كلمة الوزير فؤاد السنيورة ممثلاً دولة رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في افتتاح مدينة البقاع الرياضية

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها الإخوة الكرام،

 لقد كان حرص دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري كبيراً بأن يرعى شخصياً حفل افتتاح مدينة البقاع الرياضية ليهنئ أهل البقاع، ولاسيما، جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية، بهذا الانجاز العظيم، الذي يمثل إرادة شعب يأبى أن يموت، والذي يعتبر شهادة حق على قدرة هذا الشعب وعمق إيمانه وصلابته، وهو كلفني اليوم بتمثيله في اختتام الدورة العربية الرياضية التي تجمع شباب العرب على ارض العرب لبنان.

 كانت حلماً راود أذهان مجموعة من رجالات هذه المنطقة، أولي عزم، فأصبحت اليوم حقيقة، تنطق بإرادة شعب لا تزعزعه النوائب، ولا تضعفه المصائب، بل تزيده قوة وشكيمة وبأساً، وتعبر عن طموح شعب لا تقف بوجهه الصعاب، ولا تخيفه المخاطر أو التحديات، بل تبعث فيه روح المغامرة والإقدام. عندما كان العدو الإسرائيلي يدمر بمدفعيته البيوت والمنازل ويحرق الأرض والزرع، كان هناك رجال يبنون ويعمرون ويحلمون بالمستقبل، وها هي مدينة البقاع الرياضية، المحاطة بصروح ومراكز حضارية، تربوية وثقافية وإنسانية، تزهو بشبابها وشاباتها، الذين تتشابك أيديهم وتتلاقى أرواحهم، ويتنافسون في لقاءات تسودها الروح الرياضية والإخوة العربية، وتزدان بأعلام الدول العربية الشقيقة، والجمعيات والأندية الرياضية اللبنانية المشاركة في هذه الدورة، ويطل من بينها علم لبنان، مرفرفاً فوق ارض البقاع، رمزاً للعزة والكرامة الوطنية، عزيزاً باللبنانيين، قوياً بأشقائه، وفي مقدمتهم الشقيقة الكبرى سوريا، وشاهداً على وحدة هذه الأمة وأصالتها وعروبتها.

 أيها الإخوة،

 إن الحق قوة، ونحن أصحاب حق، وقوتنا تكمن في هذا الشعب، على سواعد هؤلاء الشباب سنعتمد لنبني لبنان. نحن جئنا للبناء والاعمار، جئنا لنحيي أرضاً ميتاً أحرقتها الحرب والأحقاد بنارها، جئنا لنطوي صفحة الحرب والدمار إلى الأبد، جئنا لنبني ما دمرته الحرب ونطلق ورشة العمران في كل مكان من لبنان، جئنا لنحيي إرادة البناء، لن نقبل أن نسجل على أنفسنا أننا أهدرنا حقاً أو دمرنا بيتاً أو هجرنا إنساناً. إننا نعمل لإزالة آثار التهجير والدمار والخراب التي حلت في كل زاوية من زوايا البلاد، ولنمحي تلك الصورة المظلمة من ذاكرة شبابنا وأطفالنا، نريد أن تتفتح أعينهم وقلوبهم على صورة مشرقة للبنان، لا على صورة قاتمة ومشوهة، تنغرس في نفوسهم، وتترك آثارها السلبية على مستقبل حياتهم. نريد أن نستنهض همم الرجال والشباب للعمل والإنتاج، والخلق والإبداع، لكي يقيموا بنيان وطن جديد معافى، على مستوىأمانيهم وطموحهم. نريد أن نستثير همم الرجال والشباب لكي يبعثوا الحياة، كما الماء، في كل شيء، فرب همة أحيت امة، وليكن بمعلومنا أننا لن نستطيع أن نبني مستقبل امتنا وان نصون حريتها بالكلمات أو الشعارات. نحن نريد أن تدخل الدولة إلى كل المناطق لكي تظلل بأمنها وحمايتها وخدماتها كل المواطنين، نريد أن تكون الدولة للجميع، أن تكون هي الملجأ والملاذ والمرتجى. وهذا يعني أن يشعر الجميع بوجودها، وهذا يعني أن تقوم الدولة بواجباتها تجاه جميع اللبنانيين. نريد باختصار أن نبني دولة، أن تكون لنا دولة، دولة حديثة، دولة قوية، دولة عادلة، دولة تصون مواطنها وتحميه، وتكفل له أمنه وحريته وكرامته وعيشه، وتقيه وتجنبه مغبة العودة إلى التجربة المريرة التي عاناها والتي قاسى منها اشد ألوان الظلم والذل والهوان، خلال الأحداث الأليمة الماضية.

 إن رفيق الحريري، أيها الإخوة، آلمه ما حل بلبنان، بوطنه وبأهله، من دمار وخراب، فجاء يحدوه أمل واحد، وحلم كبير، هو إعادة اعمار لبنان ليصبح من جديد، منارة للعلم والإشعاع والحضارة، وليعود اللبناني، كما كان عبر تاريخه، مضرب المثل في الخلق والإبداع والرقي.

  أيها الإخوة،

 إن ما تشهده البلاد اليوم من استقرار في شتى المجالات ومن عودة إلى الحياة الطبيعية ومن ورشات البناء والاعمار في كل مكان من لبنان، وما تقوم به الإرادات الطيبة من اللبنانيين في القطاع الأهلي، من انجازات خارقة، لعل أعظمها حتى الآن، مدينة البقاع الرياضية، وما يحيط بها من صروح حضارية قامت بها جمعية التنمية الاجتماعية والثقافية، بهمة هذا الرجل الكبير الصديق الصدوق الأخ عبد الرحيم مراد، صاحب النخوة والنفحة الوطنية والعربية والقومية، والتي عز نظيرها في الرجال، أن ما تشهده البلاد من استقرار، ما كان ليحصل لولا وجود الشقيقة سوريا بقيادة الرئيس حافظ الأسد، ووقوفها إلى جانب لبنان في محنته.

 إن الوفاء يقتضينا، أيها الإخوة، واللبنانيون أوفياء بطبعهم، والوفاء جزء من أخلاقهم وتراثهم وتقاليدهم، الاعتراف بدور الشقيقة سوريا الحاسم في الدفاع عن لبنان وفي صون وحدته والوقوف بوجه محاولات تقسيمه أو النيل منه. وقد رعى الرئيس حافظ الأسد بنفسه مسيرة وفاقه الوطني، ولا يزال يرعى مسيرته الأمنية ومسيرة تحريره، ومسيرة إعادة البناء والاعمار فيه. وسوريا ورئيسها تتحمل مسؤولية الدفاع عن الكرامة العربية واستعادة الحق العربي المغتصب بعزة وأنفة وجرأة وحنكة، والمسؤولون في لبنان جمعيهم، وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهورية،ابن هذه المنطقة وابن لبنان البار، وصاحب القرارات والمواقف الوطنية الجريئة، ودولة رئيس مجلس النواب، ودولة رئيس مجلس الوزراء، يقدرون لسوريا وللرئيس حافظ الأسد بالذات ما قام ويقوم به من جهود وتضحيات من اجل إنقاذ لبنان وشعبه، وتحرير أرضه وترابه. والشعب اللبناني يحفظ للرئيس الأسد وقوفه إلى جانبه ويعترف بفضله في إحلال السلام فوق أرضه. وكلمة حق تقال، نسمعها دائماً من الأخ عبد الرحيم مراد وصحبه، وأهالي هذه المنطقة، ويرددها سراً وعلانية، ونرددها معه، إن هذه المنجزات التي تكاد تنطق وتشهد لأصحابها بالإرادة والعزيمة والوطنية، ما كانت لتقوم، وما كان لهذه الدورة العربية أن تبصر النور لولا العين الساهرة للقيادة السورية التي تعمل للبنان، كما تعمل لسوريا، وهذا ليس بمستغرب، فالشعب اللبناني والشعب السوري واحد، وطريقنا واحد، والمصير واحد، ونحن وسوريا على الدرب الطويل، وإننا بإذن الله لواصلون. بكلمة نقول، وربما لا نحتاج إلى القول، وإنما للتذكير فقط، مهما كانت وكيفما كانت، أشكال التعبير ومظاهرها، وهي لا تمس الجوهر، ولا تغير من الأمر شيئاً. فإن تحالفنا استراتيجي مع سوريا وهذا خيارنا.

 أيها الإخوة،

 إن مسيرة السلام والوفاق الوطني التي أرسى قواعدها اتفاق الطائف برعاية الشقيقة سوريا، باقية وماضية في طريقها، ومسيرة البناء والاعمار سائرة ولن تتوقف، مهما كانت الصعاب، ومهما بلغت التضحيات. هذه رسالة آلينا على أنفسنا أن نؤديها، لن نمل، ولن نتردد، ولن نتخلى، ولن نضعف أمام التحديات، بل تستثيرنا التحديات، تزيدنا عناداً وإصراراً على الإنقاذ والبناء والعمران، لكم، من أجلكم، ومعكم، فالتحدي يصنع الحضارة، ولن نقبل، كما يشهد تاريخنا، إلا أن نكون صناع وبناة حضارة.

 احمل إليكم أيها الإخوة والشباب تحيات دولة رئيس مجلس الوزراء، وتمنياته لكم بمستقبل زاهر وانقل للشباب العرب وللدول العربية المشاركة الشكر على مشاركتهم وإتاحة فرصة اللقاء بهم، والتقدير كل التقدير لجمعية التنمية الاجتماعية والثقافية، وللأخ عبد الرحيم مراد، الذين وضعوا هذا الصرح الرياضي في خدمة الوطن وشبابه والذي سيكون له دور فاعل ومؤثر في إنماء الحركة الرياضية والشبابية في لبنان.

 أما انتم أيها البقاعيون، فأهراء الخير، عبر التاريخ للبلاد كنتم، خزان الثورة العربية على القهر والظلم والاحتلال واغتصاب الأرض، انتم، وسنابل الأمل والحرية تنمو على سواعد أبنائكم ... الشمس تسطع من وراء جبالكم، وتنام ملء جفونها على جنبات سهولكم، ورياح الشمال والجنوب تغدو وتروح، وتموج، كما البحر، فوق أنهاركم وينابيعكم، وأبخرة شواطئ لبنان كله، تصطحب هواء جباله، وتحط جذلى على روابيكم، ويحلو لأمطار السماء أن تستقر في أعماق تربتكم...  

 فإلى لقاء...

 عشتم وعاش لبنان

 

 البقاع في 28 آب 1994

التاريخ: 
28/08/1994