كلمة الوزير السنيورة حول الوضع المالي وآفاق المستقبل

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها السيدات والسادة،

 عزيز جدا على قلبي أن التقي أبناء هذه المنطقة، منطقة البقاع، حيث الجبل والسهل يلتقيان ويتصلان دون انقطاع ولا حجب، من هضاب أو وديان، وينكشفان على الأفق البعيد، من وراء جباله مطلع الشمس، ومغربها عند حنايا سهوله التي تتمدد وتهيم مع الرياح لتنتهي مع غمام السماء كأنهما على موعد مع الغروب.

 التقاء الجبل مع السهل طبع أبناء البقاع بطباع خاصة، الجبل بشموخه وصلابته وعليائه، ميزهم بالعزة والكرامة والصبر على الشدائد، والسهل الأخضر الممتد من سفح الجبل حتى المدى البعيد، عنوانا للكرم وحسن الضيافة، طبع حياتهم بالبساطة والسماحة وحب الغير، الجبل ينحني تواضعا على السهل، يغمره ويحميه، والسهل يضمه بين جناحيه، يجثو على أقدامه بحنان، يمد له يده، ويأخذه إلى الأفق اللامتناهي، فلا عجب أن تتجسد في طباعكم، أهلنا في البقاع، صفات المروءة والشهامة والنجدة، وخصال التواضع والحب والبساطة، فرأيناكم بقدر ما تشمخون وتتصدون بشجاعة وعزة للعدو الإسرائيلي حماية لأرضكم ووطنكم، دفاعا عن عرضكم وكرامتكم، بقدر ما تزرعون وتعمرون وتبنون صروحا للعلم والثقافة والحضارة، خدمة لبلدكم ومجتمعكم وإنسانكم.

 لا يسعني أن انتقل لبحث موضوع المحاضرة دون أن احيي المركز الثقافي العربي والقائمين عليه واخص بالذكر الصديق النائب عبد الرحيم مراد، لاهتمامهم بقضايا أمتهم ووطنهم ودأبهم على مناقشة ومعالجة شؤون مجتمعهم وإنسانهم من خلال الندوات والمحاضرات واللقاءات التي ينظمونها في رحاب هذا الصرح الثقافي والحضاري ولقيامهم بمختلف النشاطات في كل مكان من لبنان، لكي يبقى المواطن والمسؤول على تماس دائم وليساهمان في حل مشاكل بلادهم ويشاركان معا في بناء مستقبلهم ووطنهم.

 ولابد لي في معرض بحث موضوع الوضع المالي وآفاق المستقبل من أن استعرض معكم الوضع الاقتصادي عشية تأليف الحكومة، وما قامت به خلال الفترة الماضية وصولا إلى محاولة كشف آفاق مستقبل الاقتصاد اللبناني.

 

أولا:  الوضع المالي عشية تشكيل الحكومة الحالية:

 تسلمت الحكومة الحالية مهامها بعد مرحلة صعبة من عدم الاستقرار الاقتصادي وفي أجواء مالية ضاغطة وتدهور للعملة الوطنية ترسبت كلها نتيجة عوامل عدة. فالاقتصاد اللبناني عانى خلال فترة الأحداث الطويلة من دمار هائل طال بنيته التحتية ومؤسسات القطاعين العام والخاص ومني بخسائر مباشرة قدرت  بما لا يقل عن 25 مليار دولار، وخسائر أخرى في الدخل والفرص الفائتة قد تصل إلى حدود خمسين مليار دولار. كما انه عانى من خسائر كبيرة في طاقاته البشرية والمالية إذ أن الأحداث التي استمرت سبعة عشر سنة أدت إلى هجرة العديد من الطاقات البشرية وإحجام الاستثمار في كل من القطاعين العام والخاص مما تسبب بإضعاف الطاقة الإنتاجية المحلية. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى انخفاض حاد ومستمر في مستوى إجمالي الناتج المحلي وبالتالي في مستوى معدل دخل الفرد اللبناني.

 ولقد كان لاستمرار الأحداث وشمولها كافة المناطق دورا أساسيا في زعزعة الاستقرار الاقتصادي مما أدى إلى إضعاف الثقة بالعملة الوطنية. كما كان لغياب مؤسسات الدولة وعجزها عن جباية وارداتها وتسارع وتيرة الإنفاق الحكومي نتائج سلبية تمثلت في تعاظم مستمر في عجز موازنة القطاع العام، جرى تمويله عن طريق إصدار سندات خزينة ذات معدلات فوائد مرتفعة وعن طريق الاقتراض من مصرف لبنان فأدى بدوره إلى زيادة كبيرة في الكتلة النقدية نتج عنه ارتفاع كبير في معدلات التضخم وانخفاض في قيمة العملة الوطنية . هذه التطورات الاقتصادية السلبية مضافا إليها استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي ادخلا الاقتصاد في حلقة مفرغة بدأت بعجز في موازنة القطاع العام ممول بطريقة تضخمية ولاسيما من مصرف لبنان، انتهت إلى إضعاف الثقة بالعملة الوطنية وبالتالي إلى مزيد من دولرة الاقتصاد وتدفق الرساميل إلى خارج لبنان.

 
كيف تعاملت الحكومة مع هذا الوضع؟

في ضوء هذه التطورات الاقتصادية السلبية بدا واضحا وجليا للحكومة الحالية بان إعادة الثقة والاستقرار للاقتصاد اللبناني وإخراجه من الحلقة المفرغة للتمويل التضخمي والدولرة وعدم استقرار سعر صرف العملة الوطنية يشكل التحدي الرئيسي في هذه المرحلة، كما انه يشكل  وبنفس المقدار المدخل الصحيح لإعادة تفعيل الدورة الاقتصادية وخلق الجو المؤاتي للنمو الاقتصادي القابل للاستمرار الذي من شانه أن يساعد على استقطاب إمكانات القطاع الخاص والدعم الخارجي وتوجيهها نحو ورشة الاعمار . هذا علما أن إعادة الثقة بالعملة الوطنية واستقرارها يعتبر حجر الزاوية في هذه السياسة.

 ولقد وعت الحكومة وأدركت منذ البداية مقدار الصعوبات التي ستواجهها وعكفت منذ اللحظة الأولى على دراسة المشاكل التي تعاني منها البلاد، وبدأت بوضع برامج لمعالجة هذه الصعوبات والمشاكل.

 وكان هاجسها الأول استعادة ثقة العالم بلبنان، فانكبت على الاتصال بالدول الشقيقة والصديقة، وبالمؤسسات العربية الدولية المالية التي انقطعت عن التعامل مع لبنان بسبب أوضاعه المالية والاقتصادية، وظروفه الأمنية والسياسية، انقطاعا كاملا، وأردفت خطوتها تلك بتعزيز الوضع الأمني والسهر على مسيرة الوفاق والسلام في البلاد. كما عملت على تأهيل العاملين في الإدارات العامة ، واهتمت بأوضاعهم المعيشية بأسلوب علمي واقتصادي مدروس يؤدي إلى التخفيض من أعباء المعيشة ويحسن من القوة الشرائية لدخلهم ويجنبهم الدخول في حلبة السباق التي لا تنتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى.

 ولابد من التأكيد هنا أن الإصلاح الإداري مسار طويل وعملية متكاملة ترتبط بسلسة متتابعة من الإجراءات تبدأ بحسن اختيار الموظفين وتأمين الأمكنة الملائمة والمناسبة للعمل، واختصار الإجراءات الإدارية وتطوير أساليب العمل وتوفير وسائله، ولاسيما المكننة، وضمان حقوق الموظف وتوفير سبل الحياة الكريمة له، وتعزيز أجهزة الرقابة، علما أن الرقابة ليست بديلا عن حسن الإدارة وان كانت ضرورية لضبط العمل الإداري وحسن سيره، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب، بحيث يبقى الموظف الكفؤ وتتحرر الإدارة من العناصر غير المنتجة، وقد يكون في تحريك عجلة الاقتصاد خير وسيلة لامتصاص جزء كبير من البطالة المقنعة التي تشكو منها الإدارة.

 ولقد سعت الحكومة إلى وضع نظام جديد للضرائب يأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يعاني منها ذوي الدخل المحدود ويكون أيضا حافزا للاستثمار ومشجعا للإنتاج وموفرا لأقصى درجات المردودية للمشاريع المقامة في لبنان وذلك من خلال تخفيض الضرائب والرسوم.

 وان مشروع قانون ضريبة الدخل الذي اقره مجلس النواب منذ أشهر قليلة خلت يلحظ خفضا هاما على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح الشركات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية من حوالي 40% بالمئة كحد أقصى إلى حوالي 10% بالمئة كحد أقصى ودون أية إضافات، في حين جرى خفض الضريبة على شركات الأموال من 26% بالمئة إلى 10% بالمئة مقطوعة ودون أية إضافات، و5% بالمئة عند التوزيع بدلا من اثني عشرة بالمئة، كما احدث تبسيطا كبيرا في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى. كما لحظ القانون أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة بما فيها العقارات التي هي موضوع متاجرة والأسهم وسندات الدين وحصص الشركات في المؤسسة وطريقة التكليف عن الفروق الناتجة عن عادة التقييم بحيث تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5% بالمئة على هذه الفروقات.

 والفكرة من وراء هذا القانون هي توخي عدالة ضريبية وتشجيع الاستثمار وزيادة مداخيل الخزينة، وذلك من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة إمكانياتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين الذين يدخلون سوق العمل كل سنة. وترى الحكومة أن هذا القانون سيزيل عن كاهل ذوي الدخل المحدود أعباء كبيرة ويؤدي إلى زيادة حقيقية في دخلهم، كما انه سيوفر فرصا مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى، ويدفع بالنتيجة بعجلة الاقتصاد اللبناني إلى الأمام. هذا فضلا عن أن مجلس النواب يعكف حاليا على دراسة مشروعي قانونين سبق للحكومة أن تقدمت بهما ويتناولان ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال، واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية ووفقا لنفس الأسس التي اعتمدت في قانون ضريبة الدخل.

 كما اهتمت الحكومة بتصحيح معدلات الرسوم غير المباشرة في الجدول رقم 9، وهي الرسوم التي تستوفى من المواطنين مقابل الخدمات التي تقدم إليهم، وعند طلب هذه الخدمات فقط، بحيث تنسجم مع واقع الأسعار وتأمين تغطية لكلفة هذه الخدمات.

 كما عدلت أيضا تعرفات بعض الخدمات، خارج إطار الجدول رقم 9 المعد من قبل وزارة المالية، وذلك من قبل الإدارات المختصة بتقديم هذه الخدمات، كرسوم الكهرباء والماء والهاتف، بما يخفف بصورة تدريجية العبء الهائل الذي تتحمله الموازنة العامة الناتج عن دعم هذه الخدمات.

 وقد اهتمت الحكومة أيضا بتعزيز وتطوير إدارة الجمارك من اجل تحسين واردات الدولة من خلال إعادة النظر بالتعرفة الجمركية وذلك لجهة تبسيطها وضبط عملية استيفاء الرسوم ومراعاة وضع المستهلك اللبناني ودعم وتشجيع الصناعات اللبنانية لتحسين أداء القطاع الصناعي ولاسيما الصناعات القابلة للتطوير وتلك التي لديها قيمة مضافة هامة في لبنان ضمن ضوابط تؤمن الحماية المطلوبة للصناعة الوطنية بحيث تمنحها القدرة التنافسية في الأسواق الداخلية والخارجية.

 ولقد التفتت الحكومة إلى القطاع الزراعي الذي لا يتناسب مدخوله مع عدد العاملين فيه والذي يشكل مورد رزقهم، فوضعت برامج لتطوير وتعزيز هذا القطاع، سواء لجهة زيادة مشاريع الري في المناطق الزراعية وتوسيع شبكة الطرقات بحيث يرتبط المزارع بالأسواق الداخلية لتصريف منتجاته بأقل كلفة ممكنة، وتبسيط الإجراءات الجمركية لتسهيل تسويق منتجاته إلى الخارج والعمل على فتح الأسواق الخارجية أمامه في ظل ظروف بالغة الصعوبة، أو لجهة مده بالتسليفات المالية لآجال متوسطة وطويلة بفائدة بسيطة، من خلال ما قامت به مؤخرا لتعديل أحكام قانون مصرف التسليف الزراعي. وهي تدرك حاجات هذا القطاع وأهميته الاقتصادية والاجتماعية وتشعر بمسؤولية كبيرة اتجاهه وتجاه العاملين فيه. واكبر دليل على ذلك أن النفقات المخصصة لوزارة الزراعة في موازنة 1994 قد بلغت أرقامها مع الاعتمادات المدورة ما قيمته 57.097.194.000مليار ليرة لبنانية، كما خصص مبلغ 37.000.000.000 مليار ليرة لدعم بعض الزراعات على الوجه التالي:

 دعم الحبوب والشمندر السكري        17.000.000.000

دعم التبغ                           18.000.000.000

دعم القمح                           2.000.000.000

 ولحظ في موازنة وزارة الموارد المائية والكهربائية اعتمادات لمشاريع الري بما مقداره ثلاثة مليارات ليرة لسنة 1993 وملياري ليرة لسنة 1994، هذا فضلا عن مشروع إنماء الري الذي سينفذ عن طريق البنك الدولي بمبلغ 121 مليار ليرة، يضاف إلى ما رصد للقطاع الزراعي في الخطة 2000 للاعمار والإنماء وهو بحوالي 952 مليار ليرة.

 وقد وضعت الحكومة في أولى اهتماماتها وأهدافها ومنذ البداية تخفيض عجز الموازنة، فسعت إلى ضبط النفقات وترشيدها وخطت خطوات هامة على طريق الإحجام عن الإنفاق غير المجدي لتتوجه إلى الإنفاق الاستثماري. وكل المؤشرات تدل على بدء ملامح عودة العافية إلى الاقتصاد اللبناني. والتحدي الكبير لا يزال يكمن في التوفيق بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطن وترشيد الإنفاق، وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجيا وخلال السنوات القادمة تمهيدا لإلغائه من جهة، وبين تحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة ثانية. أي أن علينا أن نوفق بين سياسة التقشف وشد الحزام لتحقيق هدف تخفيض عجز الموازنة، وسياسة الإنفاق التي تقتضيها عملية النهوض الاقتصادي. ويزداد هذا التحدي حدة عندما يتبينلنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة، ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي وبند الرواتب والأجور لعام 1994 قد شكلا، من جهة ما يقارب 60% من مجموع الموازنة، وما يزيد عن مجموع الواردات المرتقبة لعام 1994 من جهة أخرى.

 هذا بعض ما قامت به الحكومة من جهود على صعيد الوضع المالي والاقتصادي والتي هدفت من ورائها، وتمكنت إلى حد بعيد من إعادة الثقة بالأوضاع المالية والاقتصادية في البلاد والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي مما شجع الدول والمنظمات والمؤسسات المالية الدولية على تقديم المساعدات والقروض إلى لبنان، كما شجع أصحاب رؤوس الأموال اللبنانيين والأجانب على العودة للاستثمار في لبنان، ومما جعل هؤلاء يطمئنون إلى تحسن الأوضاع المالية والاقتصادية الحالية في البلاد، والآن ما هي صورة وحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الحالي؟

 

 ثانيا:صورة وحقيقة الوضع المالي والاقتصادي الحالي:

 لقد نجحت الحكومة، منذ تاريخ تشكيلها حتى اليوم وبفضل الجهود التي بذلتها في تحقيق عدة أهداف أهمها:

 إعادة الثقة بالعملة الوطنية، تحقيق تراجع تدريجي لحدة الدولرة، إعادة تعزيز احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة، وتحسين مستوى إدارة المالية العامة والجباية بالإضافة إلى الخفض التدريجي لمستوى الهدر. و بذلك بدأت عجلة الاقتصاد اللبناني تتحرك خلال عام 1993 ، فالتقديرات تشير بان معدل النمو خلال عام 1993 كان ما بين 6-8 % وهذا يعتبر معدل نمو مرتفعا إذا ما قيس بمعدلات النمو المتحققة في الكثير من بلدان العالم خلال العام 1993، هذا وتتوقع الحكومة  تحقيق معدلات نمو مرتفعة خلال العام الحالي  كنتيجة للخطوات الايجابية التي تم اتخاذها، منها مسح الأضرار وتحضير دفاتر الشروط والتلزيم للكثير من المشاريع.  إلى جانب ذلك، إن الاستقرار النقدي والمالي وتعزيز الثقة بالاقتصاد اللبناني أديا إلى تخفيض حدة الدولرة في الاقتصاد اللبناني.  فقد تحسن سعر صرف العملة الوطنية بنسبة 40 بالمئة عما كان عليه سعر صرفها في أيلول 1992، كما تضاعفت نسبة الودائع بالعملة الوطنية إلى حجم الكتلة النقدية بحيث ارتفعت من 18.3% في نهاية أيلول 1993 إلى 37.7% في 20 كانون الثاني 1994، أي بزيادة قدرها 106%. 

 ومن اجل تحريك عجلة الاقتصاد أيضا اتبعت الحكومة سياسة الخفض التدريجي لمعدلات الفوائد على سندات الخزينة وعلى الودائع المصرفية بالعملة اللبنانية والعملة الأجنبية وذلك لتحقيق التوازن ما بين هدفي تعزيز الاستقرار النقدي وتفعيل الاقتصاد.

 كما سجل ميزان المدفوعات فائضا صافيا قدره 1137 مليون دولار أميركي حتى نهاية سنة 1993 مقارنة مع عجز وقدره حوالي 500 مليون دولار أميركي خلال التسعة أشهر الأولى من عام 1992 والذي تحول إلى فائض صافي وقدره 50 مليون دولار أميركي نهاية العام 1992 نتيجة الثقة التي أوحتها الحكومة عقب تأليفها في نهاية عام 1992 .

 أما سياسة ترشيد النفقات وتحسين الجباية فقد أدت إلى انخفاض فعلي في عجز الموازنة المحقق لدى القطاع العام من أكثر من 56% بالمئة من إجمالي الإنفاق العام عام 1992 إلى حوالي40% عام 1993. وفي مقارنة لأرقام واردات الخزينة خلال العام 1993 مع الفترة ذاتها من العام 1992 أظهرت الإحصاءات أن حجم الواردات خلال العام 1992 بلغ حوالي982 مليار ليرة لبنانية مقابل 1792 مليار ليرة لبنانية للفترة ذاتها من العام 1993 أي بزيادة قدرها حوالي 810 مليار ليرة لبنانية ونسبتها  82.5%، وهذه الزيادة نتجت عن تحسين وضبط الجباية وليس عن طريق زيادة الضرائب أو الرسوم خلال عام 1993. إن حجم  الدين العام الداخلي قد وصل في نهاية عام 1993 إلى حوالي 5100 مليار ليرة لبنانية. أما حجم الدين الخارجي القائم في نفس التاريخ فقد بلغ حوالي 375 مليون دولار أميركي. إن الحكومة تعي أهمية الحد من ارتفاع الدين العام الداخلي وتسعى إلى خفض عجز الموازنة تدريجيا وذلك بهدف السيطرة على معدلات نمو الدين العام الداخلي حفاظا على الاستقرار المالي والنقدي. ولان الحاجات المحقة تتعدى بشكل كبير ما هو متوفر من موارد لذلك لا بد من تحديد الأولويات والإصرار على الإنفاق المنتج وزيادة واردات الدولة.

 إن نجاح الحكومة في تدعيم أسس الاستقرار المالي والنقدي خلال العام 1993 سمح لها بان تخصص جزءا اكبر من اهتمامها ومواردها لإنعاش الاقتصاد وتنشيط حركة الإنماء والاعمار. فمن المتوقع أن يصل مستوى الإنفاق الاستثماري والإنمائي في العام 1994 إلى حوالي 1700 مليار ليرة لبنانية علما أن مشروع الموازنة لا يعكس كليا هذا الإنفاق الإنمائي والاعماري، فهناك برنامج النهوض الاقتصادي المرتقب تمويله بواسطة المساعدات والقروض الميسرة والتجارية (حوالي 1000 مليار خلال العام 1994 ) التي تبقى خارج إطار الموازنة بالمفهوم الضيق للموازنة وان كانت تصب بالنتيجة في الإطار الأوسع للإنفاق العام . إن الإنفاق العام بمفهومه الواسع (أي مجموع اعتمادات مشروع موازنة عام 1994 والإنفاق الإنمائي المرتقب ضمن خطة النهوض الاقتصادي ) يتوزع على العناوين الرئيسية التالية:

 - 36% للنفقات الجارية يقابلها حوالي 40% في عام 1993

- 28% لنفقات الديون المتوجبة الأداء يقابلها حوالي 45% في عام 1993%

- 36% لنفقات الإنماء والاعمار يقابلها حوالي 15% في عام 1993

 كما أن الحكومة  الحالية أولت اهتمامها بالقضايا الاجتماعية إذ أن الاعتمادات المقترحة في مشروع موازنة عام 1994 للقضايا الاجتماعية بما فيها التربية بلغت 1541 مليار ليرة لبنانية أي حوالي  38% من إجمالي الموازنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الزيادة في  الإنفاق الاجتماعي ما بين موازنة 1993 وموازنة 1994 يتعدى 40% وإذا ما جمعنا المبلغين فإن مجموع الإنفاق الاجتماعي في الموازنتين يعادل 2627 مليار ليرة لبنانية أي ما يفوق الخمسة أضعاف ما كان عليه المجموع في موازنة 1992.

 إن قانون موازنة عام 1994 يرمي إلى تقليص العجز العام في الموازنة من 50% وهو ما كان عليه في مشروع موازنة 1993 إلى 45% كما هو مقدر له في موازنة 1994 في حين أن العجز الفعلي المحقق في عام 1992 قد تجاوز 56%. ومن المنتظر أن تغطي الواردات العادية في عام 1994 أكثر من 67% من إجمالي النفقات العادية مقارنة مع ما كانت عليه هذه النسبة في مشروع موازنة عام 1993 والتي بلغت 58%. وكما جرت الإشارة إليه آنفا فإن الأرقام المتوفرة لسنة 1993 تشير إلى انخفاض في العجز الكلي والأولي نسبة إلى إجمالي النفقات من 56.2% إلى 40% ومن 33.2% إلى 14.5% على التوالي بالمقارنة مع العام الماضي.

 إن الاستقرار النقدي والمالي الذي تمكنت الحكومة من تحقيقه خلال العام المنصرم والذي سيتعزز مستقبلا من خلال المضي في سياسة التخفيض التدريجي للعجز يشكل المدخل الصحيح ويدعم الإجراءات المتخذة من اجل تفعيل الاقتصاد وتحقيق نمو متواصل وقابل للاستمرار.   ويتضح أيضا بان التخفيض التدريجي للعجز في الحساب الجاري، أي الفرق ما بين النفقات العادية والواردات العادية، يشكل الخطوة الأولى في استعادة الدولة عافيتها المالية وهو ما سيسمح على المدى المتوسط من تحقيق وفر في هذا الحساب مما سيتيح للحكومة أن تمول جزءا من نفقاتها الإنمائية من خلال مواردها الذاتية . إن سياسة تقليص العجز التي تتبعها الحكومة سوف تؤدي إلى انخفاض في أسعار الفائدة والذي من شأنه تخفيف أعباء الدين الداخلي وبالتالي المساهمة في تدعيم أسس الاستقرار النقدي والمالي، مما سيتيح للقطاع الخاص زيادة مشاركته في الدورة الاقتصادية وورشة الإنماء والاعمار.

 إن هذه الخطوات الأساسية اللازمة كان لابد منها للانطلاق بعملية النهوض الاقتصادي تمهيدا لإرساء قواعد مستقبل الاقتصاد اللبناني على أسس علمية سليمة متطورة ومدروسة تتماشى مع روح العصر ومتطلباته وتواكب ركب الحضارة المتنامي. فما هي مرتكزات الاقتصاد اللبناني وما هي رؤيانا لآفاق مستقبل هذا الاقتصاد؟

 

 ثالثا: آفاق مستقبل الاقتصاد اللبناني:

  على الرغم من هذه الصورة الواقعية التي قد تبدو للبعض قاتمة، للوضع المالي والاقتصادي، ولإمكانية بناء اقتصاد سليم واستعادة دور لبنان المالي والخدماتي في المستقبل المنظور، في ظل التحديات المرتقبة، فإننا لعلى ثقة بأن لبنان قادر على استعادة دور اقتصادي له في المنطقة العربية، مع وعينا الكامل للصعوبات القائمة والشروط الملائمة والضرورية المطلوب توفيرها، على كل الأصعدة وخاصة الأمنية منها والسياسية والمالية. إلا أنني أريد أن أؤكد لكم أننا في ما نبشر به، لا ننطلق من فراغ، ولا نعلل النفس بآمال كاذبة أو بأحلام واهية، وذلك لأن لدى لبنان مرتكزات أساسية ودعائم ثابتة تشكل الأرضية الصالحة لبناء اقتصاد سليم وقوي يكون له دوره الفاعل في المنطقة.

    وهذه المرتكزات- الدعائم تتمثل بموقع لبنان الجغرافي وعراقة اقتصاده الحر، والتزامه بمبدأ حرية الصرف وقانون السرية المصرفية، واحترام الملكية الفردية وانفتاحه على العالم بكافة ثقافاته وحضاراته وتشبثه بالحرية والديمقراطية فضلا عن كفاءة أبنائه وحيويتهم وقدرتهم الفريدة على التكيف مع الظروف والأوضاع المستجدة، وشبكة المصارف والخبرات والعلاقات التي بنيت في الحقبة الماضية والحاضرة، مضافا إليها التفاعل الايجابي البناء مـا بين جهود القطاعين العام والخاص، واحترام لبنان لكافة التزاماته المالية وغير المالية، هذه المرتكزات الأساسية تشكل ميزات تفاضلية تجعلنا إذا ما أحسن استغلالها، قادرين على إعادة نبض الحياة للدورة الاقتصادية والى بناء اقتصاد متين يؤهل لبنان للعب دور متطور ونام في محيطه العربي والدولي، والى بناء لبنان الجديد الذي يرغب اللبنانيون ويطمحون إلى رؤيته على عتبةالقرن الواحد والعشرين.

 ولكننا على وعي تام أيضا أن هذه المرتكزات غير كافية وحدها لبناء اقتصاد سليم بل لا بد من أن تترافق مع عمل دؤوب وجهود جبارة لتعزيزها من خلال:

  • تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي
  • إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزاحة العقبات أمام المستثمرين بشكل يكفل وضع لبنان على نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من اجل اجتذاب رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية
  • إعادة بناء البنية التحتية
  • مشاركة اللبنانيين في عملية النهوض الاقتصادي وعملية إعادة البناء والاعمار.

  وإذا كانت الحكومة قد خطت خطوات واسعة في تحقيق الأمن والاستقرار المالي والنقدي وتوفير التشريعات المالية الملائمة للاستثمار وتوظيف الأموال في لبنان وتسهيل وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية، فهي تدرك أن الاستثمار وبدء عملية النهوض الاقتصادي بحاجة إلى بنية تحتية وتوفير خدمات متنوعة وقد دأبت الحكومة على وضع مخططات إعادة بناء البنى التحتية وتطويرها لكي تلبي حاجات لبنان المستقبلية وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات العشر القادمة، يهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك وتطوير المطار والمرافئ، كما يهدف إلى تأمين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. وان الكلفة المقدرة لهذا البرنامج بمعزل عن الإنفاق الاستثماري للقطاع الخاص خلال هذه الفترة هي بحدود العشرة مليارات دولار أميركي إضافة إلى مليار دولار للتسليفات لقطاع الإسكان وللقطاعات الإنتاجية، كما يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل والمسار الذي تريد أن تسلكه.

 وسيتم تمويل هذا البرنامج الإنفاقي التنموي من المساعدات والهبات ومن الاقتراض الداخلي ومن الاقتراض الخارجي الذي سيكون على شكل قروض ميسرة وقروض خارجية، وكذلك من وفر الموازنة الذي نسعى إلى تحقيقه.

 ونحن ندرك ونتفهم المخاوف التي يبديها البعض من الاعتماد على سياسة الإقراض من الخارج، ولا تخفى علينا محاذيره ولكن أسارع فأقول أنه أمر لا بد منه ولا بديل عنه في عملية النهوض الاقتصادي.

 ولذلك تقوم سياسة الحكومة على عدم اللجوء إلا إلى القروض المتوسطة والطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها لكي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. وتقوم هذه السياسة على عدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص. ولن تلجأ الحكومة إلى التوسع في سياسة الاقتراض ولاسيما تلك القروض التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقها. وهي في كل ذلك ستعمد إلى تنويع أساليب التمويل بما فيها التمويل الذاتي وكذلك مصادر القروض من مؤسسات دولية وإقليمية ودول صديقةوالاستفادة من التمويل المتاح في أسواق المال العالمية بعد أن حصلت على تفويض من مجلس النواب بإصدار سندات خزينة بالعملات الأجنبية، وستلجأ إلى عقد اتفاقات مع منظمات ومؤسسات مالية دولية لتوسيع دائرة ضمان استثمارات الأموال الأجنبية في لبنان.

 وليست لدينا شكوك بمستقبل لبنان الاقتصادي، إذ لم تستطع أية دولة من دول المنطقة، بالرغم من ظروف الحرب التي مرت على لبنان، من أن تأخذ دوره المالي والخدماتي أو أن تحل محله في هذا الدور، بفضل المرتكزات التي يقوم عليها نظامه السياسي والاقتصادي وبفضل ميزاته التفاضلية التي نسعى إلى استعادتها، ولكننا لا نستطيع أن نركن كثيرا على دوام هذه الميزات، فإذا لم نعمل على تعزيزها وتطويرها، وبسرعة، فإن الزمن سيسبقنا، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا وشديدا  بين الدول في شتى المجالات، ولن نستطيع المواكبة إلا إذا حافظنا على الاستقرار الأمني والمالي والاقتصادي وأقمنا بنية تحتية متطورة، وعززنا كل ذلك بتحصين الجبهة الداخلية.

 إننا في تخطيطنا للمستقبل لا يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة الأزمة الاجتماعية والمعيشية التي يرزح تحت عبئها المواطن، ولا نغالي إذا قلنا أنها تحظى بأقصى اهتماماتنا، وهي في ضميرنا، بل هي هاجسنا، وتستغرق كامل تفكيرنا، وحل هذه الأزمة يعتبر من الأولويات في برنامج عملنا الإنمائي، وهدفنا في سياستنا المالية والاقتصادية، وفي أساليب المعالجة التي ننتهجها تنصب في نهاية المطاف على تحسين مستوى المعيشة الذي انخفض بسبب الحرب، وزيادة الدخل الفردي لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة ولاسيما للطبقات الفقيرة والمتوسطة والمحاذرة من أن تصيب أعباء النهوض الاقتصادي ذوي الدخل المحدود، بل حرصنا هو أن تصيبهم حسناته وخيراته. وتواجهنا في هذا الشأن خيارات وقرارات صعبة علينا أن نأخذها بحيث نتمكن من التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته، فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا ونزيد المشكلة الاجتماعية، ولا تكون الأولى على حساب الثانية، فنربح كسبا جماهيريا مؤقتا لا نسعى إليه فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها. فنحن بقدر ما نعمل ليومنا، فإننا نفكر ونعمل لغدنا، وواجبنا، والأمانة تقضي أن نصارح شعبنا ونطلعه على حقيقة أوضاعنا.

 كما لا يغيب عن أذهاننا أن تحقيق الأمن في البلاد هو في أساس استقرار الوضع المالي والاقتصادي، وهو الشرط الضروري واللازم لنجاح أية خطة أو برنامج اقتصادي وإنمائي، ولاستعادة الثقة بأوضاع البلاد العامة، ولذلك فقد عملت الحكومة على تعزيز الأجهزة الأمنية وتزويدها بكل الإمكانات المتاحة، وهي مستمرة في هذه السياسة، لتوفير الحماية والاطمئنان للمواطنين، وإشاعة الأمن في البلاد، وهي تبذل جهودا كبيرة في هذا السبيل. ولعل ما تقوم به الأجهزة الأمنية والقضائية، وما شاهدتموه في غضون الأسابيع الماضية، لملاحقة كل المخلين بالأمن في سائر أنحاء البلاد، والذي كان من شأنه قطع دابر الفتنة وطمأنة المواطنين والمراقبين في الداخل والخارج، لخير دليل على اهتمام الحكومة وسهرها على تثبيت الأمن وترسيخه واستقرار الأوضاع الأمنية.

 ونحن على ثقة أن البلاد ستشهد مزيدا من الارتياح في أوضاعها الأمنية نتيجة التدابير الصارمة التي اتخذتها الحكومة والتي من شأنها إشاعة الأمن والاستقرار في البلاد والتي لقيت كل التجاوب من قبل اللبنانيين.

 

أيها السادة،

 لدينا من تواضع المؤمن والعالم بما لا يجعلنا ندعي الكمال، ولدينا من الإدراك والواقعية بما لا يجعلنا نغفل عن أخطائنا، ولكننا نعمل ونؤمن بما نعمل، نعمل من اجل بلدنا وشعبنا ووطننا، والخطأ كما تعلمون، ملازم للعمل، وحدهم الذين لا يعملون هم الذين يظنون أنهم لا يخطئون، نعمل لنزيل آثار الدمار الذي خلفته الحرب في كل زاوية من زوايا لبنان وتركت اللبناني نهبا لليأس والقنوط والإحباط، ولكن الإنسان ينسى. نحن نقوم بواجب يمليه علينا ضميرنا ووطنيتنا، لا نستحق ولا نطلب عن ذلك لا جزاء ولا شكورا، ولكننا نطمع بالمؤازرة، يكفي أن نكون، منصفين بحق وطننا على الأقل، فنتذكر ما كنا عليه بالأمس وما أصبحنا عليه اليوم، وما نعمل ونحلم بالوصول إليه في الغد.

 إن عملية الإصلاح والنهوض الاقتصادي، بعد الحرب، أيها السادة، كما تعلمون، تتطلب جهودا جبارة وإمكانات هائلة، ليست كلها بمتناول اليد، وهي تتطلب أيضا وقتا وصبرا وتضحيات، فهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن. فما دمر طوال سبعة عشر عاما أو يزيد، لا يبنى في سنة ونيف، ولكن ذلك لن يدخل اليأس إلى قلوبنا لان إيماننا بالله وبشعبنا أقوى من اليأس، ولن نترك للإحباط سبيلا إلى نفوسنا لان ثقتنا بأنفسنا وباللبنانيين فوق كل مشاعر الإحباط والقنوط. ولكن إنقاذ الوطن لا يمكن أن يكون مسؤولية فرد أو جماعة إنها مسؤولية المجتمع بكل أفراده وفئاته وعناصره، وشرط نجاحه تضامن الشعب مع قيادته والوقوف إلى جانبها ودعمها، وهو يفرض مشاركة الجميع في ورشة الإنقاذ وورشة إعادة البناء والاعمار. إن عملية الإنقاذ تلقي علينا جميعا مسؤولية الابتعاد عن التشكيك بمسيرتنا الوطنية ومحاذرة التلهي بخلافات جانبية أو بمطامع شخصية يضعها البعض فوق مصالح الوطن وتجعلها تنحرف عن المسار فتضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ لبنان.

 ولا بد من لفت النظر هنا، إلى أن التحولات والمتغيـرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم، وما يمكن أن تأتي من جديد، أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تلقي علينا مسؤولية إمعان النظر مليا في أمر مواقفنا، بعضنا من البعض الآخر، وفي أوضاعنا الداخلية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل الاحتمالات، فنحن بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني وتحصين الوحدة الداخلية وترسيخ عوامل الاستقرار في البلاد، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ننكب على إعادة البناء والاعمار والنهوض الاقتصادي، وتأمين العيش الحر الكريم لمواطنينا، ونحن بحاجة ماسة إلى مشاركة كل اللبنانيين في هذه العملية. لقد قطعنا شوطا" كبيرا" في مسيرة استعادة ثقة العالم بنا، وعلينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، أننا أهل لهذه الثقة، وعلينا أن نجتاز هـذا الامتحان الصعب الـذي تمـر به البلاد، وهو امتحان لمدى إرادتنا ووطنيتنا وقدرتنا على تجاوز المحن والانتصار عليها، ولن ننجح في هذا الامتحان إلا معا، يدا واحدة وقلبا واحدا.

 لقد آن الأوان لتحمل المسؤولية، آن الأوان للعمل بجدية. لم يعد مسموحا التعامل مع الأمور بخفة أو باستخفاف، لم يعد جائزا تحميل الاقتصاد أعباء ثقيلة ابتغاء كسب سياسي، لا يلبث، وفي مدى منظور، أن ينعكس سلبا على مستوى معيشة المواطنين، ويجهض مسعى الحكومة الدائب في لجم التضخم وتقليص عجز الموازنة، وزيادة فرص النمو سنة بعد سنة. إن التحديات باتت تطرق أبوابنا بقوة، وما لم ننهض جميعا للتصدي لها، بالعمل والإنتاج والترفع عن المصالح الشخصية والضيقة التي تتحكم بمواقفنا وتصرفاتنا، فلن يكون لنا الوطن الذي نريد، ولن ينتظرنا قطار التقدم والنمو الذي يسير بسرعة قياسية، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا بين الدول في شتى المجالات، ونجاحنا بنهاية المطاف مرهون بإرادتنا وبموقفنا من مشروع بناء الدولة الحديثة.

     ولسوف نسعى بصبر وأناة إلى التعاون مع كل الإرادات الطيبة والراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 وسيوفى الصابرون أجورهم.

 أيها البقاعيون،

     أهراء الخير، عبر التاريخ للبلاد كنتم، خزان الثورة العربية على القهر والظلم والاحتلال واغتصاب الأرض انتم، وسنابل الأمل والحرية تنمو على سواعد أبنائكم، الشمس تسطع من وراء جبالكم، وتنام ملء جفونها على جنبات سهولكم، ورياح الشمال والجنوب تغدو وتروح، وتموج كما البحر فوق أنهاركم وينابيعكم، وأبخرة شواطئ لبنان كله، تصطحب هواء جباله، وتحط جذلى على روابيكم، ويحلو لأمطار السماء أن تستقر في أعماق تربتكم، تلكم هي آفاق لبنان، لا متناهية هي، فهل يجوز لنا أن نتساءل بعد ذلك عن آفاق مستقبل لبنان؟

 عشتم وعاش لبنان

 والســلام،

 

البقاع- السبت في 7 أيار 1994

التاريخ: 
07/05/1994