كلمة الوزير السنيورة في مناسبة مرور 25 سنة على تأسيس فرقة الساعة 10

-A A +A
Print Friendly and PDF

 

عندما نتكلم عن ايفيت سرسق ووسيم طبارة ومحمد شبارو، فإنما نتكلم عن المسرح الحي، المسرح الحي الذي ينقل الحياة اليومية بكل تفاصيلها وتعقيداتها وأفراحها وأتراحها إلى المسرح عبر مغناة Chansonnierتنقل الحياة اليومية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، معاناة الناس، أحزانهم، آلامهم، قضاياهم. إلى المسرح، ولكن بقالب مشوق، يحول البكاء إلى ضحكات، ودموع الحزن إلى دموع مرح، يلون الصورة الحزينة، يعطيها أبعاداً مرحة، يخفف عن آلام الناس وأحزانهم، يجعلهم يسخرون منها. يدخل إلى النفوس الحزينة والمتعبة نسمة فرح، لا ينسي الناس همومهم ولكن يعدل في صورة هذه الهموم لبضع ساعات، فيعيد إليهم بهجة الحياة...

 إنه المسرح المغناة الذي أبدعت فيه فرقة الساعة العاشرة، فجعلته حديث الناس، إنه بات جزءاً من الحياة السياسية والاجتماعية في لبنان لا غنى عنه، انه جزء، إذا جاز القول، من نظامنا السياسي، من حياتنا الديمقراطية التي امتزجت بعقلية الشعب ودخلت في تراثه.

 إنه المسرح النقدي الذي بلغ من الإبداع حداً بات يطرب السياسيين ونجوم المجتمع أنفسهم رغم تعرضه لهم بأقذع الأقوال والنعوت... ولكن الأسلوب فيه هو المحبب... هل أصبحنا من الناس الذين يتقبلون الانتقاد وان كان قاسيا؟ أو أن الأمر بات اخطر من ذلك بكثير، بحيث بتنا نعترف بصحة ما يقال، ولكن لا نعيره أي اهتمام، ربما لأننا نخال أن كل الشوائب تمحوها الضحكات وليس في نهاية الأمر من يحاسب؟ أم أننا أصبحنا لا نعطي قيمة لكل ما يقال ويشاع؟ أم أننا نجد في هذا المسرح المغناة شيئاً من التفريج عن هموم الناس والتنفيس عما في داخلهم، فيتوقف الأمر عند هذا الحد ويتحول الناس عن التحسس الحقيقي بمأساتهم ومحاولة التصدي لمشاكلهم، فأصبح تشجيعنا لهذا النوع من المسرح جزءاً من إخفاء حقيقة أوضاعنا؟

 ما سر نجاح ايفيت ووسيم والفرقة الفنية لهذا المسرح.

 ليست المسألة مسالة تقنيات مسرحية وفن تمثيل، حيث لا يعتمد هذا المسرح على فن التمثيل. سره في موهبة متميزة للاعبين فيه، سره في قدرة لاعبيه على الغوص في أعماق الناس، سره في ذكاء هؤلاء وسرعة بديهتهم في متابعة الأحداث ورصد المعلومات، أدق المعلومات، والدخول في التفاصيل الصغيرة والأسرار التي تغيب عن عامة الناس... عبقرية القائمين على هذا المسرح هي في قدرتهم على تحويل أكثر الأمور إيلاماً إلى مادة للضحك، ولكن بأسلوب ساخر نافذ، لا يخلو من الغائية.

 نعم، هذا المسرح، ليس مسرحاً عبثياً كما يتراءى للبعض، انه في نهاية المطاف، وفي أبعاده، مسرح انتقادي، يشخص واقع الحياة بكل أوجهها. وينقل التشوهات التي تعتري أوضاع البلاد، ويسلط الضوء عليها، ويترك للناس حق وحرية الاستنتاج والتصرف، ولكن دون أن يثقل عليهم، ويحول ليلهم ظلاماً واكتئاباً. بل يتركهم في حالة من الراحة النفسية ويضفي على أجوائهم المرح والسرور.

 ومن هنا أهمية هذا المسرح ودوره الهام، فإذا كان لا يدعي أصحابه التوجيه، وهم لا يمارسون، على كل حال، هذا الأسلوب، وإلا لكانوا سقطوا ومعهم الناس في الملل والضجر، فإن دورهم في الحياة العامة ولاسيما السياسية، يبقى هاماً وخطيراً، ولذلك ينبغي لهذا المسرح أن يعطي للحقيقة نصيباً، بمعنى أن ينقل الحقيقة بوجهها السلبي كما بوجهها الايجابي، فلا يقتصر على الوجه السلبي من الحقيقة فينقلها، بل ينقل أيضاً الوجه الايجابي منها إذا ما وجد، فقول الحق مقبول، على أن يحتوي قول الحق ما هو مؤلم فيه وما هو مشرق، فنكون قد أنصفنا الناس وأنصفنا الوطن.

 المسرح المغناة، الذي كانت رائدته السيدة ايفيت سرسق وشارك فيه ويتابعه ويطوره وسيم طبارة ونخبة من الفنانين وأصحاب المواهب اللبنانيين كتاباً ومسرحيين، هو ضرورة في لبنان، هو جزء من تراثه الثقافي والسياسي، لا بديل عنه ولا منازع له، انه نسمة من الحرية التي ننعم بها ونتنسم عبيرها صبحاً ومساءً، وتجعل حياتنا أكثر بهاءً وجمالاً، انه تعبير عن مناخ الديمقراطية الذي ينعم به بلدنا، فإذا لم نمارسها عبر المؤسسات السياسية، فلا يستطيع احد أن يحرمنا ممارستها عبر حياتنا اليومية، في علاقاتنا، في مجالسنا، في ندواتنا، في مسارحنا، ونحن نرغب وواجبنا يقضيأن نجعلها نعمة لا نقمة علينا...

 إننا مع هذا المسرح ومع أهله نشجعه، نقبله، نرغب فيه، ينتقدنا أهله، فلا نتبرم ولا نغضب، نطلبه، يعطينا روحاً جديدة أكثر مرحاً، يلون حياتنا بألوان زاهية. يجعلها أكثر إشراقاً، يشتمنا أهله مسرحياً، فنضحك، يكشف عيوبنا وأخطاءنا، علنا نخجل، وبعد ذلك نصحح.

 المسرح المغناة، وايفيت سرسق ووسيم والفرقة، لهم تقديرنا، هم مع أمثالهم، ضمير الشعب وروحه، لا نطلب منه إلا أن يستمر وينجح فننجح معه، فليقل ما له وما عليه ليقترب من الحقيقة أكثر... ومسرحيته اليوم... رفيق وقت الضيق، صورة حية تضاف إلى ما قدم، وعلى طريقته نقول نحن أيضاً ليكتمل وجه الحقيقة "عند الضيق... ما في إلا رفيق..."

 

مسرح الساعة العاشرة- 11/08/1994

التاريخ: 
11/08/1994