كلمة الوزير السنيورة في الندوة المخصصة حول النظام الضريبي التي تنظمها غرفة التجارة والصناعة في بيروت

-A A +A
Print Friendly and PDF

أيها السيدات والسادة،

 يطيب لي أن افتتح هذه الندوة المتخصصة حول النظام الضريبي وتحديث المؤسسات والتي تنظمها غرفة التجارة والصناعة في بيروت ومؤسسة فريدريش ايبرت- لبنان، واشكر منظمي هذه الندوة الذين أحسنوا اختيار موضوع البحث الذي يتناول مسألة من أهم المسائل الاقتصادية والمالية التي تشغل الدول على مختلف أنظمتها ومذاهبها الفكرية والسياسية والاقتصادية، كما تشغل المهتمين والعاملين في حقل المال والاقتصاد. وهي مشكلة الضريبة وبصورة اعم السياسة الضريبية التي يمكن أن تتبعها الدولة في عصرنا الحاضر، وما يترتب على ذلك من أبعاد وآثار على الأوضاع المالية والنقدية في الداخل، وانعكاسات ذلك في العلاقات مع الخارج، وتأخذ اليوم أهمية خاصة لان لبنان يشهد اليوم عملية نهوض اقتصادي ويبدأ ورشة بناء واعمار تتناول مختلف قطاعاته ومؤسساته العامة والخاصة، ويعيد النظر في تشريعاته لتأتي متلائمة ومساعدة، ولا يخفى ما للضريبة من تأثير في إعاقة هذه العملية أو إطلاقها. ولا يسعني إلا أن اخص بالشكر غرفة التجارة والصناعة في بيروت، ورئيسها الصديق الأستاذ عدنان القصار، لمساهماتها البارزة، في دفع عجلة الاقتصاد إلى الأمام وجهودها في توفير كل الوسائل والإمكانات لتعزيز القطاع الصناعي والتجاري ومشاركتها في عملية إنقاذ لبنان فكرا وعملا.

 أيها السادة،

 لقد وضعتنا الأحداث الأليمة الماضية وجها لوجه، ومرة واحدة، أمام جملة من المشاكل المستعصية والمزمنة، أدت إلى زعزعة أركان الدولة والأسس التي يقوم عليها بنيانها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإداري، ولذلك ترانا نتكلم عن الإصلاح والبناء والعمران، ونتحدث عن مشروع الدولة الحديثة، ولكن المشكلة كلها تكمن في الإجابة عن السؤال: كيف السبيل إلى ذلك؟ كيف ننتصر على الصعوبات التي خلفتها الحرب؟ وما هي طرق المعالجة، وكيف، من ثم، نقيم بنيان دولة حديثة؟

 لقد وعت الحكومة منذ البداية أن المشكلة الاقتصادية تكمن في أمرين أساسيين: عجز الموازنة، وعدم استقرار الوضع الاقتصادي وجموده. ورأت في تخفيض عجز الموازنة تدريجيا حلا للمشكلة الأولى، فسعت إلى ضبط النفقات وترشيدها، وتحسين الجباية، ووجدت في تحريك عجلة الاقتصاد والإنتاج وتفعيل الدورة الاقتصادية وخلق الجو المؤاتي للنمو الاقتصادي المدخل الصحيح إلى حل المشكلة الثانية ومعها مجموعة من المشاكل المرتبطة بها ارتباطا مباشرا، ومنها مسألة البطالة وتحسين مستوى الدخل الفردي للمواطن وغيرها، وذلك من خلال الإنفاق الاستثماري، فحاولت التوفيق ما أمكن بين سياسة التقشف وضبط النفقات بغرض تخفيض عجز الموازنة من جهة، وبين سياسة الإنفاق التي تقتضيها عملية النهوض الاقتصادي من جهة ثانية. وقد لجأت الحكومة من اجل ذلك إلى أساليب مالية واقتصادية متعددة الاتجاهات والوجوه، ومنها الخفض التدريجي لمعدلات الفوائد على سندات الخزينة وعلى الودائع المصرفية بالعملة اللبنانية والعملة الأجنبية، والخفض التدريجي لمستوى الهدر، وإدخال تعديلات أساسية على التشريع الضريبي، فتوصلت بعد جهود مضنية إلى تحقيق عدة أهداف منها إعادة الثقة بالعملة الوطنية، وتأمين تراجع تدريجي لحدة الدولرة، وإعادة تعزيز احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة، وتحسين مستوى إدارة المالية العامة والجباية.

 وقد تكون الضريبة إحدى الوسائل الهامة المتاحة أمام الحكومة في تحديد سياستها الاقتصادية، وهي أداة فعالة لتفعيل الاقتصاد، سواء لجهة التخفيف من أعباء المعيشة على ذوي الدخل المحدود ورفع مستوى الدخل الفردي، أو لجهة حماية بعض المنتجات الوطنية عن طريق رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع المنتجة محليا، ولاسيما الصناعات اللبنانية القابلة للتطوير وتلك التي لديها قيمة مضافة كبيرة تبرر الحماية، أو لجهة تشجيع الاستثمار في لبنان.

 وعلى هذا الأساس، أعدت الحكومة مشروع تعديل قانون ضريبة الدخل الذي اقره مجلس النواب منذ أشهر خلت وهو يلحظ خفضا هاما على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح الشركات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية من حوالي 40% كحد أقصى إلى حوالي 10% كحد أقصى ودون أية إضافات، في حين جرى خفض الضريبة على شركات الأموال من 26% إلى 10% مقطوعة ودون أية إضافات، و5% عند التوزيع بدلا من عشرة بالمئة، كما أحدثت تبسيطا كبيرا في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى. ولحظ القانون أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة بما فيها العقارات التي هي موضوع متاجرة والأسهم وسندات الدين وحصص الشركات في المؤسسة وطريقة التكليف عن الفروق الناتجة عن إعادة التقييم بحيث تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5% على هذه الفروقات. كما أحالت الحكومة على مجلس النواب مشروعي قانونين يتناولان ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال، واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية، ووفقا لنفس الأسس التي اعتمدت في قانون ضريبة الدخل، كما أدخلت تصحيحا على معدلات الرسوم غير المباشرة في الجدول رقم 9، وهي الرسوم التي تستوفى من المواطنين مقابل الخدمات التي تقدم إليهم، بحيث تنسجم مع واقع الأسعار، وتحقق مساهمة جزئية من المواطن في كلفة هذه الخدمات، وعدلت أيضا تعرفات بعض الخدمات، خارج إطار الجدول رقم 9، كرسوم الكهرباء والماء والهاتف، بما يخفف، بصورة تدرجية، من العبء الهائل الذي تتحمله الموازنة العامة والناتج عن دعم هذه الخدمات.

وقد توخت الحكومة من وراء سياستها الضريبية تلك تحقيق عدة أهداف أهمها: 

  • تخفيف أعباء المعيشة عن ذوي الدخل المحدود زيادة مداخيلهم.
  • تشجيع الاستثمار في لبنان وإعطاء حوافز للمستثمرين اللبنانيين والأجانب لتوظيف أموالهم في لبنان في مشاريع إنتاجية.
  • فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل، وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة إمكانياتها الإنتاجية.
  • توفير فرص عمل لعشران الآلاف من اللبنانيين الذين يدخلون سوق العمل كل سنة، والحد من البطالة.
  • توفير عدالة ضريبية والحد من محاولات التهرب من الضريبة وتحسين مداخيل الخزينة.

 وإن الحكومة تدرك أن هذا القدر من الإصلاح الذي قامت به على صعيد النظام الضريبي لا يشكل منتهى طموحها، وهي تعي تماما أن النظام الضريبي في لبنان يشكو من تشوهات كثيرة ويتطلب إعادة نظر جذرية بحيث يصبح متوافقا مع سياسة الحكومة الرامية إلى إعادة البناء والاعمار وتحديث المؤسسات وتهيئة البلاد لمواجهة التحديات القادمة على مختلف الصعد، ولكنها تعتبر فيما قامت به على هذا الصعيد، فضلا، عن استعادتها ثقة اللبنانيين والخارج بأوضاع لبنان الاقتصادية والمالية، وسهرها على تدعيم أسس الاستقرار النقدي والمالي، إنما يشكل الأرضية الصالحة للانطلاق بعملية النهوض الاقتصادي وتوفير سبل نجاحها. وإذا ما أضفنا إلى ذلك المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها نظام لبنان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ومنها التزامه بالاقتصاد الحر وبمبدأ حرية الصرف والسرية المصرفية، واحترام الملكية الفردية ونظامه الديمقراطي، والتي تشكل جميعها، إلى جانب موقعه الجغرافي، ميزات تفاضلية، لأمكننا القول أن في قدرتنا إعادة نبض الحياة إلى الدورة الاقتصادية وبناء اقتصاد سليم يؤهل لبنان للعب دور متطور ونام في محيطه العربي والدولي شرط أن نحسن استعمال هذه القدرات والإمكانات ونستفيد من ميزات لبنان التفاضلية هذه على الوجه الأمثل. ولابد من التأكيد هنا أن تحديث المؤسسات يتطلب إحداث في البنية الإدارية والفنية والتجهيزية، وتغييرا أساسيا في ذهنية العمل القائمة بحيث نعتبر العمل قيمة حضارية بحد ذاته ونعطي للإنتاج قدره وأهميته، ونسعى إلى إعداد الإنسان المتميز والمبدع والمتحلي بمسلكية خلقية ومهنية رفيعة المستوى، ونغرس في نفوس المواطنين حب العمل وننمي فيهم روح الانضباط وحس المسؤولية، لكي نستطيع النهوض بأنفسنا وبوطننا ولكي نتمكن من مواكبة ركب التطور والحضارة المتنامي.

 أيها السادة،

 يجب أن لا يغيب عن بالنا لحظة واحدة، أن عملية الإصلاح والنهوض الاقتصادي، بعد الحرب، كما تعلمون، تتطلب جهودا جبارة وإمكانات هائلة، ليست كلها بمتناول اليد، وهي تتطلب أيضا وقتا وصبرا وتضحيات، فهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن. فما دمر طوال سبعة عشر عاما أو يزيد، لا يبنى في سنة ونيف. إن عملية الإنقاذ تلقي علينا جميعا مسؤولية الابتعاد عن التشكيك بمسيرتنا الوطنية ومحاذرة التلهي بخلافات جانبية أو بمطامع شخصية يضعها البعض فوق مصالح الوطن وتجعلها تنحرف عن المسار فتضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ لبنان.

 إن أمامنا خيارات صعبة علينا أن نواجهها وقرارات هامة علينا أن نتخذها بحيث نتمكن من التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته، فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا ونزيد المشكلة الاجتماعية تعقيدا، ولا تكون الأولى على حساب الثانية، فنربح كسبا جماهيريا مؤقتا لا نسعى إليه فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها. فنحن بقدر ما نعمل ليومنا، فإننا نفكر ونعمل لغدنا، وواجبنا، والأمانة تقضي أن نصارح شعبنا ونطلعه على حقيقة أوضاعنا.

 ولا بد من لفت النظر هنا، إلى أن التحولات والمتغيرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم، وما يمكن أن تأتي من جديد، أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تلقي علينا مسؤولية إمعان النظر مليا في أمر مواقفنا، بعضنا من البعض الآخر، وفي أوضاعنا الداخلية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل الاحتمالات. فنحن بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني وتحصين الوحدة الداخلية وترسيخ عوامل الاستقرار في البلاد، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ننكب على إعادة البناء والاعمار والنهوض الاقتصادي، وتأمين العيش الحر الكريم لمواطنينا، ونحن بحاجة ماسة إلى مشاركة كل اللبنانيين في هذه العملية. لقد قطعنا شوطا" كبيرا" في مسيرة استعادة ثقة العالم بنا، وعلينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، إننا أهل لهذه الثقة، وعلينا أن نجتاز هذا الامتحان الصعب الذي تمر به البلاد، وهو امتحان لمدى إرادتنا ووطنيتنا وقدرتنا على تجاوز المحن والانتصار عليها، ولن ننجح في هذا الامتحان إلا معا، يدا واحدة وقلبا واحدا.

 لقد آن الأوان أيها السادة لتحمل المسؤولية، آن الأوان للعمل بجدية. لم يعد مسموحا التعامل مع الأمور بخفة أو باستخفاف، لم يعد جائزا تحميل الاقتصاد أعباء ثقيلة ابتغاء كسب سياسي، لا يلبث، وفي مدى منظور، أن ينعكس سلبا على مستوى معيشة المواطنين، ويجهض مسعى الحكومة الدائب في لجم التضخم وتقليص عجز الموازنة، وزيادة فرص النمو سنة بعد سنة. إن التحديات باتت تطرق أبوابنا بقوة، وما لم ننهض جميعا للتصدي لها، بالعمل والإنتاج والترفع عن المصالح الشخصية والضيقة التي تتحكم بمواقفنا وتصرفاتنا، فلن يكون لنا الوطن الذي نريد، ولن ينتظرنا قطار التقدم والنمو الذي يسير بسرعة قياسية، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا بين الدول في شتى المجالات، ونجاحنا بنهاية المطاف مرهون بإرادتنا وبموقفنا من مشروع بناء الدولة الحديثة.

     ولسوف نسعى بصبر وأناة إلى التعاون مع كل الإرادات الطيبة والراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 أتمنى لندوتكم النجاح،

والسلام،

غرفة التجارة والصناعة- 02/05/1994

التاريخ: 
02/05/1994