كلمة الوزير فؤاد السنيورة في إفطار جمعية العناية بالطفل والأم

-A A +A
Print Friendly and PDF

أصحاب الدولة الرئيس سليم الحص،

الرئيس شفيق الوزان،

أصحاب المعالي،

السيدة منى الهراوي،

السيدة نازك الحريري،

السيدة رندة بري،

 من الطفولة حتى الشيخوخة، في خدمة الأسرة اللبنانية، شعار رفعته جمعية العناية بالطفل والأم، وأكرم به من شعار، شعار رفعته وعملت به ومن اجله، ودلت عليه أعمالها وانجازاتها والمؤسسات الصحية والاجتماعية والرعائية والثقافية والمهنية، التي أقامتها وأعلت بنيانها، من المستشفى إلى المستوصفات إلى دار الكرامة للمسنين والمسنات إلى الحضانة إلى المركز الثقافي، إلى مراكز التدريب المختلفة وصولا إلى مشروع المركز الإنمائي والمهني الذي افتتحه مؤخرا دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري ووضع حجر أساسه، صروح إنمائية وتربوية ومنارات إنسانية وحضارية، تبني للإنسان، وتهيئ للمستقبل وتمهد الطريق أمام أطفال لبنان لكي يبنوا بأنفسهم وطنا معافى، على مستوى طموحاتهم، وعلى قدر أمانيهم وأحلامهم.

  أيها السيدات السادة،

 بمثل هذه المؤسسات يعلو البنيان وبمثل هذه المؤسسات تبنى الأوطان، وعلى أكتاف مثل هذه الجمعيات يرتفع ويسمو الإنسان، فلا حدود للعطاء عندما تمتلئ القلوب حبا بالعطاء، ولا حدود للعمل والبناء عند توفر إرادة العمل والبناء، ولا حدود للمحبة إذا ما اغتنت النفس البشرية وتحصنت بالإيمان والشعور الإنساني وحب الغير. إن مجتمعا فيه بررة تحتضن وترعى أطفاله وتحنو على الأمهات وترحم الآباء هو مجتمع حي لا يموت وهو مجتمع قادر على أن يقوم بمهمة بناء وطن سليم ومعافى بوركت تلك الأيدي التي تضع في أيدي أطفالنا وشاباتنا وسيلة شريفة للعيش، وتنير أمامهم طريق المستقبل، وتضيء شموعا في زوايا البيوت والدروب المعتمة والمظلمة. إن ثمرة هذا العمل لا تضيع، فما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عن الله، والله لا يضيع اجر من أحسن عملا، ولان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره فكيف بمن ينهض بمجتعمه، إنها نموذج لأصحاب الإرادات الطيبة، نموذج لجماعات آثرت العمل على إعلاء كرامة الإنسان والرحمة بالإنسان، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بحضانة أطفالنا ورعاية أمهاتنا وآبائنا، وهل من عمل أنبل واشرف من رعاية الأطفال والبر بالوالدين. إن ما تقومون به يعتبر مثلا يحتذى في العمل الدؤوب والخلاق في مواجهة التحديات ومصاعب الحياة، ويعطينا الدرس تلو الدرس، بأن ما من عمل جاد ومخلص إلا ويؤدي ثماره، ولو بعد حين، إذا اتسم بالصبر والعزيمة والأناة.

 إن مثل هذا الاتجاه في العمل الاجتماعي والرعائي الذي تقوم به جمعيات كمثل جمعية العناية بالطفل والأم وعلى رأسها السيدة الفاضلة حسانة الداعوق وكمثل مركز الرعاية الدائم الذي أنشأته السيدة منى الهراوي، والجمعية اللبنانية لرعاية المعاقين التي ترعاها السيدة رندة بري قد احدث مفهوما جديدا في العمل الاجتماعي، ونقلة توعية في العمل التطوعي والرعائي في المجالات الخيرية والإنسانية، أساسه التضامن والتكافل وحب الخير، ويجب أن نتطلع إلى الكثير من هذه الأعمال في مؤسساتنا الأهلية لأنها نموذج للتكافل الاجتماعي والتضامن الوطني.

       في خضم الحرب كنتم مشاعل الحرية والإنسانية ورسل السلام والمحبة، وبذور الخير التي زرعها الله في قلوب الناس. في غياب الدولة سارعتم وبادرتم لنصرة الإنسان، والأخذ بناصية الضعيف والمحتاج، وتوفير علم نافع لأطفالنا وشاباتنا، علم يقيهم شر الفقر، وذل السؤال، ومرارة العوز، وظلمة الطريق.

 ولا أريد أن يفهم من ذلك أن تكون هذه المؤسسات والجمعيات بديلا عن الرعاية التي تقدمها الدولة، ولا يجب أن تكون. فالدولة معنية بالرعاية الاجتماعية على مختلف أشكالها، ولا تستطيع أن تتخلى عن هذا الدور، فهذا جزء من دورها الأساسي في بناء الإنسان وتوفير سبل الحماية والحياة الحرة والكريمة له. فالحرب اللبنانية طرقت بمآسيها كل باب ولم توفر مواطنا وعائلة أو منطقة إلا وأصابتها بشراراتها، وأحدثت فيها دمارا وخلفت فيها جروحا. وواجب الدولة، وواجبنا، لا يقتصر فقط على إعادة البناء والاعمار والنهوض الاقتصادي، بل جهودنا تنصب أكثر، ويجب أن تنصب، على بناء الإنسان، الإنسان الطموح المنتج والقادر والمتوثب والمتعالي على الجراح. واجبنا أن نقتل في إنساننا الشعور باليأس والإحباط، واجبنا أن نحيي فيه الأمل، أن ننفح فيه روح الإقدام والقتال والنضال من اجل المستقبل ليتمثل من جديد بشرا سويا، واجبنا أن نطلق له العنان، أن نحرره من القيود والعقد التي تشده إلى الماضي القابع في ظلمات التاريخ، وان نشرع أمامه أبواب المستقبل، عريضة، زاهية بلا حدود، وانتم مشاركون معنا في هذا الواجب، وإننا في نفس الوقت لا نريد أن نأخذ دوركم أو نعمل لنحل محلكم، بل إننا راغبون وعازمون على تدعيم وجودكم كمؤسسات أهلية تساهم مساهمة فعالة في بناء المجتمع والدولة.

 وانتم ضرورة للوطن، انتم ضرورة للمجتمع، بكم يقوى، بكم ينهض. منكم نتعلم المسؤولية، ومنكم نتعلم المواطنية، ومنكم نستلهم إرادة الحياة. المسؤولية كما نفهمها ونمارسها خدمة لاجاه، المسؤولية عمل لا تواكل، المسؤولية تواضع لا تفاخر، المسؤولية نكران للذات وترفع عن الصغائر، ولن نتوانى عن القيام بمسؤولياتنا، لن نتوانى عن القيام بواجباتنا، سنعمل على أن نمسح الدمعة عن العيون الحزينة، سنعمل على إعادة البسمة إلى قلوب أتعبها الحزن وأضناها العذاب، وأثقلت عليها هموم الحياة، سنعمل على إعادة عجلة الحياة والاقتصاد إلى الدوران لكي لا يبقى شاب أو شابة دون عمل، سنعمل على القضاء على آفة الفقر والجهل والمرض، ونرى فيكم خير نصير وخير معين في مهمتنا بل في رسالتنا هذه، ونجاحنا رهن بتعاونكم ومشاركتكم، وهو بالنتيجة نجاح للوطن، نجاح لكم لأنه يعنيكم ويعني كل فرد من أبناء الوطن.

  وإننا أيها السادة لجادون في هذه الحكومة في عملية الإنقاذ، ولكن مسيرتها طويلة. وإننا نحرث ونزرع ونحيي من جديد أرضا أحرقتها الحرب بنارها وأماتت ما فيها من خصب وحياة، وعلينا أن نتحلى بالصبر لنحصد ثمرة هذا الزرع. إن اقتناعنا نحن أبناء هذا الوطن وأصحاب القضية، بمسيرة الإنقاذ وضرورتها والعمل على إنجاحها هو الذي يقنع الآخرين، خصوصا أولئك الذين نطلب عونهم ومساعدتهم، وقد عملنا الكثير لاستعادة ثقتهم بنا، إنها مسيرة شاقة وطويلة وتحتاج إلى وقت وجهد استثنائي، كما تحتاج إلى صبر وأناة وتضحيات وتضامن وجهود كل المواطنين، وترفع عن المصالح الشخصية والأنانيات الفردية والحسابات الضيقة وأنا بمسيرة التحرير والإنقاذ والبناء والاعمار لمقتنعون ولها لعاملون، إنها مسؤولية، وإنها لأمانة، وإنا والله لها لحافظون.

 

أيها السيدات السادة،

 يا أطفال لبنان، انتم نور الحياة، انتم اشراقة المستقبل انتم بهجة القلب وزينة الحياة، انتم فجر لبنان الجديد الذي ننتظر... ويا أيها الأمهات انتم لمسة الحنان التي تدفئ قلوبنا وتبعث الحياة في نفوسنا....

 يتهادى الجسد، يذوي ويذبل، يهن العظم ويشتعل الرأس شيبا، وتأبى شعلة الحب إلا أن تبقى في قلوب الأمهات. لا تنطفئ شعلة الحب في قلوب الأمهات.... يسأم الجسد المتعب من ذاته، يبلغ من الكبر عتيا، وينبض القلب فيه وينتفض، يرتعش، ينفعل مع الأطفال، مع الأبناء والأحفاد، في حالات الحزن والفرح، ونقف عاجزين عن إدراك كنه وسر الحياة، سر هذا الشباب، سر هذا الصبا للحب في الجسد المنكسر، المطوي والمنطوي على ذاته، ونحتار ونسائل النفس عن هذا السر، والجواب ليس عندنا، الجواب عند من يعلم السر وأخفى... نعم انه سر الحياة، انه سر الوجود، سر الوجود كامن في قلوب الأمهات، كل العواطف والأحاسيس تبرد، تموت مع الزمن، يطويها الزمن طي السجل للصحف، وعواطف الأمهات، شعلة الحب في قلوبهم لا تنطفئ، لا يطويها الزمن، تبقى الأم اشراقة الفجر في ليل الدجى، تبقى نور الحياة، غسق الليل، سكينة النفس، والأب هدأة الحياة، وانسياب البحر على حبات الرمال العطشى. أليس جديرا بنا أن نعطي لأمهاتنا وأطفالنا السلام والطمأنينة، ونجعلهم في ضمائرنا وملأ سمعنا وأبصارنا، وان نوفر لهم حياة حرة كريمة وان نبني لهم وطنا يسكنون إليه، وطن سلام وأمان.

 قرة العين انتم يا أطفالنا ويا أمهاتنا وآباءنا، البر بكم صلاة، والتقرب إليكم تسبيح، ونيل رضاكم تعبد، ودعواتكم زاد لنا في الحياة وبعد الممات.

 "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، أما يبلغن عندك الكبر احدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا."

 صدق الله العظيم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بيروت في 17 شباط 1994

فــؤاد الســنيورة

التاريخ: 
17/02/1994