كلمة الوزير فؤاد السنيورة الوضع المالي ومستقبل الاقتصاد اللبناني

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 

يسعدني أن اطل عليكم من على منبر جامعة بيروت العربية، هذه الجامعة التي كان وجودها وافتتاحها في أوائل الستينات في العاصمة بيروت حدثا تاريخيا أضاف إلى المنارات الجامعية والحضارية التي تسطع في سماء بيروت منارة جديدة كان لها أطيب الأثر في النفوس وكان لها فضل الإسهام إلى جانب الجامعات الأخرى، في جعل لبنان مركزا ومنارة للعلم يتوافد إليه الطلاب من كل حدب وصوب لتلقي العلم في مختلف الاختصاصات، وعلى أعلى المستويات، بحيث بات لبنان، بحق جامعة العرب، دون منازع. افتتحت جامعة بيروت العربية في خضم مشاعر عارمة بالعروبة والتي لم تكن مجرد شعار للتعبير عن هوية أو انتماء بل كانت العروبة تعني التزاما بالقضايا العربية وبالتضامن العربي وتنطلق من شعور أصيل وإيمان عميق بالفكرة العربية وما تمثله من معاني الأخوة والتعاون والتضامن.

 

ولا يمكنني أن أتكلم من على منبر هذا الصرح العلمي الحضاري، دون أن أتوقف مليا عند ما قدمته هذه الجامعة للعديد من أبنائنا اللبنانيين ومن الطلاب العرب أيضا من خدمات جلى بفتحها أبواب العلم إمامهم وإعطاءهم فرصة لمتابعة تحصيلهم العلمي، في وقت كانت أبواب التحصيل الجامعي لا تتسع لاستيعابهم إذا لم نقل أنها كانت مغلقة في وجههم. ومنذ ذلك الوقت وجامعة بيروت العربية تتطور وتتسع وتزدهر وترتقي في سلم العطاء الجامعي ليشمل نشاطها مختلف العلوم الإنسانية والعلمية بفضل رجالات واكبوا نهضتها وتناوبوا على إدارتها، وبفضل مجموعة من الأساتذة المتميزين والإداريين النشيطين المتفانين في خدمة هذه الجامعة بحيث أصبحت صرحا علميا ووطنيا يساهم في بناء الوطن وتقدمه وتطوره.

 

وانتهز هذه الفرصة لأتقدم بالشكر إلى المسؤولين في هذه الجامعة الذين دأبوا منذ وقت ليس بالقصير على تنظيم ندوات ومحاضرات في قاعة جمال عبد الناصر، تناولت معظم القضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه لبنان في هذه المرحلة الصعبة من تاريخه، والتي تساهم في إلقاء الضوء على هذه المشكلات وتقديم الآراء والمقترحات القيمة التي تساعد في بلورتها وحلها، وتنير الطريق أمام المسؤولين في معالجتها، ولعل الموضوع الذي نتناوله اليوم يشكل إحدى الحلقات الهامة في سلسلة الهموم والقضايا الشائكة التي تعكف الحكومة على معالجتها، وهو موضوع الوضع المالي ومستقبل الاقتصاد اللبناني، وسأتناول هذا الموضوع من زوايا ثلاث: الوضع المالي عشية تشكيل حكومة الرئيس الحريري، الوضع المالي في حاضره، وأخيرا مستقبل الاقتصاد اللبناني.

 

أولا:  الوضع المالي عشية تشكيل الحكومة الحالية:

 

تسلمت الحكومة الحالية مهامها بعد مرحلة صعبة من عدم الاستقرار الاقتصادي وفي أجواء مالية ضاغطة وتدهور للعملة الوطنية ترسبت كلها نتيجة عوامل عدة. فالاقتصاد اللبناني عانى خلال فترة الأحداث الطويلة من دمار هائل طال بنيته التحتية ومؤسسات القطاعين العام والخاص وخسائر مباشرة قدرت  بما لا يقل عن 25 مليار دولار. كما انه عانى من خسائر كبيرة في طاقاته البشرية والمالية إذ أن الأحداث التي استمرت سبعة عشر سنة أدت إلى هجرة العديد من الطاقات البشرية وأحجام الاستثمار في كل من القطاعين العام والخاص الأمر الذي تسبب بإضعاف الطاقة الإنتاجية المحلية. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى انخفاض حاد ومستمر في مستوى إجمالي الناتج المحلي وبالتالي في مستوى معدل دخل الفرد اللبناني.

 

ولقد كان لاستمرار الأحداث وشمولها كافة المناطق دورا أساسيا في زعزعة الاستقرار الاقتصادي مما أدى إلى إضعاف الثقة بالعملة الوطنية. كما كان لغياب مؤسسات الدولة وعجزها عن جباية وارداتها وتسارع وتيرة الإنفاق الحكومي نتائج سلبية تمثلت في تعاظم مستمر في عجز موازنة القطاع العام. وبهدف تمويل هذا العجز لجأت الدولة إلى الاقتراض الداخلي ، أولا عن طريق إصدار سندات خزينة ذات معدلات فوائد مرتفعة بهدف جذب المدخرين والمصارف للاكتتاب، وثانيا عن طريق الاقتراض من مصرف لبنان الأمر الذي أدى إلى زيادة كبيرة في الكتلة النقدية نتج عنه ارتفاع كبير في معدلات التضخم وانخفاض في قيمة العملة الوطنية . هذه التطورات الاقتصادية السلبية مضافا إليها استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي ادخلا الاقتصاد في حلقة مفرغة بدأت بعجز في موازنة القطاع العام ممول بطريقة تضخمية ولاسيما من مصرف لبنان، أدت إلى إضعاف الثقة بالعملة الوطنية وبالتالي إلى مزيد من دولرة الاقتصاد وتدفق الرساميل إلى خارج لبنان. وازدادت الأحوال الاقتصادية سوءا مع قرار الزيادة الكبيرة في أجور ورواتب موظفي القطاع العام في نهاية عام 1991 قبل تامين موارد إضافية للخزينة. وقد كان لهذا القرار دورا هاما في التسبب بعدم الاستقرار النقدي والاقتصادي. نتيجة ذلك اضطر مصرف لبنان في نهاية عام 1991 وبداية عام 1992 إلى التدخل في سوق القطع لدعم صرف العملة الوطنية، إلا انه ما لبث أن توقف عن تدخله في تلك السوق بعد أن خسر قرابة 450 مليون دولار  من احتياطيه الأمر الذي نتج عنه تدهور إضافي وحاد في سعر صرف العملة الوطنية حتى بلغ سعر صرف الدولار الأميركي 2830 ليرة لبنانية في بداية أيلول 1992.

 

في ضوء هذه التطورات الاقتصادية السلبية بدا واضحا وجليا للحكومة الحالية بان إعادة الثقة والاستقرار للاقتصاد اللبناني وإخراجه من الحلقة المفرغة للتمويل التضخمي والدولرة وعدم استقرار سعر صرف العملة الوطنية يشكل التحدي الرئيسي في هذه المرحلة، كما انه يشكل  وبنفس المقدار المدخل الصحيح لإعادة تفعيل الدورة الاقتصادية وخلق الجو المؤاتي للنمو الاقتصادي القابل للاستمرار الذي من شانه أن يساعد على استقطاب إمكانات القطاع الخاص والدعم الخارجي وتوجيهها نحو ورشة الاعمار . هذا علما أن إعادة الثقة بالعملة الوطنية واستقرارها يعتبر حجر الزاوية في هذه السياسة.

 

ولقد وعت الحكومة وأدركت منذ البداية مقدار الصعوبات التي ستواجهها وعكفت منذ اللحظة الأولى على دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وبدأت بوضع برامج لمعالجة هذه الصعوبات والمشاكل.

 

وكان هاجسها الأول استعادة ثقة العالم بلبنان، فانكبت على الاتصال بالدول الشقيقة والصديقة، وبالمؤسسات العربية الدولية المالية التي انقطعت عن التعامل مع لبنان بسبب أوضاعه المالية والاقتصادية، وظروفه الأمنية والسياسية، انقطاعا كاملا، وأردفت خطوتها تلك بتعزيز الوضع الأمني والسهر على مسيرة الوفاق والسلام في البلاد. ولم يفتها ما للإدارة من أهمية في بناء الدولة الحديثة، فعملت على البدء بإصلاح الإدارة وتفعيلها وبنائها على أسس من الكفاية المهنية والخلقية وتوجيه الإدارة للعمل في خدمة المواطنين وزيادة الإنتاجية وتجهيزها بوسائل العمل الحديثة وتحسين أدائها وان كنا لا نزال في بداية الطريق. كما عملت على البدء بإعادة تأهيل العاملين في الإدارات، واهتمت بأوضاعهم المعيشية بأسلوب علمي واقتصادي مدروس يؤدي إلى التخفيض من أعباء المعيشة ويحسن من القوة الشرائية لدخلهم ويجنبهم الدخول في حلبة السباق التي لا تنتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى.

 

ولا بد من التأكيد هنا أن الإصلاح الإداري مسار طويل وعملية متكاملة ترتبط بسلسة متتابعة من الإجراءات تبدأ بحسن اختيار الموظفين وتأمين الأمكنة الملائمة والمناسبة للعمل، واختصار الإجراءات الإدارية وتطوير أساليب العمل وتوفير وسائله، ولاسيما المكننة، وضمان حقوق الموظف وتوفير سبل الحياة الكريمة له، وتعزيز أجهزة الرقابة، علما أن الرقابة ليست بديلا عن حسن الإدارة وان كانت ضرورية لضبط العمل الإداري وحسن سيره، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، بحيث يبقى الموظف الكفؤ وتتحرر الإدارة من العناصر غير المنتجة، وقد يكون في تحريك عجلة الاقتصاد خير وسيلة لامتصاص جزء كبير من البطالة المقنعة التي تشكو منها الإدارة.

 

ولقد سعت الحكومة إلى وضع نظام جديد للضرائب يأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يعاني منها ذوي الدخل المحدود ويكون أيضا حافزا للاستثمار ومشجعا للإنتاج وموفرا لأقصى درجات المردودية للمشاريع المقامة في لبنان وذلك من خلال تخفيض الضرائب والرسوم.

 

وان مشروع قانون ضريبة الدخل الذي اقره مجلس النواب منذ أشهر قليلة خلت يلحظ خفضا هاما على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح الشركات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية من حوالي 40% بالمئة كحد أقصى إلى حوالي 10% بالمئة كحد أقصى ودون أية إضافات، في حين جرى خفض الضريبة على شركات الأموال من 26% بالمئة إلى 10% بالمئة مقطوعة ودون أية إضافات، و5% بالمئة عند التوزيع بدلا من اثني عشرة بالمئة، كما احدث تبسيطا كبيرا في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى. كما لحظ القانون أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة بما فيها العقارات التي هي موضوع متاجرة والأسهم وسندات الدين وحصص الشركات في المؤسسة وطريقة التكليف عن الفروق الناتجة عن إعادة التقييم بحيث تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5% بالمئة على هذه الفروقات.

 

والفكرة من وراء هذا القانون هي توخي عدالة ضريبية وتشجيع الاستثمار وزيادة مداخيل الخزينة، وذلك من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة إمكانياتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين الذين يدخلون سوق العمل كل سنة. وترى الحكومة أن هذا القانون سيزيل عن كاهل ذوي الدخل المحدود أعباء كبيرة ويؤدي إلى زيادة حقيقية في دخلهم، كما انه سيوفر فرصا مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى، ويدفع بالنتيجة بعجلة الاقتصاد اللبناني إلى الإمام. هذا فضلا عن إن مجلس النواب يعكف حاليا على دراسة مشروعي قانونين سبق للحكومة أن تقدمت بهما ويتناولان ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال، واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية ووفقا لنفس الأسس التي اعتمدت في قانون ضريبة الدخل.

 

كما اهتمت الحكومة بتصحيح معدلات الرسوم غير المباشرة، وهي الرسوم التي تستوفى من المواطنين مقابل الخدمات التي تقدم إليهم، وعند طلب هذه الخدمات فقط، بحيث تنسجم مع واقع الأسعار وتدني قيمة العملة الوطنية خلال الأحداث، وقد اعتمد في زيادة هذه الرسوم التي أثارت ضجة غير مبررة، في الجدول رقم 9 الذي اقر مع موازنة 1993 المبادئ الآتية:

  • تعديل بعض الرسوم القديمة التي لم تعد تتلاءم مع قيمة النقد اللبناني الحالية.
  • تأمين تغطية جزئية لبعض اكلاف الخدمات التي تؤديها الإدارات العامة.
  • تأمين بعض الموارد للخزينة ولمشاريع إنمائية محددة كمشروع تأهيل وتوسيع مطار بيروت الدولي والطرق المؤدية له. وقد زيدت هذه الرسوم بما يتلاءم مع قدرة المواطنين على تحملها حيث يقع العبء الأكبر منها على القادرين وليس على ذوي الدخل المحدود.
  • اعتماد مبدأ الزيادة في الحالات التي لا يلجأ فيها المواطن لطلب خدمة من الإدارة العامة إلا لمرة واحدة أو مرات محدودة في السنة كرسم الميكانيك على السيارات ورسم جوازات السفر.

 

 

 

كما عدلت أيضا تعرفات بعض الخدمات، خارج إطار الجدول رقم 9 المعد من قبل وزارة المالية، وذلك من قبل الإدارات المختصة بتقديم هذه الخدمات، كرسوم الكهرباء والماء والهاتف، بما يخفف بصورة تدريجية العبء على الموازنة العامة عن طريق الدعم لهذه الخدمات.

 

وقد اهتمت الحكومة أيضا بتعزيز وتطوير إدارة الجمارك من اجل تحسين واردات الدولة من خلال إعادة النظر بالتعرفة الجمركية وذلك لجهة تبسيطها وضبط عملية استيفاء الرسوم ومراعاة وضع المستهلك اللبناني ودعم وتشجيع الصناعات اللبنانية لتحسين أداء القطاع الصناعي ولاسيما الصناعات القابلة للتطوير وتلك التي لديها قيمة مضافة هامة في لبنان ضمن ضوابط تؤمن الحماية المطلوبة للصناعة الوطنية بحيث تمنحها القدرة التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية.

 

وقد وضعت الحكومة في أولى اهتماماتها وأهدافها ومنذ البداية تخفيض عجز الموازنة، فسعت إلى ضبط النفقات وترشيدها وخطت خطوات على طريق الإحجام عن الإنفاق غير المجدي لتتوجه إلى الإنفاق الاستثماري. وكل المؤشرات تدل على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. والتحدي الكبير لايزال يكمن في التوفيق بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطن وترشيد الإنفاق، وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجيا وخلال السنوات القادمة تمهيدا لإلغائه من جهة، وبين تحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة ثانية. أي أن علينا أن نوفق بين سياسة التقشف وشد الحزام لتحقيق هدف تخفيض عجز الموازنة، وسياسة الإنفاق التي تقتضيها عملية النهوض الاقتصادي. ويزداد هذا التحدي حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة، ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي وبند الرواتب والأجور لعام 1994 قد شكلا ما يقارب 60% من مجموع الموازنة.

 

هذا بعض ما قامت به الحكومة من جهود على صعيد الوضع المالي والاقتصادي والتي هدفت من ورائها، وتمكنت إلى حد بعيد من إعادة الثقة بالأوضاع المالية والاقتصادية في البلاد والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي مما شجع الدول والمنظمات والمؤسسات المالية الدولية على تقديم المساعدات والقروض إلى لبنان، كما شجع أصحاب رؤوس الأموال اللبنانيين والأجانب على العودة للاستثمار في لبنان، ومما جعل هؤلاء يطمئنون إلى تحسن الأوضاع المالية والاقتصادية الحالية في البلاد، والآن ما هي صورة وحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الحالي؟

 

ثانياً:صورة وحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الحالي:

 

لقد نجحت الحكومة، منذ تاريخ تشكيلها حتى اليوم وبفضل الجهود التي بذلتها في تحقيق عدة أهداف أهمها:

 

إعادة الثقة بالعملة الوطنية، تحقيق تراجع تدريجي لحدة الدولرة، إعادة تعزيز احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة، وتحسين مستوى إدارة المالية العامة والجباية بالإضافة إلى الخفض التدريجي لمستوى الهدر. و بذلك بدأت عجلة الاقتصاد اللبناني تتحرك خلال عام 1993 ، فالتقديرات تشير بان معدل النمو خلال عام 1993 كان ما بين 6-8 % وهذا يعتبر معدل نمو مرتفعا إذا ما قيس بمعدلات النمو المتحققة في الكثير من بلدان العالم خلال العام 1993، هذا وتتوقع الحكومة  تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال العام الحالي  كنتيجة للخطوات الايجابية التي تم اتخاذها، منها مسح الأضرار وتحضير دفاتر الشروط والتلزيم للكثير من المشاريع.  إلى جانب ذلك، إن الاستقرار النقدي والمالي وتعزيز الثقة بالاقتصاد اللبناني أديا إلى تخفيض حدة الدولرة في الاقتصاد اللبناني.  فقد تحسن سعر صرف العملة الوطنية بنسبة 40 بالمئة عما كان عليه سعر صرفها في أيلول 1992، كما تضاعفت نسبة الودائع بالعملة الوطنية إلى حجم الكتلة النقدية بحيث ارتفعت من 18.3% في نهاية أيلول 1993 إلى 37.7% في 20 كانون الثاني 1994، أي بزيادة قدرها 106%.

 

ومن اجل تحريك عجلة الاقتصاد أيضا اتبعت الحكومة سياسة الخفض التدريجي لمعدلات الفوائد على سندات الخزينة وعلى الودائع المصرفية بالعملة اللبنانية والعملة الأجنبية وذلك لتحقيق التوازن ما بين هدفي تعزيز الاستقرار النقدي وتفعيل الاقتصاد. والجدول التالي يظهر الانخفاض الجاري على معدلات الفوائد بالليرة اللبنانية على سندات الخزينة ما بين شهر آب 1992 وشهر كانون الأول 1993:

معدلات الفوائد

الفوائد

 

 

 

3 أشهر

6 أشهر

سنة

سنتان

آب 1992

34

35

34

33

كانون الأول 1993

17

19

20.8

22

 

 

كما سجل ميزان المدفوعات فائضا صافيا قدره 1137 مليون دولار أميركي حتى نهاية سنة 1993 مقارنة مع عجز وقدره حوالي 500 مليون دولار أميركي خلال التسعة أشهر الأولى من عام 1992 والذي تحول إلى فائض صافي وقدره 50 مليون دولار أميركي نهاية العام 1992 نتيجة الثقة التي اوحتها الحكومة عقب تأليفها في نهاية عام 1992 .

 

أما سياسة ترشيد النفقات وتحسين الجباية فقد أدت إلى انخفاض فعلي في عجز الموازنة المحقق لدى القطاع العام من أكثر من 56% بالمئة من إجمالي الإنفاق العام عام 1992 إلى حوالي40% عام 1993. هذا مع العلم بان جزءا من نفقات عام 1993 هي متأخرات تراكمت عن أعوام سابقة تم دفعها خلال العام 1993.  إن حجم  الدين العام الداخلي قد وصل في نهاية عام 1993 إلى حوالي 5100 مليار ليرة لبنانية. أما حجم الدين الخارجي القائم في نفس التاريخ فقد بلغ حوالي 375 مليون دولار أميركي. إن الحكومة تعي أهمية الحد من ارتفاع الدين العام الداخلي وتسعى إلى خفض عجز الموازنة تدريجيا وذلك بهدف السيطرة على معدلات نمو الدين العام الداخلي حفاظا على الاستقرار المالي والنقدي. ولان الحاجات المحقة تتعدى بشكل كبير ما هو متوفر من موارد لذلك لا بد من تحديد الأولويات والإصرار على الإنفاق المنتج وزيادة واردات الدولة.

 

وفي مقارنة لأرقام واردات الخزينة خلال العام 1993 مع الفترة ذاتها من العام 1992 أظهرت الإحصاءات أن حجم الواردات خلال العام 1992 بلغ حوالي982 مليار ليرة لبنانية مقابل 1792 مليار ليرة لبنانية للفترة ذاتها من العام 1993 أي بزيادة قدرها حوالي 810 مليار ليرة لبنانية ونسبتها  82.5%، وهذه الزيادة نتجت عن تحسين وضبط الجباية وليس عن طريق زيادة الضرائب أو الرسوم خلال عام 1993.

إن نجاح الحكومة في تدعيم أسس الاستقرار المالي والنقدي خلال العام 1993 سمح لها بان تخصص جزءا اكبر من اهتمامها ومواردها لإنعاش الاقتصاد وتنشيط حركة الإنماء والاعمار. فمن المتوقع أن يصل مستوى الإنفاق الاستثماري والإنمائي في العام 1994 إلى حوالي 1700 مليار ليرة لبنانية علما أن مشروع الموازنة لا يعكس كليا هذا الإنفاق الإنمائي والاعماري، فهناك برنامج النهوض الاقتصادي المرتقب تمويله بواسطة المساعدات والقروض الميسرة والتجارية (حوالي 1000 مليار خلال العام 1994 ) التي تبقى خارج إطار الموازنة بالمفهوم الضيق للموازنة وان كانت تصب بالنتيجة في الإطار الأوسع للإنفاق العام . إن الإنفاق العام بمفهومه الواسع (أي مجموع اعتمادات مشروع موازنة عام 1994 والإنفاق الإنمائي المرتقب ضمن خطة النهوض الاقتصادي ) يتوزع على العناوين الرئيسية التالية:

 

- 36% للنفقات الجارية يقابلها حوالي 40% في عام 1993

- 28% لنفقات الديون المتوجبة الأداء يقابلها حوالي 45% في عام 1993%

- 36% لنفقات الإنماء والاعمار يقابلها حوالي 15% في عام 1993

 

كما  أن الحكومة الحالية أولت اهتمامها بالقضايا الاجتماعية إذ أن الاعتمادات المقترحة في مشروع موازنة عام 1994 للقضايا الاجتماعية بما فيها التربية بلغت 1541 مليار ليرة لبنانية أي حوالي  38% من إجمالي الموازنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الزيادة في  الإنفاق الاجتماعي ما بين موازنة 1993 وموازنة 1994 يتعدى 40% وإذا ما جمعنا المبلغين فإن مجموع الإنفاق الاجتماعي في الموازنتين يعادل 2627 مليار ليرة لبنانية أي ما يفوق الخمسة إضعاف ما كان عليه المجموع في موازنة 1992.

 

إن مشروع موازنة عام 1994 يرمي إلى تقليص العجز العام في الموازنة من 50% وهو ما كان عليه في مشروع موازنة 1993 إلى 45% كما هو مقدر له في موازنة 1994 في حين أن العجز الفعلي المحقق في عام 1992 قد تجاوز 56%. ومن المنتظر أن تغطي الواردات العادية في عام 1994 أكثر من 67% من إجمالي النفقات العادية مقارنة مع ما كانت عليه هذه النسبة في مشروع موازنة عام 1993 والتي بلغت 58%. وكما جرت الإشارة إليه آنفا فإن الأرقام المتوفرة لسنة 1993 تشير إلى انخفاض في العجز الكلي والأولي نسبة إلى إجمالي النفقات من 56.2% إلى 40% ومن 33.2% إلى 14.5% على التوالي بالمقارنة مع العام الماضي.

 

إن الاستقرار النقدي والمالي الذي تمكنت الحكومة من تحقيقه خلال العام المنصرم والذي سيتعزز مستقبلا من خلال المضي في سياسة التخفيض التدريجي للعجز يشكل المدخل الصحيح ويدعم الإجراءات المتخذة من اجل تفعيل الاقتصاد وتحقيق نمو متواصل وقابل للاستمرار.   ويتضح أيضا بان التخفيض التدريجي للعجز في الحساب الجاري، أي الفرق ما بين النفقات العادية والواردات العادية، يشكل الخطوة الأولى في استعادة الدولة عافيتها المالية وهو ما سيسمح على المدى المتوسط من تحقيق وفر في هذا الحساب مما سيتيح للحكومة أن تمول جزءا من نفقاتها الإنمائية من خلال مواردها الذاتية . إن سياسة تقليص العجز التي تتبعها الحكومة سوف تؤدي إلى انخفاض في أسعار الفائدة والذي من شأنه تخفيف أعباء الدين الداخلي وبالتالي المساهمة في تدعيم أسس الاستقرار النقدي والمالي، مما سيتيح للقطاع الخاص زيادة مشاركته في الدورة الاقتصادية وورشة الإنماء والاعمار.

 

إن هذه الخطوات الأساسية اللازمة كان لابد منها للانطلاق بعملية النهوض الاقتصادي تمهيدا لإرساء قواعد مستقبل الاقتصاد اللبناني على أسس علمية سليمة متطورة ومدروسة تتماشى مع روح العصر ومتطلباته وتواكب ركب الحضارة المتنامي. فما هي مرتكزات الاقتصاد اللبناني وما هي رؤيانا لمستقبل هذا الاقتصاد؟

 

ثالثاً:مستقبل الاقتصاد اللبناني :

     

على الرغم من هذه الصورة الواقعية التي قد تبدو للبعض قاتمة، للوضع المالي والاقتصادي، ولإمكانية بناء اقتصاد سليم واستعادة دور لبنان المالي والخدماتي في المستقبل المنظور، في ظل التحديات المرتقبة، فإننا لعلى ثقة بأن لبنان قادر على استعادة دور اقتصادي له في المنطقة العربية، مع وعينا الكامل للصعوبات القائمة والشروط الملائمة والضرورية المطلوب توفيرها، على كل الأصعدة وخاصة الأمنية منها والسياسية والمالية، إلا أنني أريد أن أؤكد لكم أننا في ما نبشر به، لا ننطلق من فراغ، ولا نعلل النفس بآمال كاذبة أو بأحلام واهية، وذلك لأن لدى لبنان مرتكزات أساسية ودعائم ثابتة تشكل الأرضية الصالحة لبناء اقتصاد سليم وقوي يكون له دوره الفاعل في المنطقة.

     

وهذه المرتكزات- الدعائم تتمثل بموقع لبنان الجغرافي وعراقة اقتصاده الحر، والتزامه بمبدأ حرية الصرف وقانون السرية المصرفية، واحترام الملكية الفردية وانفتاحه على العالم بكافة ثقافاته وحضاراته وتشبثه بالحرية والديمقراطية فضلا عن كفاءة أبنائه وحيويتهم وقدرتهم الفريدة على التكيف مع الظروف والأوضاع المستجدة، وشبكة المصارف والخبرات والعلاقات التي بنيت في الحقبة الماضية والحاضرة، مضافا إليها التفاعل الايجابي البناء مـا بين جهود القطاعين العام والخاص، واحترام لبنان لكافة التزاماته المالية وغير المالية، هذه المرتكزات الأساسية تشكل ميزات تفاضلية تجعلنا إذا ما أحسن استغلالها، قادرين على إعادة نبض الحياة للدورة الاقتصادية والى بناء اقتصاد متين يؤهل لبنان للعب دور متطور ونام في محيطه العربي والدولي، والى بناء لبنان الجديد الذي يرغب اللبنانيون ويطمحون إلى رؤيته على عتبةالقرن الواحد والعشرين.

 

ولكننا على وعي تام أيضا أن هذه المرتكزات غير كافية وحدها لبناء اقتصاد سليم بل لا بد من أن تترافق مع عمل دؤوب وجهود جبارة لتعزيزها من خلال:

 

  • تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي
  • إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزاحة العقبات أمام المستثمرين بشكل يكفل وضع لبنان على نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من اجل اجتذات رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية
  • إعادة بناء البنية التحتية
  • مشاركة اللبنانيين في عملية النهوض الاقتصادي وعملية إعادة البناء والاعمار.

 

وإذا كانت الحكومة قد خطت خطوات واسعة في تحقيق الأمن والاستقرار المالي والنقدي وتوفير التشريعات المالية الملائمة للاستثمار وتوظيف الأموال في لبنان وتسهيل وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية، فهي تدرك أن الاستثمار وبدء عملية النهوض الاقتصادي بحاجة إلى بنية تحتية وتوفير خدمات متنوعة وقد دأبت الحكومة على وضع مخططات إعادة بناء البنى التحتية وتطويرها لكي تلبي حاجات لبنان المستقبلية وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات العشر القادمة، يهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك وتطوير المطار والمرافئ، كما يهدف إلى تأمين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. وان الكلفة المقدرة لهذا البرنامج بمعزل عن الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص خلال هذه الفترة هي بحدود العشرة مليارات دولار أميركي إضافة إلى مليار دولار للتسليفات لقطاع الإسكان وللقطاعات الإنتاجية، كما يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل والمسار الذي تريد أن تسلكه.

 

وسيتم تمويل هذا البرنامج الانفاقي التنموي من المساعدات والهبات ومن الاقتراض الداخلي ومن الاقتراض الخارجي الذي سيكون على شكل قروض ميسرة وقروض خارجية، وكذلك من وفر الموازنة الذي نسعى إلى تحقيقه.

 

ونحن ندرك ونتفهم المخاوف التي يبديها البعض من الاعتماد على سياسة الاستقراض من الخارج، ولا تخفى علينا محاذيره ولكن أسارع فأقول أنه أمر لا بد منه ولا بديل عنه في عملية النهوض الاقتصادي.

 

ولذلك تقوم سياسة الحكومة على عدم اللجوء إلا إلى القروض المتوسطة والطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها لكي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. وتقوم هذه السياسة على عدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص. ولن تلجأ الحكومة إلى التوسع في سياسة الاقتراض ولاسيما تلك القروض التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقها. وهي في كل ذلك ستعمد إلى تنويع أساليب التمويل بما فيها التمويل الذاتي وكذلك مصادر القروض من مؤسسات دولية وإقليمية ودول صديقةوالاستفادة من التمويل المتاح في أسواق المال العالمية بعد أن حصلت على تفويض من مجلس النواب بإصدار سندات خزينة بالعملات الأجنبية، وستلجأ إلى عقد اتفاقات مع منظمات ومؤسسات مالية دولية لتوسيع دائرة ضمان استثمارات الأموال الأجنبية في لبنان.

 

وليست لدينا شكوك بمستقبل لبنان الاقتصادي، إذ لم تستطع أية دولة من دول المنطقة، بالرغم من ظروف الحرب التي مرت على لبنان، من أن تأخذ دوره المالي والخدماتي أو أن تحل محله في هذا الدور، بفضل المرتكزات التي يقوم عليها نظامه السياسي والاقتصادي وبفضل ميزاته التفاضلية التي نسعى إلى استعادتها، ولكننا لا نستطيع أن نركن كثيرا على دوام هذه الميزات، فإذا لم نعمل على تعزيزها وتطويرها، وبسرعة، فإن الزمن سيسبقنا، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا وشديدا  بين الدول في شتى المجالات، ولن نستطيع المواكبة إلا إذا حافظنا على الاستقرار الأمني والمالي والاقتصادي وأقمنا بنية تحتية متطورة، وعززنا كل ذلك بتحصين الجبهة الداخلية، فالنجاح، بنهاية المطاف، مرهون بإرادة اللبنانيين وبموقفهم من مشروع بناء الدولة الحديثة، وبإجابتهم عن السؤال التالي: هل تريدون إنقاذ لبنان وإعادة بنائه بالمزايدات والخطب والتشكيك، أم بالعمل والإنتاج والتضامن؟

إننا في تخطيطنا للمستقبل لا يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة الأزمة الاجتماعية والمعيشية التي يرزح تحت عبئها المواطن، ولا نغالي إذا قلنا أنها تحظى بأقصى اهتماماتنا، وهي في ضميرنا، بل هي هاجسنا، وتستغرق كامل تفكيرنا، وحل هذه الأزمة يعتبر من الأولويات في برنامج عملنا الإنمائي، وهدفنا في سياستنا المالية والاقتصادية، وفي أساليب المعالجة التي ننتهجها تنصب في نهاية المطاف على تحسين مستوى المعيشة الذي انخفض بسبب الحرب، وزيادة الدخل الفردي لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة ولاسيما للطبقات الفقيرة والمتوسطة والمحاذرة من أن تصيب أعباء النهوض الاقتصادي ذوي الدخل المحدود، بل حرصنا هو أن تصيبهم حسناته وخيراته. وتواجهنا في هذا الشأن خيارات وقرارات صعبة علينا أن نأخذها بحيث نتمكن من التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته، فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا ونزيد المشكلة الاجتماعية، ولا تكون الأولى على حساب الثانية، فنربح كسبا جماهيريا مؤقتا لا نسعى إليه فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها.

 كما لا يغيب عن أذهاننا أن تحقيق الأمن في البلاد هو في أساس استقرار الوضع المالي والاقتصادي، وهو الشرط الضروري واللازم لنجاح أية خطة أو برنامج اقتصادي وإنمائي، ولاستعادة الثقة بأوضاع البلاد العامة، ولذلك فقد عملت الحكومة على تعزيز الأجهزة الأمنية وتزويدها بكل الإمكانات المتاحة، وهي مستمرة في هذه السياسة، لتوفير الحماية والاطمئنان للمواطنين، وإشاعة الأمن في البلاد، وهي تبذل جهودا كبيرة في هذا السبيل. ولعل الانجاز الأخير الذي حققته الحكومة من خلال أجهزتها الأمنية بكشف منفذي تفجير كنيسة سيدة النجاة وخيوط المؤامرة، واستنفار الأجهزة الأمنية والقضائية لملاحقة كل المخلين بالأمن في سائر أنحاء البلاد، والذي كان من شأنه قطع دابر الفتنة وطمأنة المواطنين والمراقبين في الداخل والخارج، لخير دليل على اهتمام الحكومة وسهرها على تثبيت الأمن وترسيخه واستقرار الأوضاع الأمنية.

 ونحن على ثقة أن البلاد ستشهد مزيدا من الارتياح في أوضاعها الأمنية نتيجة التدابير الصارمة التي اتخذتها الحكومة والتي من شأنها إشاعة الأمن والاستقرار في البلاد والتي لقيت كل التجاوب من قبل اللبنانيين.

 

أيها السادة،

 لدينا من تواضع المؤمن والعالم بما لا يجعلنا ندعي الكمال، ولدينا من الإدراك والواقعية بما لا يجعلنا نغفل عن أخطائنا، ولكننا نعمل ونؤمن بما نعمل، نعمل من اجل بلدنا وشعبنا ووطننا، والخطأ كما تعلمون، ملازم للعمل، وحدهم الذين لا يعملون هم الذين لا يخطئون، نعمل لنزيل آثار الدمار الذي خلفته الحرب في كل زاوية من زوايا لبنان وتركت اللبناني نهبا لليأس والقنوط والإحباط، ولكن الإنسان ينسى. نحن نقوم بواجب يمليه علينا ضميرنا ووطنيتنا، لا نستحق ولا نطلب عن ذلك لا جزاء ولا شكورا، ولكننا نطمع بالمؤازرة، يكفي أن نكون، منصفين بحق وطننا على الأقل، فنتذكر ما كنا عليه بالأمس وما أصبحنا عليه اليوم، وما نعمل ونحلم بالوصول إليه في الغد.

 إن عملية الإصلاح والنهوض الاقتصادي، بعد الحرب، أيها السادة، كما تعلمون، تتطلب جهودا جبارة وإمكانات هائلة، ليست كلها بمتناول اليد، وهي تتطلب أيضا وقتا وصبرا وتضحيات، فهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن. فما دمر طوال سبعة عشر عاما أو يزيد، لا يبنى في سنة ونيف، ولكن ذلك لن يدخل اليأس إلى قلوبنا لان إيماننا بالله وبشعبنا أقوى من اليأس، ولن نترك للإحباط سبيلا إلى نفوسنا لان ثقتنا بأنفسنا وباللبنانيين فوق كل مشاعر الإحباط والقنوط. ولكن إنقاذ الوطن لا يمكن أن يكون مسؤولية فرد أو جماعة إنها مسؤولية المجتمع بكل أفراده وفئاته وعناصره، وشرط نجاحه تضامن الشعب مع قيادته والوقوف إلى جانبها ودعمها، وهو يفرض مشاركة الجميع في ورشة الإنقاذ وورشة إعادة البناء والاعمار. إن عملية الإنقاذ تلقي علينا جميعا مسؤولية الابتعاد عن التشكيك بمسيرتنا الوطنية ومحاذرة التلهي بخلافات جانبيةأو بمطامع شخصية يضعها البعض فوق مصالح الوطن وتجعلها تنحرف عن المسار فتضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ لبنان.

 ولا بد من لفت النظر هنا، إلى أن التحولات والمتغيـرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم، وما يمكن أن تأتي من جديد، أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تلقي علينا مسؤولية إمعان النظر مليا في أمر مواقفنا، بعضنا من البعض الآخر، وفي أوضاعنا الداخلية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل الاحتمالات، فنحن بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني وتحصين الوحدة الداخلية وترسيخ عوامل الاستقرار في البلاد، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ننكب على إعادة البناء والاعمار والنهوض الاقتصادي، وتأمين العيش الحر الكريم لمواطنينا، ونحن بحاجة ماسة إلى مشاركة كل اللبنانيين في هذه العملية. لقد قطعنا شوطا" كبيرا" في مسيرة استعادة ثقة العالم بنا، وعلينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة، وعلينا أن نجتاز هـذا الامتحان الصعب الـذي تمـر به البلاد، وهو امتحان لمدى إرادتنا ووطنيتنا وقدرتنا على تجاوز المحن والانتصار عليها، ولن ننجح في هذا الامتحان إلا معا، يدا واحدة وقلبا واحدا.

 ولسوف نسعى بصبر وأناة إلى التعاون مع كل الإرادات الطيبة والراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

  وسيوفى الصابرون أجورهم.

 عشتم وعاش لبنان

 والسلام،

جامعة بيروت العربية

24 آذار 1994

التاريخ: 
24/03/1994