كلمة الوزير فؤاد السنيورة أمام وفد المؤسسة العربية لضمان الاستثمار

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها السادة،

 أرحب بكم أجمل ترحيب وأخص بالذكر المدير العام للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار الأستاذ مأمون إبراهيم حسن والوفد المرافق الذين شرفونا بحضورهم إلى بلدنا لبنان ليطلعوا على أوضاعه العامة ولاسيما الاقتصادية منها والمالية وليروا بأم العين الخطوات التي حققها لبنان على صعيد الأمن والسلام وإعادة الاستقرار الاقتصادي والمالي وسعي الحكومة الدؤوب إلى إطلاق عجلة الاقتصاد وتوفير الظروف والمناخات الملائمة للاستثمار وضماناته وفرص توظيف الأموال في لبنان في مشاريع إنتاجية تؤمن مردودا جيدا لأصحاب الرساميل في ظل تشريعات ملائمة ومشجعة.

 لقد أدركت الحكومة منذ البداية حجم المشاكل العالقة إلي خلفتها الحرب ووعت عظم المسؤولية والجهود الاستثنائية المطلوبة منها، وهي عملت على انتهاج سياسة هادئة وعقلانية من شأنها معالجة هذه المشاكل والتوفيق بين تلبية الحاجات الراهنة للناس وبين حاجات الغد ومتطلباته وضرورة مواكبة حركة التقدم والتطور، لكي لا يبقى لبنان متخلفا عن الركب.

 لا شك أن الاستثمار يشكل قضية محورية بالغة الأهمية لاقتصاد أي بلد من بلدان العالم لكونه الوسيلة الأساسية لتحقيق زيادة في الناتج القومي ولخلق فرص عمل جديدة للآلاف من المنضمين إلى سوق العمل أو من العاطلين عن العمل فضلا عن كونه أيضا يساهم والى حد بعيد في تحديث وسائل الإنتاج مما يشجع على تخفيض كلفة الإنتاج وبالتالي في تحقيق مزيد من التنافس في السوقين الداخلي والخارجي.

 إذا كان للاستثمار مثل هذا الدور المحوري في اقتصاد أي بلد من بلدان العالم فان هذا الأمر يأخذ أبعادا هامة بالنسبة للبنان وهو البلد الخارج من حرب أثخنته بالجراح ونالت الكثير من بناه التحتية المادية والإدارية والبشرية في كل مؤسسات القطاع  العام ومؤسسات القطاع الخاص.

 إن الحرب اللبنانية التي وان طاولت الكثير ودمرت العديد من المؤسسات ومن الميزات التفاضلية التي كانت للبنان لم تستطع أن تنال من أمور عديدة أخرى لازال لبنان يتمتع بها وتجعله قادرا، إذا ما أدرك اللبنانيون قيمتها وأحسنوا استغلالها وتعزيزها وبدأوا مرحلة جديدة من البناء على أساسها، من تحقيق قيامة جديدة لاقتصاده تؤهله للعب دور متطور ونام في محيطه العربي والدولي.

 إننا نعلم جيدا أن اجتذاب الرساميل إلى لبنان في ظل التنافس الدولي المتعاظم مهمة صعبة للغاية، لكننا انطلاقا من قناعاتنا بدور لبنان المميز في المنطقة وبإمكاناته المتمثلة بموقعه الجغرافي، وعراقة اقتصاده الحر والتزامه بمبدأ حرية الصرف وقانون السرية المصرفية واحترام الملكية الفردية وانفتاحه على العالم بكافة ثقافاته وحضاراته وتشبثه بالحرية والديمقراطية فضلا عن استمرار احترامه لكافة التزاماته المالية وغير المالية، وكفاءة أبنائه وحيويتهم ومقدرتهم الفريدة على التكيف مع الظروف والأوضاع المستجدة، وشبكة المعارف والخبرات والعلاقات التي بنيت في الحقبة الماضية، مضافا إليها التفاعل الايجابي البناء ما بين جهود القطاعين العام والخاص مع جهود المستثمرين العرب تشكل جميعها الركائز الأساسية التي يمكن أن يقام عليها بنيان لبنان الجديد الذي يرغب اللبنانيون في رؤيته وهم على عتبة القرنالواحد والعشرين. هذه الميزات إذا ما أحسن استغلالها ستساهم والى حد بعيد في إعادة نبض الحياة للدورة الاقتصادية مما يحقق مصلحة اللبنانيين وجميع المستثمرين.

 لا بد لي أيها السادة من أن أوضح موقف الحكومة الحالية في تحديد دور كل من القطاع العام والقطاع الخاص في عملية الاستثمار. إن مفهومنا لدور القطاع العام في تحديث الاقتصاد اللبناني في ظل المتغيرات البنيوية الجارية عليه وبالتالي في تشجيع الاستثمار يرتكز على التالي:

 

أولاً:  تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي.

 ثانيا:  إعادة بناء البنى التحتية.

 ثالثا:  إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزالة كل العقبات أمام المستثمرين  بشكل يكفل وضع لبنان على نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من اجل اجتذاب مزيد من رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية.

 

إن المناخات المطلوبة للاستثمار لا تقتصر فقط على إرساء قواعد الاستقرار والأمن، هذا أمر بديهي، بل أيضا على عمل ثابت ودؤوب في كل الاتجاهات التي تولد الطمأنينة وتعطي دفعا لعملية الإنماء.

 إن الحكومة بدأت بتهيئة الأجواء لذلك وينبغي التمسك بهذه السياسة وتدعيمها عن طريق اعتماد تدابير اقتصادية ومالية هدفها لجم التضخم من خلال سياسة مالية تحقق زيادة في الواردات وخفضا للنفقات غير المجدية وتؤدي إلى خفض العجز في الموازنة، تأمينا" لاستمرار حالة الاستقرار النقدي والاقتصادي المنشود الذي هو الباب الذي يمكن أن نلج منه بثقة نحو تحقيق زيادة حقيقية في معدلات النمو ورفع مستوى المعيشة لكل المواطنين.

 نحن ندرك ولا شك أن الاستثمار بحاجة إلى بنى تحتية وتوفير خدمات متنوعة ليتمكن من الانطلاق، وقد دأبت الحكومة على وضع مخططات إعادة بناء البنى التحتية وتعزيزها لكي تلبي حاجات لبنان المستقبلية بما فيها الطاقة الكهربائية وخدمات متطورة للاتصالات، وشبكة للطرقات، وتطوير المطار والمرافئ وغيرها من المرافق العامة. وقد بدأت الحكومة فعلا ورشة تفعيل هذه المرافق وستظهر نتائج هذه الجهود تباعا.

 لقد كان الاستثمار وما زال في لبنان عملية تتمتع بأوسع التسهيلات واقل قدر ممكن من العقبات. إن تأسيس شركة أمر في غاية السهولة ولا يخضع سوى لإجراءات روتينية بسيطة وغير مكلفة، وتحويل الرساميل لا يخضع لأية معاملة. وحرية القطع تامة بالإضافة طبعا إلى سرية مصرفية يحميها القانون لم تخرق، حتى في أحلك ظروف الحرب، وكما أن الشركات تتمتع بحرية كاملة في إدارة شؤونها.

 إن حرية التجارة وحرمة الملكية الخاصة وسيادة القانون والحرية الاقتصادية والمالية كلها تشكل ضمانات أكيدة للمستثمرين ورجال الأعمال. كما أن تاريخنا الاقتصادي دل على أن الاستثمار لم يكن عرضة لأي تدبير تعسفي. فالحكومة اللبنانية لم تقدم يوما على اتخاذ أي تدبير من شأنه الحد من الحرية كالتأميم ومنع التحاويل ورفع السرية المصرفية أو الأضرار عمدا بأية مصلحة اقتصادية قائمة، ووفت بذلك بكل التزاماتها تجاه القطاع الخاص والمستثمرين عموما نظرا لاقتناع جميع اللبنانيين بخياراتهم الاقتصادية ونظام لبنان الاقتصادي الحر وإيمانهم بالحريات العامة والحقوق الفردية وضماناتها الدستورية والقضائية.

 ولا ريب أن التحسن التدريجي للأوضاع الاقتصادية وزيادة الفائض في ميزان المدفوعات وزيادة سيولة المصارف ونتائج السياسة المالية للحكومة والتحسن التدريجي في مستوى الأداء العام للاقتصاد الوطني ولجم التضخم، كلها عوامل ستؤدي حتما إلى انخفاض تدريجي لمستويات الفائدة والى زيادة قدرة المصارف التمويلية بشروط أكثر ملاءمة لكافة المستثمرين.

 وان الحكومة اللبنانية تعول كثيرا على إيجاد تسهيلات أخرى للمؤسسات بتمكين شركاء وممولين ومستثمرين غير لبنانيين من المشاركة بأشكال مختلفة في تمويل الشركات، إن من حيث المساهمة في الرأسمال أو تمكينها من الحصول على التمويل اللازم عن طريق إصدار أوراق مالية قابلة للتداول، كما ستقوم الحكومة اللبنانية بتفعيل عمل بورصة بيروت مع ما يتطلب ذلك من تعزيز للأنظمة المحاسبية ولمؤسسات الرقابة والتدقيق مما يشجع ويطمئن المستثمرين على الاستثمار في المؤسسات الكبيرة.

 إن شركة إعادة اعمار وسط العاصمة بيروت ما هي إلا احد بواكير هذه الاستثمارات الكبيرة التي سيكون لها شأن كبير في تحريك عملية الاقتصاد وتكون القاطرة للعديد من الاستثمارات الجديدة.

 لا شك أن المستثمر الذي يضع في قمة أولوياته تحقيق عائد مقبول ومجدي للاستثمار الذي يود أن يقوم به في لبنان يود أيضا التأكد من الضمانات التي تجعله مطمئنا للقيام بهذا الاستثمار. ومن اجل ذلك بادر لبنان إلى تأسيس المؤسسة الوطنية لضمان الاستثمارات منذ عام 1983 الذي يشمل ضمانها بكفالة الدولة: الأعمال الحربية والاضطرابات الأهلية العامة والثورات والفتن وأعمال العنف ويتناول الضمان خسائر العناصر المادية التي ثبت وقوعها كنتيجة مباشرة للمخاطر المشمولة بالضمان، وكذلك المصادرة والتأميم وفرض الحراسة ونزع الملكية والاستيلاء الجبري، وتحويل قيمة الاستثمارات ومداخيلها إلى الخارج وكذلك أقساط استهلاك تلك الاستثمارات وأجور المستخدمين لدى الشركات الأجنبية.

 بالإضافة إلى ذلك فإن الدولة عازمة على توسيع دائرة اهتمام المؤسسة لتشمل إيضاح الفوائد الاقتصادية والمالية والتسهيلات القانونية والتنظيمية وكافة المنافع في كل المجالات التي يمكن أن يستفيد منها المستثمر في لبنان بما في ذلك إنشاء مركز متطور للمعلومات يتيح للمستثمرين الحصول على المعلومات الوافية حول المواضيع التي تهمهم والوسائل والسبل التي تسهل عملية اختيار مجالات الاستثمار التي يرغبون فيها وإمكانياتها.

 إن الدولة اللبنانية التي كانت من أوائل الدول العربية التي ساهمت في تأسيس المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ستعمل على تعزيز مشاركتها في أعمالها ونشاطاتها.

 ولقد استكملت الحكومة هذه الخطوات بانضمامها مؤخرا إلى اتفاقية ميغا الدوليةMultilateral Investment Guarantee Agency أي المؤسسة المتعددة الأطراف لضمان الاستثمار وهي المنظمة التي تشجع الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية من خلال توفيرها لضمانات طويلة المدى ضد المخاطر السياسية أو المخاطر الناتجة عن عدم القدرة على تحويل الأرباح المحققة على الاستثمارات إلى العملات الأجنبية وتحويلها إلى خارج البلد المضيف وكذلك ضد مخاطر الحروب والشغب. وان اشتراك لبنان في هذه المنظمة يؤمن له أيضا الاستفادة من خدمات الترويج والاستشارات من خلال المؤسسة المتفرعة عنهاForeign Investment Advisory Services (FIAS)  مما سيدعم قدرة لبنان على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية ويجعل من لبنان مكانا ترغب في الاستثمار فيه رؤوس الأموال الأجنبية والعربية فضلا عن أنها تؤدي إلى أن تضع لبنان في مركز تنافسيأفضل مع عديد من الدول النامية التي تقدم مثل هذه الضمانات والمنافع.

 كما أن وجود لبنان كعضو مؤسس وفاعل في المؤسسة العربية لضمان الاستثمار يفتح له مجال الاستفادة من فريق العمل المميز الموجود لديه، والخبرات المتراكمة، ومساندة الإخوة العرب في ترجمة ضمانة الاستثمار إلى تأمين يتمتع بكافة عناصر الكفاءة المهنية والمتانة المالية.

  

أيها السادة،

 إننا نعلق أهمية خاصة وآمالا كبارا على بناء صرح التعاون العربي الحقيقي على مختلف الأصعدة ولاسيما على الصعيد الاقتصادي في ظل تجاذبات دولية وإقليمية وتنافس حاد بين الدول واستقطابات الكتل الاقتصادية الكبرى في العالم، وذلك لفتح الأسواق العربية على بعضها البعض وتبادل الرساميل وتسهيل الإجراءات وتبادل الخدمات والمساعدات التقنية والفنية، وإننا نولي مسألة التعاون بين لبنان والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار أيضا أهمية بالغة لما يمكن أن يؤدي إليه هذا التعاون على الصعيد التقني لضمان الاستثمارات والمساعدة التي يمكن أن تقدمها المؤسسة في عملية الترويج للاستثمار من دفع لعجلة الاقتصاد، هذا فضلا عن المساعدة التقنية ليس فقط للعاملين في مؤسسات الاستثمار ولكن من اجل تطوير سوق المستثمرين في لبنان لتأمين الاستثمارات  من الداخل وتشجيع المستثمرين العرب على توظيف أموالهم في لبنان ودعوتهم إلى المساهمة في عملية بناء لبنان واعماره والتي ستنعكس ايجابيا على كل الدول العربية وعلى المواطنين العرب في شتى المجالات لان التعاون العربي الذي نعتبره ركيزة وقوة اقتصادية وسياسية من شأنه أن يعزز الروابط بين العرب ليس على الصعيد الرسمي فقط ولكن على صعيد ترسيخ عرى الصداقة والتعاون البناء بين المواطنين العرب أيضا وبين رجال الأعمال العرب وفي ذلك ما فيه من فائدة ومصلحة مشتركة للجميع.

 

سعادة الأخ مأمون إبراهيم حسن،

 أتمنى لكم إقامة طيبة، وآمل أن نتعاون في سبيل إعادة بناء لبنان واعماره في ظل تعاون وتضامن عربي شامل، ونحن متأكدون أن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار تشكل إحدى العناصر التي تدعم هذه الآمال.

 شكرا لكم وأهلا وسهلا بكم، والسلام،

 

غرفة التجارة والصناعة- بيروت

2 حزيران 1994

التاريخ: 
02/06/1994