رد الوزير فؤاد السنيورة على النواب في جلسة مناقشة عامة

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

لا نخال احد النواب الكرام جادا في قوله أن الكثير من الخبراء يترحمون على أيام الانهيار النقدي ولا أظنه راغبا في العودة إلى مثل تلك الأيام السوداء التي عانى منها كل الشعب اللبناني وخاصة ذوي الدخل المحدود معاناة لدرجة يتمنى الشعب حتى مجرد عدم تذكيره بها.

 ولكن يبدو أننا مضطرين للتذكير إنصافا للحقيقة، فالكل يتذكر بأن 17 سنة من الأحداث الدامية والدمار ألحقت ضررا كبيرا في البنية التحتية للاقتصاد اللبناني وفي حجم الناتج المحلي كما أنها قلصت وبشكل ملموس إنتاجية الاقتصاد اللبناني. إن هذه العوامل بالإضافة إلى الغلاء الفاحش والدولرة وانخفاض سعر العملة الوطنية في الثمانينات وبداية التسعينات أدت إلى انخفاض حاد في متوسط دخل المواطن اللبناني مما أدى بدوره إلى تقليص الطبقة الوسطى في لبنان بحيث بات الناس يعيشون هاجسا يرافق حياتهم اليومية ويأكل مداخيلهم وهو ارتفاع سعر الدولار بشكل جنوني ولا حدود له.

 فكان هم الحكومة الأول التصدي لهذه المشكلة الوطنية التي تشكل التحدي الرئيسي للشعب اللبناني على المدى المتوسط والبعيد. فباشرت بإتباع سياسة اقتصادية تهدف إلى تحقيق استقرار سعر الصرف والمحافظة على الاستقرار النقدي والمالي، وهذا الاستقرار الذي وصلنا إليه هو الذي أدى إلى تعزيز الثقة بالوضع الاقتصادي والمالي والتي بدورها أثمرت ولا تزال في استقطاب رؤوس الأموال اللبنانية والعربية والأجنبية واستعداد المؤسسات والصناديق المالية الدولية والعربية في تقديم الدعم إلى لبنان.

 وإذا كان البعض يشكو من عدم وصول المساعدات الموعودة، ونحن منهم، فلا يخفى على احد الأسباب الحقيقية، وجلها يتعلق بوضع المنطقة، وعلى كل حال فإن الحكومة مستمرة في متابعة هذا الموضوع وخاصة فيما تم الالتزام به تجاه لبنان.

 لذلك فإن البديل المتاح هو الاعتماد على إمكاناتنا الذاتية والقروض الميسرة والعادية في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة وهو ما يضعنا أمام تحديات وصعوبات اكبر في ظل الإمكانات المتاحة والتي لا تتلاءم مع طموحات وحاجات الشعب اللبناني. والتحدي الأكبر يكمن في التوفيق بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطن وترشيد الإنفاق، وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجياً وخلال السنوات القادمة تمهيداً لإلغائه من جهة، وبين تحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة ثانية. أي أن علينا أن نوفق بين سياسة التقشف وشد الحزام لتحقيق هدف تخفيض عجز الموازنة، وسياسة الإنفاق التي تقتضيها عملية النهوض الاقتصادي. ويزداد هذا التحدي حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركةالثقيلة الموروثة، ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي وبند الرواتب والأجور والتعويضات والتقديمات لعام 1994 قد شكلا أكثر من 60% من مجموع الموازنة وأكثر من مجموع واردات الدولة المتوقعة للعام ذاته. بينما بلغت نسبة مجموع الرواتب والأجور والتعويضات والتقديمات المبينة في قانون موازنة 1994 حوالي 1505 مليار ليرة لبنانية أي ما نسبته حوالي 67% من مجموع الواردات المرتقبة لعام 1994.

 وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام النفقات الإدارية والنفقات الثابتة الأخرى فأن نسبة مجموع النفقات الثابتة إلى مجموع الموازنة يتعدى الـ80%. هذا مما يضعف قدرة الحكومة على تقليص حجم الإنفاق العام وهذا ما يفسر تشدد الحكومة في تلبية جميع مطالب الموظفين والعمال، منعا من وقوع الدولة مرة أخرى في الحلقة المفرغة التي أدت بها إلى استعمال وسائل التمويل التضخمي والذي يؤدي بدوره حتماً إلى حصد مداخيل ذوي الدخل المحدود وبحيث تصبح هذه الزيادات زيادات وهمية وليس حقيقية لا بل تؤدي إلى انخفاض في المداخيل الحقيقية.

 ومن هذا المنطلق كان اهتمام الحكومة منصبا على تخفيض عجز الموازنة بصورة تدريجية بهدف تخصيص موارد اكبر للقضايا الاجتماعية والإنمائية. وقد تمكنت الحكومة من تقليص عجز الموازنة بصورة ملحوظة خلال عام 1993 بشكل مكنها من التوجه نحو الإنفاق الاجتماعي والإنمائي. وان موازنة 1994 تعكس بالأرقام هذه الحقيقة: فالاعتمادات الملحوظة في موازنة 1994 للقضايا الاجتماعية بما فيها التربية بلغت حوالي 38 بالمئة من إجمالي الموازنة.

 كما أن نفقات الإنماء والاعمار كنسبة من مجموع الإنفاق العام المتوقع خلال 1994 ستبلغ 36 بالمئة. علما أن الحكومة تنفق هذه الاعتمادات وفق أولويات تم التوافق عليها بين الحكومة ومجلس النواب.

 إن حجم هذا الإنفاق المتزايد مقرونا بضرورة الخفض التدريجي لعجز الموازنة يتطلب تأمين موارد مالية إضافية. وتعتمد الحكومة لتحقيق هذه الغاية على تحسين الجباية من جهة وإعادة النظر في السياسة الضريبية من جهة أخرى. إن السياسة الضريبية لهذه الحكومة تهدف إلى تخفيف العبء الضريبي عن ذوي الدخل المحدود كما تهدف بنفس الوقت إلى إعطاء حوافز للمستثمرين من اجل استقطاب رؤوس الأموال للتوظيف في مشاريع إنتاجية تؤدي إلى خلق فرص عمل للعديد من الشباب اللبناني.

 كما اهتمت الحكومة بتصحيح معدلات الرسوم غير المباشرة، وهي الرسوم التي تستوفى من المواطنين مقابل الخدمات التي تقدم إليهم، وعند طلب هذه الخدمات فقط، بحيث تنسجم مع واقع الأسعار وتدني قيمة العملة الوطنية خلال الأحداث، وقد اعتمد في زيادة هذه الرسوم التي أثارت ضجة غير مبررة، في الجدول رقم 9 الذي اقر مع موازنة 1993 المبادئ الآتية:

  • تعديل بعض الرسوم القديمة التي لم تعد تتلاءم مع قيمة النقد اللبناني الحالية.
  • تأمين تغطية جزئية لبعض اكلاف الخدمات التي تؤديها الإدارات العامة.
  • اعتماد مبدأ الزيادة في الحالات التي لا يلجأ فيها المواطن لطلب خدمة من الإدارة العامة إلا لمرة واحدة أو مرات محدودة في السنة كرسم الميكانيك على السيارات ورسم جوازات السفر.
  • تأمين بعض الموارد للخزينة ولمشاريع إنمائية محددة.

 ومن اجل تحريك عجلة الاقتصاد أيضا اتبعت الحكومة سياسة الخفض التدريجي لمعدلات الفوائد على سندات الخزينة وعلى الودائع المصرفية بالعملة اللبنانية والعملة الأجنبية وذلك لتحقيق التوازن ما بين هدفي تعزيز الاستقرار النقدي وتفعيل الاقتصاد. والجدول التالي يظهر الانخفاض الجاري على معدلات الفوائد بالليرة اللبنانية على سندات الخزينة ما بين شهر آب 1992، شهر كانون الأول 1993 وشهر حزيران 1994:

 

معدلات الفوائد

الفوائد

 

 

 

3أشهر

6أشهر

سنة

سنتان

آب 1992

34

35

34

33

كانون الأول 1993

17

19

20.8

22

حزيران 1994

15.4

17.5

19.3

20

 

 والحكومة مستمرة في سياسة الخفض التدريجي لمعدلات الفوائد لان أية محاولة لخفضها بشكل سريع وغير مدروس من شأنه أن يؤدي إلى خلق بلبلة في الأسواق المالية ويضعف حالة الاستقرار المالي والنقدي في البلاد. وتجدر الإشارة أن هذه السياسات المالية والنقدية ليست ذات اثر تقليصي أو تقييدي بل تهدف إلى تحريك عجلة الاقتصاد دون الوقوع في التضخم وان حالة الركود الاقتصادي الملاحظة ليست نتيجة لهذه السياسات.

 إن حالة الركود تعود إلى أسباب عديدة منها:

 

  1. حالة الركود الاقتصادي السائدة منذ فترة ليست بالقصيرة في العالم.
  2. التقلص الكبير اللاحق بالاقتصاد الموازي الذي نشا بسبب استمرار الأحداث وسيطرة قوى الأمر الواقع والتجارات غير الشرعية والممنوعة والذي كان يحقق مداخيل كبيرة غير منظورة ولاسيما بعد عودة الدولة لممارسة سلطتها وعودة الوطن إلى المجتمع الدولي.
  3. التآكل التدريجي للقدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني وانخفاض الإنتاجية والذي انعكس على حجم حركة الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الخارجية.
  4. الوضع الحالي للبنى التحتية والذي لا يحقق اتصالاً بين قطاعات الإنتاج ولا يؤمن بالتالي شبكة اتصال وتوزيع سهلة تخفف من كلفة الإنتاج وتسهل تبادل السلع والخدمات وهو الأمر الذي يعرقل عجلة الاقتصاد ويزيد في غلاء الأسعار.
  5.  
  6. تردي الإنتاجية لمختلف عوامل الإنتاج مما يؤثر على عجلة الاقتصاد ويساهم في رفع أسعار السلع والخدمات ويضعف من قدرة لبنان التنافسية.

 وان الخروج من حالة الركود يتطلب عملاً دؤوباً وفترة زمنية ليست بالقصيرة، علماً أن معظم دول العالم تشكو اليوم من حالة الركود في أوضاعها الاقتصادية، وهي تخطط منذ سنوات عديدة لتجاوز هذه الحالة، ولم يتخطاها إلا القليل منها. والحكومة تعمل على معالجة هذه المشكلة بكل الوسائل المتاحة، وخاصة، من خلال تفعيل نشاط القطاع الخاص، وإعادة بناء البنى التحتية، فضلاً عن تعزيز قدرة بنك الإسكان على التمويل بزيادة موارده بمبلغ 100 مليون دولار، وتفعيل بنك الإنماء الصناعي والسياحي وتحريك عجلة العمل في بورصة بيروت وسعي الحكومة لدى مؤسسة التمويل الدولية، ولبنان عضو فيها، لتوفير قروض إضافية طويلة الأمد للقطاع الخاص ولاسيما المؤسسات الصناعية والسياحية بحدود مبلغ 70 مليون دولار. كما انه من المتوقع أن تقوم شركة سوليدير بإيداع جزء كبير من رأسمالها في القطاع المصرفي، وان من شأن كل هذه الخطوات أن تؤمن زيادة في السيولة تقدر بحوالي 700 مليون دولار، وبالتالي، في حجم التسهيلات للقطاع الخاص، هذا فضلاً عن كل المشاريع الإنشائية العديدة التي بدأت الحكومة العمل فيها كل هذا سيساعد في تنشيط الحركة الاقتصادية.

 إن عملية النهوض الاقتصادي تتطلب جهودا جبارة وإمكانات هائلة ليست كلها في متناول اليد كما تتطلب وقتا وصبرا وتضحيات وهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن ونحن نعمل بقدر الإمكان على التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا أكثر مما يستطيع ونزيد المشكلة الاجتماعية تعقيدا ولا تكون الأولى على حساب الثانية فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها فنحن بقدر ما نعمل ليومنا فإننا نفكر ونعمل لغدنا ولكن ذلك يتطلب مشاركة كل اللبنانيين في عملية النهوض والبناء والاعمار ونحن واثقون انه بتعاون الحكومة ومجلس النواب وبثقة شعبنا وبما يتحلى به من قدرات ومزايا وطنية قادرون على تجاوز مشكلاتنا.

 

مجلس النواب- 29/6/1994

التاريخ: 
29/06/1994