كلمة الوزير فؤاد السنيورة ممثلا دولة رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في افتتاح المخيم الصيفي الثامن والأربعين للكشاف المسلم

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها الإخوة،

       يسرني أن امثل دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ رفيق الحريري في حفل افتتاح المخيم الصيفي الثامن والأربعين الذي تقيمه جمعية الكشاف المسلم في لبنان في غابة رويسات صوفر الجميلة، وهو التقليد الذي درجت عليه هذه الجمعية منذ نصف قرن تقريباً، والذي إن دل على شيء، فإنما يدل على عراقتها في العمل الكشفي والشبابي واستمراريتها في حمل الرسالة التي ندبت لها نفسها منذ فجر الاستقلال، رسالة النهوض بالنشأ اللبناني وزرع قيم الفضيلة والعلم والوطنية في قلوبهم وإغناء نفوسهم بحب الخير والاندفاع له ليساهموا في تطوير مجتمعهم ووطنهم ويكونوا ثمرة طيبة ولبنة صالحة في بنائه ونمائه، فكان لهذه الجمعية، جمعية الكشاف المسلم الضاربة جذورها في عمق تاريخ لبنان الحديث، منذ قيام دولة لبنان الكبير في سنة 1920 وقبل ذلك منذ تأسيسها في سنة 1912 الدور الوطني والاجتماعي والإنساني الذي ساهم ولا يزال يساهمبفضل الخيرة من شبابها ورجالاتها الذين تعاقبوا على حمل لوائها ورسالتها، واخص بالذكر، رئيسها الحالي الأخ والصديق عمر سلطاني، في بناء صرح هذا الوطني الغالي، لبنان.

  أيها السادة،

 حبذاّ لو تنشر مخيمات الشباب في كل مكان من لبنان، حبذاّ لو تعم هذه الظاهرة الاجتماعية والوطنية والثقافية، كل الأراضي اللبنانية، حبذاّ لو تضم كل شباب الوطن من كل المناطق، جنوبه وشماله، شرقه وغربه، لان هذه الظاهرة تنطوي على معانٍ كثيرة وعميقة إنها تعبير عن روح الجماعة، إنها شكل من أشكال يقظة الأمة نحو مخزونها الحضاري والإنساني، وهو الشباب، إنها التوجه الحقيقي والسليم نحو المستقبل ونحو البناء والعمران، العمران المدني والعمران الإنساني، الذي يأخذ في أعلى تجلياته، شكل بناء النفوس وتحصينها بقيم الأخلاق والفضيلة والوطنية، إنها تحمل معاني العمل ونبذ التواكل، والاستفادة من الوقت واستعماله بما فيه صلاح للمرء وخدمة للمجتمع، وعدم إضاعته فيما لا يعني ولا يفيد.

 إن الشباب، أيها السادة، هم عماد الأمة، هم أمل الغد، وهم بناة المستقبل. إن شبابنا هم الفجر الجديد الذي نتطلع إليه بشوق كبير. إن وجبنا تجاه شبابنا يفرض علينا أن نهيئ لهم سبل الاستفادة من أوقاتهم وإمكاناتهم، وان نيسر لهم الوسائل التي تمكنهم من استغلال قدراتهم وطاقاتهم في ما ينمي هذه القدرات ويغني هذه الطاقات، ولعل هذه المخيمات الشبابية الصيفية التي تضطلع جمعياتنا بمسؤولياتها، وفي مقدمتها جمعية الكشاف المسلم هي المثال الذي يحتذى في حقل العمل الاجتماعي والإنساني والوطني.

 وهذه الظاهرة الحضارية البناءة تكتسي في لبنان معنى آخر ومضموناً مختلفاً، إن تعميم مخيمات الشباب في كل المناطق اللبنانية، يتيح للنشأ الطالع الذي أبعدت بين أفراده، حواجز الكراهية والبغضاء والحرب العبثية، فرصة التلاقي من جديد، للتعارف، والانفتاح وتبادل الأفكار والعواطف، في أجواء إنسانية ونفسية مريحة ومؤاتية، إنها تخلق مناخات من الألفة والمحبة بعيداُ عن ضغوط البيئة وانغلاق المجتمع وحدود المكان والزمان. إنها إطار صالح ومناسب لغرس بذور الوحدة الوطنية الحقيقية، لأمن خلال الكلمات والشعارات أو الخطب، ولكن من خلال الانخراط في تجربة حياة مشتركة والتعاون في عمل مشترك وبناء، قد يشكل فيما بعد، إذا ما أمكن رعايته ومتابعته، نموذجاً وخطوة جدية في طريق الانصهار الوطني.

 إن قدرات شبابنا وإمكاناتهم وطاقاتهم الجسدية والفكرية والنفسية، إذا ما استثنينا النشاط الفردي الذي يبذله البعض، أو النشاط الذي تقوم به بمبادرتها الذاتية، بعض الجمعيات، تذهب هدراً، فلماذا لا نخطط ولا نعمل على إقامة المخيمات الصيفية كل سنة، في كل مكان من لبنان، فنحفظ شبابنا، ونؤمن لهم أمكنة التلاقي في مناخات صحية ملائمة، ونوجه طاقاتهم وإمكاناتهم فيما ينفعهم وينفع مجتمعهم، ونعودهم على العمل والتعاون المشترك، فنخلق فيهم روح العمل الجماعي، ونؤصل في نفوسهم فكرة التكافل والتضامن من خلال اشتراكهم ومساهمتهم في القيام ببعض النشاطات الإنمائية في المناطق التي يتواجدون فيها، فنحقق من ذلك غايات نبيلة وبعيدة في آثارها، إذ نؤمن للشباب في نفس الوقت الترويح عن أنفسهم، والاستفادة من أوقاتهم بعيداُ عن الملل والضجر، والتلاقي فيما بينهم، والقيام بنشاطات ثقافية ورياضية، تقرب فيما بينهم، وتنمي فيهم روح الألفة والمحبة، ويشاركون معاً في إنماء بلادهم ومناطقهم وفي بناء الوطن وعمرانه.

 على الشباب، أيها السادة، نعول في بناء مستقبل الوطن، على مثل هؤلاء الشباب نعول لنقيم بنيان لبنان الجديد، ولكن واجبنا أن نوفر لهؤلاء الشباب السبل والوسائل والإمكانات، لكي يتم نماؤهم في أجواء صحية وملائمة ونظيفة، على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتربوي والإنساني، وربما بصورة أكثر إلحاحاً على المستوى السياسي، لكي يبنوا لنا لبنان الغد، لبنان الجديد، الذي تصبو إليه وتتوق أنفسنا وأرواحنا لرؤيته. لبنان العدالة، لبنان الحرية، لبنان المساواة، لبنان الإخاء، لبنان القادر بقوة حقه وتضامن شعبه وإرادة بنيه على تحرير أرضه من العدو الإسرائيلي الغاشم، لبنان الحضارة القادر على مجابهة التحديات واستعادة دوره الطليعي في المنطقة العربية وفي العالم.

 تحية لجمعية الكشاف المسلم ولدورها الرائد في الحقل الشبابي والإنساني والوطني، والى الأمام دوماً، وليكن شعارنا، كما الكشاف، "دوماً مستعد".

 عشتم وعاش لبنان.

 

رويسات صوفر- 07/08/1994

التاريخ: 
07/08/1994