الرئيس السنيورة يدعو لتفعيل المبادرة العربية للسلام والعمل على تحقيق التكامل العربي في كل الجوانب والمباشرة بالتنفيذ
دعا رئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة الى :" إنشاء فريق عمل عربي يتولى من جهة أولى العمل على تحريك مبادرة السلام العربية الخاصة بالقضية الفلسطينية بما في ذلك وضع آليات محددة لحراك عربي وموقف عربي موحّد حول هذه المبادرة.
كما طالب بالعمل على الترويج لفكرة التكامل العربي في العديد من الجوانب وللمباشرة في التدرج نحو تنفيذها.وذلك عبر تشكيل لجنة "حكماء عرب" تكون مهمتها العمل على تفعيل هذينالاقتراحين بالتواصل والتنسيق مع المسؤولين العرب للإقناع ولمتابعة التنفيذ.
كلام الرئيس السنيورة جاء في مطالعة له خلال مشاركته في المؤتمر الثالث عشر الذي نظمته مؤسسة الفكر العربي في قصر المؤتمرات والذي انعقد خلال الاسبوع المنصرم في مدينة الصخيرات المغربية تحت عنوان : "التكامل العربي حلم الوحدة وواقع التقسيم" بحضور حشد من المفكرين والساسة العرب وفي مايلي نص كلمة الرئيس السنيورة التي اعقبها نقاش واسع بين المؤتمرين :
صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل المحترم،
صاحب السموّ الملكي الامير تركي الفيصل المحترم،
أيها الإخوة والأخوات،
لقد كان اختيار عنوان: "التكامل العربي حلم الوحدة وواقع التقسيم"، اختياراً موفقاً لهذا المؤتمر وفي المكان والتوقيت المناسب نظراً لما يعيشه العالم العربي من محن ومصاعب في هذه الأيام بما يجعل التفكير والبحث في المعالجات اللازمة مطلوباً وملحاً في التوقيت والمعطيات.
ليس جديداً القول إنّ تعبير "الشرق الأوسط الجديد" وهو عنوان هذا المحور من المؤتمر قد أُطلق في الدوائر الغربية لإدماج إسرائيل في المنطقة وقبل أن يُصارَ إلى إنهاء احتلالها لفلسطين والأراضي العربية. وهو عنوان رَوَّجَ له وزير خارجية اسرائيل شمعون بيريز مع توقيع اتفاقية أوسلو بهدف اصطناع هوية وأولويات جديدة في المنطقة، ومن أجل تجاوز الوجود العربي والحق العربي والفلسطيني. ولطالما وجد هذا التوجه الغربي والإسرائيلي المساندةَ بقوةٍ من أطرافٍ عديدةٍ في الشرق والغرب وذلك مثل (مشروع الشرق الأوسط الكبير-Greater Middle Eastالذي طرحته الولايات المتحدة، ومشروع الاتحاد من أجل المتوسط) وكل تلك الافكار والمشروعات والخطط جرى طرحها والترويج لها دونما مشاركةٍ لأهل المنطقة، وهم عربٌ في غالبيتهم وكانوا عملياً كالأيتام على مأدبة اللئام. في المقابل لم يبادر العرب في العقود الأخيرة الى القيام بأي عمل من أجل طرح وجهة نظرهم ولا من أجل تنفيذ المشروعات الكبرى الضرورية لانتمائهم ووجودهم ومصالحهم والتي أتت في إطار ميثاق جامعة الدول العربية، سواء على صعيد اتفاقية الدفاع العربي المشترك أو الوحدة الاقتصادية. وذلك باستثناء مبادرة السلام العربية التي طُرحت في القمة العربية التي عقدت في بيروت في العام 2002 والتي حدّدت مرتكزات حلّ الصراع العربي الإسرائيلي.
لم تحظ هذه المبادرة بما تستحق من اهتمامٍ ومتابعةٍ ودعمٍ من قِبَلِ الجامعة العربية ولا من قبل الدول التي عملت على طرحها وكان يفترض بها الترويج لها. وربما لذلك لم تحظ هذه المبادرة أيضاً بالاهتمام من قبل دوائر القرار الدولي ولا من قبل المجتمع الدولي. من جهة أخرى، يبدو أيضاً أن كثيراً من تلك المشروعات والأفكار الأخرى عندما طُرحت لم تكن هناك نيةٌ حقيقيةٌ أو حماس حقيقي لتنفيذها كمثل السوق العربية المشتركة التي كانت في محصلة الأمر أقرب إلى لعبة إعلامية منها إلى الطرح الجدي.
وعلى ذلك يمكن القول إنَّ منطقتنا في الحقيقة لم تخرج بأفكار ومشاريع رؤيوية تخص وتعالج مستقبلها ومستقبل أجيالها الصاعدة، وأقصى ما كانت تخرج به هو تصور مرحلي عادةً ما يكون في إطار "رد الفعل" على مشروع خارجي، أو لأزمةٍ طارئة. وسرعان ما يزول "المشروع" عندما تزول الأزمة أو تَستحكم!
ولهذه الأسباب وغيرها ظلت القضية الفلسطينية حتى الآن دون أي تقدم ودون حلول حقيقية. لذلك يمكن اعتبارُ هذه القضية المحورية، وكذلك الوضع الاستراتيجي للمنطقة العربية، قصة إحباطٍ وتراجعٍ وفشلٍ متواصلة عربية واسلامية انعكست وماتزال على الشعوب والأجيال العربية وكذلك على المنطقة والعالم أجمع.
لقد ظهر فشل العرب إزاء قضية فلسطين منذ العام 1948 يوم فشلت كل الجيوش العربية في إنهاء اغتصاب الأرض وعادت الى بلدانها خائبةً مكسورةً وتكررت المأساة في أكثر من مناسبة ومواجهة أو اجتياح في الأعوام 1956 و1967 و1978 و1982 و1993 و1996 و2006 باستثناء العام 1973.
وفي مواجهة هذه الهزائم المتكررة كانت ردّة الفعل من النخب العربية من خلال عدد من الانقلابات العسكرية في أكثر من بلد عربي وهي الانقلابات التي زادتنا فشلاً على فشل وتردياً وتراجعاً على أكثر من صعيد.
لقد تفاقمت المشكلات حين أقامت أنظمة الاستبداد الانقلابية مشروعيتها على فكرة تحرير الأرض واستعادة الحقوق، ولكنّ الذي جرى أنّ تلك الانظمة القائمة على الغلبةِ بالداخل، انصرفت الى الاهتمام بتثبيت سلطتها وبناء أدواتها القمعية العنفية وديكتاتوريتها، فكانت النتيجة الفشل في تحرير الأرض، وفي تحقيق التنمية المطلوبة والملحة للمواطن العربي، والفشل في تطوير وتحديث مناهج التعليم، وكذلك الفشل في احترام الحريات الأساسية والعامة وعدم المبادرة الى الدخول في عالم العصر وعصر العالم وفي عدم استنهاض المواطنين وإشراكهم في صنع مستقبلهم وبالتالي السقوط في لجّة العجز عن صون المصالح الوطنية والقومية.
ولقد ترافق هذا الفشل مع فشل آخر تراكم عبر مرحلة طويلة من القمع والظلم والاستبداد المتفشي، وفشل الحكومات وضعف الحوكمة وغياب الشفافية والحكم الرشيد وازدياد حدة التناقضات بين المذاهب والاديان وهي جميعها شكلت مصدر تهديد للمجتمعات العربية مما دفع جماعات متزايدة نحو السلبية والانطواء والبعض الآخر إلى التشدد والتطرف.
إن هذا العجز عن صَون المصالح الوطنية والقومية، المترافق مع القمع المتزايد، فتح الباب واسعاً أمام نموّ الاتجاهات المتطرفة الصاعدة من قعر الإحباط العربي في فلسطين وكذلك الإحساس المتزايد بالتهميش، والشعور الدفين بالهزيمة على أكثر من صعيد. ولقد ترافق ذلك كله مع حدوث خمس صدمات أساسية خلال فترة نهاية السبعينات وما تلاها:
1- الاجتياح السوفياتي لأفغانستان وما أطلقه ذلك من عنفٍ وردود فعل إقليمية ودولية وحروب وارتجاجات في المنطقة الاسلامية والعربية.
2- توقيع اتفاقية كامب ديفيد وانسحاب مصر لا بل ودفعها الى الانسحاب من قضايا العالم العربي.
3- نجاح الثورة الإسلامية في إيران وانتهاجها سياسة تصدير الثورة واعتمادها نظام الدولة الدينية من خلال نظرية ولاية الفقيه العابرة للحدود السياسية بما يعني من تدخلات خطيرة في الشؤون العربية الداخلية في أكثر من بلد عربي.
4- التداعيات الخطيرة للحرب العراقية الإيرانية التي انجرَّ إليها البلدان الجاران والتي لم تكن إلاّ طريقة جهنمية ومدمرة لاستنزاف فادح للأرواح والجهود والموارد والإمكانات، ولتأجيج العداوات والاحقاد. وهي الحرب التي تلاها الاجتياح العراقي للكويت وبعدها الاجتياح الأميركي للعراق مما رافقه من تدمير للدولة العراقية وللجيش العراقي. إن الحروب الثلاث والحصارات من العراق وعليه، وما تسببت به كلها من خرابٍ وتدمير، انهت الدور والموقع التاريخي للعراق كدولة حاجز (Barrier Zone) لهذا البلد العربي على تخوم ايران وتركيا وذلك بين الداخل الآسيوي والبحر المتوسط. ومع سقوط مناعة بلاد الرافدين دخلت الهشاشة إلى بلاد الشام ومنطقة البحر المتوسط من جهة، والجزيرة العربية من جهةٍ ثانية.
5- استمرار الاحتلال لفلسطين والأراضي العربية الأُخرى، وتوسيع المستوطنات بهدف الإعداد لابتلاع الضفة الغربية وإنهاء القضية الفلسطينية برمتها، وفي المقابل الفشل في ايجاد الحلول الدائمة والعادلة للمشكلة الفلسطينية مع استمرار المفاوضات المسرحية والشكلية التي تقودها الولايات المتحدة والتي لا تقدم جديداً لحل القضية العربية الأساس مع ما يستتبعه ذلك من يأس وإحباط وانقطاع للأمل بحل حقيقي لهذه المحنة المستعصية. وآخِر المصائب في فلسطين: محاولات الاستيلاء على الأقصى، واعتبار الدين اليهودي قوميةً للكيان الصهيوني!
لقد أوجد ذلك كله فراغاً كبيراً سارعت بعض القوى الإقليمية المتربصة إلى محاولة سده وفي مقدمتها إيران التي عملت على اختطاف ومصادرة أغلب الشعارات والقضايا العربية وتحويلها من جهة أولى إلى شعارات وقضايا إيرانية لمساومة الغرب الأميركي ومقايضته عليها ومن جهة ثانية للضغط على الداخل العربي وإشغاله واستنزافه، والسعي إلى بث الشقاق وتسعير الفتن بين مكوناته وتشظيها وذلك على مسار بسط نفوذ إيران وهيمنتها عليه.
لقد عمَّق انهيار العراق، والجمود والانقسام في فلسطين الإحساس بالفشل والإحباط العربي، الذي ظهرت تجلياته بانفجار حركات التغيير المنتفضة على الظلم والاستبداد والتهميش بدايةً في لبنان في مواجهة نظام الوصاية السورية (عبر انتفاضة 14 آذار 2005) ومن ثم في تونس عبر انتفاضة البوعزيزي ومصر عبر ميدان التحرير وما تبعها... وصولاً الى ما آلت اليه الأوضاع الراهنة في سورية واليمن وليبيا وغزة والتي تحمل الكثير من التهديدات والمخاطر، والانقسامات والتناحر الداخلي والتدخلات الاقليمية والدولية.
أيها السيدات والسادة،
إذا كان طموح وحلم الوحدة العربية، كما هو عنوان مؤتمرنا، قد راود وغمر فئاتٍ واسعةً من الأجيال العربية منذ الحرب العالمية الأولى وتفكك السلطنة العثمانية وبعد ذلك في مرحلة استيعاب المتغيرات التي حملتها الحرب العالمية الثانية، فإنّ ما عرفناه وشاهدناه في أعقاب هاتين الحربين العالميتين من تجارب وممارسات متعددة وظروف مختلفة، لم تصل بنا الى النتيجة التي حلمنا بها. بل إنّ تجارب الوحدة التي سعينا إليها أفْضت الى الفشل، خاصةً أنّ التجارب الوحدوية العربية وقَبْلَها فكرة السوق العربية المشتركة انطلقت من أفكارٍ رومانسيةٍ وتم تطبيقها بصورة متعجلة ومرتجلة من دون الاستناد إلى قاعدة صلبة قائمة على الممارسة التنموية واحترام الحريات العامة والخاصة واحترام حقوق الانسان، ومن دون استنهاض وإطلاق طاقات الناس المشتركة لحمايتها. وهي لم تكن كذلك مبنيةً في الأساس على مراكمة وتعظيم شأن المصالح الاقتصادية المشتركة أو تعزيز فكرة التعاون والتكامل الاقتصادي مع الحفاظ على استقلال وسيادة مكونات هذه المجموعة العربية وهي القاعدة التي كانت في أساس نجاح تجربة الوحدة الأوروبية بعد عقود بل قرون من الحروب والنزاعات بين بلدانها المختلفة. والمفارقة الغريبة أنّ التجارب الوحدوية العربية وتحديداً السوق العربية المشتركة انطلقت في الفترة ذاتها تقريباً مع انطلاق فكرة السوق الأوروبية المشتركة التي تحولت منذ عقدين باتجاه الوحدة الأوروبية. وفي الوقت الذي فشلت فيه تجاربنا الوحدوية وفشلنا في صوغها وتحديد مقوماتها وكذلك في صيانتها وحمايتها وعُمِلَ على إفشالنا، وفشلت إلى الآن مساعي إنشاء السوق العربية المشتركة، كانت تجاربُ العالم من حولنا تتقدم نحو النجاح بطريقة واثقة بالاستناد إلى تعظيم الاستفادة من تجارب الواقع التي كانت تحرص على الاحتكام إلى العقل ومنطق المصالح المشتركة واحترام رأي الشعوب في الحفاظ على الاستقلال والسيادة وكذلك في ضمان السعي الدائم إلى تحويل الأخطاء والترديات إلى فرص مستجدة لتحقيق التغيير والتلاؤم المستمر والمطلوب مع حركة العالم.
السادة الكرام،
لقد سبق لي أنْ قلتُ في أكثر من مناسبة وأريدُ أن أكرر المقولة اليوم وأعتقدُ جازماً بأني لستُ وحيداً في هذه النظرة وهي أنّ تجربة الدول الأوروبية يمكن أن تكونَ درساً نستخلصه ونبني عليه. إنّ الدول والشعوب الأوروبية المتفرقة في اللسان، والمتباعدة في الأعراق والمتحاربة على مدى قرون، والتي فصلت بينها أنهارٌ من الدماء والعداوات وجدت لنفسها طريقاً أفْضى الى التكامل والتلاؤم والتطور على قاعدة من المبادئ والقيم المشتركة. فكيف بنا، نحن أصحاب اللغة الواحدة والتاريخ الواحد والثقافة الغنية ذات الينابيع المتقاربة والتراث المتداخل. ولذلك ما استطعنا أن نتقدم خطوةً ناجحةً الى الأمام. ولا يرجع ذلك للصراع على السلطة وَخَور العزائم فقط، بل ولما جرى ويجري من حولنا وبداخلنا لإشعال الفتن الطائفية والمذهبية والجهوية، واذا ما حصل تقدمٌ في مجالٍ ما، نجد بعد حين أننا تخلينا عن الذي أنجزناه وعُدْنا ثانيةً الى التراجع والى اليأس والإحباط والتشرذم وأحياناً إلى التقاتل.
أيها السيدات السادة،
لقد أدّى بنا تراكُمُ الفشل العربي على أكثر من مستوى إلى اليأس والإحْباط، وبالتالي إلى التقاعس والتواكل والاستسلام للتعرض للعدوان علينا من المتطرفين، ومن الجوار الإقليمي. كذلك فقد قادنا هذا الفشل إلى التشرذم والتناحر والوقوع في براثن الفتنة الطائفية والمذهبية.
إنّ ما سمي بالربيع العربي هو في جوهر حقيقته روح جديدة تسري في جسد الأمة تعبئها وتستنهضها الرغبة في التغيير نحو الأفضل والثورة على الظلم السياسي والاجتماعي والحقيقة انّ ما تشهده بعض بلدان الربيع العربي من مآسٍ واشكالات هي من جهةٍ أولى رد فعل أهل الخريف العربي على أهل الربيع العربي وإمعانهم في استعمال العنف من جهة أولى ومراهقة أهل الربيع العربي وعدم نضجهم وتشرذمهم من جهة ثانية. وهي راجعةٌ في أحيانٍ كثيرةٍ الى تغليب التناقضات الثانوية على التناقضات الاساسية. وكذلك في استسلامنا جميعاً لفتن من يضمرون الشر لنا ولأمتنا ويمعنون في تمزيق الصف العربي وتفريخ منظمات إرهابية لا هَمَّ لها إلاّ إلهاب الاقتتال الداخلي من جهة ثالثة.
المشكلة هنا أيها السيدات والسادة أننا تناسَينا أنّ الفرادة والمبادرة ماتزالُ موجودةً وأن ما يجمع العرب أكبر بكثير مما يفترقون عليه وان النجاح مازال ممكناً، وأنّ النجاح يمكنُ أن نستولدَهُ من رَحِمِ الفشل، وأن التألق يمكن أن يحصُلَ من عتمة الظلام، وأنّ الريادةَ العربيةَ ممكنة التحقق.
لذلك، فإنّه لا يجوز لإيماننا أن يضعف ولقناعتنا أن تتراجع عن الاعتقاد بأنه لا بد لهذا الليل المدلهم من نهاية، وبالتالي لا بد من قيامة جديدة لينبلج معها نور الشمس وتنحسر معها قوى التشرذم والفرز الطائفي والمذهبي وتعود العروبة المستنيرة القائمة على الانتماء الكبير والعريق والجامع والمصالح المشتركة التي تشكل عماداً ناظماً للعمل العربي المشترك.
لقد علمتْنا التجارُب، تجاربُنا وتجاربُ الشعوب من حولنا، أنه وحده المواطن الحر في النظام القائم على الحرية والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية هو الضمانة. وعلى ذلك لن يستطيع العرب التقدم الى الأمام من دون اعتماد مبدأ التداول السلمي للسلطة دستوراً وقانوناً ومنهجاً، واعتماد أنظمة فصل السلطات، وحماية الحريات الأساسية، وإفساح المجال أمام المشاركة الكاملة للمواطنين من خلال دولة المؤسسات الخاضعة للمراقبة والمحاسبة. بهذه الأدوات وحدها يمكن أن نخطَّ طريقَنا نحو التقدم ونحو التكامل على قاعدة رفض العودة إلى تجربة الأنظمة الاستبدادية ورفْض السماح بسيطرة التطرف والتعصب وفكرة إلْغاء الآخر من جهةٍ أُولى- وفهم واستيعاب فكرة إعلاء شأن المصالح الاقتصادية المشتركة من جهة ثانية وذلك بما يعود بالخير على مجتمعاتنا العربية ويُسهمُ في تعزيز مستوى عيشها ونوعية هذا العيش.
انه في ضوء ذلك تبرز أهمية التبصر فيما نواجهه من تهديدات ومخاطر توصلاً الى اعتماد السياسات والاساليب التي تقدرنا على النجاح في هذه المواجهة.
ايها السادة،
نحن محاصرون اليوم بين أربعة تهديداتٍ أو مخاطر هي: عنف أنظمة الاستبداد والطغيان، والتطرف والعنف المتصاعدان، والاستعمار الإسرائيلي، والاختراق الايراني.
إنّ مشروعات الشرق الأوسط كلّها الجديد منها والقديم هي مشروعاتٌ استراتيجية. وهي جميعاً تعتبر العرب طرفاً متضمَّناً أو تابعاً. في حين أنّ المشروع العربي الجامع وحده هو الذي يخرجنا ليس من الاختراق والتفكك فقط، بل ويضعنا في أفق المشاركة القوية في مستقبل المنطقة والعالم. هناك حقيقة راسخة أن هناك تلازماً بين الإصلاح السياسي والاقتصادي من جهة والإصلاح الديني والاجتماعي والتعليمي من جهةٍ ثانية. ولذلك أرى أنه ينبغي علينا التأكيدُ على الخطوط الكبرى لما يمكن أن يُعتبر مشروعاً عربياً في العقد القادم، وهي الآتية:
أولاً:الاندفاع باتجاه إقامة أنظمةٍ للحكم الصالح والرشيد، أنظمة تعمل على قواعد المشاركة والتنمية والإصلاح.
ثانياً:الاندفاع باتجاه نهوضٍ وإصلاحٍ حقيقي في التفكير الديني والخطاب الديني، بما يشجع على التفكير النقدي الباحث عن المعرفة والمحفِّز على إعادة بناء المؤسسات الدينية لتقومَ بمهماتها في مواجهة التشدد والتطرف، والخروج من أوهام الدولة الدينية، والنظام الكامل والمعصوم. الحقيقة أنه لولا أنظمة الطغيان، لما تراكض الشبان باتجاه أحلام الدولة الدينية والإسلامية أو الخلافة القاتلة! فكما علينا أن نتصدى للاحتلال والاستبداد والتسلط والعبث الاجنبي بشؤوننا العربية، فإنّ علينا أن نعمل على إصلاح مناهج التعليم، وإصلاح مؤسساتنا الدينية وأن نعزز قيم المواطنة والعدالة والحرية والتسامح بما يسهم في إقامة الدولة المدنية، ويحقق التطور والازدهار لاقتصاداتنا ولمجتمعاتنا وينمِّي فيها قيمَ المسؤولية وأخلاق الإنصاف والأمانة للوطن والأمة.
ثالثاً:الاندفاع باتجاه التكامل العربي بين قادة إصلاحيين ومستنيرين، يعملون على تحقيق طموحات شعوبهم وأمتهم. لنتأملْ المشهدَ الآن حيث تُخَرَّبُ أربعُ دولٍ عربية وتتفكَّك، وليس هناك من العرب من يتدخل لإيقاف هذا الهول الهائل، وهذا كله ليس لغياب الإرادة فقط، بل ولغياب القدرة. فالتكامل ليس اقتصادياً فقط، بل هو أمنيٌّ وعسكري واستراتيجي كما هو علمي وثقافي واجتماعي. فأمام المشهد المهول باليمن اقترَحتُ في مقالة مشتركة مع السيد عمرو موسى قبل ثلاثة أسابيع، من ضمن اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ولمواجهة المشكلة المستجدة ببرّ البلاد وحدودها وبحرها لجهة باب المندب والبحر الاحمر، تشكيلَ قوة عسكرية عربية للحفاظ على الأمن العربي في وجه التدخلات.
لقد استطاع مجلس التعاون الخليجي في العامين 2011 و2012 وبسبب وحدة الموقف فيه التي جرى التأكيد عليها مؤخراً القيام بعدة مبادرات وتحركات من أجل فلسطين ولاستعادة الاستقرار في البحرين واليمن وسوريا. لكنّ تلك الخطوات والمبادرات تباطأت أو تعطلت بعدها بسبب الخلافات. لذلك نحن مسرورون لقمة الرياض، ونعلّق أملاً على قمة الدوحة. فالتكامل العربي، وفي الحدّ الأدنى التنسيق العربي لا يصون الأمن الخارجي وحسب، بل إنه يصون الأمن والاستقرار بالدواخل العربية أيضاً.
أيها السيدات والسادة،
في العام 2010 وفي القمة العربية المنعقدة بمدينة سِرت الليبية، تحدث الامير سعود الفيصل عن الخواء الاستراتيجي العربي. وهو خواءٌ كان موجوداً قبل أهوال السنوات الأربع الماضية: فأين نحن اليوم في ظلِّ التهديدات المتفاقمة ومنها المزيد من مخاطر التقسيم والتفتيت وانهيار دول وقيام أخرى ذات لون طائفي أو مذهبي واحد يهدف إلى الغاء التنوع في بعض المجتمعات العربية التي انفجرت فيها الصراعات. كيف لنا ان نتحاشى الانهيار وكيف لنا ان نستنهض مجتمعاتنا العربية بما يمكنها من العمل من أجل التكامل العربي ومن أجل إقدارها على المواجهة وكيف لنا ان نُثَبِّتَ الصخرة التي يمكن ان نربط فيها مرساتنا العربية. الحقيقة انه وفي ضوء تعاظم المخاطر المحدقة بأوطاننا وبأمتنا فإننا أشد ما نكون حاجة إلى تحقيق نجاح يستطيع ان يسهم في انتشال شعوبنا العربية من وهدة اليأس والاحباط يمكننا من استنهاض روح الأمة وقدراتها وعلى هذا ينبغي أن تنصب وتتضافر لتحقيقه كل جهود الأمة.
وفي هذا الصدد، فإني أقترح ان يخلص هذا المؤتمر الى فكرتين لعمل منتج في مواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بأمتنا وبعالمنا العربي.
1- إنشاء فريق عمل يتولى من جهة أولى العمل على تحريك مبادرة السلام العربية الخاصة بالقضية الفلسطينية بما في ذلك وضع آليات محددة لحراك عربي وموقف عربي موحّد حول هذه المبادرة.
ومن جهة ثانية العمل على الترويح لفكرة التكامل العربي في العديد من الجوانب وللمباشرة في التدرج نحو تنفيذها.
2- تشكيل لجنة "حكماء عرب" تكون مهمتها العمل على تفعيل هذين الاقتراحين بالتواصل والتنسيق مع المسؤولين العرب للإقناع ولمتابعة التنفيذ.
السادة الكرام،
عاش التكامل العربي الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي هدفاً نبيلاً من أجل صَون الذات والحضور في المنطقة ومع العالَم. إنَّ قيام المشرق العربي والمغرب العربي، والخليج العربي، في تكتلٍ منسَّق ضرورةٌ تقتضيها المصالح والمطامح والآمال، بل يقتضيها الوجود!
وإنني لأرجو أن ينعقد مؤتمركم المقبل، المؤتمر الرابع عشر، وقد تخلصنا من العثرات العربية الحالية وتقدمنا خطوات نحو الحلّ الشامل والعادل للقضية الفلسطينية وللتقدم 4على مسار التكامل العربي الذي لابد منه من أجل صَون الدول والمصالح.
عشتم وعاشت مؤسسة الفكر العربي والقيمون عليها بهذا النشاط والحيوية المتدفقة والمفيدة.
وشكراً لكم والى اللقاء.
