كلف ذلك من جهد ووقت وتضحيات. ولا بد لي من أن أؤكد في بداية هذا اللقاء على حقيقة ثابتة وأساسية وهي أن كل البلدان التي استطاعت أن تخرج من مرحلة الحرب لم تتمكن من الوصول إلى مرحلة السلم الثابت إلا من خلال تضافر جميع طاقات المجتمع، وهذه الحقيقة أكثر ما تنطبق أيضاً على حالة لبنان في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخه.

 إن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم وما يمكن أن تأتي من جديد أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تجعلنا نمعن النظر ملياً في أمر أوضاعنا الداخلية، السياسية منها، كما وبصورة خاصة الاقتصادية والاجتماعية. فنحن على الجبهة الداخلية بأمس الحاجة من جهة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني على قضايانا الأساسية والمصيرية وفي مقدمها قضية تحرير الجنوب اللبنانية والبقاع الغربي من الاحتلال الإسرائيلي عبر تطبيق القرار 425. كما وان ننكب من جهة ثانية على إعادة البناء والإعمار والنهوض الاقتصادي من خلال إعادة بناء البنية التحتية الأساسية وتحفيز إنشاء المشاريع الإنتاجية لدى القطاعين العام والخاص في إطار سياسة اقتصادية مالية ترتكز على التخفيض التدريجي لعجز الموازنة وتحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل الجديدة وتوفير سبل الاستثمار للطاقات البشرية والإنتاجية كل ذلك من خلال خطة إنمائية واقتصادية علمية ومنهجية شاملة ومتكاملة تتناول كل قطاعات الإنتاج من جهة وتتناول كل المناطق اللبنانية دون استثناء وفق ما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني في بندها المتعلق بالإنماء المتوازن الذي أصبح في صلب مقدمة الدستور والذي جاء فيه: "الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسيا من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام".

 

أيها الأصدقاء،

 نحن في هذه الحكومة نعلم تماماً العلم أن مسؤولية إنقاذ الوطن وإعادة بناء مؤسسات الدولة ليست مسؤولية جماعة أو فئة من المواطنين دون أخرى ولا مسؤولية تنفرد أو تتفرد بها الدولة بل هي مسؤولية المجتمع ككل وهو أمر يفرض علينا أن نتآزر ونتضامن فيما بيننا لننخرط جميعاً كفريق عمل واحد في ورشة إعادة البناء مهما بلغت تحدياتها. لا أن نتلهى بخلافات جانبية تجعلنا ننحرف عن المسار الذي يوصلنا إلى إدراك أهداف شعبنا. إننا إذا لم نتوحد جميعاً تحت هذا الهدف فإننا سوف نضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم ونجعلها تفلت منا فنندم عليها كما ندمنا على فرص كثيرة أضعناها في الماضي.

 إنني إذ أشدد على هذا الأمر فإنني أود أن أؤكد وبنفس المقدار الرغبة الشديدة التي لدى هذه الحكومة في أن تتوجه إلى جميع المواطنين حتى لا يبخلوا علينا بتوجيهاتهم ونصائحهم لا بل وانتقاداتهم وهو الأمر الذي يساهم وإلى حد بعيد في تصويب مسيرة الحكومة. إننا في هذه الحكومة نؤمن إيماناً راسخاً بالنظام الديمقراطي المنطلق أساساً من إعلاء مبادئ الحرية والعمل والإنجاز والجدية مع علمنا الكامل بأننا مهما حاولنا التماس رضى جميع الناس فإننا نلتمس ما لا يدرك. لكننا وعلى الرغم من ذلك فإننا سوف نواصل السعي الدؤوب نحو تعزيز أواصر التعاون مع كل الإرادات الطيبة الراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 نحن ندرك تماماً، ونرجو أن تدركوا معنا أن المناخ الدولي تجاه لبنان، كما هو المناخ العربي، أكثر ملائمة للبنان عما كان في الماضي وذلك فيما خص المساعدة من أجل العمل على إعادة بناء الدولة وبالتالي وضع وتنفيذ خطة واقعية وطموحة في آن واحد للنهوض الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وذلك لتحقيق مهمة الإنقاذ الشاملة. ومما يشهد على ذلك عودة اهتمام المؤسسات والمنظمات الدولية بنا، سواء من خلال البعثات المتلاحقة للخبراء الدوليين والرغبات الجدية التي يبدونها في تقديم إمكانياتهم العلمية والتقنية من اجل مساعدتنا على تنظيم وإصلاح أوضاعنا الإدارية والاقتصادية والمالية أو من خلال بعض المساعدات والقروض التي بدأت ملامح منحها لنا تظهر بوضوح وذلك بعد تمنع طويل وحظر غير معلن وأولها القرض الدولي البالغ ما يعادل 175 مليون دولار أميركي.

 إن أهمية هذا القرض تكمن في دلالته السياسية والاقتصادية، إذ أن هذا القرض منح للبنان دون أن يتخلى لبنان عن أي مبدأ من مبادئ استقلالية قراره الاقتصادي والسياسي. وهو ينطوي أيضاً على عودة انفتاح العالم على لبنان، وثقة هذه المؤسسات الدولية، بلبنان وبأوضاعه الاقتصادية وبالسياسة التي تنتهجها الحكومة اللبنانية على الصعيد المالي والاقتصادي وقدرتها على إعادة البناء والإعمار. بقي أن نثبت، نحن اللبنانيين، أينما حللنا أننا أهل لهذه الثقة وعلينا أن نعزز ثقة العالم بنا، لنجتاز هذا الامتحان الصعب، ولنستفيد من هذا المناخ الملائم لنا عربياً ودولياً ونبدأ رحلة الإنقاذ والبناء والإعمار الطويلة والمضنية ولكن غير المستحيلة والتي تتطلب منا العزيمة والإيمان والتصميم نحو بلوغ الأهداف التي يتوخاها شعبنا وذلك بعد فترة طويلة من المعاناة والحرمان.

 نحن في هذه الحكومة أيها الأصدقاء، قد عقدنا العزم على أن نبدأ هذه الرحلة وقد بدأناها، مهما كلفتنا من جهود وتضحيات، ومصممون على عملية الإنقاذ والنهوض والبناء، لكي نعيد إلى لبنان وجهه الحضاري، وذلك لأننا نؤمن بهذا الوطن ونؤمن بهذا الشعب الذي لم تفت الأحداث من عضده، ولم تنل من عزيمته وإرادته، ولم تفقده إيمانه بوطنه وبأرضه، هذا الشعب الذي صارع الموت وتغلب عليه هو شعب أهل للحياة، هو شعب قاد على الإنقاذ، هو شعب ينهض من بين الركام، ومثله لا يموت.

 نحن لا نطلق هذا القول جزافا، فمنذ اللحظة الأولى بدأنا في هذه الحكومة دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وهي غير خافية عليكم، وذلك بكل جد ومسؤولية، ولدينا معرفة واضحة بهذه المشاكل، وندرك إدراكاً واعياً كل الصعوبات التي ستقف في طريقنا، والتحديات التي ستواجهنا، والوقت الطويل المطلوب للمعالجة. إن هذه الحكومة تؤمن إيمانا راسخا بأن شرطا أساسياً من شروط البدء بتحقيق هذه المسيرة الشاقة هو استعادة المواطنين الثقة بالدولة، الدولة القادرة والعادلة والمسؤولة. إن هذا يعني إزالة حالة العداء التاريخي بين المواطن والدولة وبالتالي العمل على تحقيق مصالحة حقيقية ودائمة بين المواطن اللبناني والدولة.

 إن هذا الأمر يفترض من الدولة إعطاء المثل والقدوة للمواطن على احترام القانون والمعايير المستندة للأخلاق وعلى تطبيق العدالة والمساواة على جميع المواطنين في شتى الحقوق والواجبات. إن عملية إعادة بناء الدولة تتطلب ولا شك العمل على إصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية الحقة المنطلقة أساسا من الرغبة في خدمة المواطنين كما والعمل المستمر والمصصم على زيادة فعالية الإدارة الإنتاجية وإيقاف الهدر وترشيد النفقات وتحسين مستوى الخدمات للمواطنين وهذا يتطلب فيما يتطلب تجهيز الإدارة بوسائل العمل الحديثة. كذلك فإنه يتطلب إعادة تأهيل العاملين في الإدارة والاهتمام بأوضاعهم المعيشية بغير الأسلوب التي درج عليه في الماضي وذلك عن طريق الزيادات الاسمية للأجور والرواتب غير المستندة إلى زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن حقيقي في الإنتاجية أو زيادة في الدخل القومي. لقد انعكست تلك الزيادة الاسمية في الأجور والرواتب على مستوى الأسعار التي ابتلعت كل الزيادة المتحققة لا بل وجزء من الدخل الحقيقي السابق. ذلك مما أدى إلى تدن حقيقي في دخل المواطن وأدخل الوطن في الحلقة الجهنمية داخل حلبة السباق الذي لا ينتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى. إن سياسة الحكومة الحالية مبنية على تعزيز الإنتاج على كافة الصعد وهو ما نعتقد بأنه يعود بالخير الحقيقي على جميع المواطنين ويؤدي إلى تعزيز الإدارة حتى تصبح الإدارة قادرة على استقطاب جيل جديد من الكفاءات الشابة والماهرة في مختلف المستويات وفي مختلف القطاعات.

 في هذا الصدد لا بد وان يكون إصلاح النظام الضريبي في قمة اهتمامات الحكومة. هذا الإصلاح ينبغي أن يكون في ضوء معايير اقتصادية واجتماعية واقعية. ليس الهدف هنا فرض ضرائب جديدة وإنما الهدف هو تطوير هذا النظام وتحديثه وجعله أكثر عدالة في بعده الاجتماعي لاسيما بالنسبة لذوي الدخل المحدود وأكثر توافقا مع مستلزمات النهوض الاقتصادي وإعادة الإعمار ودفع عجلة التنمية وتحفيز الاستثمارات الجديدة. هذا يعني خفضاً لمعدلات الضرائب وتشددا في تحصيلها مما يجعل أمر التهرب من دفعها أمراً غير مجد ومكلف معاً. لا بد من التأكيد هنا أنه ينبغي أن يترافق مع هذا الجهد عمل دؤوب لتحسين مستوى جباية مستحقات الدولة من ضرائب ورسوم وبدلات الخدمات العامة كما والعمل على تعزيز أجهزة الرقابة بما يحفظ حقوق الخزينة. هذا بالإضافة إلى توجيه كافة الجهود والطاقات نحو دفع عجلة الإنتاج وزيادة مستوى الإنتاجية في كافة القطاعات مع الأخذ بعين الاعتبار ما تبقى من المميزات التفاضلية للاقتصاد اللبناني والرغبة الدائمة في تطوير هذه المميزات وتعزيزها.

 إن الإسراع في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الأساسية من ضمن الموارد المادية المتاحة داخلياً وخارجياً هو من أولويات الحكومة، فتحريك عجلة النشاط الاقتصادي التدريجي إلى المجتمع المنتج الذي يكون فيه الإنتاج والإنتاجية هو القيمة الأساسية لهو السبيل الوحيد لخلق فرص عمل جديدة لعشرات الألوف من الشباب اللبناني وكذلك لتحسين المستوى المعيشي لجميع المواطنين.

 إن هذه الحكومة تسعى إلى ضبط النفقات وترشيدها والإحجام عن الإنفاق غير المجدي، وصولا إلى تخفيض العجز في الموازنة. ولعل الأرقام التي تحققت خلال الشهر الأول من عام 1993 بالنسبة لمجموع واردات الدولة ونفقاتها بالمقارنة مع الشهر المماثل من العام الماضي والانخفاض الكبير في حجم العجز المتحقق بين هذين الشهرين لهو خير دليل على سعي الدولة نحو تحقيق هذا الهدف وكذلك على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. إن التحدي الكبير أمامنا لا زال يكمن في التوفيق ما بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية وترشيد الإنفاق العام من جهة، وتحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق من جهة أخرى. والسؤال الكبير هو في كيفية التوفيق بين سياسة التقشف وشد الحزام من جهة، وسياسة النهوض الاقتصادية من جهة أخرى؟ إن هذا التحدي يزداد حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي، وبند الرواتب والأجور لعام 1993 يشكلان ما يقارب 50% من مجموع موازنة القطاع العام.

 في هذا السياق تبرز أهمية السياسة النقدية للحكومة والمبنية على تحقيق الاستقرار النقدي من خلال الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية. يقتضي هنا أن نفرق بين الاستقرار في سعر صرف الليرة وتثبيت سعرها. فالاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية يسمح بتقلبات طبيعية غير حادة في سعر صرف الليرة اللبنانية. هذه التقلبات تأخذ بعين الاعتبار عوامل العرض والطلب العادية والموسمية والمبنية على العوامل والقواعد الاقتصادية الحقيقية لا الناتجة عن تأثيرات الحالات النفسية أو الاحتقانات السياسية التي ربما تكون منبثقة عن شائعات غير مبررة اقتصادياً وبالتالي تتولى السلطة النقدية معالجتها بما يتطلب من أساليب وإجراءات تحد من أثر التقلبات الحادة العارضة. إن ميزان المدفوعات اللبناني الذي كان قد حقق عجزا بلغ قرابة 700 مليون دولار أميركي خلال نهاية الفصل الثالث من العام 1992 ما لبث وان عاد وانقلب ليحقق فائضاً صافياً في نهاية عام 1992 بلغ حوالي 50 مليون دولار أميركي. يجدر بنا أن نشير إلى ما شهدته السوق النقدية خلال الأسابيع القليلة الماضية من احتقانات غير مبررة اقتصادياً دفعت ببعض من أرادوا استغلال تلك الشائعات أو من تضررت مصالحهم برغبة وتصميم الدولة في العودة إلى ممارسة دورها كحُكم وليست كحكم وكذلك في العمل نحو زيادة نسبة جبايتها وتحصليها لمستحقاتها إلى الضغط على سوق القطع وربما تبعهم بعض من تخوفوا على مدخراتهم إن هي بقيت بالليرة اللبنانية.

 ولكن الدولة وكما شهدتم كانت حازمة في موقفها منطلقة من واقع اقتصادي متحسن بشكل تدريجي ليس في ما يبرر تلك الشائعات أو التخوفات. لذلك فسرعان ما انحسرت تلك الشائعات وعاد سوق القطع إلى طبيعته لا بل وحققت الليرة اللبنانية تحسناً محسوسا إزاء العملات الأجنبية وعادت السوق النقدية تدريجياً إلى الهدوء. بالمقارنة مع سياسة الاستقرار النقدي التي تعتمدها الحكومة يبرز موضوع تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية عند حد معين ثابت وهو عملية غير مشكورة اقتصادياً لكونها عملية غير مبررة اقتصادياً ولا تأخذ بعين الاعتبار كما أسلفنا عوامل العرض والطلب العادية والموسمية ناهيك عن التقلبات الحادة الناتجة عن أسباب ظرفية أو احتقانات سياسية.

 إن هذا الحديث يوصلنا إلى موضوع هام ينبغي علينا أن نلامسه ألا وهو سياسة الاستقراض لدى الحكومة. غن سياسة الحكومة الحالية تأخذ بعين الاعتبار موضوع اللجوء إلى سياسة الاستقراض وتمويل عملية إعادة البناء والإعمار وتمويل المشاريع الإنتاجية. إذ من غير الممكن تمويل خطة الدولة للنهوض الاقتصادي من خلال الموازنة العادية، علماً أن الموازنة، كما ذكرنا، هي في حالة عجز نسعى لتداركه. وهذا ما يجعلنا مضطرين لتمويل عملية النهوض الاقتصادي بوسائل متعددة:

 

  • إما عن طريق الهبات، وهو ما سنستمر في السعي للحصول عليه من خلال اتصالاتنا المتواصلة مع أشقائنا العرب والمؤسسات العربية والدولة المتخصصة والحكومة الصديقة.
  • وإما عن طريق القروض الميسرة لجهة الفائدة وفترة السماح ومدة القروض.
  • وإما عن طريق القروض العادية شرط أن تتلائم شروطها مع طبيعة المشاريع المنوي تنفيذها.

نحن ندرك أنه لاحتواء المخاوف التي يبديها البعض من اعتماد هذه السياسة التي لا بد منها في عملية النهوض الاقتصادي، فإنه ينبغي علينا- وهذا أمر من صلب سياسة الحكومة في هذا الشأن- أن لا نلجأ إلا إلى القروض الطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها كي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. تجدر الإشارة إلى أن سياسة الحكومة تنطلق من حقيقة راسخة بأنها لن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تحقق إنتاجاً وتؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص.

 

أيها الأصدقاء،

 إن هذه المشاكل التي درسناها وبدأنا بوضع معالجات لها واتخاذ التدابير بشأنها قد بدأنا نتلمس إيجابيات تلك المعالجات على كل صعيد. ذلك مما يبشر ببداية مرحلة الانفراج المالي والاقتصادي الذي بدأت تباشيره تظهر وتعكس جواً تفاؤلياً مع تحسن سعر صرف الليرة اللبنانية الذي حقق تحسناً كبيراً خلال الأشهر الثلاثة الماضية بما تزيد نسبته عن 35% بالمقارنة بما وصل إليه سعر صرفها خلال شهري آب وأيلول من عام 1992. وازدادت نسبة التحسن هذه بشكل واضح في النصف الأول من شهر شباط الحالي. ومما يعزز هذه التباشير ما نتبينه بالنسبة لمجموع الإنفاق للدولة خلال شهر كانون الثاني من عام 1993 حيث بلغ 180 مليار ليرة لبنانية وهو مبلغ أدنى مما بلغه حجم الإنفاق خلال شهر كانون الثاني من العام الماضي.

 ولكن الأمر الأكثر أهمية هو أن مجموع واردات الدولة خلال شهر كانون الثاني من هذا العام بلغت ماية وثمانية مليارات ليرة لبنانية بالمقارنة مع 45 مليارا فقط بالنسبة لواردات نفس الشهر من العام الماضي وذلك بزيادة تعادل مرتين ونصف وهذه الزيادة في الواردات قد أدت إلى انخفاض كبير في مجموع العجز المحقق والذي انخفضت نسبته إلى النصف. هذه الإحصاءات يمكن اعتبارها من المؤشرات الأساسية الإيجابية التي تبشر ببداية الانفراج الحقيقي للوضع المالي للخزينة، والتي ستتعزز بشكل أكثر وضوحاً نتيجة الإجراءات التي تتخذها الحكومة لتعزيز وارداتها وتخفيض حجم الإنفاق غير المجدي.

 إن تباشير هذه التحولات الإيجابية في الأداء المالي والاقتصادي لا بد أن تنعكس على كافة المستويات بما فيه استقرار وسلامة الوضع النقدي. بالإضافة إلى ما تقدم فإن الأرقام المتوفرة عن مجموع واردات ونفقات القطاع العام خلال النصف الأول من شهر شباط الحالي تبين لنا بأننا ما زلنا ضمن نفس المعايير التي تحققت خلال شهر كانون الثاني الماضي.

 ومما تجدر الإشارة إليه أيضاً ما سبق ذكره في أن ميزان المدفوعات اللبناني الذي سجل فائضاً ملموساً خلال الربيع الأخير من عام 1992 عوض العجز الكبير الذي حصل خلال الفصول الثلاثة الأولى من العام الماضي، يوحي أيضاً باستمرار تدفق الأموال على الجهاز المصرفي اللبناني، الأمر الذي يضمن استمراراً للفائض في ميزان المدفوعات ويعكس أيضاً سلامة الوضع الاقتصادي وثقة اللبنانيين والعالم الخارجي بمستقبل الاقتصاد اللبناني ودوره الرائد.

 لا بد من الإشارة هنا إلى أن نتائج الجهود التي تبذلها الحكومة لتحريك عجلة الاقتصاد سوف تبدأ بالظهور خلال فترة قصيرة، وان الثقة التي يوليها اللبنانيون والعرب وكذلك المجتمع الدولي ولاسيما المؤسسات الدولية بدينامية ودور الاقتصاد اللبناني والتي تمثلت بشكل واضح كما سبق لي ذكره بالقرض الذي منحه البنك الدولي إلى لبنان بقيمة 175 مليون دولار لتمويل جزء من خطة النهوض الاقتصادي دون قيد أو شرط. إن هذا القرض سوف يشكل حافزا لدول شقيقة وصديقة ولمؤسسات عربية لدعم وتمويل خطة النهوض الاقتصادي التي اعتمدتها الدولة.

 

أيها الأصدقاء،

 إنها لأمانة، وإنها لمسؤولية، مسؤولية عظيمة أقدمنا عليها بقلب ملؤه الإيمان، والثقة، وبعقل منفتح، وبإرادة وعزيمة صلبة وكلها تصميم. فما تطمحون إليه هو بالتحديد ما نسعى إليه، وآمالكم هي آمالنا وأمانيكم  هي أمانينا، ولكنها سوف لن تتحقق إلا بتضامننا وتعاوننا. ونحن ندعوكم إلى المشاركة في مسؤولية إنقاذ الوطن وفي الانخراط معنا في ورشة العمل، ورشة الإنقاذ، ورشة إعادة بناء لبنان لكي يخرج لبنان إلى العالم من جديد أكثر إشراقاً وأكثر عزيمة، واشد تماسكاً وأبهى صورة، وليأخذ دوره الطليعي والحضاري المتجدد في محيطه العربي كما في العالم أجمع. إن الحكومة مصممة على إرساء مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة، مصممة على إنجاح مسيرة التحرير والأمن والسلام والوفاق وإعادة الإعمار في لبنان. إن الحكومة مصممة على النجاح بكم ومعكم ومن أجلكم.

Alumni- 18/12/1993

التاريخ: 
18/12/1993