كلمة الوزير فؤاد السنيورة بدعوة من مجموعة الاقتصاد والأعمال حول الوضع المالي والحكومة الحالية

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

أيها السيدات والسادة،

 ينتابني شعور غامر بالسعادة للقائي بكم في هذا المكان الذي لا بد من أن ينعكس اسمه وجماله وصفاؤه على الحالة النفسية للإنسان مهما بلغت مشاغله وهواجسه ومعاناته، فيصفو فكره، وتشفى نفسه، ويسعد قلبه، ويصبح بمثل شفافية الماء في هذا النبع الرقراق، هنا حيث تأتيك نسائم الهواء العليل مصحوبة بأصوات حفيف الشجر الناعس وخرير المياه المدغدغ، ومن حولك من لايطيب المجلس ولا يرتقي إلا بهن، اعني هذه الباقة من سيدات مجتمعنا الفضليات اللاتي يزدان هذا المكان بحضورهن، فأراني في هذا الجو العابق بأريج المحبة والألفة والذي نقلني إلى دنيا من الشفافية والرقة، أتساءل عن مدى ملاءمة الحديث في قضايا مالية واقتصادية شائكة قد تسرق مني، بعض ما أجد من المتعة في هذا الجو من الحضور المميز، ولكن واجبي ومسؤولياتي وحق الناس عليَّ يدعوني أن أقدم الشأن العام على ما سواه، وان أضع المواطنين في حقيقة أوضاع البلاد المالية والاقتصادية التي ترتبط بعمق بهموم حياتهم اليومية والمستقبلية، ولعل هذا الأمر يعيد لي بعضاً من راحة البال، مردها ذلك الإيمان بأن العمل في خدمة الناس والمساهمة في حل مشاكلهم والتخفيف عن كواهلهم، هو أرقى أنواع الخدمة وهو المصدر الابقى للسعادة الحقيقية. ولهذا، اشعر بأنني مدين بالشكر للصديق الأستاذ رؤوف أبو زكي مرتين، أولاً لأنه جمعني بهذه الصفوة من اللبنانيين في إطار طبيعي جميل، فيه كل الصفاء، واسمه نبع الصفاء، وثانياً لما تقدمه مجلة الاقتصاد والأعمال من مساهمات في إيجاد حلول لمشاكل البلاد الاقتصادية والمالية من خلال الدراسات التي تنشرها لكونها المنبر الحي لرجال المال والاقتصاد يعبرون من خلاله عن آرائهم ومقترحاتهم التي تنير الطريق أمام المسؤولين حول مجمل القضايا العامة ولاسيما منها المتعلقة بالسياسة المالية والاقتصادية والتي سأتحدث عنها متوخياً عدم الأثقال عليكم قدر الإمكان.

 

أولاً: الوضع المالي عشية تشكيل الحكومة الحالية:

تسلمت الحكومة الحالية مهامها، كما تعلمون، بعد مرحلة صعبة من عدم الاستقرار المالي والاقتصادي. فالاقتصاد اللبناني عانى خلال فترة الأحداث الطويلة من دمار هائل طال بنيته التحتية ومؤسسات القطاعين العام والخاص ومني بخسائر مباشرة قدرت  بما لا يقل عن 25 مليار دولار، وخسائر أخرى في الدخل والفرص الفائتة قد تصل إلى حدود خمسين مليار دولار. كما انه عانى من خسائر كبيرة في طاقاته البشرية والمالية حيث أدت الأحداث إلى هجرة العديد من الطاقات البشرية وإحجام الاستثمار في كل من القطاعين العام والخاص مما تسبب بإضعاف الطاقة الإنتاجية المحلية. والى انخفاض حاد ومستمر في مستوى إجمالي الناتج المحلي وبالتالي في مستوى معدل دخل الفرد اللبناني. وكان لغياب مؤسسات الدولة وعجزها عن جباية وارداتها وتسارع وتيرة الإنفاق الحكومي نتائج سلبية تمثلت في تعاظم مستمر في عجز موازنة القطاع العام، جرى تمويله عن طريق إصدار سندات خزينة ذات معدلات فوائد مرتفعة وعن طريق الاقتراض من مصرف لبنان مما أدى بدوره إلى زيادة كبيرة في الكتلة النقدية ترافق مع انخفاض في الإنتاج والإنتاجية نتج عنه ارتفاع كبير في معدلات التضخم وانخفاض في قيمة العملة الوطنية.

 هذه التطورات الاقتصادية السلبية مضافاً إليها النمو غير الطبيعي للاقتصاد الموازي والتشوه الجاري على بنية الاقتصاد اللبناني وكذلك والترهل والتردي في الإدارة اللبنانية قد أدت جميعها إلى تراجع لبنان عن مواكبة المسيرة المتسارعة التطور والتحديث والعصرنة وجعلت عملية النهوض والإصلاح بشتى أوجهها أكثر تعقيداً وصعوبة.

 كيف تعاملت الحكومة مع هذا الوضع

في ضوء تلك التطورات الاقتصادية السلبية بدا واضحاً وجلياً للحكومة الحالية بان إعادة الثقة والاستقرار للاقتصاد اللبناني وإخراجه وبشكل تدريجي من الحلقة المفرغة للتمويل التضخمي والدولرة وعدم استقرار سعر صرف العملة الوطنية يشكل التحدي الرئيسي في هذه المرحلة، كما انه يشكل  وبنفس المقدار المدخل الصحيح لإعادة تفعيل الدورة الاقتصادية وخلق الجو المؤاتي للنمو الاقتصادي القابل للاستمرار والذي من شانه أن يساعد على استقطاب إمكانات القطاع الخاص والدعم الخارجي وتوجيهها نحو الاستثمار وورشة الاعمار .

 ولقد وعت الحكومة وأدركت منذ البداية مقدار الصعوبات التي ستواجهها لاسيما في ظل الحاجات الكبيرة والمتزايدة للمواطنين بعد الحرب، والوقت الطويل الذي تتطلبه المعالجة فعكفت على دراسة المشاكل المتراكمة والمتشابكة التي تعاني منها البلاد، وبدأت بوضع برامج لمعالجة هذه الصعوبات والمشاكل.

 وكان هاجسها الأول استعادة ثقة العالم بلبنان، فانكبت على الاتصال بالدول الشقيقة والصديقة، وبالمؤسسات المالية العربية والدولية التي انقطعت انقطاعاً كاملاً عن التعامل مع لبنان بسبب أوضاعه المالية والاقتصادية، وظروفه الأمنية والسياسية، وأردفت خطوتها تلك بتعزيز الوضع الأمني والسهر على مسيرة الوفاق والسلام في البلاد.

 ولقد سعت الحكومة إلى تهيئة الأجواء المؤاتية للقطاع الخاص للاستثمار، فوضعت نظاماً جديداً للضرائب يأخذ بعين الاعتبار الظروف الصعبة التي يعاني منها ذوو الدخل المحدود ويكون أيضا حافزا للاستثمار ومشجعا للإنتاج وموفرا لأقصى درجات المردودية للمشاريع المقامة في لبنان ويقوم على مبدأ تخفيض معدلات الضرائب وينطوي على بعدين أساسيين ترتكز عليهما سياسة الحكومة المالية، بُعْدٍ اجتماعي وبعدٍ إنمائي. وكلاهما يهدف إلى إزالة حالة العداء بين المواطن والدولة واستعادة ثقة اللبنانيين بمستقبل الاقتصاد اللبناني.

 وبالفعل فإن قانون ضريبة الدخل الذي اقره مجلس النواب منذ أشهر خلت يلحظ خفضا هاما على معدلات ضريبة الدخل على الرواتب والأجور وأرباح الشركات الصناعية والتجارية والمهن الحرة والمؤسسات الفردية فبعد أن كانت الضريبة تصل إلى حوالي 40% بالمئة انخفضت إلى حوالي 10% بالمئة كحد أقصى ودون أية إضافات، في حين جرى خفض الضريبة على شركات الأموال من 26% بالمئة إلى 10% بالمئة مقطوعة ودون أية إضافات، والى 5% بالمئة عند التوزيع بدلا من اثني عشرة بالمئة، كما حدث تبسيط كبير في شطور الضريبة المختلفة وتخفيضات هامة على معدلات الضرائب الأخرى. كما لحظ القانون أسس إعادة تقييم عناصر الأصول الثابتة بحيث صارت تخضع لمعدل ضريبة مقطوعة توازي 1.5% بالمئة على الفروقات الناتجة عن إعادة التقييم.

  إن الهدف من وراء هذا القانون هو توخي العدالة الضريبية وتشجيع الاستثمار لدى القطاع الخاص وزيادة مداخيل الخزينة، وذلك من خلال فرض ضرائب واقعية لا تشكل أعباء كبيرة على المؤسسات الإنتاجية بحيث تتمكن من زيادة طاقتها الذاتية في التمويل وتخفيض تكاليفها الإجمالية ورفع قدرتها التنافسية وزيادة إمكانياتها الإنتاجية وتوفير فرص عمل لعشرات الآلاف من الشباب اللبنانيين الذين يدخلون سوق العمل كل سنة. إن الحكومة تعتقد أن هذا القانون سيزيل عن كاهل ذوي الدخل المحدود أعباء كبيرة ويؤدي إلى زيادة حقيقية في دخلهم، كما انه سيوفر فرصا مجدية للمستثمرين ويحقق لهم ميزات تفاضلية في لبنان بالمقارنة مع بدائل في أقطار أخرى، ويدفع بالنتيجة بعجلة الاقتصاد اللبناني إلى الأمام. هذا فضلا عن أن مجلس النواب قد اقر قانون ضريبة الأملاك المبنية وضريبة رسم الانتقال، واللذان يلحظان تخفيضات هامة على المعدلات الحالية ووفقا لنفس الأسس التي اعتمدت في قانون ضريبة الدخل. ومما يؤدي إلى المساهمة في حل المشكلة الإسكانية التي يعاني منها اللبنانيون كافة.

 كما اهتمت الحكومة بتصحيح بعض معدلات الرسوم غير المباشرة، وهي الرسوم التي تستوفى من المواطنين مقابل الخدمات التي تقدم إليهم، وعند طلب هذه الخدمات فقط، بحيث تنسجم مع واقع الأسعار وتأمين تغطية لكلفة هذه الخدمات بما في ذلك تصحيح رسوم الكهرباء والماء والهاتف، بما يخفف بصورة تدريجية العبء الهائل الذي تتحمله الموازنة العامة الناتج عن دعم هذه الخدمات.

إننا نعلم جميعاً، أن هذه الضرائب والرسوم تستوفى من المكلفين، ولا تستقر في خزينة الدولة، بل تنفقها الحكومة كلها وزيادة على المرافق العامة، وتعيدها إلى المواطنين بصورة خدمات مختلفة: كهرباء مياه، هاتف، طرقات، مدارس، استشفاء، مراكز صحية، مساعدات اجتماعية، وغيرها من الخدمات التي تعود على المواطنين جميعاً بالنفع العام وهذا ما يسبب العجز في موازنة الدولة.  ومن هنا تتبين أهمية قيام المواطنين، طوعاً بدفع الضرائب والرسوم، وخاصة، رجال الأعمال والفئة المقتدرة منهم، لتعطي المثل وتكون القدوة في المواطنية الصالحة، من جهة، ومن جهة ثانية فإن ذلك يساهم في استقرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ولاسيما في تحقيق الأمن الاجتماعي، الذي يعتبر حجر الزاوية في الأمن الاقتصادي، علماً أن الدولة لن يكون بإمكانها تلبية مطالب المواطنين وحاجاتهم الملحة، إذا تمنع المكلفون عن أداء ما يتوجبعليهم أو لجأوا إلى وسائل التهرب من دفعها.

 

أيها السيدات والسادة،

 لقد وضعت الحكومة في أولى اهتماماتها وأهدافها ومنذ البداية تخفيض عجز الموازنة ضماناً لاستمرار الاستقرار الاقتصادي والنقدي وتحقيق النمو المرجو توخياً وبشكل أساسي حماية المداخيل الحقيقية لذوي الدخل المحدود. فسعت إلى ضبط النفقات وترشيدها. والتحدي الكبير لا يزال يكمن في التوفيق بين إعادة التوازن في موازنة القطاع العام من خلال تعزيز وتحسين الجباية مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون وترشيد الإنفاق، وبالتالي تخفيض عجز الموازنة تدريجيا وخلال السنوات القادمة من جهة، وبين تحريك عجلة الإنتاج من خلال الإنفاق الرأسمالي من جهة ثانية. أي أن علينا أن نوفق بين سياسة التقشف وشد الحزام لتحقيق هدف تخفيض عجز الموازنة، وسياسة الإنفاق التي تقتضيها عملية النهوض الاقتصادي. ويزداد هذا التحدي حدة عندما يتبين لنا وبالأرقام التركة الثقيلة الموروثة،ويكفي أن نعرف أن بند خدمة الدين العام الداخلي والخارجي وبند الرواتب والأجور لعام 1994 قد شكلا، ما يقارب 60% من مجموع الموازنة، وما يزيد عن مجموع الواردات المرتقبة لعام 1994.

 وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام النفقات الإدارية والنفقات الثابتة الأخرى فأن نسبة مجموع النفقات الثابتة إلى مجموع الموازنة يتعدى ال80%. هذا مما يضعف قدرة الحكومة على تقليص حجم الإنفاق العام وهذا ما يفسر تشدد الحكومة في تلبية جميع مطالب الموظفين والعمال، منعاً من وقوع الدولة مرة أخرى في الحلقة المفرغة التي أدت بها إلى استعمال وسائل التمويل التضخمي والذي يؤدي حتماً إلى حصد مداخيل ذوي الدخل المحدود وبحيث تصبح هذه الزيادات زيادات وهمية وغير حقيقية لا بل تؤدي إلى انخفاض في مداخيلهم الحقيقية.

 كما  أن الحكومة أولت اهتمامها بالقضايا الاجتماعية إذ أن الاعتمادات المخصصة في موازنة عام 1994 للقضايا الاجتماعية بما فيها التربية بلغت حوالي 1540 مليار ليرة لبنانية أي حوالي  38% من إجمالي الموازنة. أي ما يفوق ثلاثة أضعاف ما كان عليه المجموع في موازنة 1992.

 واهتمت الحكومة أيضاً بأوضاع الموظفين المعيشية بأسلوب علمي واقتصادي مدروس يؤدي إلى التخفيف من الأعباء المعيشية والتحسين في القوة الشرائية لدخلهم ويجنبهم الدخول الحتمي في حلبة السباق التي لا تنتهي بين الأجور والرواتب من جهة والأسعار من جهة أخرى.

 إن نجاح الحكومة في تدعيم أسس الاستقرار المالي والنقدي خلال العام 1993 سمح لها بان تخصص جزءا اكبر من اهتمامها ومواردها لإنعاش الاقتصاد وتنشيط حركة الإنماء والاعمار.

 إن هذه السياسات المالية والنقدية التي اعتمدتها الحكومة ليست ذات اثر تقليصي أو تقييدي بل تهدف إلى تحريك عجلة الاقتصاد دون الوقوع في التضخم. وان حالة الركود الاقتصادي النسبي التي نلحظها اليوم ليست نتيجة لهذه السياسات.

 إن حالة الركود تعود إلى أسباب عديدة منها:

 

  1. حالة الركود الاقتصادي السائدة منذ فترة ليست بالقصيرة في العالم.

1.  التقلص الكبير اللاحق بالاقتصاد الموازي في لبنان الذي نشأ بسبب استمرار الأحداث وسيطرة قوى الأمر الواقع والتجارات غير الشرعية والممنوعة والذي كان يحقق مداخيل كبيرة غير منظورة. ولاسيما بعد عودة الدولة لممارسة سلطتها وعودة الوطن إلى المجتمع الدولي.

  

  1. التآكل التدريجي للقدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني وانخفاض الإنتاجية الذي يساهم في رفع كلفة السلع والخدمات وبالتالي أسعارها المحلية والذي انعكس على حجم حركة الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الخارجية.

  

  1. الوضع الحالي للبنى التحتية والذي لا يحقق اتصالاً بين قطاعات الإنتاج ولا يؤمن بالتالي شبكة اتصال وتوزيع سهلة تخفف من كلفة الإنتاج وتسهل تبادل السلع والخدمات وهو الأمر الذي يعرقل عجلة الاقتصاد ويزيد في غلاء الأسعار.

 إن الخروج من حالة الركود يتطلب عملاً دؤوباً وفترة زمنية ليست بالقصيرة لزيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية وبالتالي تعزيز قدرة السلع والخدمات اللبنانية على المنافسة في لبنان والأسواق الخارجية، علماً أن معظم دول العالم تشكو اليوم من حالة الركود في أوضاعها الاقتصادية، وهي تخطط منذ سنوات عديدة لتجاوز هذه الحالة، وان لم يتخطاها بعد إلا القليل منها. والحكومة تعمل على معالجة هذه المشكلة بكل الوسائل المتاحة، وخاصة، من خلال تفعيل نشاط القطاع الخاص، وإعادة بناء البنى التحتية، فضلاً عن تعزيز قدرة بنك الإسكان على التمويل بزيادة موارده بمبلغ 100 مليون دولار، وتفعيل بنك الإنماء الصناعي والسياحي وتحريك عجلة العمل في بورصة بيروت وسعي الحكومة لدى مؤسسة التمويل الدولية، ولبنان عضو فيها، لتوفير قروض إضافية طويلة الأمد للقطاع الخاص ولاسيما المؤسسات الصناعية والسياحية. هذا فضلاً عنكل المشاريع الإنشائية العديدة التي بدأت الحكومة العمل فيها. كل هذا سيساعد حتماً في تنشيط الحركة الاقتصادية.

 ان هذه الخطوات الأساسية اللازمة كان لابد منها للانطلاق بعملية النهوض الاقتصادي تمهيدا لإرساء قواعد متينة للاقتصاد اللبناني على أسس علمية سليمة متطورة ومدروسة تتماشى مع روح العصر ومتطلباته وتواكب ركب الحضارة المتنامي. وصولاً إلى تحقيق رؤيا الحكومة اللبنانية لآفاق مستقبل هذا الاقتصاد؟

 

ثانياً: آفاق مستقبل الاقتصاد اللبناني :

على الرغم من هذه الصورة الواقعية التي قد تبدو للبعض قاتمة، للوضع المالي والاقتصادي، ولإمكانية بناء اقتصاد سليم واستعادة دور ناشط للبنان في الحقول الإنتاجية والخدماتية في المستقبل المنظور، في ظل التحديات المرتقبة، فإننا لعلى ثقة بأن لبنان قادر على استعادة دور اقتصادي له في المنطقة العربية، مع وعينا الكامل للصعوبات القائمة والشروط الملائمة والضرورية المطلوب توفيرها، على كل الأصعدة وخاصة الأمنية منها والسياسية والمالية. إلا أنني أريد أن أؤكد لكم أننا في ما نبشر به، لا ننطلق من فراغ، ولا نعلل النفس بآمال كاذبة أو بأحلام واهية، وذلك لأن لدى لبنان مرتكزات أساسية ودعائم ثابتة تشكل الأرضية الصالحة لبناء اقتصاد سليم وقوي يكون له دوره الفاعل في المنطقة.

    إن هذه المرتكزات - الدعائم تتمثل بموقع لبنان الجغرافي وعراقة اقتصاده الحر، والتزامه بمبدأ حرية الصرف وقانون السرية المصرفية، واحترام الملكية الفردية وانفتاحه على العالم بكافة ثقافاته وحضاراته وتشبثه بالحرية والديمقراطية فضلا عن كفاءة أبنائه وحيويتهم وقدرتهم الفريدة على التكيف مع الظروف والأوضاع المستجدة، وشبكة المصارف والخبرات والعلاقات التي بنيت في الحقبة الماضية والحاضرة، مضافا إليها التفاعل الايجابي البناء مـا بين جهود القطاعين العام والخاص، واحترام لبنان لكافة التزاماته المالية وغير المالية، هذه المرتكزات الأساسية تشكل ميزات تفاضلية تجعلنا إذا ما أحسنا استغلالها، قادرين على إعادة نبض الحياة للدورة الاقتصادية والى بناء اقتصاد متين يؤهل لبنان للعب دور متطور ونام في محيطه العربي والدولي، والى بناء لبنان الجديد الذي يرغب اللبنانيون ويطمحون إلى رؤيته على عتبة القرن الواحد والعشرين.

 ولكننا على وعي تام أيضا أن هذه المرتكزات غير كافية وحدها لبناء اقتصاد سليم بل لا بد من أن تترافق مع عمل دؤوب وجهود جبارة لتعزيزها من خلال :

  • تأمين الاستقرار الأمني والاقتصادي.
  • إعطاء الحوافز الضريبية وغير الضريبية وإزاحة العقبات أمام المستثمرين من اللبنانيين ومن غير اللبنانيين بشكل يكفل وضع لبنان على نفس المستوى التنافسي مع دول العالم الأخرى من اجل اجتذاب رؤوس الأموال المحلية والعربية والدولية.
  • إعادة بناء البنية التحتية.
  •  
  • مشاركة اللبنانيين في عملية النهوض الاقتصادي وإعادة البناء والاعمار.

 وإذا كانت الحكومة قد خطت خطوات واسعة في تحقيق الأمن والاستقرار المالي والنقدي وتوفير التشريعات المالية الملائمة للاستثمار وتوظيف الأموال في لبنان وتسهيل وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية، فهي تدرك أن الاستثمار وبدء عملية النهوض الاقتصادي بحاجة إلى بنية تحتية وتوفير خدمات متنوعة. ولقد دأبت الحكومة على وضع مخططات إعادة بناء البنى التحتية وتطويرها لكي تلبي حاجات لبنان المستقبلية وهي عبارة عن برنامج للإنفاق التنموي على مدى السنوات القادمة، يمثل رؤية وتطلعات هذه الحكومة للمستقبل والمسار الذي تريد أن تسلكه، ويهدف إلى تأمين البنية التحتية المادية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك وتطوير المطار والمرافئ، كما يهدف إلى تأمين البنية الاجتماعية من إسكان وتعليم وصحة وتنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة. وان الكلفة المقدرة لهذاالبرنامج بمعزل عن الإنفاق الاستثماري المفترض أن يقوم به القطاع الخاص خلال هذه الفترة هي بحدود العشرة مليارات دولار.

 وسيتم تمويل هذا البرنامج الانفاقي التنموي من المساعدات والهبات ومن الاقتراض الداخلي ومن الاقتراض الخارجي الذي سيكون على شكل قروض ميسرة وقروض عادية، وكذلك من وفر الموازنة الذي نسعى جاهدين إلى تحقيقه. هذا فضلاً عن اعتماد وسائل التمويل الأخرى التي يمكن أن يؤمنها القطاع الخاص لبعض المشاريع التي تسمح طبيعتها للقطاع الخاص المشاركة فيها.

 وإذا كان البعض يشكو من عدم وصول المساعدات الموعودة، ونحن منهم، فلا يخفى على احد الأسباب الحقيقية، وجلها يتعلق بوضع المنطقة، وعلى كل حال فإن الحكومة مستمرة في متابعة هذا الموضوع وخاصة فيما تم الالتزام به تجاه لبنان.

 لذلك فإن البديل المتاح هو الاعتماد على إمكاناتنا الذاتية والقروض الميسرة والعادية في معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة وهو ما يضعنا أمام تحديات وصعوبات اكبر في ظل الإمكانات المتاحة والتي لا تتلاءم مع طموحات وحاجات الشعب اللبناني.

 نحن ندرك ونتفهم المخاوف التي يبديها البعض من الاعتماد على سياسة الاقتراض من الخارج، ولا تخفى علينا محاذيره ولكن أسارع فأقول أنه أمر لا بد منه ولا بديل عنه في عملية النهوض الاقتصادي.

 ولذلك تقوم سياسة الحكومة على عدم اللجوء إلا إلى القروض المتوسطة والطويلة الأجل التي تنسجم شروطها مع طبيعة الاستثمارات المنوي القيام بها، بحيث تتناغم مصادر الأموال وطبيعتها مع استعمالاتها لكي تستطيع الحكومة تسديدها عن طريق الإيرادات التي تعد بها تلك الاستثمارات. وتقوم هذه السياسة على عدم اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتمويل حاجات الاستهلاك بل لتمويل المشروعات الإنتاجية التي تؤمن إيرادات على كافة الصعد وللقطاعين العام والخاص. ولن تلجأ الحكومة إلى التوسع في سياسة الاقتراض ولاسيما تلك القروض التي سيصار إلى عقدها على أسس وشروط تجارية قبل أن تتأكد من أن اقتصادنا قادر على تحمل تلك القروض وأعبائها وبالتالي قادر على تسديدها في مواعيد استحقاقها. وهي في كل ذلك ستعمد إلى تنويع أساليب التمويل بما فيها التمويل الذاتي وكذلك مصادر القروض من مؤسسات دولية وإقليمية ودول صديقةوالاستفادة من التمويل المتاح في أسواق المال العالمية سيما وان الحكومة حصلت على تفويض من مجلس النواب بإصدار سندات خزينة بالعملات الأجنبية.

 

أيها السيدات والسادة،

 ليست لدينا شكوك بمستقبل لبنان الاقتصادي، إذ لم تستطع أية دولة من دول المنطقة، بالرغم من ظروف الحرب التي مرت على لبنان، أن تأخذ دوره المالي والخدماتي أو أن تحل محله في هذا الدور، بفضل المرتكزات التي يقوم عليها نظامه السياسي والاقتصادي وبفضل ميزاته التفاضلية التي نسعى إلى استعادتها، ولكننا لا نستطيع أن نركن كثيراً إلى دوام هذه الميزات، فإذا لم نعمل على تعزيزها وتطويرها، وبسرعة، فإن الزمن سيسبقنا، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا وشديدا  بين الدول في شتى المجالات، ولن نستطيع المواكبة إلا إذا حافظنا على الاستقرار الأمني والمالي والاقتصادي وأقمنا بنية تحتية متطورة، وعززنا كل ذلك بتحصين الجبهة الداخلية.

 إننا في تخطيطنا للمستقبل لا يغيب عن أذهاننا لحظة واحدة الأزمة الاجتماعية والمعيشية التي يرزح تحت عبئها المواطن، ولا نغالي إذا قلنا أنها تحظى بأقصى اهتماماتنا، وهي في ضميرنا، بل هي هاجسنا، وتستغرق كامل تفكيرنا، وحل هذه الأزمة يعتبر من الأولويات في برنامج عملنا الإنمائي، وهدفنا في سياستنا المالية والاقتصادية، وفي أساليب المعالجة التي ننتهجها ينصب في نهاية المطاف على تحسين مستوى المعيشة الذي انخفض بسبب الحرب، وزيادة الدخل الفردي لتحقيق مزيد من العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة ولاسيما للطبقات الفقيرة والمتوسطة والمحاذرة من أن تصيب أعباء النهوض الاقتصادي ذوي الدخل المحدود، بل حرصنا هو أن تصيبهم حسناته وخيراته. وتواجهنا في هذا الشأن خيارات وقرارات صعبة علينا أن نأخذها بحيث نتمكن من التوفيق بين حاجات اليوم وحاجات الغد ومتطلباته، فلا تكون الثانية على حساب الأولى فنرهق شعبنا ونزيد المشكلة الاجتماعية، ولا تكون الأولى على حساب الثانية، فنربح كسبا جماهيريا مؤقتا لا نسعى إليه فنخسر المستقبل ودورنا في المنطقة ويتجاوزنا الزمن ونتخلف عن ركب التطور ونغرق في بحر من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي لا نجاة ولا قيامة لنا بعدها. فنحن بقدر ما نعمل ليومنا، فإننا نفكر ونعمل لغدنا، وواجبنا، والأمانة تقضي أن نصارح شعبنا ونطلعه على حقيقة أوضاعنا.

 كما لا يغيب عن أذهاننا أن تحقيق الأمن في البلاد هو في أساس استقرار الوضع المالي والاقتصادي، وهو الشرط الضروري واللازم لنجاح أية خطة أو برنامج اقتصادي وإنمائي، ولاستعادة الثقة بأوضاع البلاد العامة، ولذلك فقد عملت الحكومة على تعزيز الأجهزة الأمنية وتزويدها بكل الإمكانات المتاحة، وهي مستمرة في هذه السياسة، لتوفير الحماية والاطمئنان للمواطنين، وإشاعة الأمن في البلاد، وهي تبذل جهودا كبيرة في هذا السبيل.

 

أيها السيدات والسادة،

 لدينا من تواضع المؤمن والعالم بما لا يجعلنا ندعي الكمال، ولدينا من الإدراك والواقعية بما لا يجعلنا نغفل عن أخطائنا، ولكننا نعمل ونؤمن بما نعمل، نعمل من اجل بلدنا وشعبنا ووطننا، والخطأ كما تعلمون، ملازم للعمل، وحدهم الذين لا يعملون هم الذين يظنون أنهم لا يخطئون، نعمل لنزيل آثار الدمار الذي خلفته الحرب في كل زاوية من زوايا لبنان وتركت اللبناني نهبا لليأس والقنوط والإحباط، ولكن الإنسان ينسى. نحن نقوم بواجب يمليه علينا ضميرنا ووطنيتنا، لا نستحق ولا نطلب عن ذلك لا جزاء ولا شكورا، ولكننا نطمع بالمؤازرة، يكفي أن نكون، منصفين بحق وطننا على الأقل، فنتذكر ما كنا عليه بالأمس وما أصبحنا عليه اليوم، وما نعمل ونحلم بالوصول إليه في الغد.

 إن عملية الإصلاح والنهوض الاقتصادي، بعد الحرب، تتطلب جهودا جبارة وإمكانات هائلة، ليست كلها بمتناول اليد، وهي تتطلب أيضا وقتا وصبرا وتضحيات، فهي عملية تدريجية ومتمادية في الزمن. فما دمر طوال سبعة عشر عاما أو يزيد، لا يبنى في سنة ونيف، ولكن ذلك لن يدخل اليأس إلى قلوبنا لان إيماننا بالله وبشعبنا أقوى من اليأس، ولن نترك للإحباط سبيلا إلى نفوسنا لان ثقتنا بأنفسنا وباللبنانيين فوق كل مشاعر الإحباط والقنوط. ولكن إنقاذ الوطن لا يمكن أن يكون مسؤولية فرد أو جماعة إنها مسؤولية المجتمع بكل أفراده وفئاته وعناصره، وشرط نجاحه تضامن الشعب مع قيادته والوقوف إلى جانبها ودعمها، وهو يفرض مشاركة الجميع في ورشة الإنقاذ وورشة إعادة البناء والاعمار. إن عملية الإنقاذ تلقي علينا جميعا مسؤولية الابتعاد عن التشكيك بمسيرتنا الوطنية ومحاذرة التلهي بخلافات جانبية أو بمطامع شخصية يضعها البعض فوق مصالح الوطن وتجعلها تنحرف عن المسار فتضيع فرصة تاريخية تتاح لنا اليوم لإنقاذ لبنان.

 ولا بد من لفت النظر هنا، إلى أن التحولات والمتغيـرات الدولية والإقليمية التي يشهدها العالم اليوم، وما يمكن أن تأتي من جديد، أو تترك من انعكاسات على كافة الأصعدة تلقي علينا مسؤولية إمعان النظر مليا في أمر مواقفنا، بعضنا من البعض الآخر، وفي أوضاعنا الداخلية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية لنحاول أن نهيئ أنفسنا ومجتمعنا لمواجهة كل الاحتمالات، فنحن بأمس الحاجة إلى مزيد من التلاحم والتضامن والوفاق الوطني وتحصين الوحدة الداخلية وترسيخ عوامل الاستقرار في البلاد، ونحن بحاجة ماسة إلى أن ننكب على إعادة البناء والاعمار والنهوض الاقتصادي، وتأمين العيش الحر الكريم لمواطنينا، ونحن بحاجة ماسة إلى مشاركة كل اللبنانيين في هذه العملية. لقد قطعنا شوطا" كبيرا" في مسيرة استعادة ثقة العالم بنا، وعلينا أن نثبت، نحن اللبنانيين، إننا أهل لهذه الثقة، وعلينا أن نجتاز هـذا الامتحان الصعب الـذي تمـر به البلاد، وهو امتحان لمدى إرادتنا ووطنيتنا وقدرتنا على تجاوز المحن والانتصار عليها، ولن ننجح في هذا الامتحان إلا معاً، يداً واحدة وقلباً واحداً.

  لقد آن الأوان لتحمل المسؤولية، آن الأوان للعمل بجدية. لم يعد مسموحا التعامل مع الأمور بخفة أو باستخفاف، لم يعد جائزاً تحميل الاقتصاد أعباء ثقيلة ابتغاء كسب سياسي، لا يلبث، وفي مدى منظور، أن ينعكس سلبا على مستوى معيشة المواطنين، ويجهض مسعى الحكومة الدائب في لجم التضخم وتقليص عجز الموازنة، وزيادة فرص النمو سنة بعد سنة. إن التحديات باتت تطرق أبوابنا بقوة، وما لم ننهض جميعا للتصدي لها، بالعمل والإنتاج والترفع عن المصالح الشخصية الضيقة التي تتحكم بمواقفنا وتصرفاتنا، فلن يكون لنا الوطن الذي نريد، ولن ينتظرنا قطار التقدم والنمو الذي يسير بسرعة قياسية، في ظل متغيرات تشهد سباقا وتنافسا حادا بين الدول في شتى المجالات، ونجاحنا بنهاية المطاف مرهون بإرادتنا وبموقفنا من مشروع بناء الدولة الحديثة.

 ولسوف نسعى بصبر وأناة إلى التعاون مع كل الإرادات الطيبة والراغبة في خدمة هذا الوطن وإنقاذه وإعلاء شأنه.

 

أيها السيدات والسادة،

 من ينظر إلى هذا الجمع المتآلف، في هذا المكان الذي كان دائما نموذجا للحياة اللبنانية الأصيلة، لا يمكن أن يصدق أن الحرب قد مرت على لبنان.  إن جمعكم هذا الذي يخيم عليه جو من الود والألفة والصفاء يعطي الأمل ويعزز الثقة بالمستقبل بأن شعبا كشعب لبنان لا يموت.  إذا استطعنا أن ننتصر على الحرب ونخرج منها أكثر وحدة وتماسكا، أفلا نستطيع أن نعيد بناء إنساننا وبلادنا من جديد وان ننهض بلبنان ونجعله أكثر إشراقا وبهاء؟  بلى نستطيع، إن أردنا ونحن نريد، بلى إن آمنا ونحن نؤمن، بلى إن أطلقنا العنان لعقولنا  لكي تبدع، بلى إن أطلقنا العنان لقلوبنا لكي تحب.

 عشتم وعاش لبنان.

 

نبع الصفا- 26/08/1994

التاريخ: 
26/08/1994